الخميس، 19 يوليو، 2012

التعليم عن بُعد الآثار الاجتماعية والتحديات


التعليم عن بُعد

الآثار الاجتماعية والتحديات


                                                                                                               أ.أحمد هاشم- جامعة السودان المفتوحة

التعليم هو أداة المجتمع الفاعلة الحاسمة في التطور والازدهار، ومن البدهى أن بناء المجتمع تكتنفه عوامل وأبعاد شتى تتمثل في الأبعاد الاقتصادية والثقافية والإعلامية والبيئية والنفسية والسياسية.وفي عصرنا الحاضر تجلى عامل التكنولوجيا بدرجة طاغية،وتكاد تكون التربية بمعناها الواسع،والتعليم بصفة خاصة الركن الركين فيها وعمودها ومحورها الرئيس يمثلان القاسم المشترك الأعظم  في كل العوامل المؤثرة على رقي المجتمع، سيما إذا كان تعليماً جماهيريا واسع الانتشار، له من الإمكانات والقدرات التى تؤهله للتغلل والانسياب والشيوع في كل فئات المجتمع وطبقاته ومساحاته دون عائق يذكر مثل نظام التعليم عن بعد أو التعليم المفتوح،لذا تطرقت الورقة إلى كل هذه العوامل ووضحت مدى تفعيل التعليم وآثاره الإيجابية في تطوير المجتمع ،بل هيمنته التامة في تكييف المجتمعات والإرتقاء بها مما يجعل مرد التقدم والازدهار الاجتماعي كله إلى التعليم بالدرجة الأولى.
وتناولت هذه الورقة هذه الآثار الإيجابية في مختلف الأبعاد الاجتماعية في الترتيب الآتى:
أولاً:-البعد الاقتصادي باعتباره من أكثر الأبعاد أثراً وأهمية في تنمية وتطوير المجتمع وتطرقت فيه للآتي:-
         علاقة التخطيط الاقتصادي بالتخطيط التربوي
         التعليم والمردود الاقتصادي.
         إعداد القوى العاملة.
         الحراك أو الإرتقاء الاجتماعي
         النماء في دخل الفرد والدخل القومي
         تكوين مجتمع الإدخار.
         ظهور اقتصاديات التعليم من أحدث العلوم التي تبحث فى أثر التعليم الرافع للاقتصاد وعلاقته بالاقتصاد.
ثانياً:-البعد الثقاقي:
         أهمية الثقافة في تشكيل هوية المجتمع.
         الانسجام الثقافى.
         أهمية الانسجام الثقافي في:
              * السلامة النفسية   * التعاون والتعاضد.           * الأمن والاستقرار الاجتماعي.
              * الوحدة الوطنية                            * الإبداع والنماء والإنتاج.
ثالثاً:-البعد التربوي ويشمل:-
(1)         استئصال الطبقية التربوية.
(2)         الانتقاء التربوي.
(3)         محو الأمية
(4)         إعداد تدريب المعلمين
(5)         المعاقون
(6)         تعليم المرأة.
(7)         ترميم صوغ المجتمع.
رابعاً:-البعد الإعلامي:-
(1)         دور الإعلام المتعاظم.
(2)         النضج الإعلامي بما يسهم في البناء الداخلي ومواجهة الغزو الثقافي والفكري.
خامساً:-البعد التكنولوجي:-
(1)               أهمية التكنولوجيا ودرها الطاغي في عالم اليوم.
(2)               النهوض بواجب التربية التكنولوجية.
(3)               مواكبة عالم اليوم ومقابلة الفجوة التكنولوجية.
(4)               المحافظة على القيم والمعانى الإنسانية في غمار السيل التكنولوجي العارم.
سادساً البعد البيئي:
(3)         أهمية البيئة في تطور وتقدم المجتمع.
(4)         إتاحة برامج متقدمة في علوم البيئة والمحافظة عليها.
(5)         تطويع هذه العلوم في استغلال البيئة بالدرجة المثلى.
(6)         نشر الوعي البيئي.
سابعاً البعد السياسي:
(7)         تكوين الوعي والنضج السياسي.
(8)         استئصال الامراض السياسية المتفشية في الدول النامية.
(9)         السياسة كأداة للعمران والبناء وليس للهدم والاحتراب والتدمير.
ثامناً البعد المعنوي:
(1)         استئصال الامراض النفسية الاجتماعية المتفشية.
(2)         النضج الانفعالي والنفسي الاجتماعي للأفراد.
(3)         قوة العوامل النفسية في البناء والعمران.
      ووصفت دور التعليم عن بعد في كل تلك الأبعاد،ومدى قدرته على الإرتقاء بهذه الأبعاد حتى تتكامل في نهضة المجتمع على أسس راسخة،وفي ازدهاره إلى أقصى مايمكن وكشفت عن مدى قدرته على اختصار الجهود والزمن في بلوغ الأهداف المرجوة.
      ثم تناولت الورقة معيقات وتحديات التعليم عن بعد في نقاط موجزة ووضحت أهم هذه العوائق،مع بعض الملاحظات على تجربة جامعة السودان المفتوحة في الفترة السابقة المحدودة من واقع تجربتى كمدير لمركز الخرطوم.
تقدمة:
        التعليم عن بعد مفهوم حديث ومصطلح تربوي جديد إلى حد ما إنبلج في عالمنا المعاصر بقوة في النصف الثاني من القرن المنصرم ويعد هذا النظام الجديد تطوراً طبيعياً لسنة "التغيُّر والتغيير" التي بثها الله تعالى في الكون والحياة وكرم الإنسان لئن يكون قطب الرحى فيها ويحدث التغيير المناسب المقابل لما يطرأ على الحياة من تغيير وبذلك جعله خليفةً في أرضه، وقائداً ورباناً لمسيرة العمران المعنوي والمادي في الأرض.
        قال تعالى " وإذ قال ربك للملاكة إنى جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويشفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالاتعلمون* وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين* قالوا سبحانك لاعلم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم" الآيات 30-32 البقرة.
        بيد أن الكثير يرون فيه نظاماً جديداً،وتطبيقاً أكثر تقدماً وحداثة وممارسة قديمة منذ منتصف القرن الثامن عشر تمثلت في التعليم بالمراسلة،فهو تجويد من القديم لمقابلة معطيات العصر الحديث.
        انبعث التعليم عن بُعد من جديد استجابة وتلبية للتغيرات العظيمة الداهمة التي داهمت العالم أجمع بعد الحرب العالمية الثانية التي تمخضت عنها أزمات متعددة الوجوه أبرزها وأهمها "أزمة التعليم" فالاستقرار النسبي بعد الحرب والتقدم في الخدمات الصحية ومحاربة الأوبئة من قبل الحكومات والهيئات العالمية ترتب عليه تفاقماً في أعداد المواليد بمتوالية هندسية – سيما البلدان النامية- والغالبية من هؤلاء في سن التعليم وبدأ الإقبال المتعاظم على التعليم بلا كلل وأضحى ضرورة حياتية، والتالى يعرض أبرز مافى هذه الأزمات وفي مقدمتها أزمة التعليم:
·         التضخم السكاني.
·         الطلب المتفاقم على التعليم في كل مراحله والتعليم الجامعي بصورة واضحة.
·         التدهور الاقتصادى والتخلف في القدرات على تنمية الموارد.
·         التكلفة الباهظة للتعليم التقليدى المتمثل في بناء المدارس والتأثيث والتجهيز ومتابعة ذلك.
·         وأعظم وأهم في التكلفة هو يتمثل في تأهيل وإعداد وتدريب للمعلمين،ولتطور بناء المنهاج ورصد الوسائل والأساليب بما يقابل التطور المتلاقح فى المجالات العلمية والتعليمية.
·         النقص الهائل في أعداد المعلمين المؤهلين وفي القدرة على تدريبهم.
·           الانفجار المعرفي والسيل المعلوماتي الذي فاق كل تصور وتجاوز كل مبالغة مما زاد الأمر تعقيداً وصعوبة فقد ترتب على هذه المسلمة ضرورة التطوير الدائب في كل مجريات ومجالات الحياة، وبصفة خاصة في ميدان التعليم الواسع والمتشعب في مساراته ومساقاته وتخصصاته واقتضى كل ذلك أيضاً تطوير المناهج والطرائق والأساليب والوسائل والإدارة لكل ذلك وتقويمه،وفي تأهيل المعلم وتدريبه وإعادة تدريبه بصفة مستمرة،وكل ذلك بحاجة إلى نفقات باهظة للغاية تنوء بحملها الدول الغنية المتقدمة فضلاًَ عن الدول النامية، وقد ذكرت تقارير اليونسكو أن بعض الدول النامية تصرف ربع دخلها على التعليم تقريباً وفق النظام التلقليدي دون طائل أو جدوى لبلوغ الأهداف.
أما التدريب فحدث ولاحرج فهناك أعداداً ضخمة من المعلمين – خاصة في الدول النامية غير مدربين وعلى سبيل المثال فإن في السودان ما يقارب المائة والعشرون ألفاً من معلمي مرحلة الأساس بحاجة إلى التدريب ،علماً بأن التدريب أضحى مطلباً جوهرياً في هذا العصر عصر المعلومات المهوولة كماً وكيفاً، والتدفق في الخبرات التعليمية الواسعة بلا حدود، وابتكار الطرائق والأساليب والوسائل المتجددة بلا هوادة.مما تمخض عنه عجز أساليب التدريب التقليدى بسبب تكاليف هذا النظام من التدريب المنهك عن الإيفاء بمتطلبات التدريب كماً وكيفاً أو بعبارة أخرى تكاليفه المنهكة للغاية ونتاجه القليل المحدود.
وفي دائرة التعليم الجامعي تشير التنبؤات الإحصائية إلى أن أعداد الطلبة المتوقع تسجيلهم في المرحلة الجامعية وفي مجموع الدول العربية في سنة 2000م ستبلغ حوالى "602 مليون طالب" "اليونسكو 1985" ويترتب على ذلك توفير أعداد ضخمة من أعضاء هيئة التدريس تقدر بمئات الألاف.
أما في السودان فتشير الإحصاءات إلى أن أعداد الطلاب الجالسين لامتحان الشهادة السودانية في العام 2010/2011 سيرتفع إلى ما يقارب المليون طالب تقريباً ويتوقع أن ينجح ما يربو على السبعمائة ألف من هذا العدد، مع أن العدد المخطط لقبولهم بمؤسسات التعليم العالى سيرتفع إلى ثلاثمائة وخمسين ألفاً على أفضل تقدير،وعليه فإن نصف الناجحين سوف يلاقون مصيراً مجهولاً،وإذا نظرنا إلى العدد الكلى فإن حوالى سبعمائة ألف طالب إذا لم يجدوا لهم حلاً مقبولاً فإن ذلك يُعد هدراً حقيقياً للثروة البشرية من فئة الشباب وخسراناً مبيناً للأمة،مع ملاحظة تزايد نفقات وتكاليف التعليم العالي سنة بعد أخرىوقد تجاوزت المليارات في غضون سنوات،وعلى الرغم من التوسع الضخم في مؤسسات التعليم العالى الحكومية والخاصة إلا أن التكلفة في تصاعد مستمر بسبب تزايد الطلب على التعليم العالى،ونفقات التأثيث والتجهيز،وإعداد الأستاذ الجامعى.....الخ.
وفي ضؤ ما تقدم فإن مقابلة كل ذلك في إطار المؤسسات والجامعات التقليدية سيكون أمراً مستحيلاً ،ولاقبل للسودان بل الوطن العربي ككل بتوفيره.
إزاء ذلك خلصت الابحاث والدراسات والآراء في ميدان التربية عبر العالم، وأجمعت على أن الحل في مقابل هذه الأزمة المتفاقمة يتمثل في الاتجاه الحثيث نحو نظام التعليم عن بعد سيما في مرحلة التعليم الجامعى بما تنضوى عليه من تكاليف تفوق كل تصور وتوقع.وقد لخصت هيئة اليةنسكو كل ذلك في التقرير: "بأنه دون اللجؤ إلى التعليم عن بعد ستعجز البلاد العربية عن توفير فرص التعليم العالى للملايين من المؤهلين له،وتهدر بالتالى جزءاً كبيراً من ثرواتها البشرية" "من وثائق اليونسكو 1995".
وانطلاقاً من الأهمية القصوى لهذا النظام، وإجماع العالم تقريباً على استراتيجيته ونجاعته قي التصدى لمشكلات التعليم المتجددة، والمتعددة الوجوه يجدر بنا أن نقف عنده قليلاً لكى نحلل فحواه ونبين ماهيته.
مفهوم أو ماهية التعليم عن بعد:
            التعليم عن بعد نظام ينطلق من مبدأ نقل وإيصال التعليم إلى المتعلم، أياً كان مكانه وموقعه متجاوزاً بذلك كثيراً من قيود وعوائق المكان والزمان، التي تعد من طبيعة النظام التعليم المتعارف عليه والمسمى بالوجاهى أوالحضورى، وهو التعليم المعهود في الجامعات والمؤسسات والمعاهد العليا المقيمة، والكثير يطلق عليه مسمى النظام التقليدى للتعبير عن مدى تمسكه بشروط وقيود ومواصفات أصبحت من سماته الأساسية لايطرأ عليها كبير تعديل من حيث الجوهر لفترات طويلة ،ولاتعنى التقليدية التخلف في الأهداف أو المادة التعليمية أو طرائق التقويم....الخ،أنه نظام مواكب ويسعى للتطوير الدائب بما يوافق المعطيات لكنه يسرد فيه تقاليد عريقة استمرت طويلاً تجعله يختلف عن هذا النظام الجديد،والتعليم عن بعد فهو يعبر عن نظام آخر حديث ومعاصروأكثر تلبيةً لمستجدات الواقع والعصر.
            ونستعرض فيما يلي تعريفات علماء التعليم عن بعد لنقف على حقيقته وأبعاده وفق منهجية وفلسفة تختلف تماماً عن أنماط التعليم المعهودة التى عرفها الناس لعهود طويلة فهو أكثر خدمة ومعاصرة:
هولمبرج "Holmberg":
            يُعرفه بأنه حوار بين المعلم والطالب اللذين لايتواصلان مباشرة ويُتاح هذا التعليم في أي مكان يوجد فيه الطالب ويتميز بأن مسؤولية التعلم تلقى على الطالب.كما يتميز باستخدامه وسائط تعليمية متعددة وبمراعاته لنسق التعلّم لدى المتعلم.
1. جريفل رمب "Grille Rumbe "
 يورد رمب بعض ملامحه الأكثر حداثة في التالى:
·         في أي عملية للتعليم عن بعد ينبغى أن يكون هناك طالب ومقرر ومعلم قادر على تعليمه.
·         التعليم عن بعد هو طريقة للتربية يكون فيها المتعلم بعيداً عن المعلم ويمكن أن يتم التعليم على عاتق المتعلم باستخدام أنماط عديدة بما فيها التعليم وجهاً لوجه.
·         في التعليم عن بعد يكون المتعلمون مفصولين عن المؤسسة التي تقدم التعليم عن بعد.
2. فخرالدين القلا "1995"
        التعليم عن بعد هو سمة التعلّم في المستقبل يَسَرته التطورات التقنية، ودعمته القيم الاجتماعية في اتاحة حق التعليم للجميع، وليس لنا خيار سوى تبنى هذا النمط من التعلم على أن تصاغ مواده التعليمية بلغتنا العربية، وتنفذ بتعاون فريق من مفكرينا لانتاج برامج قادرة على المنافسة العالمية تنقلنا حضارياً من التخلف الذي نعانيه لنساير ركب حضارة المعلومات سريعة التقدم حتى نسهم بالحضارة الإنسانية ونحافظ في الوقت نفسه على أصالتنا ووجودنا.
3. عبدالحافظ سلامة:
        إن التعليم عن بعد في الوقت الحاضر ظاهرة واسعة الانتشار تتكيف مع التكنولوجيا، ولعل من الأسباب الاساسية التي أدت إلى انتشار هذه الظاهرة ذلك التقدم الهائل في التكنولوجيا بالإضافة إلى زيادة الطلب على التعليم وقد نما التعليم عن بعد وترعرع لأنه أثبت أنه متعدد الاستعمالات، فهو يسد مجموعة واسعة من الاحتياجات التعليمية بدءاً من برامج محو الأمية وحتى التعليم الجامعي والتعلم مدى الحياة، ويرتبط مستقبل التعليم عن بعد في الوقت الحاضر ارتباطاً وثيقاً بالتطور التكنولوجي الحاضر وتكنولوجيا المعلومات،التعليم عن بعد مصطلح يتضمن عدداً كبيراً من استرتيجيات التعليم والتعلّم والتي منها الدراسة عن بعد، والدراسة المستقلة في مستوى التعليم العالى.
4. دانيل ومورغيوس "Daniel & Marquis :1979":
        أن من أولويات التعليم عن بعد احترام حرية استقلالية المتعلمين.
5. ريس "Race:1986"
        يرى أن نجاح التعليم عن بعد يعتمد على كفاية امكانياته وأهدافه وطريقته والوسائط الموجودة.
6. دوهمن"Dohmen":
        التعليم عن بعد شكل من أشكال الدراسة الذاتية المنظمة يقوم فيها فريق من المربين بعمليات إرشاد الطلبة وتقديم المواد التعليمية لهم وتأمين ومراقبة نجاحهم ويتم ذلك عن بعد عن طريق وسائط يمكنها تغطية مسافات طويلة ويركز هذا التعريف على وجود مؤسسة لتنظيم الخدمات التربوية وعلى الوسائط والفصل بين المعلمين والطلبة.
7. تعريف اليونسكو "UNESCO":
        التعليم عن بعد يعرف على أنه الاستخدام للوسائط المطبوعة وغيرها وهذه الوسائط يجب أن تكون معدة إعداداً جيداً من أجل جسر الانفصال بين المتعلمين والمعلمين وتوفير الدعم للمتعلمين في دراستهم ويؤكد هذا التعريف على استخدام الوسائط التعليمية في التعليم عن بعد ويعتبرها الوسيلة الرئيسة لتحقيق التواصل بين المعلمين والمتعلمين وتعزيز تعلمهم.
8. أما عبدالعظيم الفرجانى ومعظم العلماء يستعرضون أهم الملامح والخصائص التي تميز هذا النظام عن غيره على اعتبار أنه لايوجد تعريف جامع مانع له نسبة لاتساع هذا النظام وتمدده واشتماله على انماط عديدة وأساليب متنوعة،ولو استعرضنا التعاريف السابقة وغيرها نجد كلاً منها قد ركز على جانب دون الآخر وعليه فلابد من الكشف عن مواصفاته وخصائصه بما يجمع بين هذه التعريفات المتفرقة وهذا ماذهب إليه "كيغان Keegan" أحد أبرز علماء التعليم عن بعد ويتمثل ذلك في التالى:
1.      الفصل بين المعلم والمتعلم.
2.      الدور المهم والضروري للغاية في وجود مؤسسة تضطلع بمهام التنظيم التربوي من تخطيط إدارة وتصميم وإنتاج للمواد التعليمية والرعاية للدارسين.
3.      استخدام الوسائط المتعددة - المطبوعة والمسموعة والمرئية والمحوسبة- وكل مخرجات تكنولوجيا التعليم والاتصال في ردم الهوة وتجسير الانفصال ونشرالمحتوى التعليمي وذلك بهدف إقامة الاتصال والتواصل بين المعلم "أو كما يطلق عليه المشرف أو الموجه للتعبير عن دوره الجديد المتميز" كقطب والمتعلم القطب الآخر والأهم.
4.      توفير اتصال مزدوج الإتجاه بين المؤسسة من جهة والمتعلم من جهة أخرى.
5.      تعليم الدراسين على أساس فردى وليس وفق الأسلوب الجماعي كما هو الحال في التعليم التقليدى وذلك لأن التعليم عن بعد يقوم على نهج "التعلُّم الذاتي" الهادف إلى تغرير التعليم وتحمل المتعلم الجانب الأعظم من مسؤلية تعلمه وتقدمه ونجاحه.
6.      يتميز هذا النظام من التعليم بالبعد الصناعي فيه وبوضوح كما يرى "بيترزPeters" أحد أشهر العلماء الألمان في التعليم عن بعد، ويتمثل ذلك فى إنتاج الوسائط والمواد التعليمية بكميات ضخمة جداً قد تصل إلى مئات الآلاف أو الملايين في بعض الجامعات لسد حاجة الأعداد الهائلة من الدارسين، ثم وجود قطاعات واسعة وفئات كبيرة متخصصة في خدمة الدارسين، فهناك مثلاً معدى المادة ثم مصممى المادة على المستوى التعليمي وغير ذلك من معدى ومخرجى المواد التعليمية المذاعة والمتلفزة بالإضافة إلى قطاعات أخرى من الإداريين والمشرفين.....الخ وأخيراً يتم تجميع كل ذلك الانتاج ويعاد توزيعه على الدارسين،ففى هذه الفعاليات والفئات تشابه إلى حد كبير بالمؤسسات الصناعية الضخمة، وخطوط الانتاج ودوائر الانتاج المتخصصة، ثم إعادة التجميع والتوزيع أضف إلى ذلك أن التعليم عن بعد يوظف أموالاً ضخمة جداً في البداية كرأسمال يؤسس بهمراحله الأولى وينهض بوظائفه وأدواره ويتمكن من الانطلاق،ثم تبدأ مراحل العائد والتعويض والربح وتدنى التكلفة مستقبلاً بعد تزايد أعداد الدارسين بأرقام ضخمة. فهو في ذلك يشابه ايضاً إلى حد كبير الصناعة التى تبذل أموالاً ضخمة في الاستثمار في البدء وفي مرحلة التأسيس.ثم تبدأ فى الكسب بعد التوسع فى الانتاج.
ويمكن أن نضيف إلى ما تقدم وكما نوهت العديد من المراجع بأن أوضح مايميز هذا النظام من التعليم اللون والعمق الاجتماعي الموفور فيه،فالتعليم عن بعد كرس أهدافه ومراميه على نشر وتعميم التعليم وجعله في متناول اليد لكل فئات المجتمع وأفراده دون تمييز أو تخصي، فهو تعليم متاح ومفتوح للفئات المستهدفة وغير المستهدفة بل بالأحرى كل المجتمع مستهدف في هذا النظام من التعليم من خلال مختلف الوسائل والوسائط المتنوعة والمتعددة خاصة وسائط الاتصال الجماهيرى -الإذاعة والتلفزيون- التى تصل إلى فئات المجتمع وأفراده أياً كان الموقع.
نخلص من النقاط آنفة الذكر أن التعليم عن بعد نظام يختلف كثيراً عن النظام الوجاهى أو الحضورى، وذلك في طرائقه وأساليبه ووسائطه وإن اتفق معه في الأهداف العامة التى تدور حول إعداد الأجيال وصياغة المجتمعات وفقاً لمعطيات الحياة الجديدة وترسيخ ثوابت المجتمع من القيم والمعنويات وثمرات التراث الوطنى.
إلا أن خصائص هذا النظام ومزاياه الفارقة تتمثّل في قدرته على التخلص عن الكثير من الأعباء المادية مثل المبانى والتأثيث والتجهيزات والمعدات ومن الأساتذة وعدد كبير من الأخصائيين والفنيين الموظفين بصفة دائمة، وذلك  لاعتماده على التعاون في هذا الإطار مع المؤسسات المقيمة،فالمجتمع قد اقام مؤسسات ومعامل وصروح علمية موثوق بها بما فيه الكفاية ،أضف إلى ذلك يمكن الاستفادة من الكادر البشرى المتوفر إلى أقصى حد ممكن وتفعيل هذه الطاقة لإبراز إمكانات وإبداعات علمية بصورة جديدة، ووفق أساليب ونظم ذات أبعاد ووجوه مغايرة بما يثرى القدرات ويفتح آفاقاً علمية رحبة لهؤلاء الأساتذة مع هذا النظام الجديد بممارساته العلمية المختلفة،كما أن إستغلال مؤسسات التعليم العالي من أعداد ضخمة من الدارسين يعد خدمة اجتماعية واسعة تعبر عن الوجهة الاجتماعية لهذا النظام.
ومن ذلك ينكشف لنا كيف يقلل التعليم عن بعد ويخفف كثيراً من النفقات المادية الضخمة التى تحتاجها الجامعات المقيمة،وهذا التخفيف ينعكس مباشرة على الدارسين والاسر والفئات الفقيرة والمتوسطة الحريصة على مواصلة التعليم حيث تقف الأعباء المادية المتفاقمة حائلاً دون بلوغ المرام، وهذا من أعظم الخدمات الاقتصاديةأو بالأحرى الاجتماعية التى يسديها التعليم عن بعد في بناء الانسان والمجتمع ككل والمجتمعات النامية في المقام الأول.
مفهوم التعليم عن بعد والتعليم المفتوح:
             قدمنا مفهوم التعليم عن بعد وأوضحنا صعوبة تحديد تعريف جامع مانع لهذا المجال الواسع المتعدد الأنماط والتطبيقات، ومن أنجح وأبرز التطبيقات في هذا الميدان التي كادت تطغى على مصطلح التعليم عن بعد هو التعليم المفتوح، وأضحى الكثير من العلماء والعاملين في هذا المجال يعتبرون هذه المسميات مترادفة والكثير منهم يعتقد أن المظلة العريضة هي التعليم عن بعد، وأن التعليم المفتوح ينضوى تحت هذه المظلة لكنه التطبيق الأوسع والأنجح إدارياً واقتصادياً وأكاديمياً، بل هو التطبيق الذي أعطى التعليم عن بعد أبعاده الحقيقية وأثبتت وجوده على الواقع وكشف عن ثمراته وجدواه.
وهناك رأي مغاير تماماً إذ يرى أن التعليم المفتوح هو الأصل وأن التعليم عن بعد هو فرع عنه فيذكر "فل ريس Phil Race 1994 ،تكنولوجيا التعليم المفتوح ص 27" : أكد أن التعليم عن بعد مجموعة فرعية من التعليم المفتوح.
             وقد أكد ذلك أيضاً مؤتمر اليونسكو للاستشارات الدولية بشأن التعليم عن بعد 1991 حيث ورد أن أغلب التعليم العالى من بعد ليس تعليماً مفتوحاً وإن أكبر مؤسسات التعليم عن بعد موجودة من أجل زيادة عدد الأماكن الجامعية المخصصة للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين ثمانية عشر عاماً وأربعة وعشرين عاماً وهي تضع شروطاً للقبول تماثل الشروط التي يضعها التعليم العالى التقليدى "المصدر السابق 38".
             وتؤيد ذلك نجوى جمال الدين "1995" فترى أن التلعيم عن بعد يركز على كيفية الاتصال بالمتعلم أو الوصول إليه بينما يركز التعليم المفتوح على كيفية التعليم وأهدافه فى ضوء خصائص المتعلم وظروفه الخاصة واعتبرت التعليم عن بعد نظام فرعى من التعليم المفتوح "المصدر السابق38".
             وجاء أيضاً في معجم مصطلحات تكنولوجيا التعليم 1987م تعريف التعليم المفتوح : منظومة التعليم بأنها منظومة للتعليم تتيح للناس جميعاً التعليم،بغض النظر عن الشروط الرسمية للتعليم التقليدى ص 29
وبالنظر إلى هذه التعريفات نجد أن جامعة السودان المفتوحة هي أقرب إلى التعليم المفتوح وليس التعليم عن بعد وأن من أعظم مراميها وأقصى غاياتها هي بسط التعليم للجميع،وهذا المفهوم وهذه الفلسفة التي تقوم عليها الجامعة تجعلها جماهيرية بحق وحقيقة وتيسر عليها التفاعل التام مع كل قطاعات المجتمع والتغلل فيه وسد الثغرات والفراغات التعليمية التي تسبب خللاً عظيماً في المجتمعات النامية وتعيق حقاً وبشدة التنمية والإزدهار الاقتصادى والرقى الاجتماعي المنشود
التعليم عن بعد وأثره في تطوير المجتمع:
أولاً : الازدهار الاقتصادى:
             عند تناول الحديث عن آثار التعليم عن بعد في تطوير المجتمع ،لامناص لنا إلا أن نتطرق أولاً للبعد الاقتصادى بوصفه عاملاً رئيسياً وحاسماً في تركيب وبناء المجتمع وتكييف كينونته مظهراً ومخبراً بل تعد مكمن تقدمه أو تخلفه، قوته أو ضعفه، الاقتصاد أضحى اليوم المحرك الأول للدول وقطب الرحى الذي تدور عليه المجتمعات، وهذه حقيقة قديمة ومسلّمة عرفها الناس وأوفتها الشرائع حقها ومنزلتها فالمال شقيق الروح وعصب الحياة، ولكن الاقتصاد أخذ وضعاً مختلفاً جداً في عصرنا الحاضر وتشعب وتشابك وتعقد بدرجة تفوق الوصف وتجاوزت شبكاته وعلائقه القرى والمدن والدول والقارات، واشتملته العولمة اشتمالاً وأصبح نظاماً عالمياً إلى حد كبير فلم يعد بالإمكان لأي كيان أو دولة أن تكون بمنأى أو معزل عن حركة الاقتصاد العالمية.
             ولايخفى على أحد العلاقة الوثيقة جداً بين التعليم بنظمه ومجالاته المختلفة وبين الاقتصاد، بل إن العلاقة تكاد تكون متداخلة ومتشابكة تداخل العصب والعروق في الجسد، وأدرك العالم ذلك بوعي تام ودقيق وأضحت القاعدة الحاسمة والأساسية في التخطيط الاقتصادى في العالم المتقدم ومنذ الربع الأول من القرن المنصرم هي التخطيط التربوى، بل أضحى من الأولويات والبدهات التى لامراء فيها، ونرى الغالبة من أهل الاقتصاد بأن التخطيط الاقتصادى لايبلغ أهدافه ومراميه ولايستقيم عوده إلا اذا رافقه وداخله تخطيط للتربية يلبى حاجات الاقتصاد مما يدفع بنا أن نقف عند أمرين هامين:
·         التخطيط الاقتصادى والتخطيط التعليمي.
·         التعليم والمردود الاقتصادى.
مع التقدم الحضارى للبشرية إندثر المفهوم الذى سار عقوداً من الزمان بأن التعليم  قطاعاًً واسعاً من الخدمات والاستهلاك التى تقدمها الدولة للمجتمع دونما عائد حقيقى ويشكل عبئاً ضخماً لامردود له وخلاصة تقييمه أنه يُعد استهلاكاً للطاقات والموارد المالية توظيفاً لها.
             إلا أن    الأبحاث العلمية والدراسات الرصينة أثبتت أن التعليم ليس مجالاً خصباً للاستثمار وتوظيف الأموال بل هو أجدى وأنجح مجال للاستثمار دون المجالات قاطبة، بل وأسرعها عائداً من حيث الربح المادى والمعنوى للدول والمجتمعات.
يذكر الدكتور عبدالله عبدالدائم في كتابه "التخطيط التربوي":
            "وهكذا استبان للاقتصاديين شيئاً بعد شئ أن التخطيط إما أن يكون شاملاً كاملاً ،اقتصادياً واجتماعياً وبالتالى تربوياً معاً أو لايكون، وأن العنصر الهام في أي خطة اقتصادية هو العنصر البشري وأن أثمن رأسمال هو رأس المال البشري وأن رأس المال البشرى هذا هو أكثر روؤس الأموال عطاءاً وانتاجاً".
            فمن الدراسات العلمية الدقيقة والإحصاءات المرصودة على مدى سنوات أنكشف لأهل الاقتصاد والمال أن مردود الأموال التى توظف في التعليم يفوق المردود المستثمر في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة ،كما أنها تعوض في سنوات أقل بالمقارنة مغ غيرها إذ لايتجاوز ذلك حدود تسع إلى عشر سنوات بينما تعويض القروض في الميادين الاقتصادية الأخرى يمتد إلى فترة زمنية تتراوح بين 12 إلى 18 سنة.
وفي هذا المضمار قد تحدث مفاجآت توفق الخيال سيما الأموال التى توظف في مجال البحث العلمي فقد يتمخض عن ذلك ابتكارات واختراعات تضاعف المردود والأرباح لسنوات غير محدودة إلى أضعاف مضاعفة ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر أن مردود الأموال التي خصصت في الولايات المتحدة تستخدم لإجراء أبحاث على الذرة الهجينة بلغ حوالى 700% في كل سنة حسب تقديرات عام 1955م، ويكفى أن الولايات المتحدة تستخدم الذرة سلاحاً استراتيجياً في تطويع الشعوب وتمرير سياساتها إلى يومنا هذا وفي المستقبل كما ينبئ الواقع وهو سلاح يفوق كل الأسلحة الاستراتيجية الأخرى التي في حينها،فأنظر إلى المردود للأبحاث العلمية اقتصادياً واستراتيجياً وسياسياً.
            وأن الأموال التي وظفت في ما يطلق عليه بلدان النمور الآسيوية في أبحاث وصناعة الألكترونيات جعلت منها نموراً اقتصادية، ومن الأمثلة اللافتة جداً أن الأموال التي استثمرتها كوريا في مجال واحد هو مجال تكنولوجيا "L G" جعلها تربح أموالاً طائلة غير محدودة وتتفوق على اليابان في هذه الجزئية مع أن نهضتها الألكترونية نمت وترعرعت على فضلات اليابان، وفوق هذا وذاك المكانة الأدبية والشهرة العالمية التى نالتها كوريا من جراء تطوير هذه التقنية.
            وما من شك أن نظام التعليم عن بعد باستيعابه الضخم الهائل لفئات ناضجة ومتنوعة عركتها الحياة وتفتحت دونها خبرات شتى وألمت بالكثير فتشعبت بها الأهتمامات والطموحات فإن مثل هذا النظام التعليمي بتنوع دارسيه له إمكانية رفد المجتمع بأهل الابتكار والإبداع والبحاث وأصحاب الأهتمام غير التقليدى وأهل للتجارب الطويلة والعميقة، ومن جهة أخرى فإن نسب العباقرة والمبدعين وإن كانت ثابتة حسب الإحصاءات العلمية إلا أنها من البدهى تزيد بإزدياد القاعدة العامة فكلما كانت الأعداد عريضة زاد الكم، والأهم من ذلك أن هذا النظام من التعليم يتيح الفرصة ويساعد على كشف المواهب المغمورة التى لم يطولها النظام التقليدى القائم على فلسفة أن يؤتى وتشد إليه الرحال، بعكس التعليم عن بعد القائم على السعى إلى الناس والقدوم عليهم أينما كانوا، وفوق هذا وذاك فإن التعليم يعد حجر الزاوية في حيوية المجتمع والمحرك لكل نهضة حقيقية.
إعداد القوى العاملة:
            إعداد القوى العاملة في كل قطاع من قطاعات المجتمع وبناء الدولة يتحمل التعليم فيه العبء الأعظم، ومن البدهى أن مسوؤلية تأهيل أهل الاختصاص من مربين واقتصاديين ومحاسبين ومهندسين وكوادر إدارية وأطباء ثم الطبقة المتوسطة من الفنيين والحرفيين الذين يعتبرون حلقة الوصل بين الجامعيين والعمال..الخ، فإعداد كل الفئات المتقدمة تقع في المقام الأول على عاتق ميدان التربية والتعليم، ومن المعلوم أن هذه الفئات هي التى تدير عجلة الاقتصاد والأعمال وتدفع بحركة المجتمع، وبدونها ينعكس الوضع كثيراً وتتردى الأمة في مهاوى الفقر والتخلف والضعف.
            ولاغرو أن يكون معيار تقدم الأمم يقاس بما يتوفر لديها من طبقات متعلمة كافية في كل قطاع من القطاعات في كل المجالات أولها من العلماء والبحاث والمبدعين والسباقين في الكشف والاختراع ولذا عندما سبق الاتحاد السوفيتى الولايات المتحدة بإرسال رجل إلى الفضاء أصاب ذلك المؤسسات وأجهزة النظام والحكومة الأمريكية في كيدها، وأدىإلى إنزعاج مبالغ فيه في كل دوائر المجتمع وبعد مناقشة وتمحيص لهذا السبب انتهى بهم الأمر إلى أن الخلل يرجع إلى نظام التعليم، فأعادوا النظر في المناهج ككل وركزوا على مواد الطبيعة والرياضيات مما يشير ذلك بوضوح إلى أن الأمم المتقدمة تعّول على التعليم كل معول وترمى بكل ثقلها عليه،إذ أدركت سر التقدم والازدهار.
وإعداد القوى العاملة إنما يتم في مسارين هامين:
أولاً الإعداد والتأهيل.
ثناياً التدريب المستمر.
واليوم أضحى التأهيل والتدريب أعظم موؤنة وأمس حاجة من ذى قبل بل كا ما أصبح الصبح وانبثق يوم جديد، زادت الحاجة والضرورة لإعادة التأهيل والتدريب، وارتفعت تكاليف ذلك وها هي معطيات العصر تحمل في ثناياها تغييراً عاصفاً في كل لمحة ونفس مما أزعج الدول ودوائر البحث والمؤسسات العلمية في كيفية مقابلة هذا السيل العارم والكاسح والمتفاقم بالمعلومات، والخبرات والمعارف والنظريات التى تجعل من كل خبرة واختصاص ومهنة أمراً عفا عليه الدهر في فترة وجيزة، بل وأضحى تاريخاً للعلم والمعرفة في زمن قياسي فبالأمس كانت الخبرات والمعارف والمهارات تتجدد في عدة سنوات، واليوم أصبحت تتجدد في ساعات  أو دون ذلك مما فرض على الجميع دولاً وجماعات وأفراد فرضاً - لاسبيل لتفاديه- من تجديد معلوماته ومعارفه وخبراته ومهاراته عن طريق إعادة التأهيل
والتدريب وبصفة مستمرة ومتتابعة, وإلا فان أدنى تراخٍ يعني التخلف الأكيد عن الركب. ولذا يلهث العالم اجمع لتطوير أجهزة حاسوب اكبر سعة وقدرة على التخزين وأكثر ذكاءاً في المعالجة وأسرع في الاستدعاء لمقابلة هذا الكم الهائل من المعلومات والمعارف وانتهى العالم أيضاً إلى استراتيجيات ونظم جديدة لمواجهة كل ذلك منها:
  1. استراتيجية التعلُّم الذاتي وان يسعى كل الناس لتعليم أنفسهم بأنفسهم كل جديد حتى يمارسوا الحياة العصرية بكفاءة وحيوية، ولقد يسرت المجتمعات المتقدمة سبل ذلك التعلّم وادواته ووسائطه ومراكزه التي تملك الناس مهاراته وفنونه.
  2. التعليم المستمر أو التعليم مدى الحياة لان المتولدات والمتغيرات – كما ذكرنا آنفاً – لا تكف عن التدفق, ولكي تكون مؤهلاً وجاهزاً ومستعداً كل الاستعداد للتعلم مدى الحياة,  وهذه الاستراتيجية مترتبة على الأولى لان من يمتلك مهارات التعلم الذاتي يكون قادراً بسهولة على تعليم نفسه بنفسه كل ما جد طيلة حياته.
  3. التدريب المستمر فكل مؤسسات المجتمع بحاجة ماسة اليوم لتدريب العاملين في مختلف المهن والمجالات ليست مرة او مرتين بل مرات, وكل ما جدّ جديد حتى يتسنى لنا العيش وملاحقة العالم المتقدم ولو في حدود التشبه, فقد اورد د. نبيل على (ان اليابان تسبق كوريا بخمسين عاماً في مجال الالكترونيات والحاسوب) مع أنهما يعيشان في عصر واحد وعلى الرغم من الجهد والسبق الذي أحرزته كوريا في بعض مجالات الحاسوب وسعيها الحثيث لسد الهوة بينها وبين دول العالم المتقدم.
ولذا فان التأهيل والتدريب المستمر أصبح باهظ التكاليف وأثقل كاهل الدول المتقدمة فضلاً عن الدول النامية وأضحى في ذات الوقت ضرورة ملحة للغاية, وإلا تعرض المجتمع لمصطلحات العصر التي تدل دلالة مرعبة عن التخلف والضعف البالغ مثل:-
التجويع المعرفي – الفجوة الرقمية – الاستغلال المعلوماتي – العنف الرمزي – تزييف العقول عن بعد الامبريالية والقمع الرقمي.
ومن المسلمات التى اقتنع بها العالم وفي مقدمتهم رجال التربية والتعليم والمنظمات الدولية ذات العلاقة, بالإضافة للبحوث والمؤتمرات العلمية التي عالجت ولازالت تعالج أزمة التربية ومشكلات التعليم من هذه المسلمات التي لا مراء فيها إن التعليم بحاجة إلى نظم جديدة وفعالة ومكملة للنظام التقليدي الذي سيظل محدوداً مهما توسع وتمدد ولن يتأتى له مقابلة الأعداد الضخمة من الراغبين في التعليم والفئات المتنوعة عمرياً وأكاديمياً واجتماعياً واقتصادياً وبيئياً كما إن هذه الأعداد الضخمة من المستحيل أن تنتقل إليه حيث كان.
وبناءاً على ما تقدم اقبل العالم كله اليوم على نظام التعليم عن بعد واستراتيجيات التعلُّم الذاتي والتعليم مدى الحياة لمقابلة هذا العصر وتحدياته المتفردة وتقلباته اللانهائية وبسرعة البرق أو أكثر من ذلك.
ومن أعظم ما قدمه التعليم عن بعد للمجتمعات سيما في الدول الفقيرة والنامية في مجال إعداد وتدريب القوى العاملة هو إعداد وتدريب المعلمين بأعداد ضخمة وبأقل النفقات والتكاليف, ولا شك في أن أهم وأعظم القطاعات وأكثرها عدداً وان تأهيلها وتدريبها بما يسد حاجة المجتمعات امر ملح للغاية قد عجز عنه النظام التقليدي كماً وكيفاً, فعلى الرغم من تكاليفه الضخمة فان المخرجات محدودة للغاية ولا تغطي شيئاً يذكر من الفراغ الكبير في هذا المجال الحيوي الهام.
 الحراك أو الارتقاء الاجتماعي:
هذا المصطلح الحراك أو الانتقال أو الارتقاء الاجتماعي Social Mobility, أكدته أبحاث ودراسات اجتماعيات التربية واقتصاديات التعليم, وهو يدل ويشير الى مدى ومرونة المجتمعات في التحول والتكيف السريع مع سبل عيش وإنتاج ومهن وطرائق حياة جديدة غير الذي الفوه لا جيال طويلة مع ملاحظة أن هذا التحول والتغيّر أضحى ضرورة اليوم فرضتها طبيعة الحياة في التقدم والتطور وبدأ هذا المصطلح ينتشر منذ منتصف القرن المنصرم.
فقد انكشف بعد بحوث جادة في علوم الاجتماع والتربية والاقتصاد ان سر وراء هذه الظاهرة (الانتقال او الحراك الاجتماعي  Social Mobility هو التعليم أو بالا حرى تعميم التعليم فهو العامل الحاسم وراء هذه الظاهرة الهامة للغاية في التطور ومواكبة التغيّر واستيعابه, فمن المعطيات المعاصرة إن سبل العيش والإنتاج بعد أن تخلصت تدريجياً وبصورة نهائية في العالم المتقدم عن الحرف والصناعات اليدوية التي آلت تقريباً للانقراض وحلت محلها الصناعات التحويلية والكهربائية والالكترونية, بدأت تغير وتطور من أساليبها ووسائلها يوماً بعد يوم خاصة بعد ظهور الحاسوب وهيمنته على جميع ميادين الحياة وترتيباً على ذلك احتاج الأمر ولا يزال يحتاج إلى فئات من المتعلمين والفنيين والعمال المهرة بمهارات جديدة وقدرات خاصة وامكانات تسعف هؤلاء في استيعاب كل جديد آت, وأصبح من ضرورات التقدم قدرة المجتمع على انتقال الطبقة العاملة فيه بسرعة من ميدان إلى ميدان ومن تخصص إلى آخر وقد يكون الانتقال في نفس المهنة ولكن بمواصفات جديدة وأبعاد أخرى بالغة التقدم ,ثم القدرة على التكيف مع الوضع الجديد دون آثار سالبة.
ومن أعظم الأمثلة والتي أضحت نماذج مكرورة في تاريخ الاقتصاد العالمي التي تعكس وتبرهن على اثر التعليم الناجح في الاقتصاد وفي الحراك الاجتماعي وفي بناء الدول ورقي المجتمع نموذجا اليابان والدانمارك, فهذان البلدان من أفقر دول العالم من حيث الخامات والموارد الطبيعية ولدرجة العدم الا ان البلدين من أغنى دول العالم وأكثرها ازدهاراً وثراءاً اقتصادياً واستقراراً من الناحية المالية, اما مثال الدنمارك فيتمثل في ان الفلاحين الذين تمرسوا على زراعة المحاصيل انتقلوا الى إنتاج الألبان والتصنيع الزراعي وتخلوا سريعاً عن الزراعة وتكيفوا مع الوضع الجديد واستوعبوا نصائح خبراء الاقتصاد في المنظمات الدولية واستجابوا لهم دونما صعوبات وذلك على النقيض من المزارعين في وسط وجنوب اوربا الذين كسدت زراعتهم وبدأت تخسر كثيراً لأنهم تمسكوا بها دون هوادة ولم ينفهموا ضرورة الانتقال إلى الإنتاج الحيواني والتصنيع الزراعي بل وبعضهم هاجر إلى العالم الجديد ليعيد فلاحة الأرض هناك فكانت النتيجة ان فلاحي الدنمارك يشترون منم هذه الخضروات والمحاصيل بابخس الاثمان ويبيعون لهم الزبدة والألبان باثمان مرتفعة, ويعزي العلماء إلى تكيف مزارعي الدنمارك وقدرتهم على الحراك أو الانتقال الاجتماعي في الوقت المناسب الى انتشار التعليم والتخلص من الامية منذ وقت مبكر جداً من خلال (الجامعات الشعبية) كنظام تعليمي ساهم بجد في الزامية التعليم لكل أبناء الدنمارك, فكان المزارع الدنماركي متفتح العقل ومرن في فهمه وتقبله للجديد النافع.
أما اليابان فان أهل التاريخ الاقتصادي يرجعون الوثبة الاقتصادية منذ أيام (مايئيجى) الذي طبق مبدأ إلزامية التعليم الابتدائي والقضاء على الأمية قضاءاً مبرماً تقريباً منذ نهاية القرن التاسع عشر, واذا قارنا اليابان والدنمارك وما احرزاه من تقدم وثراء عظيم – على الرغم من فقر وانعدام الموارد الطبيعية – بدولتين من اغنى الدول بالموارد والخامات هما الهند الصين حيث ظلتا لفترة طويلة في ركب التخلف والفقر وظلت النهضة في الدولتين تسير ببطء شديد , بل ان الشعب الصيني ظل يوصف بأنه(شعب الافيون) وكانت بريطانيا تكرس هذا الوضع مخافة من نهوض هذا العملاق الضخم من تعاطي المخدرات والسبات العميق فيقلب الموازين العالمية راساً على عقب , فحدث ذلك في عام 1949م إذ قاد ماوتسي تونغ ثورته العارمة , ويعزي علماء الاقتصاد والتربية ايضاً تخلف (الهند والصين) عن الركب نتيجة الجهل وتفشي الأمية فلم تنفع الموارد الطبيعية والخامات الكثيرة المتنوعة والكثافة السكانية المهوولة في تقدم هذه الدول, ولم تنشلها من الفقر, ولكن عندما اتجهت الدولتان إلى نشر التعليم وتعليم المجتمع خطت خطوات عظيمة, وبدأت تأخذ وضعها المتوقع بين دول العالم.
ويوماً بعد يوم يبرز دور التعليم في الحراك الاجتماعي، فكلما توافر المجتمع على تعليم شامل ومؤسسات علمية للبحث والتخطيط التعليمي والتدريب بمستوى راقٍ, ساهم ذلك في الترقي بوتائر مناسبة, وكان ذلك مؤشراً على مدى ازدهار المجتمع وانطلاقه قدماً في مدارج الرقي.
إن الرقي والتقدم يرصد اليوم من خلال تجاوز المجتمعات والدول للقطاعات الاقتصادية التقليدية, فالقطاع الذي بدأت به الإنسانية كان(قطاع الزراعة) وكان سائداً ولازال بوجوه متطورة وتفعيل وتنويع لمدخلات وعمليات ومخرجات الزراعة بفضل التقدم العلمي والتكنولوجي, ثم تقدم العالم عقب الثورة الصناعية إلى القطاع الثاني(قطاع الصناعة) الذي أضاف الكثير إلى حياة الإنسان رخاءاً واختصاراً كبيراً للوقت والجهد, ثم انتقل بعد ذلك إلى القطاع الثالث (قطاع الخدمات), وفي العصر الحديث أضحت الدول الأكثر تقدماً ورقياً هي الدول التي تشّكل نسبة العاملين في قطاع (الخدمات) هي النسبة الأعظم والأكبر بالنسبة للقطاعين الأول (الزراعي) والثاني (الصناعي), بل نقلت هذه الدول المتقدمة الصناعة بمشاكلها المختلفة من تلوث وقاذورات ومخلفات إلى دول أخري بتراخيص مشروطة, وأحياناً بالبيع الكامل والتخلص من تبعات الصناعة مع المحافظة على الاسم والسمعة والبعد التجاري, وستحصل على المنتجات بأثمان ارخص لرخص الأيدي العاملة من وعملات الدول النامية من ناحية أخرى, فضلاً عن التبعية المعنوية والأدبية والاقتصادية.
لقد أضفى الحاسوب والمعلوماتية اليوم بُعداً آخر على (قطاع الخدمات), إذ أصبحت أيضاً الدول الأكثر غني وقوة وثراءً هي الدول التي تملك رصيداً أكبر من المعلومات , وان الامبريالية والاستعمار والقهر اليوم أضحى معلوماتياً في المقام الأول فالمعلومات هي طاقة وثروة الحاضر والمستقبل أيضاً , ولذلك فان الأمية اليوم ما عادت أمية الكتابة والقراءة بل أمية الحاسوب, والفقر هو فقر المعلومات, وقد توفر الدول النامية أجهزة الحاسوب والمعدات وقطع الغيار الخاصة بها والشبكات وكل البنية التحتية, لكنها تفنقر إلى المحتوى والمادة ألا وهي المعلومات, تماماً مثل الشخص الذي اعد منزله أفضل إعداد من حيث البناء وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي...الخ إلا أن خدمات الكهرباء والمياه لم تصل إليه بعد, وحتى في حالة الحصول على المعلومات تبقى القدرة على تنظيم المعلومات وترتيبها وتنسيقها وتوزيعها في المجالات المختلفة بغية تطويعها في هذه المجالات والاستفادة منها, والدول النامية تحجب عنها وفي مجالات عديدة المعلومات الاستراتيجية الخاصة بعلوم عظيمة الأهمية مثل الهندسة النووية, وتكنولوجيا الطاقة خاصة الكشف عن مواقع النفط وطرائق ووسائل إنتاج النفط, وعلوم الفضاء...الخ,وكل المعلومات والخبرات التي تعتقد الدول العظمى أنها تحافظ وتبقي على الفجوة بينها وبين الدول النامية.
ومما لاشك فيه إن هذا الوضع يضيف إلى أعباء الدول النامية عبئاً جديداً, فإذا كان عليها أن تبدأ من حيث انتهى الآخرون لكي تمحو الأمية الجديدة (أمية الحاسوب) وتلحق بالعصر الذي تعيشه, يجب عليها أيضاً أن تمحو الأمية التقليدية, وكل ذلك بحاجة ماسة إلى جهود تعليمية ضخمة وكوادر وإعداد المعلمين وتخطيط وتنظيم للنهوض بالمجتمع ككل في كل قطاعاته وفئاته ومواقعه ونشر وتعميم التعليم بكل نظمه وأنماطه واتجاهاته, مع نشر الوعي بأهمية هذه الحياة الجديدة الشاملة وهذا النظام العالمي الطاغي لابد له من نظام تعليم مفتوح يزيل كل العوائق والحواجز المعنوية والمادية في سبيل تحقيق هذه المرامي والأهداف العظيمة(تعليم الجميع, محو أمية الجميع التقليدية والمعاصرة, إثراء حياة الناس بحركة تعليمية – تعلـُّمية دائبة , وطلب دائم للعلم والمعرفة, وهذا لعمري ما يسعى له الساسة والمصلحين والمفكرين بطرحهم لشعارات (دولة العلم والإيمان) وما يعبر عن روح الدين الإسلامي العظيم (من اراد الدنيا فعليه بالعلم , ومن اراد الاخرة فعليه بالعلم ومن ارادهما معاً فعليه بالعلم)
ولقد انقلبت الأوضاع في الدول المتقدمة إذ أضحى قطاع الخدمات هو المتقدم وتقهقرت القطاعات الأخرى (الصناعي والزراعي)، فمثلاً في الولايات المتحدة الامريكية كان القطاع الأول في الخمسينات وقبل ذلك هو الزراعي إذ تشكل نسبة العاملين فيه (73%) ، وكان القطاع الثاني هو الصناعي(15%), أما القطاع الثالث الخدمات فكان (12%) ثم انقلبت هذه النسبة منذ الستينات من القرن الماضي انقلاباً كبيراً حيث أصبحت النسب الأولى لقطاع الخدمات (58%), الصناعة (35%) الزراعة(7%) مما يدل دلالة قاطعة على الوثبة الخيالية للمجتمع الأمريكي في هذا الزمن المتباين والحراك الاجتماعي الضخم الذي حدث في تلك الدولة والدول الشبيهة , ولاشك ان هذا الارتقاء تبعه تطور اقتصادي واجتماعي عظيم  إذ لا فكاك بين الاقتصاد والاجتماع, وكل ذلك يؤول في خاتمة المطاف إلى دور التعليم ومدى تقدمه, فان التخطيط التربوي العميق والمتقدم للمناهج والأساليب والوسائل وتطوير مساقات وأنماط للتعليم بحسب الحاجة في المجتمع ,كل ذلك ذات علاقة جوهرية بنوعية وكمية من تعدهم المدارس والمعاهد والمؤسسات التعليمية لكل قطاع من القطاعات المذكورة آنفاً , بل أن القطاع الواحد مثل (الزراعة) شهد تطوراً في خبراته ومهاراته بحيث أن المزارع القديم لا يتأتى له ممارسة الفلاحة الا بتملك الخبرات والمهارات الجديدة التي اعتمدت على الميكنة والأساليب العلمية في رفع حضرية الأرض ومعالجة مراحل النمو ومقاومة الآفات المختلفة.
ولعل من ابرز الأمثلة المعاصرة في دور التعليم في الحراك الاجتماعي والنهضة الاقتصادية ظاهرة (النمو الآسيوية) التي أحرزت نمواً باهراً ارتكز بصفة أساسية على التعليم والبحث العلمي وتوجيه التعليم الوجهة الفنية والمهنية والصناعات الدقيقة, ويمكن أن نختار سنغافورة كنموذج اعتمدت فقط على تقديم الخدمات فهي دولة فقيرة إلى درجة العدم بالموارد الطبيعية وخالية تقريباً من الخامات, ولكن نتيجة انتقالها السريع لقطاع الخدمات وإعدادها لطبقة كافية من المهندسين والفنيين والمحاسبين ورجال البنوك ومديري وموظفي الفنادق أصبحت قبلة العابرين في الشرق الأقصى إلى الدول الآسيوية واستراليا, ووجد رجال الأعمال خدمات راقية وميسرة لإنجاز أعمالهم . كما اتجه رجال الطيران الى المرور والهبوط فيها لما توفره من خدمات الصيانة وكل ما يتعلق بهندسة الطيران وفرت مهندسين وعمال وورش مجهزة تجهيزاً راقياً، وتمكنت بذلك من توفير عملات استراتيجية وتنامت بسرعة واتاحة بذلك لأفراد شعبها حياة راقية ومزدهرة وأصبح يشار إليها بالبنان في مجال الخدمات.
وبدأت الهند والصين تلحقان بالركب كما ذكرنا، وانضما إلى النادي الذري واقتحما الفضاء واليوم الهند تبرمج البرمجيات للولايات المتحدة وبعض دول المجموعة الاوربية وبلغت ما بلغت من النهضة، ووادي السيلكون في الولايات المتحدة يسيطر عليه تقريباً أبناء الصين، والكل في العالم اليوم يتجه الى السوق الصينية ورجال المال والاقتصاد والسياسة يصرحون بان العصر القادم هو عصر الصين وكل ذلك مما لاريب فيه بسبب اتجاه هذه الدول الى التعليم وتعميم التعليم ونشره واتاحته لكل أفراد المجتمع, ومما لا جدال فيه إن أعداداً بالمليارات مثل الشعبين الصيني والهندي لايتسنى لهما تعميم التعليم الا من خلال التعليم عن بعد، ففي الهند جامعتين مفتوحتين ، وجامعة انديرا غاندي المفتوحة تقدم خدمات تعليمية الى ما يربو على ربع مليون دارس وجامعة الراديو والتلفزيون تقدم التعليم الى 1.3مليون دارس حسب احصائيات التسعينات وذلك بطول الصين وعرضها المهوولين , ولولا هذا النظام من التعليم لما نهضت هذه الدول من وهدتها ولما قابلت الظروف القاسية التي تحيط بها ولما انطلقت اليوم بسرعة البرق تنافس اعرق وأقدم الدول في كل ميادين الاقتصاد والمعرفة.
النماء في دخل الفرد والدخل القومي:
إن النمو والازدهار الاقتصادي الذي يحرزه التعليم يمكن رصده في مستويين رئيسين:
         - البعد الفردي                               - البعد القومي
فمن خلال الدراسة التي أعدها علماء الاقتصاد في مجالات التربية بصفة خاصة ومن اشهرهم (ج. والش J Walsh) و(جليك glick) و(ميلرMiller) و(بيكرBacker) اتفق هؤلاء جميعاً على ان للتربية بُعداً عظيماً في ارتفاع الدخل القومي، وأخيراً اكد شولتز من اشهر علماء الاقتصاد الذين اهتموا بالتربية وأثرها على الاقتصاد. أكد من خلال إحصاءات ودراسات اكثر دقة على اسهام التربية في النمو الاقتصادي للولايات المتحدة بين عامي 29/1957م تقدر بالمليارات زيادة في دخل العمل وراس المال معاً وأيدت ذلك دراسات مماثلة في فرنسا وبريطانيا.
أما على مستوى الأفراد فمن المعلوم ان التقدم في التعليم ونيل شهادات عليا يفتح الآفاق إما دخل أفضل وظروف معيشية أرقى للأفراد, كما إن خيارات العمل تتاح بمستوى أرحب لمن يتدرج في تعليمه إلى مستويات أعلى، وفي السودان الصورة واضحة فيما يتعلق بهذا الصدد فعلى سبيل المثال في قطاع المعلمين فان الترقي الوظيفي والمهني يتوقف كثيراً على مستوى التعليم ونيل الدرجات العلمية, والتدريب المهني والتأهيل المناسب ولقد اتاح التدريب والتأهيل قبل الخدمة وأثناء الخدمة للمعلمين الارتقاء بوضعهم مهنياً ومعيشياً واتاح لهم كذلك فرصاً وظيفية ممتازة داخل وخارج البلاد, وأسهموا في الدخل القومي ومد البلاد بالعملة الصعبة على اعتبار أنهم من أوسع الفئات المتعلمة العاملة في دول الاغتراب.
وفي هذا الاطار ايضاً أي دور التعليم في نمو الدخل الفردي والقومي وبالتالي انعكاس ذلك مباشرة على المجتمع نستشهد بدراسة الأستاذ الروسي (كيروفkairov ) في بحوثه التي قدمها للرابطة الدولية لعلم الاجتماع:" انه عندما غدا التعليم الأولى – يقصد به مرحلة الأساس- المؤلف من اربع سنوات دراسية عاماً في الاتحاد السوفيتي، قدرت الفوائد التي نتجت عنه في مجال الاقتصاد القومي بانها تفوق 43مرة المبالغ التي انفقت لهذه الغاية"
ومن البدهي ان الدخل القومي ينعكس على الإفراد سلباً وإيجاباً.
بناءاً على ما تقدم أدرك العالم اجمع بانه لا سبيل إلى التقدم والازدهار الاقتصادي دون نهضة تعليمية شاملة بمعنى إن التعليم الانتقائي او المحدود أو وجود فجوات تعليمية كبيرة في المجتمع ستشكل معيقات لنهضة الدولة ككل, وتحول دون بلوغ برامج التنمية فيها إلى مراميها الطموحة، فكان لابد من تعميم التعليم وبسطه للجميع, فعندما آلت الأمور إلى البلاشفة في الاتحاد السوفيتي السابق كان من اولويات طموحاتهم بناء دولة عظمى, فكانت قبلتهم الأولى لتحقيق ذلك (التعليم) فنص الدستور وأكد بشدة على حق ومجانية التعليم لكل مواطني الاتحاد السوفيتي والزم الجميع إلزاماً لا هوادة فيه بنيل تعليم كافٍ، مع محاربة الطبقية في التعليم كأساس جوهري لبلوغ القمة التي كان يطمحها, وكانت القاعدة التي وضعتها فلاسفة وأساتذة الاقتصاد هي تأسيس طبقة عريضة في المهن والدراسات الفنية الوسيطة بين الثانوي والجامعة مثل فني الهندسة بفروعها والتعدين والطاقة والبناء والمحاسبة وفني المصانع والزراعة والتصنيع الزراعي، وكان إنجازاً ضخماً ومعجزاً أن يتم تأهيل وتدريب الآلاف بطول وعرض الاتحاد السوفيتي على أحدث المهارات بهدف قلب المجتمع السوفيتي إلى مجتمع صناعي حديث ليس فقط لتلحق اوربا الغربية وأمريكا بل ليتفوق عليها كما كان يسعى سعياً حثيثاً إلى ذلك, ولكي يحقق الاتحاد السوفيتي ذلك لجأ إلى نظام التعليم عن بعد, فكان أضخم نظام للتعليم عن بعد في العالم إذ يشمل الاتحاد السوفيتي من أقصاه إلى أقصاه (تبلغ مساحة الاتحاد السوفيتي السابق 24 مرة ضعف مساحة السودان) ونجح في ذلك نجاحاً باهراً وتمكن الآلاف من العمال والحرفيين من مواصلة التعليم بل ان الكثير منهم نال شهادات عليا عن طريق التعليم عن بعد, ونهض الاتحاد السوفيتي في فترة وجيزة في جميع المجالات, وفي خلال اربعين عاماً اصبح احد الدولتين الاعظم, وتجربة الاتحاد السوفيتي في تدريب وتعليم اعداد ضخمة من ابنائه وبلا تكاليف تذكر هي التي اغرت هارولد ويلسون واستحوذة اهتمامه  ودفعته كل الدفع ليتبنى مشروع الجامعة البريطانية المفتوحة من خلال حزب العمال البريطاني وقد كان بعثاً جديداً ونموذجاً عالمياً في النجاح الباهر اقنع العالم بجدية وجدوى وثمرات هذا النظام من التعليم .
ومن الاحصاءات الاقتصادية المؤكدة لدور التعليم في النمو الاقتصادي وتزايد الدخل القومي للدول, اورد الدكتور محمد محروس اسماعيل فى كتابة اقتصاديات التعليم جدولاً طويلاً موضحاً تنامي نسب الدخل القومي للدول في القارات الخمس في الفترة من 1950- 1960م نختار منها بعض الدول الافريقية كنموذج لانها اقرب الى واقع السودان وظروفه الاقتصادية المختلفة ومن هذه الدول:-
نيجيريا:- حيث زاد الدخل القومي في هذه الفترة   16%
غانا:- حيث زاد الدخل القومي في هذه الفترة   23.2% 
 كينيا:- حيث زاد الدخل القومي في هذه الفترة   12.4%
وهذه النسب بمعيار النمو الاقتصادي ان لم تعد كبيرة فهي ملفتة للنظر.
وقد قام نورمان هكس – وهو من خبراء البنك الدولي – في عام 1980م بقياس العلاقة بين معدل النمو الاقتصادي والالمام بالقراءة والكتابة ومتوسط العمر المرتقب (أي المتوقع ان يعيشه الانسان) في 83 دولة من دول العالم خلال الفترة من 1960- 1977م فوجد ان الـ 12 دولة التي حققت اعلى درجات في النمو الاقتصادي من بين هذه الدول هي التي كانت تتمتع باعلى المعدلات في التعليم (يقصد محو الامية) وكذلك هي التي يحقق مواطنوها أطول عمر متوقع.
تكوين مجتمع الادخار:
من أهم آثار التعليم في الوضع الاقتصادي للمجتمع تنمية الوعي بضرورة وأهمية الادخار, فكلما ازداد المجتمع وعياً ازدادت مدخراته، وأدرك أهمية ذلك في الاستثمار في مشاريع ذات جدوى اقتصادية أعظم بما يثري الفرد والمجتمع ويسهم في تنامي راس المال بدلاً عن ضياعه، أما المجتمعات الساذجة التي تتفشى فيها الأمية فان الأفراد يميلون غالباً إلى الاستهلاك والإسراف والمظاهر التي لا قيمة لها ولايدركون غالباً قوة المال وطرائق استثماره وتهدر بذلك طاقات وامكانات المجتمع.
وقوة الادخار في الرفاه والازدهار الحقيقي مسلمة ادركتها كل الدول والمؤسسات العالمية وكل دول العالم تقريباً وفي مقدمتها الدول المتقدمة التي انشأت بنوكاً وصناديقاً للادخار, لكن نجاح ذلك يتوقف على مدى وعي المجتمع وداراكه لابعاد هذه الاستراتيجية الاقتصادية, وتعميم التعليم ونشر الوعي بين كل افراد المجتمع وقطاعاته سنحقق القاعدة العريضة التي تستجيب عن قناعة واستيعاب لمفهوم ودور الادخار في بناء المجتمع.
اقتصاديات التعليم:
بدأ الاهتمام بحقل اقتصاديات التعليم في الثلاثين سنة الأخيرة من القرن المنصرم, ولقد برز هذا العلم عندما انكشف جلياً لعلماء الاقتصاد والتخطيط دور التعليم اللامحدود في اقتصاد وتنمية المجتمع اما بالإيجاب او السلب وعندما مضت النظرة القائلة بان الانفاق على التعليم مجرد خدمات واستهلاك ولاعائد يذكر منه, وبدا الاتجاه الذي ينظر الى التعليم بانه انجح انواع الاستثمار واكثرها وأسرعها عائداً مؤكداً وراسخاً لامراء فيه اذ تاكد ان تنمية وتطوير الانسان وزيادة مهارات وقدرات الافراد, هي رأس المال الحقيقي المثمر تأكد أيضاً إن تنمية مجالات المعرفة والمعلومات هي اقصر الطرق لارتفاع مستوى الانتاج القومي وسبباً رئيساً في ثراء الدولة والافراد, وفي هذا المجال يذكر الاقتصادي الشهير فردريك هاريسون – وهو من اشهر من كتب في موضوع الموارد البشرية
(ان هذه الموارد تمثل الاساس لثروة الامم .وان راس المال والموارد الطبيعية هي عناصر انتاج سلبية , وان العنصر البشري هو عامل الانتاج النشيط والفعال . اذ انه هو الذي يقوم بتموين راس المال المادي, واستغلال الموارد الطبيعية وبناء المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ودفع عجلة التنمية الاقتصادية الى الامام)
ويؤكد هذا العالم بان الدولة التي لاتستطيع ان تنمي القدرات والمعارف لدى شعبها وان تستخدم هذه القدرات والمعارف بشكل فعال لخدمة الاقتصاد القومي, ان مثل هذه الدولة لن تستطيع ان تطور أي شكل آخر.
ولقد تنامى الاهتمام بهذا العلم واصبح مجالاً هاماً وجديداً ومستقلاً من مجالات علم الاقتصاد, وتكاثر عدد المتخصصين فيه ومن اهم موضوعاته:-
         البحث في الانفاق على التعليم والعائد منه.
         وسائل تمويل التعليم.
         البحث في الانفاق على التعليم وهل هو (استثماري) ام (استهلاكي)؟
         تحديد الهيكل الامثل للهرم التعليمي وعدد الدارسين في كل مرحلة.
         مساهمة التعليم في تنمية العنصر البشري وفي المساهمة في دفع عجلة التنمية الاقتصادية.
من خلال هذا النص اتضح لنا جلياً مدى تداخل التعليم مع الاقتصاد العامل الضخم والحاسم في بناء المجتمع، وبذلك ينكشف لنا ان التعليم هو المحرك الرئيس في تقدم المجتمع.
في ضوء ما تقدم نخلص إلى أمرين هامين:
  1. ان الإنفاق على التعليم من انجح انواع الاستثمار.
  2. ان التعليم المثمر المحقق للتنمية الشاملة هو التعليم المشاع الشامل لكل أبناء المجتمع وطبقاته وفئاته وافراده وليس الانتقائي والمحدود.
  3. ثبت ان التعليم التقليدي باهظ التكاليف والأعباء ومحدود المخرجات مما يؤثر على الدور والآمال العراض التي يتوقعها المجتمع من التعليم.
لذا كان لابد من نظام ينهض بالمهام الجسام الجديدة والمتمثلة في إعداد وتأهيل أعداد ضخمة بلا حدود وبأقل التكاليف ويحقق بصفة أكثر وأقوى الادورار الاجتماعية والاقتصادية المتوقعة من التعليم , وأخيراً وجد العالم ضالته المنشودة – بعد تجارب ومخاض – في أنماط التعليم عن بعد ومن أبرزها وأكثرها شهرة ونجاحاً وأوسعها تطبيقاً الجامعات المفتوحة.
ونختم هذا البعد الاقتصادي الهام بخلاصة تجارب فوارستيه:
(ان البلد المتخلف اقتصادياً هو بلد متخلف تربوياً) والعكس بالطبع صحيح حيث لخص هذه العبارة العلاقة الوثيقة بين التقدم الاقتصادي والتقدم التعليمي
البعد الثقافي :
الثقافة والتعليم عن بعد
من البدهي ان الثقافة من اخطر الابعاد في حياة الامم وبناء المجتمعات ورفدها بالحيوية المعنوية والمادية اذ تمثل الثقافة كما هو معلوم القدر المشترك بين الافراد في الاتجاهات والقيم والتقاليد والاعراف كما تمثل الانجازات الضخمة في حياة الامم من مخرجات مادية ومعنوية في سبل تناول الحياة في المأكل والمشرب والسكن وكل ما يحكم علاقة الناس في مجتمع ما ويميزه عن غيره من الجماعات والشعوب ويمكن ان نقول ان الثقافة هي نمط ومحصلة السمة العامة والسلوك الجماعي في التعامل والتفكير والتقبل للجديد والانتاج المادي والانجاز المعنوي من اخلاق ومثل وادبيات مختلفة ...الخ.
وبما ان الثقافة قوة عظيمة في بناء الامم وتوعية وتوجيه سلوكها تسعى كل الامم في ترسيخ ثقافاتها وقيمتها من خلال المؤسسات المختلفة وفي مقدمتها المؤسسات التربوية فان المناهج التربوية انما تنهل من ثقافة الامة في المقام الاول ويكفي ان الدول التي تسارع منذ القرن الماضي والحالي الى السيطرة على العالم وتطويع شعوبه تستخدم الثقافة بكل ابعادها في سلب شخصية وهوية هذه الشعوب وطمس هويتها في البداية ومن ثم بعد ذلك يسهل استعمارها واستعبادها.
وفي عصر العولمة الذي نعيشه اليوم تجري اكبر عملية سلب ثقافي وتجريد للعالم اجمع من كل خصوصية ثقافية بل ادنى مسحة او نكهة خاصة بهدف سوق العالم خلف ثقافة واحدة والباسه ثوب واحد في كل ممارساته الحياتية تمهيداً للاستحواذ النهائي, ولقد ادركت اوربا وفي مقدمتها فرنسا التي خبرت اسرار  ذلك اللون من الاستعباد الثقافي, ومارسته احقاباً مع الغير والآن تعمل بكل طاقاتها وامكاناتها لايقاف تقليد الحياة الامريكية من قبل الشباب الفرنسي بدءاً باستخدام بعض الكلمات وانتهاءاً بمطاعم الوجبات السريعة مثل (مكدونالد) و(كانتكي)
بعد هذه التوطئة عن الثقافة ودورها الفاعل والخطر للغاية سنري ما دور التعليم عن بعد في تاطير الثقافة وتطويعها بما يخدم امال وثوابت الامة وبناء المجتمع على ثقافة حيوية وسليمة ومنافسة تتجاوز مواقف الدفاع والخوف الى الندية وكسب الآخر.
الثقافة والمجتمع:
   يؤكد علماء الاجتماع على الأهمية القصوى في تعريف المجتمع عبر البعد الثقافي فلا معنى من وجود جماعة أو استقرار بشري في بقعة ما دون تآلف وتعارف، وتنامي للمثل والقيم والعادات والتقاليد ومعايير ضبط العلاقات بين الأفراد والوعي بالحقوق والواجبات، إذاً مفهوم المجتمع لايتم بمجرد الاجتماع في مكان فهذا لا يفي بمعنى المجتمع فلا المكان ولا الزمان ولا استقرار الجنس البشري فيهما بكاف أن تطلق على مجتمع انساني، فكثير من الكائنات يتسنى لها الاجتماع في مكان وزمان ما ولكن خصوصية الاجتماع البشري تحكمه عناصر ومقومات رقي أكرمه الله تعالى به دون سائر المخلوقات ، لذا عرف الانسان بأنه (حيوان اجتماعي) للدلالة على عمق الاتصال والتواصل والتآلف والمخالطة بين بني البشر ونشوء الثقافة التى تحدد هوية المجتمع والتربية والتعليم يعدان قطب الرحى والمحور الرئيس والحاسم في تشكيل ثقافة مجتمع ما, فالتعليم يلعب ادوارا بارزة وحيوية في بناء الثقافة وترسيخها في المجتمعات، ويمكن توصيف ذلك في الاتي دون حصر:.
1.      تنقية الثقافة من الشوائب والوان التخلف بصفة مستمرة.
2.      تطوير الثقافة ورعاية تقدمها بصفة مستمرة.
3.      ترسيخ ثقافة وتراث الامة والمحافظة عليها.
4.      نقل ثقافة المجتمع عبر الاجيال بما يشكل وعيا وقوة معنوية توحد بين ابنا المجتمع.
5.      تيسير تلاقح الثقافة محلياً وخارجياً واستيعاب الوافد والاستفادة منه دون الزوبان اوالضياع وانطماس الهوية.
6.      واهم دور بين هذه الادوار واكثرها خطراً واعمقها اثراً في بناء المجتمع ورقيه نحو الامثل هو الانسجام أوالوحدة الثقافية .
         فماهي الانسجام الثقافي، وما أهميته وآثاره ... ؟                           
         اهميتة واثاره المختلفة عن المجتمعات
ماهية الانسجام الثقافي:-
كل مجتمع يتكون من عرقيات ولغات وتراث ومعتقدات وبيئات مختلفة قل هذا الاختلاف او كثر وهذه الابعاد المذكورة هي مكونات الثقافة بالدرجة الاولى بالاضافة الى ما تضيفه الاجيال من انجازات معنوية ومادية، وقد تكون بعض الدول محظوظة في ان تكون حصيلة تكوينها الاجتماعي من دين وجنس ولغة واحدة في الغالب وينحدر فيها التنوع إلي أدنى الدرجات، و توجد فيها عرقية او اكثر ولكنها محدودة للغاية لااثر لها فتنضوي بالتالي دون ان تؤثر في الانسجام الاجتماعي والثقافي ، ولكن قد تجد في بعض الدول مزيجاً مكثفاً من العرقيات واللغات والاديان واختلافاً واضحاً في البيئات مناخياً واقتصادياً وفي اساليب العيش وتناول الحياة مع ان كل ذلك التنوع في بلد واحد ، ويترتب على ذلك بروز ثقافات متعددة في المجتمع الواحد ويتسبب ذلك في تنافر وتنافس واصطراع من اجل البقاء احياناً ومن اجل التسيُّد والغلبة أحياناً أخرى مما يفجر الاوضاع فى البلد الواحد ويؤدى الى حروب اهلية وانشقاقات وبروز كيانات ودول جديدة ، واحياناً قد تكون السلطة قوية وقاهرة تفرض ثقافة واحدة بكل ما تملك وبالتالي تعيش قطاعات وفئات كثيرة تحت يد الاضهاد والعذاب النفسي والحنق على الاخر فيكون مجتمعاً مريضاً تكثر فيه الجرائم والامراض النفسية والاجتماعية والاستقرار الظاهري المزيف ولا يمكن ان نطلق على مثل هذا المجتمع صفة الانسجام الثقافي .
هذا الانسجام إنما يعني بدقة تقبل الآخر على الرغم من اختلاف ثقافته أيّا كانت وعدم الشعور  نحوها بالدونية أو الاحتقار مهما كانت وجهة نظرك تجاه هذه الثقافة على انها ضعيفة او بدائية وبذل الجهد في التقرب منها والتعرف عليها وتفهمها واختيار الأنسب منها لما عندك من ثقافة، فان التمازج والتفاعل والتلاقح لبناء قاعدة عريضة للتعايش في المجتمع الواحد، وصوغ فيفاء إنجاز جد شان بحاجة الي تضافر جهود كثيرة وعظيمة                                        متجانسة من ثقافات متعددة ذات الوان واشكال ووجوه متباينة حتى تحقق وجودها وتبرز قيمتها وتفيض على المجتمع تعاونا واستقرارا وازدهارا، ولابد لهذا المجتمع ذو الثقافات المتعددة ان ترتكز ثقافته العامة الموحدة الى بعضها البعض وتتآزر وتتوافق مع الآخر المختلف فتظهر في اطار واحد ولوحة متفردة جامعة تشكيلية جمالية ورائعة بلا حدود .
والانسجام الثقافي يجعل من التمايز والتنوع الثقافي عنصر قوة وثراء منقطع النظير للدول ومعين للتآلف الاجتماعي لا ينضب ابداً، وبدلاً عن الفقر والعقم الثقافي والابداعي التي تعانيه بعض الدول ذات النهكة الواحد، ومن نتاجات الانسجام الاجتماعي الفياضة بكل خير:-
السلامة النفسية:-
الفرد الذي يعيش في مجتمع معافى ومنسجم نفسياً يتمتع بسلامة ونضج نفسي عميق ويشعر بالراحة والطمانينة بل يفخر كثيراً بانتماءه لهذا المجتمع لانه يشعر بالتقدير وقيمة الذات والاحترام وقوة الحميمية بما يشبع حاجات الفرد الانسانية والوجدانية ذات الخطر العظيم في حياة الافراد والجماعات، اما الشعور بالاضطهاد والدونية والظلم في المجتمعات التي تعمل بانتظام على اقصاء الاخر وابعاده بسبب العرق او اللون او العقيدة او الثقافة فاننا نجد فيها الانسانية ممزقة كل ممزق، وتعيش في عذاب مطبق وتنزع الفئات المضهدة الى التخريب والانتقام وتتحين لحظات وفرص الانقضاض على احر من الجمر بغية الاجهاز النهائى .
ولابد لها لكي تظهر بوجه موحد أن تتوافق مع بعضها البعض ، وأن ترتكز الثقافات على بعضها البعض كما ترتكز قطع الفسيفاء المختلفة الالون والاحجام ، فتظهر في اطار واحد ولوحة متفردة جامة لتشكيلة جمالية ورائعة إلي أبعد الحدود.
التعاون والتعاضد الاجتماعي :-
الانسجام وتقبل الاخر يزيد من قوة وترابط الافراد واللحمة الاجتماعية ويسهل ذلك كثيراً السبيل الى تعاضد اجتماعي حقيقي يقي المجتمع شرور الحسد والاجرام والكراهية والتربص بالاخر.
الامن والاستقرار الاجتماعي:
وهو من اخطر الابعاد التي تبذل في سبيلها كل الدول المال الكثير بهدف اقراره وترسيخه في المجتمع، ان الانفلات الامني والاصطراع الذي يؤول احياناً الى حروب اهلية واسعة او محدودة النطاق تنشأ في الغالب من عدم الانسجام الثقافي المترتب على ضعف الوعي والفجوات التعليمية والتربوية بما يصيب ثقافة البعض بالعطب ويفيض الى عدم التسامح.
الابداع والنماء والانتاج:-
الأفراد الذين يتمتعون بنفسية سوية مطمئنة الى وضعها الانساني والاجتماعي الكريم اللائق، والمجتمع الآمن بعد حجر الزاوية في بروز الابداع والابتكار والنماء المتواصل والانتاج الوفير، ومتى ما اختل الامن والاستقرار انهارت الحياة الاقتصادية بتوقف الانتاج واضمحلال النشاط الانساني وتفتيت التماسك الاجتماعي.
التماسك والوحدة الوطنية:-
نخلص من ذلك أن الانسجام الثقافي قوة اجتماعية معنوية وكلما تمكن ذلك في المجتمع تمخض عن اثار عظيمة الايجابية، وتصب كلها في خاتمة المطاف في مصب الازدهار والتقدم والقوة التي تحفظ الامة في حالتي السلم والحرب, وتحقق تماسكاً متيناً ووحدة وطنية حقيقية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه ماهو دور التعليم عن بعد في الانسجام والوحدة الثقافية؟ مما لاشك فيه ان هذا الانسجام لا يتأتى من فراغ ولن يكون امراً عشوائياً او نتيجة المصادفة، انه وليد تخطيط تربوي رفيع ودقيق ويمتد عبر الاجيال بما يولد قطاع عريض ونسبة غالبة في المجتمع تؤمن كل الايمان بقيم التسامح والاعتراف بالآخر ويثمن معانى تقدير الانسان والثقة  في قوة الخير والعطاء الانساني وكل معاني الجمال التي غرسها الله تعالى فيه، وكلما انتمى الناس الى ثقافة واحدة ومبادئ اخلاقية ومعنوية واحدة، وتحروا المناهج العلمية التي تؤسس لاسلوب ونهج التفكير العلمي الواحد فإن ذلك جدير بدفعهم إلي الحق دائماً ويدفعون عن مبادئ المجتمع العليا، ولا ريب في ان المجتمع السوداني يزخر بهذه المعاني التي تربي عليها من خلال دينه الاسلامي العظيم ودعوته العريضة للتسامح وفطرته السليمة في حب الاخرين وبذل الخير لهم بغض النظر عن الوانهم واعراقهم وعقائدهم متمثلين قول الله تعالي "يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير"
والى قول رسوله الكريم r"كلكم لآدم وادم من تراب"
     والى قول رسوله الكريم r" من اذى ذمياً كنت خصيماً له يوم القيامه"
بالاضافة الى العرف السوداني والانسانية الجمة التي تنزع دائماً وابداً الى السلام وحب الناس والتكاتف معهم والتي جعل عليها اهل السودان وطبعوا عليها دونما تكلف أو صنعة.
فهذا المعنى العميق للتسامح والانسجام الثقافي بحاجة ملحة الى نظام تربوي مؤهل لنشر العلم والثقافة بطول البلاد وعرضها، المجتمع وتربية قاعدة عريضة تأمن للأمة استقرارها الامني والاجتماعي، وتكون بمثابة الدرع الواقي وصمام الامان من كل اختراق خارجي او اطماع واخطار داهمة من خلال استيعاب الأعداد الضخمة في المدن والقرى والحضر تتخلله اوساط الكبار والصغار النساء والرجال لتحقيق ما يعرف ب(الوعي الاجتماعي العام)، وتربية الناس وتوجيه الطاقات نحو اهداف ومرامي عليا واحدة، وهذه المزايا والتطلعات فوق طاقة نظام التعليم الوجاهي او المقيم مهما توسع وانتشرت مؤسساته، هذه حقيقة اكدها الواقع واعتمدتها الدول كمسلمة لايعتريها الشك فاتجهت بكل طاقاتها نحو نظام التعليم عن بعد.
ونحن في السودان نضرع الي الله عز وجل ان يوفق ويسدد جامعة السودان المفتوحة للوفاء بهذه الامال العظام وتحمل اداء هذه الامانة الجسيمة على اكمل وجه ، بما يحقق الوحدة والتماسك الاجتماعي والنماء والازدهار المضطرد مع الامن والاستقرار والسلام الدائم.
ترميم صوغ المجتمع:
من الامور البدهية ان التعليم بصفة عامة يسهم اسهاماً عظيماً في التنشئة الاجتماعية, ولكن تظل هنالك ثغرات عظيمة وفراغات كبيرة تظل موجودة في كل مجتمع وبصورة واضحة في الدول النامية والفقيرة، وقد اسلفنا اسباب ذلك المتعددة الوجوه ومنها نظام التعليم التقليدي وامكاناته، يترتب على ذلك وجود فجوات تربوية وثقافية وفكرية تباعد بين ابناء المجتمع الواحد، وتجعل الكثير من افراده يعاني تخلفاً واضحاً عن اللحاق بركب التقدم في مجتمعتاهم فضلاً عن الركب العالمي، ووجود هذه الفجوات من فئات الامية وممن فاتهم ركب التعليم والفئات التي تعيقها ظروف عملية واجتماعية من مواصلة التعليم تشكل عائقاً عظيماً في التنمية والتقدم الاقتصادي، كما تقف حائلاً دون انسجام المجتمع من ناحية وعدم قدرته على الانتقال او الحراك الاجتماعي – اشرنا اليه بالتفصيل في البعد الاقتصادي- في تغيير اساليب الحياة وطرائق الانتاج والمهن مما يعد اليوم ضرورة ماسة بحكم التغيير المتسارع للغاية . والتعليم عن بعد انما تتجلى خصوصيته في هذا المجال بالذات فهو نظام يتسنى له تدارك هذه الفئات العريضة وبامكانه سد الفجوات وتلافي الخلل الذي يعترض الانطلاق نحو الاهداف الطموحة للمجتمع، وبذا يمكن القول بان هذا النظام يرمم صوغ المجتمع وهذا دوره في التنشئة الاجتماعية التي هي في تقديري تتم في ادوار وعبر اجيال تبدأ منذ الولادة ولا تتوقف حتى الموت كما ان لكل جيل ولكل زمن تنشئة خاصة به، فالمفاهيم والتقاليد واساليب الحياة والتعامل في حراك دائب ولا تظل جامدة مكرورة الى الابد.  
البعد التربوي:
هذا البعد يمثل الأصل الفاعل في كل الأبعاد الأخرى، فالتربية هي القوة الحقيقية في إحداث الإنقلاب في المجتمعات، وكل العوامل والأبعاد الأخرى الاقتصادية والثقافية والإعلامية والمعنوية والتكنولوجية والسياسية... الخ المؤثر في بناء المجتمع، إنما تتغذى وتترعرع على التربية والتعليم، ولقد اثبتنا في النقاط المتقدمة كيف أن التعليم عمود التربية وركنها الركيز والقاسم المشترك الأعظم، والسبب الرئيس والجوهري في أي تقدم وازدهار اجتماعي ، وسنتناول فيما يلي بعضاً من هذه المعالم لهذا البعد الحاسم حقاً وواقعاً:-
  أولاً: استئصال الطبقية التربوية
     الطبقية التربوية قديمة قدم الإنسان ، فكان التعليم الراقي يُقدم لأبناء الملوك وطبقة النبلاء ، أما العبيد والخدم وغالب الشعب فلا نصيب لهم في ذلك، ثم أصبح التعليم في حد ذاته طبقياً، التعليم العقلي الشريف الذي يليق بمقام أصحاب العقول من الفلاسفة والمفكرين، والتعليم الحرفي الذي يليق بالعمال والطبقات المتدنية التي تعتمد على القوة الجسدية ولا حظ لها في خصوصيات الطبقات الراقية، وحتى في بدايات تنامي الحضارة الاسلامية كان بعض العلماء ينحون هذا المنحى، ويعتبرون أن بذل العلم ينبغي أن يكون لمن يستحق ولا يجوز إتاحته للعوام، لكن روح الحضارة الإسلامية التي تمحورت حول كرامة الإنسان وحرياته تجاوزت كل ذلك بلا هواده ، بل حولت هذا المنحى كل التحويل فكان العلماء وأهل الفكر في الغالب من طبقة الموالي التي كانت تعد في الدرجة الثانية خاصة في عهد الدولة الأمية.
            وفي بدايات القرن الماضي كان التعليم العالي من الرفاهية ومن نصيب الطبقة الارستقراطية، وعلى سبيل المثال كانت غالبية الشعب المصري حتى الخمسينات تعاني من هذه التفرقة والطبقية في التعليم، حيث كان يوفر فقط لأبناء الباشوات والطبقة الارستقراطية من كبار الملاك والتجار، أما أبناء الفلاحين والعمال يكابدون الفقر وزراعة الأرض إلي أن جاءت ثورة يوليو في 1952م فأفسحت لهم التعليم وتوسعت فيه وجعلته حقاً للجميع. وقد يقول قائل أن التعليم الأولي وحتى الثانوي كان متوفراً بما يناسب الكثافة السكانية آنذاك وقد كان ذلك صحيحاً إلي حد ما، ولكن الظروف المعيشية لغالب الناس لا تسمح لهم بالصبر على تعليم أبناءهم حتى التقدم إلي الثانوي والجامعات، وغالباً ما تحتاج الأسر إلي أبنائها للعمل لمساعدة الأسرة في العيش ومقابلة تكاليف الحياة.
            ثم ظهرت مبادئ ديمقراطية التعليم وضرورة تكافؤ الفرص وحق كل الناس في الحصول على فرص التعليم، وطقت على العالم موجة المبادئ المتقدمة والشعارات الانسانية مثل التعليم كالماء والهواء... الخ، ثم قامت المنظمات الدولية فكانت إلزامية التعليم فساعد كل ذلك كثيراً في القضاء على كثير من مظاهر احتكار التعليم، وحرمان الكثير من الطبقات من هذا الحق، وساهم في ذلك تنافس الدولتان الأعظم أبان الحرب الباردة ، إذ كان الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية تقدم المنح لمواطنيها وأبناء الدول النامية وتوفير التعليم في كل مراحله بالمجان، مما دفع الدول الغربية للتباري والتسابق في هذا المجال ، مع أن تكلفة التعليم في تلك الدول خاصة العالي فهي باهظة للغاية. وحتى الثمانينات كانت هنالك فرص لا بأس بها للتعليم حيث أصبحت المنح المحلية والخارجية على نطاق العالم أسلوباً من أساليب الاستماله والكسب السياسي.
الطبقية الجديدة : مع تزايد الكثافة السكانية خاصة في الدول النامية، والاقبال العظيم على التعليم في كل مراحله سيما في مرحلة التعليم العالي مع محدودية مؤسساته، والتكلفة الباهظة في إنشاءها وتأسيسها وعجز الدول المتقدمة عن تحمل اعباءها فضلاً عن الدول النامية، في ظل هذا الوضع برزت موجة التعليم الخاص والجامعات الاستثمارية ، وأصبح التعليم تجارة حقيقية ومجالاً للاستثمار عظيم في ربحه وسريع عائده، ولذا ظهرت الطبقية فيه من جديد، وأصبح التعليم مرة ثانية من نصيب أبناء الأغنياء والقادرين على الدفع وتمويل دراسة أبناءهم وإن كان مستواهم العلمي لايؤهلهم لذلك ، وعاد أبناء الفقراء يندبون حظهم.
            ومنذ بروز نظام التعليم عن بعد ، فإن هذه العقبة وعوائق أخرى كثيرة ومتنوعة انتفت وزالت عن طريق كل من يرغب في مواصلة تعليمه ، إن التعليم التقليدي – وبصفة خاصة – في المرحلة الجامعية أخذت تكاليفه تتصاعد يوماً بعد يوم على الرغم من تزايد الجامعات الحكومية، وتضاعف الجامعات والكليات الخاصة، ومع شروط وقيود هذا النظام الزمانية والمكانية والعمرية، وضرورة التقيد والالتزام بجدول المحاضرات ، كل ذلك حرم فئات لا حصر لها من هذا التعليم ، وأصبح يبشر بطبقية من نوع جديد ، وإذا كان التعليم عن بعد قد استئصل هذه الطبقية وجعل من التعليم خدمة من اسمى الخدمات التي يجب أن تتاح للجماهير العريضة ، وقدم لها هذه الخدمة حيث كانت وكيف كانت استحق أن يكون تعليماً اجتماعياً للجميع ، ونحن نطمح أن يحقق ذلك في السودان فنكمل الفجوة العظيمة الموجودة ونعلم ليس الفائض العظيم من المتقدمين لإمتحان الشهادة السودانية فحسب بل كل من فاته قطار التعليم من الأجيال السابقة.
            لذا التعليم عن بعد هو البلسم الشافي لهذه الطبقية الجديدة ، وهو الحل الناجح لهذه الظاهرة التي تحرم المجتمع من أعداد ضخمة من أبنائه المبدعين والمبتكرين ومن الطاقة العاملة التي تنهض بالمجتمع واعبائه المتزايدة يوماً بعد يوم.
الانتقاء التربوي:-
            الانتقاء التربوي من المنجزات الهامة للغاية التي يقدمها التعليم للمجتمع ، وينبغي أن لا يُفهم من الانتقاء التربوي أنه صورة أخرى من صور الطبقية ، إنه يعني تصنيف المتعلمين في فئات بحسب الامكانيات والقدرات ، بحيث تلبي حاجات التخطيط الاقتصادي وتسمح بتوظيف واستثمار هذه القدرات إلي أبعد حد ممكن، إنه نوع من التنظيم الاجتماعي ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب ، فنجد مثلاً العلماء والبحاث والمبدعين والمبتكرين والأطباء والمهندسين وكبار الاداريين والمحاسبين والفنيين والعمال المهرة.. الخ.        وحرصت الدول المتقدمة على تصنيف الاجيال الصاعدة منذ وقت مبكر بحيث تختصر الوقت والجهد وتوجه كل فئة التوجيه الأنسب ، وتستفيد منها كل الفائدة ، فقد نجد مبدع واحد يسهم في اثراء مجتمعه وتقديم ما لايتمكن منه العدد الضخم من المتعلمين والناس العاديين ، فكل الدول اليوم تحرص على هؤلاء العباقرة وتسعى لأن تقدم لهم كل ما بوسعها لأن العائد منهم جد مثمر ، ولأنهم الفئة التي تساهم حقاً وفعلاً في الوثبة الاجتماعية الكبرى ، ولكن نسبة هؤلاء تزداد بنسبة انتشار التعليم ، ويتم الكشف عن أكبر عدد منهم عندما يتخلل التعليم القرى والبوادي والمناطق المعزولة ، ويشمل جميع فئات المجتمع ، وتعميم التعليم لا يتأتى إلا من خلال أنماط وأنظمة التعليم عن بعد.
            يرى د.ف. سريفت في كتابه(اجتماعيات التربية) أن التصنيف للأطفال بما يسهم في توفير الكفيات العليا في خدمة المجتمع هي من وظائف التربية الرئيسة.


محو الأمية:-
            من أخطر ما تواجهه الأمم وفي مقدمتها دول العالم الثالث داء الأمية ، ولقد بذل العالم أجمع والدول مبالغ وجهود طائلة في سبيل محو الأمية ، ولكن الانظمة التقليدية فشلت فشلاً ذريعاً في استئصال هذا الداء ، ومن المعلوم أن الأمية من أعظم العوائق في التمية والازدهار ، وفي اعداد الأفراد لمقابلة الحياة ، فالتمسك بالعادات الضارة والمفاهيم المختلفة والوهم والخرافات ، وعدم القدرة على استثمار الموارد ، والجهل بقيمة الموارد المتوفرة، والاستهتار والاسراف في التصرف بالمال ، والجهل بتنمية هذا المال ، وضعف الثقافة الصحية ، والاسلوب الضار المتخلف في التغذية والرعاية الصحية ، والتعصب للعادات والتقاليد القبلية المختلفة ، وبإختصار عدم القدرة على استيعاب كل المعاني والقيم الدينية والحضارية في التسامح والتعايش والرقي الاخلاقي والمادي مرده الجهل وضيق الأفق والأمية التي تقف حاجزاً وحجاباً دون تثقيف الفرد لنفسه واستيعاب الجديد وأهداف المجتمع المبثوثة عبر أدوات ووسائل الاعلام المسموع والمقروء، وتحول أيضاً دون استفادته من كل حديث في عالم حرفته وسبل كسب عيشه وفي تربية وتنشئة أجياله التنشئة الحياتية والاجتماعية السليمة.
            وبما أن النظم التقليدية بالرغم من تطويرها في صور حديثة مختلفة لم تؤت ثمارها في محو الأمية ، اتجه العالم منذ زمن إلي تكنولوجيا التعليم عن بعد للقضاء على هذه الآفة الاجتماعية ولقد استغل وسائل الاتصال الجماهيري استغلالاً فاعلاً في هذا الاتجاه ، وكل العالم يعول على هذا النظام الأقل تكلفة والمؤهل عل الانتشار وسط الأعداد الضخمة من الأميين في العالم الثالث ومعالجة هذا التخلف الثقافي لديهم ، مما استوقفني كثيراً الجامعات الشعبية في الدنمارك التي قضت على الأمية منذ القرن التاسع عشر وكان ذلك سبباً قوياً في تحولها الراقي اجتماعياً واقتصادياً ، والجهود التي أثمرت كثيراً في الصين والهند الدولتان ذات الكثافة السكانية الأعظم في العالم . ومما هو جدير بالذكر في هذا المقام أن جامعة محمد اقبال المفتوحة بباكستان تقدم برامج  لمحو الأمية أسهمت كثيراً في مقاومة والحد من الأمية في باكستان.
إعداد وتدريب المعلمين:
            لقد ذكرنا آنفاً أن التربية هي القوة الأولى في التغيير وصياغة المجتمعات ، ودفعها في سبيل الرقي والازدهار المضطرد ، وأدوات ووسائل ومؤسسات التربية في ذلك كثيرة ومتنوعة ، يأتي في مقدمة ذلك العنصر البشري بلا جدال ، فالتربية مهمة جد شاقة وعسيرة ورغم تكاتف جهات ومؤسسات عديدة قد تفشل أحياناً في بلوغ كل أهدافها ومراميها ، ولذا كان العنصر البشري حيوياً من حيث المثال والقدوة والرقيب على النهج ومراقبة الانحراف وتقديمه في كل آن إلي أن يبلغ مداه ، وهذا النهج في حقيقته هو نهج الرسالات السماوية ، فما من رسول إلا أوتي كتاباً ينقل شرع الله ومنهجه إلي البشر ، ومع هذا الكتاب رسولاً ومعلماً ومثلاً كاملاً يتجلى فيه المنهج مثلاً حياً وواقعاً ، لذا وصفت السيدة عائشة رضى الله عنها الرسول صلى الله عليه وسلم بقولها:- ( كان خلقه القرآن ) وعليه فإن العامل الرئيس في التربية والتعليم هو المعلم القدوة والمثل والمراقب والمقدم والراعي للمنهج والتنشئة الاجتماعية للأجيال، وذلك بالتعاون مع مؤسسات المجتمع الأخرى وفي مقدمتها الأسرة ، فالمعلم الكفء هو القادر على تطبيق المنهج واستخلاص ثمراته ، وهو المعالج أيضاً لعيوبه وثغراته ، وبالتالي تعوِّل الدول كثيراً على إعداد وتأهيل المعلمين ، وإزاء معطيات العصر أصبح الإعداد والتأهيل والتدريب يستلزم أن يكون متجدداً ومستمراً بلا توان ولا تراخ لأن المناهج والمعلومات والوسائل متجددة هي الأخرى بدرجة تفوق الخيال ، وأدنى إبطاء يعني الفجوة العظيمة التي يصعب إن لم يكن من المستحيل سدها .
            والتأهيل والتدريب المستمر بحاجة إلي مبالغ طائلة جداً لا تقوى عليها الدول الغنية فضلاً عن الدول النامية والمنهوكة اقتصادياً ، كما أن الإعداد والتأهيل والتدريب بالأنظمة التقليدية رغماً عن تكلفته الباهظة للغاية ، وسلبياته على سير العمل معلومه ، وفوق هذا وذاك فإن المخرجات محدودة للغاية وفي المقابل حاجة المجتمع للمعلمين بأعداد ضخمة . والعالم اليوم وجد ضالته في الإعداد والتأهيل والتدريب عبر التعليم عن بعد ، حيث أسهم هذا النظام في سد الفجوة في العديد من الدول النامية والفقيرة، وبتكاليف معقولة ومناسبة.
المعاقون:-
            الإعاقة لا تنحصر في الناحية العضوية مثل المقعدين والأكفاء وغيرهم ، فقد يكون العائق نفسي لأسباب وظروف اجتماعية كالعنصرية العرقية أو الدينية أو الفقر، وقد يكون العائق طبيعي مثل الأماكن البعيدة والمعزولة وتخلف بنية المواصلات في الدول المتخلفة ،وقد يكون العائق العمل وإعالة الأبناء وعدم القدرة على الجمع بين التعليم والعمل ... الخ ، فالمعطيات في الاعاقة زمانية ومكانية واقتصادية واجتماعية ونفسية ، ولقد تغلب التعليم عن بعد على كل ذلك وتجاوز كل هذه العوائق فكان يحق تعليم اجتماعي يوفر التعليم لكل فئات المجتمع وأفراده وطبقاته ، وبصفة خاصة أصحاب الحاجات والإعاقة أياً كانت .


المرأة والتعليم عن بعد:
            المرأة عنصر عظيم الأهمية في البنيان الاجتماعي ، وهذه مسلمة أدركتها الدول المتقدمة بعمق فعملت على الدوام على توفير الحقوق الإنسانية لها والحقوق الكفيلة ببروز دورها ، وتطوير قدراتها وإمكاناتها الذاتية ومع أن الإسلام قد سبق في ذلك سبقاً عظيماً ، وثمن من دور المرأة وقدم لها ما لم يقدمه أي منهج أو حضارة منذ بدء الخليقة ، فقد اقترن الإحسان إلي الوالدين بعبادة الله في القرآن، وشدد الرسول عليه الصلاة والسلام في التوصيه على الأم وجعلها أحق الناس بصحبة الإبن، وفي الأثر أن الجنة تحت أقدام الأمهات.
            وقد أكدت الأبحاث الاجتماعية والتربوية أن المرأة المتعلمة والواعية من العوامل الحاسمة في نجاح الأسرة وبالتالي المجتمع ، فمن البديهي إذا الحرص على تعليم وتثقيف وتوعية هذا العنصر الهام في بناء المجتمع.
            وفي المجتمعات التقليدية هناك ظروف كثيرة تحيط بالمرأة وتحول دون تعلمها أو مواصلة التعليم فيها، منها التقاليد والعادات والفهم الخاطئ لروح الدين ومقاصده وتعاليمه والركون إلي العرف ومعايير المجتمع ، ومنها طبيعة المرأة التي لاتحتمل التنقل أو الاغتراب عن الأسرة ، والعيش بعيداً حيث الجامعات المقيمة ، ومنها ظروف الحمل والوضع والرضاعة... الخ ، والأهم من ذلك دورها في تربية الأبناء والاضطلاع  بمهام الأسرة مما يجعل استقرارها في المنزل هو الوضع الأمثل لها من عدة وجوه، والقرار في البيت يتعارض مع طبيعة ونظام التعليم الوجاهي أو الحضوري ، لذا كان التعليم عن بعد هو النظام الأمثل للمرأة حيث ينقل إليها التعليم في مكانها دون كد أو تعب .
            وبذلك يسدي هذا النظام للمجتمع خدمة تجل عن كل وصف ومبالغة إذ يسهم في تعليم المرأة نصف المجتمع ومربية الأجيال.
البعد الإعلامي
كنت أريد أن أضمن هذا في البعد الثقافي أو التربوي، ولكن وجدت إن في ذلك إجحافاً قد يظنه البعض جهلاً وغفلة عظيمة عن دور الإعلام اللا محدود اليوم، فالإعلام هي القوة الحقيقية في السلم والحرب، وهي التي تغزي الناس صباح مساء في أركان الدنيا وتعدل وتغير في اتجاهات وميول ورغبات الناس بسحر بالغ، وتحرك الجماهير وتدفعها دفعاً لا هوادة فيه إلي اقتحام الأهوال، فالإعلام بوسائله الحديثة خاصة بعد التقديم المذهل في تكنولوجيا الاتصال عبر الفضاء أضحى قوة لا تضاهى.
والإعلام والتربية وإعداد المجتمعات تتلازمان تلازماً لا فكاك عنه، فكل مؤسسات الإعلام هي مؤسسات اجتماعية تهدف إلى بناء المجتمع ثقافياً وسياسياً واقتصادياً ومعنوياً ......الخ وبالتالي اجتماعيا، وكذلك مؤسسات التربية تصب في ذات المصب وتنطلق من ذات الأهداف والمرامي، ولذا كثيراً ما استفادت التربية من أوعية الأعلام، ولم تجد أوعية الأعلام مادة لها أفضل من المواد التربوية، بل الأحرى أن كل موادها تربوية في حقيقة الأمر سواء كانت جادة أو ترفيهية، ايجابية أو سالبة فالإعلام من خلال برامجه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إنما يربي المجتمع ويعيد صياغته بحسب توجهات الدولة والنظام.
والإعلام اليوم أضحى أمضى أنواع الأسلحة وأعظمها فتكاً إذ يوظف توظيفاً فاعلاً في الغزو الفكري والثقافي، والاستلاب المعنوي والعصف بقيم وثوابت الجماعات والأمم من قبل الدول المسعورة باستعباد الآخرين التي تسعى إلى تطويع العالم بطابعها الثقافي والفكري والاجتماعي والسياسي تستغل الإعلام أيما استغلال، وتمارس أبشع ألوان الاغتيال وسحق الآخر والهيمنة على عقله وفكره وروحه من حيث يدري ولا يدري، وذلك بما يتوافر لها من قوة إعلامية وخبرة عميقة في تكنولوجيا الاتصال وتصميم وإخراج وعرض المادة الإعلامية.
وأتقنت تلك الدول إصابة الأهداف بجدارة فائقة، والكيد والتضليل ودس السم في الدسم بما يسهم في امتلاك العقول واستسلام النفوس، وتهافت الناس وراء المرامي الخبيثة، ولقد صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث قال( لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) أو كما قال .
            فالإعلام من أقوى السبل في نهضة المجتمع، واستنهاض الهمم، ونشر المعرفة والعلم والثقافة، وهو أيضاً من أنجع الأدواء في مقاومة الغزو والاستلاب الفكري والمعنوي، وذلك بعد إجادة سبله ووسائله والتضلع في علومه وفنونه، وهذه الأبعاد تجعله في تداخل وتشابك عظيم وبصفة مباشرة مع التربية والتعليم بصفة عامة، ومع التعليم عن بعد بصفة خاصة، لأن هذا النظام يتخذ من وسائط الاتصال الجماهيري مرتكزاً وعموداً وسبيلاً لا حياد عنه في نقل المحتويات والمضمون والاتصال بجميع فئاته المستهدفة وغير المستهدفة ألا وهي فئات المجتمع أجمع، وأكثر ما يحرص نظام التعليم عن بعد على وسائط الاتصال الجماهيري مثل الراديو والتلفاز، ومن هنا فإنه حقيقة التعليم الاجتماعي والجماهيري أضحت روحاً وجوهراً ومظهراً للتعليم عن بعد، بل أن مسميات بعض الجامعات المفتوحة تعكس هذه العلاقة الوثيقة بين الإعلام والنظام وبوضوح تام مثل جامعة الراديو والتلفزيون (الصين) جامعة الهواء (اليابان) ، فهذا النظام من خلال الإعلام الجماهيري يقدم خدمات تعليمية وثقافية معرفية لاتقدر بثمن، وتستفيد منه جموع لا تحصى فضلاً عن المنتسبين فعلاً لمؤسسات التعليم عن بعد، وهناك احصائيات ودراسات لمؤسسات مفتوحة عن المستفيدين من غير الفئات المستهدفة من التعليم المفتوح حيث ثبت أنها أعداد ضخمة ، ومن هنا ينبغي على القائمين على هذا النظام من استغلال هذا البعد الإعلامي الخطير والفعّال بلا حدود في توجيه المجتمع الوجهة السليمة، وفي مقاومة الهجمة الحضارية، وفي ترسيخ ثوابت الأمة وتغذيتها بالجديد النافع ، وتنقية الفلسفات والأفكار والمذاهب القادمة، والاستفادة منها دون الانجراف معها والذوبان فيها وذهاب هوية الأمة، وذلك من خلال البرامج المختلفة التي تبثها مؤسسات التعليم عن بعد، والندوات والمؤتمرات وفتح باب الحوار مع الشباب والأجيال الصاعدة، وتنظيم الملتقيات مع الأجيال المختلفة فالجامعات المفتوحة من أخصب البيئات والمجتمعات التي تتلاقح فيها مختلف الأجيال من أنماط وفئات المجتمع، فمن البدهي أن هذا النظام أكثر تأهيلاً وكفاءة وقرباً من  الإعلام من أنظمة التعليم الأخرى.
ويمكن أن نلخص دور التعليم عن بعد في هذا المجال الخطير في التالي :
  1. توحيد الوجهة الوطنية والسياسية والاجتماعية وترسيخ ثوابت الأمة العليا.
  2. تنمية النضج والوعي الإعلامي واستئصال الضحالة والسذاجة في التعامل مع معطيات الإعلام من سرعة الاستجابة للشائعات والتشويش والتضليل الإعلامي خاصة من قبل الأعداء.
  3. بناء مناعة كافية لمقابلة أجندة الغزو الفكري والثقافي تمهيداً للسيطرة المطبقة على الشعوب فكرياً وسياسياً واقتصادياً في ظل منهج العولمة الجارف والهادف لاستئصال الآخر بكل الوسائل والسبل.
  4. تنقية الثقافة المحيطة وغربلتها والاستفادة من الصالح واستثماره إلى أقصى حد ممكن انطلاقا من الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها أخذ بها، والتخلص من الغث والفاسد حتى نقي الأمة عواقب الانسياق الانحطاط والهلاك.
  5. تعميم التعليم والثقافة الضرورية الملحة كالثقافة الصحية والعادات الغذائية المفيدة، والوعي الإقتصادي والإجتماعي والسياسي حتى يبنى المجتمع على أسس سليمة، ونؤمن الوطن غوائل الدس والفتنة والتأخر الداخلي والخارجي.
  6. التعمق في دراسة الإعلام وتقنياته ووسائله وأساليبه وكل ما يتعلق به بهدف التقدم في هذا المجال، واستغلاله الاستغلال الأمثل في خدمة المجتمع في كل مناشطه ومناحي حياته.
البعد التكنولوجي
مصطلح التكنولوجيا من أكثر المصطلحات وإثارة للجدل والنقاش، وهو في المبدأ يوناني الأصل ومكون من مقطعين (Techno-Logia)   والجزء الأول (Techno)   تعني مجموعة الأساليب والفنون والمهارات الإنسانية، والجزء الثاني يعني المنطق(logia ) فيكون المعنى المنطق الذي يوجه ويؤطر هذه الفنون والأساليب، وبالتالي فهي تعني كل معرفة فنية تنطوي على منطق وتبعت حول الجدل والحوار. ( الرشيد قرشي مجلة المستقبل العربي/ العدد 37 -1982 ص 86).
ولقد عرف عالم الاجتماع (أوجيرت ogurn) التكنولوجيا : (بأنها التطبيقات العملية للاكتشاف العلمي) التربية وقضايا المجتمع المعاصر د. محمد أحمد موسي –ص 159).
ومن التعاريف المشهورة أنها (التطبيق النظامي للمعرفة العلمية)، فالتكنولوجيا ليست المعدات والأجهزة والمصانع الحديثة وليست هي الحاسوب كما يتوهم الكثيرون، أنها المنهج العلمي في التفكير والأسلوب المنظم في العمل بما يسهم في حل المشكلات المتجددة وتطوير العمل إلي أقصى حد ممكن من حدود الدقة والإتقان والأحكام ولذا أيضاً من تعريفاتها المشهورة بأنها:
(علم جودة الأداء) فهي علم محايد يسعى له كل علم وميدان بغية التجديد والتطوير والإتقان، وهذا المبدأ السامي في إجادة العمل وإحسانه وإتقانه دعا إليه ديننا الحنيف بقوة وجعله من المراتب العليا في الدين، فالإحسان من أعظم المراتب التي يسعى إليها المسلم في التقرب من الله تعالى، وتجويد العمل حث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بشدة بقوله:
(إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).
فالإنسان إذاً هو المبدأ والمنتهى في التكنولوجيا، فهو الذي يملك العقل المفكر المبدع للمعايير والموازين التي تضبط جودة العمل، والإنسان هو الذي يستخدم مخرجات هذه التكنولوجيا، وهو الذي يوظفها ويوجهها في أعمال الخير أو الشر، وأخيراً هو الذي يقوم بمهمة التقويم يهدف المزيد من التطوير والدقة. فالتكنولوجيا هي بعد إنساني في حقيقته، ونشأت بهدف حل المشكلات في مجتمع ما ثم متابعة تطوير هذا الحل لتلبي حاجة الناس وكما قيل إن الحاجة أم الاختراع، ولذا فأن تكنولوجيا أي بلد من البلاد تحمل في طياتها الطابع الفكري والفلسفي والأخلاقي والمعنوي لهذا المجتمع أو بعبارة أخرى تعبر عن ثقافة المجتمع الذي نشأت فيه، وفي هذا الصدد يقول د. محمد أحمد موسى :
(التكنولوجيا لا تشتمل على هيكل من المعرفة والمهارات فحسب وإنما هي أيضاً نتاج اجتماعي بالدرجة الأولى فهي ليست شيئاً منفصل عن المجتمع، أو لها تطور مستقل عنه وإنما هي التطبيق العلمي لما يبتكره الإنسان في مجالات الثقافة المادية بالإضافة لكل ما يتعلق بذلك من معارف ومهارات وتنظيمات ووسائل التكيف، وما يترتب على تلك العملية التطبيقية من تفاعل اجتماعي).
ومنذ زمن بعيد تتحدث الدول النامية عن نقل التكنولوجيا وهذه مغالطة ووهم لا يغنى عن الحق شيئاً فهذا النقل لم يكن البتة للتكنولوجيا نفسها، ولكن لمخرجات التكنولوجيا ولا تزال هذه الدول تدور في الحلقة ذاتها وهى استهلاك ما ينتجه الغرب والدول المتقدمة، ونجمت عن ذلك مشاكل أخرى منها إن التكنولوجيا المنقولة إنما أعدت لحل مشاكل وظروف وخدمة مجتمعات أخرى تختلف مظهراً وجوهراُ عن الدول النامية، كما ان التكنولوجيا المنقولة ركزت الثروة في أيدي قلة ساهمت في الفجوة الطبقية المشاهدة التي لها آثارها الوخيمة المتمثلة في الصراع الطبقي والتناحر الاجتماعي والثورات المدمرة.
يعلق د. محمد أحمد موسى على مشاكل التكنولوجيا والدول النامية بقوله( إن شراء المنتجات التكنولوجية من خلال هذا الأسلوب الخالي من التكنولوجيا لا يؤدي إلى عدم حيازة العلم والتكنولوجيا فحسب وإنما يؤدي أيضاً غلى تفادي التكيف المتبادل والى إطالة حالة التوتر الفكري والاجتماعي).
واخطر ما في ذلك يؤدي إلى حالة التخلف وعدم القدرة على سد الفجوة التكنولوجية، وستظل الدول النامية في حالة تلقي واعتماد كامل على ما يأتيها من بلاد التكنولوجيا. ويعلق أيضاً على هذا الوضع الواقع اليوم بقول:
(وفي النهاية يؤدي- أي هذا الوضع- إلي التبعية التكنولوجية التي تؤدي بدورها إلي التبعية السياسية والاقتصادية).
مما تقدم يكشف لنا علاقة التكنولوجيا الوثيقة بالإنسان وطرائق تفكيره وقدرته على إيداع الحلول لحل مشكلات مجتمعه، وبالتالي فهي ذات علاقة وثيقة بالتربية والتعليم ويذكر الباحثون أنها تقوم في الأساس على ثلاث مراحل متلاحمة:-
  1. المعرفة
  2. التنظيم أو التطبيق العملي.
  3. الانتشار في المجتمع
وبما أن التكنولوجيا تقوم على المعرفة فلا بد إذاً من التعليم والبحث العلمي وافر كان لا بد لها من الانتشار في المجتمع فلا بد أيضاً من توافر نظام تعليمي يضمن حق التعليم للأغلبية الغالبة من أبناء المجتمع لأن توسيع دائرة التعليم يوسع من دائرة توفر أصحاب العبقرية والإبداع والاختراع، ويجعل من العلم والبحث والتكنولوجيا جزاءاً من حياة المجتمع وحركته ومما يذكر عن مزايا نظام التعليم في الاتحاد السوفيتي السابق انه تمكن من تنظيم شعوبه البالغ عددها 250 مليون تقريباً بحيث يكون الفرد واحد من ثلاث أصناف أما باحثاً أو في سلك التعليم أو عالماً مخترعاً .. وأرسل قمراً صناعياً عام 1957 مما جعل الولايات المتحدة في اضطراب عظيم وجعل الجميع فيها يتساءلون.
ماذا يتعلم أبناءنا في المدارس؟ واتجهت أمريكا بالكلية إلى مجال التعليم وأدركت أن التقدم العلمي والتكنولوجي قضية تعليم في المقام الأول.
وبما أن البعد التكنولوجي المؤثر حقاً في تطوير المجتمع والدافع به نحو الرقي، وحل مشكلاته الاجتماعية المتجددة المختلفة بحاجة واضحة إلى توسيع دائرة البحث العلمي وتعميم التعليم ، فإن انسب نظام تعليمي يناسب مجتمع التكنولوجيا هو نظام التعليم عن بعد.
ومما أدركته الدول النامية إن التكنولوجيا في الأساس هي الإنسان المبدع لذا أضحت تتسابق على استنزاف العقول، وتشجيع هجرات العلماء إليها بكل ما تملك وتغريهم وتوفر بكل ما تملك من الإمكانات المادية تبسط لهم الرفاهية، مع إتاحة كل أدوات البحث العلمي، ووسائله، وبذلك خسرت الدول النامية من وجهين:
الأول: المبالغ الطائلة التي أنفقتها على هؤلاء العلماء .
الثاني: أن هؤلاء العلماء ذهبوا ليحلوا مشاكل المجتمع الجديد ولن تنال الدول النامية فائدة تذكر من هذه البحوث .
يقول د. محمد أحمد موسي (فالتكنولوجيا ليست وسيلة محايدة بل تنقل معها مفاهيم وقيم اجتماعية وسياسية من المجتمع المبتكر إلى المجتمع الناقل، وبالتالي يصبح التعليم والبحث العلمي هو صمام الأمان الذي يصفي الآثار المصاحبة مما يتلاءم مع خصوصية الثقافة المنقولة إليها)
في تقديري أن التكنلوجيا ينبغي أن تنبع خالصة من مجتمعها ومن ثقافتها وقيمها حتى تنهض حقاً وفعلا بهذا المجتمع، والا سيكون نقلاً صورياً ومصطنعاً ومزور ولا قيمة له.
كما ان الدول النامية مقبلة على تحد جد عظيم الا وهو محو الأمية المعلوماتية بالإضافة إلى محو الأمية التقليدي، فاذا لم تسرع وتشيع المعرفة الحديثة نظرياً وتطبيقياً ستقع في الفجوة التكنولوجية والتخلف المعرفى عن عصرها وهي لما تستأصل الأمية التقليدية  واذا كان الجميع يعوّل كثيرا على التعليم عن بعد وآلياته في القضاء على الأمية، فأن نشر التكنولوجيا وعلومها الحديثة وإحكام التعامل مع أحدث وأعظم مخرجاتها (الحاسوب) بان ذلك سيضيف ايضاً عبء جديداً على نظام التعليم عن بعد، وفي ضوء هذا الطغيان التكنولوجى ظهرت اليوم مجالات جديدة في التربية في العالم المتقدم منها:
1-      التربية التكنولوجية .
2-      التكنولوجيا في التربية .
ونحن نتطلع إلى ذلك مجتمع التكنولوجيا دون التفريط قيد أنمله في القيم والثوابت فالعلاقات الإنسانية والتراحم والتكافل الاجتماعي اضمحل إلى أبعد درجاته في تلك الدولة وحلت الماكينة والإنسان تلالي محل الإنسان الذي أصبح لا قيمة له، ونحن سيظل الإنسان هو القيمة الحقيقية الثابتة فهو خليفة الله المكرم وبدونه لا يتأتى عمران الدنيا بل الآخرة، وهو المحور الذي عليه مدار الأمر في حضارتنا الإسلامية.
ومن المعلوم إن التكنولوجيا صاحبت التعليم عن بعد منذ البداية بل قبل البداية، وكان هذا النظام يعد مجالا من مجالات تكنولوجيا التعليم ثم استقل عنها بعد إن توسع توسعا عظيماً وبدأ يأخذ مكانته وكينونته كميدان قائم بذاته، لكنه سيظل على علاقة وثيقة لا انفصام لها مع تكنولوجيا التعليم .
(هناك علاقة وطيدة بين التعليم المفتوح وتكنولوجيا التعليم وقد أكد كثير ممن الباحثين أهمية هذه العلاقة ودور تكنولوجيا التعليم في نجاح نظام التعليم المفتوح) تكنولوجيا التعليم المفتوح - ص37.
ديري (دافيد 1991) (إن ما يتيحه التعليم المفتوح من فرص تعليمية هو نتيجة توظيف تكنولوجيا التعليم ) نفس المصدر ص 37.
ويشرح على محمد عبد المنعم هذه الصلة الوثيقة بين التعليم المفتوح وتكنولوجيا التعليم بقوله.
(إن نظم التعليم المفتوح لم تظهر بصورة مكتملة إلا بعد ظهور مجال تكنولوجيا التعليم في منتصف الستينات كميدان تربوي متمايز بعد إن تأثرت بحركة التعليم المبرمج وبالدراسات التي أظهرت إن مواقف التعليم لا تقتضى بالضرورة إن يكون المعلم المصدر الوحيد للتعليم ولكن تقتضي وجوده كمصمم للمواقف التعليمية كمرشد موجه كما أظهرت أن المتعلم قادر على أن يتعلم بمفرده إذا اتيحت له فرصه التعامل مع المادة التعليمية بصورة تسمح بالتفاعل المباشر بينه وبينها – (نفس المصدر / ص 38).
وفي الختام تؤكد نجوى يوسف (1995) بأن(استخدام التكنولوجيا من القضايا الأساسية في مجال التعليم المفتوح، لان مبادئ التعليم المفتوح مهما بلغت.... لن تتحقق بشكل فعال وبدور كامل إلا إذا تم تنفيذها بمساعدة تكنولوجيا التعليم التي تمكن من تفرد التعليم وتحقيق المتعلم لذاته وزيادة حريته وتقديم بيئة تعليمية تتناسب مع رغبات وقدرات كل متعلم).
لذا فإن نظام التعليم عن بعد هو أقدر الأنظمة على تلبية المطلب التكنولوجي الملح لهذا العصر، والمؤهل في نقله للأفراد والجماعات ومختلف الفئات في المجتمع، وتحقيق التربية التكنولوجية التي طغت وستطغى على كل تفاصيل الحياة في المستقبل القريب .
البعد البيئي
البيئة اليوم هي الشغل الشاغل للعالم أجمع، ويبدو إن الكثير من المعيقات التي تواجه الدول المتقدمة تتأتى في المرتبة الأولى من مشاكل البئية . وهي المشاكل البيئة الناجمة عن التطور الصناعي والتكنولوجي، أن تلوث البيئة في هذه الدول شكل ضربات قاصمة فت في عضد هذه الدول، وأثرت تأثيراً بالغاً على صحة الأفراد ومصادر الطعام والشرب، وخالط الناس في منازلهم وشوارعهم، ومنافذ التنفس من حدائق ومنتزهات وشواطئ وأسباب التلوث النفس البشرية بأمراض التنفس والضيق فضلاً عن ألوان السرطانات وغيرها من الأمراض الفتاكة فها هو ثاني أكسيد الكربون يملأ الأجواء ويتنفس الناس غازاً قاتلاً ومصادر المياه لوثت بفضلات الصناعة، بل الكائنات البحرية في الأعماق أبيدت بالتفجيرات النووية والتي تتولد إشعاعاتها بلا نهاية، وما حادثة شرنوبيل ببعيدة عن أذهان الناس وفي بعض الدول النامية دفنت النفايات، والأرض التي أنهكت نتيجة الزراعة فيها قرونا عددا فاستبدل السماد الطبيعي بالصناعي مما نجم عنه إن الناس يتعاطون حقيقة لكيماويات والأسمدة القاتلة مغلفة بالخضروات وهى ليست خضروات في الحقيقة فطفحت الأمراض الجلدية والفشل الكلوي .الخ والأدهى من ذلك ثقب الأزون الذي يتوسع يوما بعد يوم فارتفعت حرارة الأرض مما يهدد بخطر حقيقي لدرجة أن بعض الأبحاث تذكر بأنه خلال المائة عام القادمة سوف تكون البقاع الصالحة لعيش الإنسان هي المحيطات المتجمدة فقط في أقصى الشمال، والجنوب بسبب الحرارة المرعبة التي ستعم الأرض.
في ضوء ذلك قامت الجمعيات والمنظمات والهيئات لأجل إنقاذ البيئة وحماية الإنسان، ومن أبرزها في أوربا حزب الخضر المشهور عالمياً.
ونحن المسلمين في الواقع والحقيقة أولى الناس برعاية البيئة على اعتبار أنها من أعظم نعم الله على العباد، والمحافظة على النعم من أداء واجب الشكر وأعظم القربات إلى الله تعالى، ويكفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار) أو كما قال ومن سنته الشريفة المنع القاطع للناس من التبول والتبرز في مصادر المياه والأمر بتنظيف الأفنية والدور وإماطة الذي عن الطريق بل الأمر بفلاحة الأرض وزراعتها لدرجة إن الحديث يشجع على عمران الأرض حتى في آخر لحظة من حياة الإنسان ( إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة واستطاع أن يغرسها فليغرسها) أو كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم). ولا زال السودان بخير وفي مأمن إلى حد كبير من غوائل التلوث وانتهاك وتدمير البيئة، لكنه بحاجه إلى وعي بيئي ضخم ومكثف بلا حدود، ويحتاج إلي نشر هذا الوعي في كل أنحاء السودان من أقصاه إلى أقصاه للمحافظة على ثرواته المتفردة التي لا مثيل لها في العالم كله، حيواناته البرية المتوحشة والأليفة، غطاءه النباتي وغاباته التي بدأ يتهددها سوء الاستغلال والجفاف والتصحر، مصادر مياهه الكثيرة التي تحتاج أيضا إلى تنمية وإضافة باستغلال المياه الجوفية في المناطق البعيدة عن النيل والأنهار الموسمية ...الخ.
أصبح علم البيئة اليوم من أهم العلوم وأرقاها لأن الوعي بها وإجادة تقنية المحافظة عليها امراً ليس سهلاً، وإذا كانت الدول الأقل حظاًَ بنعم وتنوع البيئة تسعى إلى تطوير دراستها والاستفادة منها كل الفائدة، فنحن أولى بذلك فالآن في أوربا دراسات واستثمار الطاقة البديلة المتجددة كالطاقة الشمسية والمتولدة من الرياح والمياه تجرى على قدم وساق وبلغوا فيها شأواً عظيماً وذلك من ناحية اقتصادية لرخصها ومن ناحية بيئية للمحافظة على سلامة البيئة لأنها خالية من آثار التلوث الناجمة عن مصادر الطاقة الأخرى مثل البترول والطاقة النووية، فهي مأمونة لأبعد الحدود ونحن في الدول النامية سيما السودان – ماأغنانا- بهذه المصادر.
وفي تقديري أن نظام التعليم عن بعد يمكن أن يسهم في ذلك إسهاما عظيما ينشر الوعي البيئي من ناحية، وبإتاحة برامج دسمة وفعالة للدارسين في العلوم البيئية وفي هندسة الطاقة المتجددة فيكون بذلك قد طرق مجالات جديدة ومؤثرة للغاية في نماء المجتمع وسلامته وتقدمه في مدارج القوة والرقي.
وإدراك قيمة البيئة في رقي المجتمع وصحة أفراده النفسية والعضوية بحاجة الي مجهود عظيم واستغلال موارد البيئة دون تدمير وأثار جانبية بحاجة الى علم وتكنولوجيا متقدمة، والاستفادة من تجارب الآخرين ونشر ثقافة بيئة متقدمة لا مناص من أن تكون عامة تشمل الدولة كلها بمحيطها الجغرافي علي الأقل وان لم تشمل المساحات المجاورة ذات العلاقة لان أثارها عضوية والضرر اللاحق بآي منطقة من المناطق ينعكس على البقية آجلاً أم عاجلاً ، ونتيجة لذلك فإن هذه الثقافة أيضا يجب أن تشاع في المجتمع بفئاته وطبقاته وأفراده بما يشكل وعي بيئي لدى الغلة الغالبة ويسهم في نهوض المجتمع.
إشاعة الثقافة والوعي وإدراك بعد البيئة الحيوي في حياة الإنسان يتأتي بدرجة أفضل وأقوى لنظام التعليم عن بعد والإعلام وكما ذكرت في موضع آخر إن العلاقة بين المجالين وطيدة ومتداخلة والتضافر في خدمة هذا الجانب –الذي أضحى قبلة الأنظار ومحط الاهتمام العالمي – سيحقق في تقديري كثيراً من الأهداف المرجوة.
البُعد السياسي:
            مما تقدم يتبين لنا دور التعليم بصفة عامة والتعليم عن بعد بصفة خاصة في الازدهار الاقتصادي وإعداد الطبقة العاملة ، والانسجام الثقافي ، والاسهام بقسط وافر في البعد الأمني والاستقرار الداخلي ، وصد العدوان الخارجي .
            ومن المؤكد إذا ترعرع الفرد في مجتمع سليم معافى ، يعمم التعليم ويذلل عوائقه بما يزكي أرواح الناس وعقولهم ، ويشيع الثقافة النافعة بين الناس التي تنمي المحبة والتفاهم والتقارب والتمحور حول الأهداف الوطنية والمستقبلية العليا ، ومما يجعل الوطن كنفاً رحباً يسع الجميع على اختلاف الوانهم واعراقهم وعقائدهم ومشاربهم ، وفي تقديري أن الثقافة القائمة على الإسلام هي الأوفى بمواصفات هذا التسامح والتعايش .
            وكل الأبعاد التي تساهم في نهوض المجتمع والتي تطرقنا إليها بالتفصيل وأثبتنا أن التعليم عن بعد يشكل القاسم المشترك الأعظم فيها . نعمل أيضاً بوجه أو آخر في الجانب السياسي الذي يمكن أن يقلب الموازين رأساً على عقب وفي زمن قياسي إن لم يكن مؤسساً تأسيساً سليماً سيما في البلدان النامية التي لم تستقر بعد على نظام سياسي واجتماعي راسخ.
            إن التقدم في مجالات التعليم والثقافة والاقتصاد وغيرها من المؤثرات الفاعلة في بناء المجتمع ، تساهم بقدر موفور في صياغة الإنسان الواعي الذي يعي جيداً معاني الحقوق والواجبات ويؤدي دوره السياسي حق قيام فيكون نافعاً حقاً لنفسه ومجتمعه ، ولا يمكن أن يكون مرتعاً خصباً للغش والخداع والاستغلال والنهب السياسي حيث يساق الناس سوق الأنعام، وتضيع أعمار الناس وأجيالهم من أجل الكسب السياسي لصالح أفراد قلة منطقهم وهدفهم الاعلى المجد والكسب الشخصي لا غير .
            والتقدم في الوعي السياسي والرقي في هذا المجال الهام والخطير أمراً شاق للغاية، ويحتاج إلي زمن طويل ، وتجارب غنية وكبيرة ، ونرى اليوم دولاً متقدمة في كل المجالات وذات أثر عظيم في سياسة العالم ولكن بالنظر إلي واقع الوعي السياسي في مجتمعاتها نجده محدوداً ومشوشاً ، وتسيطر عليه جماعات محدودة العدد وتوجهه الوجهة المطلوبة في خدمة أجندتها الخاصة مما يسمى بجماعات الضغط أو اللوبي كما هو مشهور.
            وعدم الوعي السياسي والنضج الكافي يولد الفتن وألوان الصراعات القبلية والعرقية والعقائدية، ويبدد طاقات المجتمع ، ويزعزع استقرارها ، ويجعلها تغوص في أوحال التخلف والاحتراب .
            إن الثقافة السياسية المرتكزة على أسس سليمة ونهج قويم تنبع من مجتمع يفيض فيه التعليم ، وتحكم أفراده قواعد النهج العلمي في التفكير والعمل والتصرف وحل المشكلات ، أما وجود فجوات ثقافية وتعليمية وعلمية ، وقلة متميزة في هذه الجوانب ، وغالبية أمية ساذجة سيوول بالمجتمع إلي مهاوي البغضاء والكيد وغوائل الفتن والثورات المدمرة ، إذا نحن بحاجة إلي غالبية متعلمة ومتقدمة فو توجهاتها وطرائق تفكيرها وسلوكها الحضاري إزاء الاختلافات والصراعات حتى نبني البناء السياسي الذي نطمئن له ونعول في ذلك كثيراً على هذا النظام من التعليم .
البعد المعنوي:
            الأبعاد السابقة المطروقة من أبعاد تربوية واقتصادية وثقافية وإعلامية ، تصب كلها في هذا البعد الهام للغاية على مستوى الأفراد والجماعات ،فالصحة النفسية تنسحب على صحة المجتمع نفسياً وبدنياً ، ولقد جعل طب المجتمع – من أحدث مجالات الطب – الأمراض الوبائية والأمراض المستوطنة والمتفشية على نطاق واسع ميدان دراساته وأبحاثه ، كما جعل في مقدمة همومه أيضاً الأمراض النفسية المتفشية في مجتمع ما ، ويركز علم النفس الاجتماعي أبحاثه في هذا الاطار أيضاً ، إن الكثير من الأمراض النفسية مردها الجهل والفقر والأوهام التي تفترس الأميين وأنصاف المتعلمين ، وفي المقابل فإن الشعوذة والسحر والدجل واصطياد السذج يتفشى في المجتمعات المتخلفة الجاهلة ، وثبت أيضاً أن هناك علاقة وطيدة بين الكثير من الأمراض النفسية والعضوية .
            إن الارتقاء بحياة الأفراد تربوياً واقتصادياً وثقافياً يصوغ إنساناً قوياً في نفسه، وواثقاً في مجتمعه ، متفانياً في خدمته والولاء له، إذ يجد فيه الأمن والأمان وتقدير الذات والكنف الجميل الرحب، وهذا في حد ذاته أي البعد المعنوي الكافٍ في تنشئة اجتماعية مثلى تكون حصيلتها أفراداً أصحاء صحة متكاملة الجوانب ، وهذه مؤهلات المجتمع المعافى المزدهر الواعد بالخير الموفور.
            وعلى الرغم من أن أدبيات علم النفس الاجتماعي تقرر أن طبيعة الحياة ووتيرة المتغيرات في كل مجتمع تتحكم في لونية ومواصفات الأمراض النفسية الاجتماعية ، فالأمراض النفسية والاحباطات العامة المتفشية في الدول المتقدمة والثقافات الغربية غير تلك المنتشرة في الدول النامية، إذ أن الغنى الفاحش والرفاهية الفائقة قد تكون أيضاً سبباً في تفشي أمراض نفسية مثل الفقر على السواء فيتعادل طرفي النقيض في النتائج العامه وقد يكون الاختلاف في الأسباب ونوعية الأمراض ، فعلى سبيل المثال أن أمراضاً اجتماعياً مدمرة مثل تعاطي المخدرات والخمور والهروب من الواقع سواء كان رتيباً ومملاً ولا جديد فيه على الرغم من ثرائه وملذاته اللامحدودة ، ومن المحزن أن هذه الأمراض عينها بدأت في الانتشار في المجتمعات الفقيرة كمهرب أيضاً من واقع مرير وبتشجيع من المافيا العالمية لاصطياد أموال الأغنياء في الدول الفقيرة فينتشر ذلك في المجتمع كله انتشار النار في الهشيم .
            ومن نتائج العولمة وتطور تكنولوجيا الاتصال المضطرد أضحى العالم قرية صغيرة أو ادنى من ذلك، ونجم عن ذلك انتشار ثقافة عريضة تحمل في طياتها العنث والثمين ، الصالح والطالح ، وبالأحرى فإن فيها من السم الزعاف والمدمر أكثر بكثير من الطيب النافع ، وبذلك فإن الدول النامية عرضه لأمراض نفسية واجتماعية ولتدمير معنوي عارم إذا لم تلتفت وتعي ذلك جيداً ، وتعالج هذا الخطر البالغ المعالجة المناسبة ، ومن أقوى المعينات في نقص المناعة والمقاومة والاختراق السهل هو الجهل بالدين الحنيف والتعليم المتدني والثقافة الضعيفة والمشوبة بالخلل ، والخواء الفكري المستعد لتقبل أية مادة أياً كان نوعها ومصدرها .
            ونحن المسلمين في ديننا وثقافتنا وموردنا المعنوي حيوية كتب لها الخلود بترتيب إلهي عليم حكيم، فهذا النهج الخاتم ، وهذا النبع الفياض بكل خير إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها، وفيه ما فيه من سياج منيع وحصر معين من الأمراض النفسية والاجتماعية الفتاكة ، ولقد صدق المعصوم صلى الله عليه وسلم بقوله: (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي ).
            وينتظر من التعليم عن بعد ومؤسسته الفتية الواعدة جامعة السودان المفتوحة من قيم ومثل وتراث البحث عن أمثل المناهج والبرامج في تكييف وتأطير هذا الرصيد الضخم وهذا البلسم الناجع وتقديمه في فعاليات ومناشط الجامعة، وأن تعمل في دأب دائم، وحراك مستمر لا يهدأ له بال بحيث يتخلل ذلك كل مفاصل المجتمع وهياكله وباطنه العميق وظاهره حتى نطمئن إلي أداء الواجب على الوجه الأكمل، وتقدم الدور الأمثل نحو هذه الثغرة الهامة التي نستشعر مخاطرها وتمددها في مجتمعاتنا فعلاً وحقاً، وهيهات هيهات أن نؤتى من قبل هذه الثغرة.
معيقات التعليم عن بعد:
عندما نتحدث عن العوائق أو المعيقات يجدر بنا أن نفرق بين هذه المعيقات في المجتمعات المتقدمة والمجتمعات النامية أو بالا حرى الدول التي التفتت إلى هذا النظام مؤخراً, لان المعيقات تختلف لحد ما كماً وكيفاً في الحالتين, واستعرض فيما يلي بعضاً من هذه المعيقات على سبيل المثال لا الحصر – لأنها في تقديري مثيرة ومتجددة ومتنوعة بما يوازي ضخامة هذا النظام وعظم المسؤولية الملقاة عليه والاعداد الهائلة التي يستهدفها, لذا نكتفي بمعالم بارزة في هذا الإطار هي:
الأول: الجهل بهذا النظام ليس بين أفراد المجتمع فحسب, بل لأعداد كبيرة من التربويين والعاملين في المجال التربوي ومجتمع الجامعات ممن درسوا وتمرسوا وجروا النظام التقليدي عن كثب ومن البدهي ان يعتقدوا كل الاعتقاد بان الخلاص الأمثل يتمثل في نظامه وهؤلاء من أعدى الأعداء لهذا النظام فالناس أعداء ما جهلوا ولذا ذكر أول مدير لجامعة لندن المفتوحة بأن اكبر مقاومة لاقتها الجامعة كانت من الزملاء في الجامعات الأخرى. وذلك ظناً من البعض أنهم بين أيدي منافسة وتحدي لا قبل لهم به وتسلكه البعض في جدوى ونتاج هذا النظام من التعليم , اما مجتمع الاباء فهم اكثر اطمئناناً وثقة في التعليم التقليدي وفي شهاداته ومحتوياته وطرائقه . وهذا العائق اندثر في المجتمعات التي طرقت هذا النظام من حولنا والتي خبرت مزايا هذا النظام بل اصبح هو النظام المقدم والمفضل وهاهي الدول المتقدمة تتوسع قدماً وتطوره ليكون اكثر انفتاحاً وشمولاً.
وفي الحسبان ان حل هذا في دولنا النامية يكمن في الاعلام المكثف والمدروس والمخطط له جيداً بحيث يُعرِّف فئات المجتمع على اختلافها بهذا النظام الذي لامناص منه في عصرنا الحاضر.
الثاني: التكلفة الباهظة للتعليم المفتوح في مرحلة التأسيس والانشاء ،فاعداد وتصميم المادة التعليمية واخراج وانتاج الوسائط المختلفة وتأثيث وتجهيز المراكز المنتشرة في طول البلاد وعرضها ، والاعداد الضخمة من العاملين في مجالات مختلفة يجعل اوجه الصرف غير محدودة ومرهقة، ولكن التعليم المفتوح غالباً ما يعوض ذلك في فترة وجيزة بسبب الاعداد الضخمة من الدراسين والتي تغذي مؤسسات التعليم المفتوح.
في هذا السياق يذكر محمد محروس اسماعيل :-"ان التعليم المفتوح مثل الصناعة يتميز بإرتفاع الاستثمارات الرأسمالية او بعنى آخر انه يعتبر مكثفاً لاستخدام راس المال "Capital inter sive" ثم يقول:-"يتميز التعليم المفتوح بشيوع ظاهرة الحجم الكبير "Economies of Scale" ومن ثم فإن التكلفة المتوسطة الخاصة بتعليم الطالب تأخذ في الانخفاض كلما زاد عدد الطلاب المسجلين وذلك لتوزيع عبء التكلفة الثانية على عدد اكبر من الدارسين)
الثالث:- البنية التحتية غير الوافية بمتطلبات التعليم عن بعد سيما في مجال تقنيات الاتصال والتدهور والتخلف في هذا الجانب غالباً ما تعاني منه الدول النامية فكلما كانت شبكة الاتصالات ووسائل الاتصال والمواصلات حديثة ومتقدمة وتغطي كآفة البلاد- خاصة اذا شاسعة مترامية الاطراف مثل السودان – سهّل ويسّر ذلك مهمة التعليم عن بعد كثيراً وحقق اهدافه بنجاعة ويتطلب ايضاً بنية تحتية من الطرق ووسائل النقل وبريد فعّال وسريع لنقل المواد التعليمية الى مختلف الجهات التي تعاني من تخلف في مواد الطاقة الكهربائية والوسائل الالكترونية، ومن الملاحظ ان معظم التجارب في افريقيا اعتمدت على الراديو واجهزة التسجيل (الكاسيت) بالاضافة الى المادة المطبوعة والبريد العادي في ارسال وايصال مادتها التعليمية لدارسيها وذلك لسبب التخلف في مجال تكنولوجيا الاتصال من ناحية, والتكاليف الباهظة لاستخدام الاجهزة الحديثة في الاتصال من ناحية أخرى والمرهقة أيضاً للجامعة والدارس على السواء مما يتعارض مع فلسفة واهداف التعليم عن بعد.
الرابع: يدعي الكثير بأن التعليم عن بعد يُخرَّج اعداداً ضخمة, وبذلك تضيف الى جيوش العاطلين عن العمل مما يؤدي الى تفاقم مشكلة البطالة التى اضحت عالمية , والرد على هذه الحجة بان البطالة المتعلمة الواعية خير بلا حدود بالمقارنة مع البطالة الجاهلة التى لاتحمل مؤهلات او مهارات للحياة , ومن المسلمات التي اقتنع بها العالم ان التعليم يفتح منافذ العمل والابتكار والعكس ليس صحيحاً وان المتعلم الحقيقي والموهوب هو الذي يبتكر مجالات جديدة توفر العمل له ولأعداد من الناس غيره, ومما اتذكره في هذا الاطار ان الابحاث العلمية في ميدان الطاقة المتجددة(الشمسية, المياه,الرياح) في المانيا وفرت العمل لاعداد ضخمة من العاطلين اذ ترتب على هذه الأبحاث توظيف فئات متنوعة وكبيرة من العاملين في الابحاث وتصميم المعدات والاجهزة الخاصة بها, وفي الصناعة والانتاج والتسويق ...الخ, ولعل من نافلة القول ان السودان اولى بذلك لان جميع مصادر هذه الطاقة المتجددة اوفر ما تكون بهذه البلاد , وبما انها رخيصة الثمن وقليلة التكاليف فانها ستكون عاملاً فاعلاً في نهضة صناعية وحضارية عظيمة لان الطاقة هي عصب الازدهار الاقتصادي بصفة عامة, ولا تنسى ان كثيراً من المصانع والمناشط والحركة الحياتية بصورة عامة عانت كثيراً ولا تزال من النقص في الامدادات الكهربائية والبترولية وفوق هذا وذاك فإن الطاقة المتجددة مأمونة الجانب ونسبة التلوث الناجمة عنها ضئيلة جداً.
الخامس: التعليم عن بعد بحاجة ماسة الى كوادر بشرية مؤهلة ومدربة وخبيرة بكل ما يتعلق به, فمن المعروف ان ادارة هذا النظام ينبغي ان تتوافر على خصائص ومواصفات ومبادئ تختلف كثيراً عن غيرها, كما ان أعداد وتصميم وإنتاج المواد التعليمية والوسائط بحاجة الى اعداد ضخمة من المتخصصين بدرجة عالية واساليب التقويم المتنوعة والمتعددة والعاملين في الاتصال والتواصل, وحل قضايا الدارسين بأعدادهم الضخمة ومشاكلهم المختلفة... كل ذلك لابد له من ادارة محكمة بمواصفات تقابل طبيعة التعليم المفتوح وفعالياته اللامحدودة وتفصيلاته التي تكاد تكون تعجيزاً والكوادر البشرية بهذه المؤهلات وفي هذا المجال تكاد تكون محدودة ان لم تكون معدومة في الدول النامية خاصة التي بدأفيها التعليم المفتوح مؤخراً, ودور المؤسسة في هذا التعليم واضح للغاية وينبغي ان يكون قوياً ونافذاً ومرناً اذ تدير مؤسسات التعليم المفتوح افرادا باعداد هائلة وادنى خلل في هذا المجال ينعكس مباشرة على تقدم النظام واعاقته في بلوغ مراميه واهدافه.
السادس: عدم توفر مراكز للتقنيات او مصادر التعلُّم بصورة متكاملة تنهض بحل المشكلات المتولدة كنتيجة طبيعية لسنة الحياة وطبيعة التغيَّر الساري فيها, فكل حل لمشكلة ما سرعان مايولِّد مشكلة أخري وهذه مقتضيات التطور, فعلى سبيل المثال ان حل مشكلة النقل والمسافات البعيدة تمثل في اختراع المحركات بالغة القوة المعتمدة على البنزين فآل الامر اخيراً الى مشكلة كبرى تواجه العالم اجمع الا وهو تلوث البيئة وهكذا, والتعليم المفتوح له مشكلات عظيمة وبحاجة الى مركز تكنولوجيا التعليم ومن المعلوم ان هذه المراكز اول ما تؤسس عليه هي دوائر البحث العلمي المتخصصة التي تتيح حلولاً ومعالجات لكل المشكلات الواقعة والطارئة في نظام التعليم ككل ولقد كان لدور معهد التقنيات بجامعة لندن المفتوحة القدح المعلى في طرح الحلول الناجعة لكل المشكلات التي اعترضت مسيرة الجامعة قبيل افتتاحها رسمياً واثناء عملها والى اليوم.
ولايتوقف دور مراكز التقنيات على البحث العلمي لحل المشكلات فقط بل على تطوير كل ما يتعلق ايضاً بالنظام فعلى سبيل المثال استخدمت هذه المراكز الحقائب التعليمية وصناديق الاستكشاف ومعامل التعلم الذاتى portable lab بهدف حل مشكلة التجارب والإيضاحات العملية التى تحتاج إلى معامل ومختبرات مقيمة، وتمكن الدارس من معالجة ذلك في منزله من خلال إرسال هذه المعينات المصغرة إلى بيته، ومع الأبحاث المستمرة بهدف تطوير تقنيات التعليم المفتوح تم إختصار ذلك في أقراص مدمجة وظهرت تقنية المعامل الافتراضية، وعليه فإن تكنولوجيا التعليم ومراكزها إنما تقوم على حل المشكلات والتطوير المستمر من أجل بلوغ المزيد من الإحكام والاتقان والجودة وبلا حدود بل قد يكون المركز مصدراً من مصادر التمويل للجامعة بإنتاج المواد التعليمية والوسائط للمراحل المختلفة والتعاقد مع جهات مختلفة لتنظيم دورات تدريبية أو تكريس بحوث علمية بهدف حل المشكلات أو إحداث تطوير في مجال ما....الخ.
السابع: التعليم المفتوح يرتكز على التعلُّم الذاتى له مهارات عديدة يجب أن تتوافر لدى الدارس أولاَ لأنه محور التعليم في هذا النظام، وهو الذي يتحمل عبء المسؤولية الأكبر في تعلُّمه والتقدم فيه النتائج المترتبة عليه ونتائجه كما ان أسلوب ونهج التعلُّم الذاتى ينبغى أن يكون واضحاً بدرجة كافية لدى المشرف الأكاديمي الذى يُعين الدارس ويقوده ويوجهه في تعلُّمه الذاتى، ولما كان الدارس والمشرف ومعظم العاملين في مجال التعليم قد تمرسوا كثيراً فى طرائق التعليم التقليدى التى تتمحور حول المعلم والتلقين والحفظ واجترار المعلومات وذلك بخلاف الدول التى اكتشفت عيوب وعقم الطرائق التقليدية وبدأت تكون أبناءها على التعلم الذاتى منذ البداية فإذا بلغ المرحلة الجامعية أو قبل ذلك يكون قد استعد كل الاستعداد للتعليم المفتوح ولا يلاقى صعوبة تذكر بل يستفيد منه كل الفائدة، أما في الدول التى اتجهت إليه أخيراً فإن عدم توفر هذه المزايا قد تعيق المشرف والدارس كثيراً، وقد يتطلب ذلك  تدريباً مكثفاً للغاية للمشرف والتدرج والتوعية المستمرة للدارس بأهمية هذا النهج إذا كان يرغب حقاً في الاستفادة من التعليم المفتوحوالتقدم فيف وجني ثمراته.
الثامن: التسرب من التعليم المفتوح بأعداد كبيرة وهذا العائق نتاج طبيعي للحرية العريضة التى يجدها الدارس في هذا النظام من ناحية وطبيعة الدارسين في هذا التعليم من ناحية أخرى فهم من فئات غالباً تكون مرتبطة بمناشط أخرى من أعمال ووظائف ومسوؤليات مختلفة مما يدفع بهم إلى التراخى والتسيب والاستسلام لطبيعة النفس الانسانية التى تعشق السهل وعدم المشقة كما أن الأعداد الكبيرة المتسربة من التعليم المفتوح تكاد تكون عادية لأن الأعداد الكلية للدارسين تعد بعشرات أو مئات الالآف بالمقارنة مع التعليم التقليدى، فلو قارنا نسب التسرب في النظامين نجد النسبة محفوظة مهما بدا في الظاهر أنها كبيرة في التعليم المفتوح.
التاسع:التقويم في التعليم المفتوح له نهج خاص به ومبادئ وأسس تنبع من فلسفته في إتاحة التعليم للجميع، ولكل من يرغب فيه والتقويم في التعليم عن بعد له بعدان رئيسان
            الأول: تقويم الدارس.
            الثاني: تقويم فعاليات المؤسسة ككل من إدارة وبرامج ووسائط ...الخ
وغالباً ما يضطلع مركز التقنيات أو مصادر التعلم بمهمة التقويم المستمر فالجامعات المفتوحة كما ذكرنا بقدر ما تصطلع به من مسوؤلية عظيمة العبء والثقل، ومن أعمال متشعبة ومتنوعة وضخمة فإنها بحاجة إلى تقويم مستمر ومتنوع ومرحلى بعد كل مرحلة من المراحل حتى تقف على سير العمل وتطمئن على سلامة الانجاز.
            أما من ناحية الدارس فإنه بحاجة إلى ألوان وأنواع من التقويم الذاتى وغير ذلك، وبعضها بحاجة لئن يقف عليه المشرف ويعيده له أولاً بأول حتى يكون ناجعاً ويوفر التعزيز المناسب ومن الابتكارات التى تحمد للجامعة البريطانية المفتوحة أنها ابتكرت نظم "التقويم المحوسب" وهي عبارة عن امتحانات مصممة بطريقة خاصة يمر الورق على الحواسيب فتصحح من خلال خط سير اتوماتيكى ثم تمر من الطرف الآخر وتعبأ في مظاريف وترسل مباشرة إلى الدارس عبر البريد الخاص الذى أسسته الجامعة ليكون في خدمتها، وهذه الابتكارات ضرورية لمقابلة الأعداد الضخمة من الدارسين من ناحية وأهمية التقويم المستمر المتلاحق لدارس التعليم عن بعد ثم أهمية التعزيز الفورى أيضاً له.
إذاً التقويم من الأهمية بمكان ببعديه لضمان تقدم التعليم عن بعد وتطوره بصفة مستمرة، وهذا الجانب الهام بحاجة إلى بحوث علمية رصينة وكادر بشري عميق المعرفة بأساليب التقويم وطرائق تنفيذه حتى يؤدى ويحقق الأهداف والنتائج المتوفاه، وغالباً ما يكون ذلك عائقاً في مسيرة المؤسسة والدارسين إذا لم يجد العناية والرعاية الكافة.
العاشر: الإعلام الكافى ووسائل الاتصال والتواصل مع الدارس بالدرجة الأولى ومع كافة المجتمع بالدرجة الثانية لأن دور المؤسسة في الحميمية ورعاية الدارس والنهوض بمعنوياته من خلال انتمائه لمؤسسة جديرة بالإنتماء إنما ينبع من الصلة الكافية المتوفرة بطريق مباشر وغير مباشر عبر وسائط اتصال متنوعة ومتعددة ومشبعة، وبالتالى يقف الدارس على كل المجريات في الجامعة مثله مثل أعضاء الجامعة الذين يزاولون العمل في مبنى المؤسسة ومن ناحية أخرى فإن الإعلام الكافى في المجتمع يبصر بدور وأهمية الجامعة وطبيعة نظامها فالمجتمع هو مورد الجامعة والمغذى لها بالدارسين، والمجتمع هو العون الحقيقي لها وسينهض بدعمها معنوياً ومادياً إذا تفهم رسالتها بصورة جلية وواضحة.
الحادى عشر:عدم إدراك مؤسسات التعليم عن بعد لدورها الاجتماعي الأصيل فمن الغفلة في هذا الصدد عدم توفر برامج تخدم المجتمع المحلى وتسهم في الارتقاء بحياتهم المعيشية والمهنية فالدول الآسيوية ركزت على أسلوب الانتاج الأُسري من خلال دورات سريعة ودبلومات في النسيج وملابس الأطفال وإنتاج المواد الغذائية وتربية النحل وإصلاح الأدوات الكهربائية وإنتاج قطع الديكور والحفر على الخشب وتنسيق الزهور والحدائق وعمل المشاتل المنزلية ثم تجميع هذا الإنتاج وإعادة تسويقه، وفي تقديرى أن مراكز الجامعة في القرى والأرياف ينبغى أن تنظم فعاليات تدور في هذا الفلك، بالإضافة إلى إقامة علاقات وثيقة مع المؤسسات الاجتماعية بهدف التعاون معها وإقامة الندوات والمحاضرات والمعارض بهدف مناقشة قضايا ومشاكل المنطقة والعمل بجد على توفير الحلول المناسبة لها.
            وعلى المستوى القومى فإن الجامعة يفترض أن يكون بها دائرة خاصة للبحث في المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى تشغل بال الوطن، وتشجيع الجميع من العلماء والمفكرين والبحاث لإيجاد أنجع الحلول لهذه المشاكل وذلك من خلال تبنى ولو قضية واحدة في كل عام على أن تستقطب لها كل الطاقات والجهود فتساهم بذلك في التخفيف من هموم الوطن وتؤكد دورها الاجتماعى.
            ومن النماذج الحية والتى استرعت انتباهى جامعة العلامة محمد إقبال المفتوحة فهى تتيح أنماطاً من التعليم والدورات المتنوعة الكثيرة التى تسع كل طبقات المجتمع وفئاته بدءاً من محو الأمية والدبلومات في التعليم المهنى والفنى الوسيط وانتهاءاً بالدراسات العليا في مرحلتى الماجستير والدكتوراه.
            وأخيراً وليس آخراً فإن إدارة هذا النظام بأساليب تقليدية بعد في تقديري هو العائق الحقيقى فى سبيل تقدم هذا النظام ومن ذلك محاولة سحب التجارب في الجامعات التقليدية على نظام التعليم المفتوح فهذا النظام له نهجه وفلسفته وأساليبه في بلوغ أهدافه وإحراز نجاحاته ومن ذلك على سبيل المثال لاالحصر أن هذا النظام يمكن أن يعدل في البرامج المطروحة أو يضيف إليها بمرونة بالغه لاتتأتى للجامعات التقليدية، وذلك وفقاً لمتطلبات المجتمع ومدى حاجته لهذا البرنامج أو أكتفائه منها مما يعد ذلك أمراً صعباً في الجامعات المقيمة وبحاجة إلى وقت وجهد ومداولات إدارية لاحد لها.
            كما أن مواصفات التقويم وشروطه وأهادفه كام ذكرنا تختلف عن التعليم التقليدي ،وقد لايتفهم البعض هذا الوضع،ويحضرنى في هذا المقام عند اجتماع إدارة الجامعة لتنظيم امتحانات الفترة الأولى وحاولنا أن تكون شروط الحضور والانتظام أكثر مرونة ، هب فينا أحد الأساتذة قائلاً بأن الجامعة مفتوحة في كل شئ إلا الامتحانات فهى مقفولة أتذكّر هذه العبارة جيداً، وهذا دليل على عدم معرفة الأستاذ بالتعليم المفتوح وعلى سيطرة النمط التقليدى عليه، فالتقويم هو من أخص خصائص التعليم المفتوح وقد ابتدع طرائق تقويم متنوعة وشاملة ومرحلية خاصة به بحيث تجعل التقويم التقليدى متخلفاً كثيراً عنها سيما في معرفة مستوى الدارس الحقيقي، كما أن فلسفة التقويم في التعليم المفتوح ترتكز على أنه عامل من أنجح عوامل التعلُّم واستيعاب المادة وليس للتنافس والتصفية وتهدف فلسفة التقويم في التعليم المفتوح في خاتمة المطاف إلى تدريب الدارس على تقويم ذاته بذاته ليكون صادقاً مع نفسه مدركاً أبعاد تقدمه متحملاً لمسؤوليته كاملاً في تجويد الدراسة وإتقانها إلى أقصى حد ممكن، ومما لاشك فيه أن حشر الأعداد الهائلة في قاعات ومراقبة هؤلاء أثناء مواسم الامتحانات وإشعارهم بأنهم مازالوا صغاراً ويخشى من حالات الغش التى قد تقع منهم .هذا التقليد البائس تجاوزته حتى الجامعات التقليدية، وأصبح المتعلّم في الجامعة هو الذى يحدد وقت امتحانه ويبدى استعداده للكلية أو الجامعة لكى تعقد له امتحان دون ارتباط بدفعة أو مجموعة ما، لأن الطالب في الدول المتقدمة أدرك بفضل أسلوب التربية هناك أن الاختبارات وسيلة وليس غاية وأنها معيار ممتاز لقياس مدى تقدمه بغض النظر عن الآخرين، وهي أيضاً البلسم الشافى للخلل ومواطن الضعف التى يعانى منها ،كماأن الأسلوب التقليدى في تجليس الدارسين في قاعات في وقت واحد ضاقت به الجامعات التقليدية ذات الأعداد المحدودة ذرعاً، فكيف الحال مع الجامعات المفتوحة ذات الأعداد الفائقة الضخامة وأرى أن ذلك سيكون عائقاً دون الجامعة المفتوحة في المستقبل لأننا عانينا ما عانينا إزاء أربعة آلاف دارس أو أقل فكيف سيكون الحال مع الآلاف المؤلفة القادمة.
            إن دارس التعليم المفتوح في تقويم مستمر طيلة العام بل متنوع وشامل مما يجعل التقويم الختامي رمزى ومحدود، ويمكن إجرائه بصورة عادية في المراكز ويفضل أن لايشترط فيه المركزية كما أن المشرف الأكاديمي المشرف على خمسين طالباً فقط ينبغى أن يكون متابعاً لهم بدقة ويوفر تقارير وافية ودقيقة وفي مراحل منتظمة طيلة الفترة،وحسيباً ومسجلاً لانجازات الدارس في التدريبات والتقويم الذاتى والمناشط والتعينات، وليس بالضرورة أن يجلس الجميع للامتحانات في وقت واحد وفي ساعة واحدة وفي مركز واحد كما هو الحال في التعليم المقيم.
            ومن المعيقات الواضحة التى قد تواجه الجامعات المفتوحة الحديثة المنشأ هي عدم إعداد المواد بصورة كاملة للبرامج المختلفة لأن الكثير من الدارسين يتوقعون أن يكملوا ما انقطع بهم من دراسة في الجامعات المفتوحة ، فعلى سبيل المثال حملة الدبلومات أو من ترك الدراسة الجامعية في السنبن الأولى بسبب صعوبة الجمع بين العمل والدراسة أو لأسباب أخرى ويريد أن يكمل برنامجاً خاصاً به من السنة الثانية أو الثالثة ويصدم بأن لابد له أن يبدأ من السنة الأولى أو ينتظر حتى تعد الجامعة مقررات السنة الثانية أو أمراً من هذا القبيل،فلا سبيل له إلا أ يضيع منه الوقت الذى يريد أن يكسبه وفي حقيقة الأمر أن هذا من خصائص التعليم المفتوح الذى يتيح التعلُّم الذاتى القائم على إتاحة التعلم لكل دارس بحسب قدراته وسرعته الذاتية،فالعديد من الدارسين يريد أن يختصر سنى الدراسة الأربع في سنتين مثلاً وإذا لم يجد سبيلاً إلى ذلك وويفترض عليه التدرج مع دفعته فما الفرق إذاً بين التعليم المفتوح والتعليم التقليدي؟وما المزايا التى نتغنى بها ونفخر بها على أنماط التعليم الأخرى؟
            وأختمُ حديثي هذا عن التعليم المفتوح واختلافه التام عن التعليم المعهود المعروف لدينا بتعريف الاستاذ محمد أحمد الرشيد عن التعليم المفتوح بقوله: التعليم المفتوح يقوم على نهج وأسلوب التعلُّم الذاتي،وهو أسلوب يتطلب مهارات مختلفة ومتنوعة وينبغي التمرس عليها منذ مراحل التعليم الأولى،وقد تنبهت دولاً كثيرة إلى أهمية هذا النهج،فوفرت جرعات مناسبة منه منذ المراحل الأولى،وتخلصت من نمط التلقين وإجترار المعلومات والاعتماد على المعلم،وبالتالي قد يشكل التكييف مع هذا الأسلوب الجديد تحدياً وعائقاً للدارس الذي تربى على الأسلوب التقليدي المعتمد على المعلم كثيراً،كما أن المشرف الأكاديمي والذي تمرس في إلقاء المحاضرات سيجد ايضاً صعوبة في طريقة معالجة المادة وفق أساليب ومتطلبات التعلُّم الذاتي.



المراجع
1. أ.د أحمد الخطيب – [الجامعات المفتوحة/ التعليم العالي]، الطبعة الأولى 1999م، دار الكندي للنشر والتوزيع، إربد – الأردن.
2. عبد الله عبد الدائم، التخطيط التربوي، إعادة الطبعة الأولى، يوليو 1999م، دار العلم للملايين – بيروت لبنان.
3. د.ف سويفت، ترجمة، اجتماعيات التربية، الطبعة الثانية. طنطا. جمهورية مصر العربية.
4. د. خالد مصطفى مالك، تكنولوجيا التعليم المفتوح، عام الإبداع 2000م، عالم الكتب، القاهرة.
5. د. محمد محروس إسماعيل، اقتصاديات التعليم، كتاب الأهرام، العدد 67، سبتمبر 1992م.
6. د. محمد أحمد موسى، التربية وقضايا المجتمع المعاصر، الطبعة الثانية2000م، دار الكتاب الجامعي، العين الإمارات.
7. تعلّم كيف تتعلم – من مقررات جامعة السودان المفتوحة 2003م.
مجلات -  أوراق بحثية
1. مجلة آفاق، مجلة الشبكة العربية للتعليم المفتوح والتعليم عن بعد – العدد السابع عشر، عام 2003م. عمان ، الأردن.
2. أ.د مختار عثمان الصديق، أوراق بحثية في التعليم المفتوح والتعليم عن بعد.
3. أ.د محمد أحمد سناده، مجلة دراسات تربوية، العدد الرابع – يوليو 2000م – مقال عن التعليم المفتوح والتعليم عن بعد تعلم.
4. أوراق الدورة التدريبية الإقليمية لفائدة الأساتذة والمكونات بمراكز التعليم عن بعد، الخرطوم – جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، الفترة من 26 – 30 أبريل 2004م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق