الخميس، 19 يوليو، 2012

إدارة الجودة الشاملة والتعليم عن بعد


O
إدارة الجودة الشاملة والتعليم عن بعد
بروفسور مختار عثمان صديق- جامعة القرآن الكريم
مقدمة
إن كل ما كتب عن إدارة الجودة الشاملة ترجع أصوله لأعمال ومساهمات الأمريكيين أمثال ادوارد ديمنج(Edward Deming) وجوزيف جوران (Juran) والياباني ايشاكو(Ishakwa) الذين يعتبرون مؤسسي حركة إدارة الجودة الشاملة Total Quality management (TQm) وقد اتفق هؤلاء جميعاً على أن الهدف الأساسي من وجود أي مؤسسة هو المحافظ على بقائها في السوق، وبالتالي لا بد من أن تعمل هذه المؤسسة على إيجاد السلع والخدمات المفيدة للمستهلكين وفي نفس الوقت تحقق رضا ونمو أفرادها.
أن إدارة الجودة الشاملة(TQm) مفهوم حديث نسبياً إلى حد ما يركز على رضا المستهلك وجودة الانتاج ويعتبر اتجاهاً حديثاً لتحسين فعاليات المنظمات وتحقيق المرونة بها، ويهدف بشكل أساسي  إلى مشاركة كل فرد من كل قسم أو إدارة في المنظمة في اتخاذ القرارات المتعلقة بعملة بغرض محاربة الإهمال والإسراف والوصول إلى الأداء الصحيح من أول مرة(Right First Time)
هدف الدراسة
تهدف هذه الورقة إلى التعرف على مفاهيم إدارة الجودة الشاملة ومبادئها وأساليبها. كما يهدف إلى التعريف بأهمية إدارة الجودة الشاملة في التعليم عن بعد وكيفية وإمكانية تطبيقها والمعوقات المحتملة في التطبيق.
التطور التاريخي لإدارة الجودة الشاملة
مرت إدارة الجودة الشاملة بثلاثة مراحل حتى أصبحت في شكلها الحالي والمراحل هى:
1. المرحلة الأولى 1950
             في بداية الخمسينات ابرز المفكر الأمريكي فيجن بام (Feigen baum)مفهوم الرقابة الشاملة على الجودة بأنها عبارة عن نظام فعال يؤدي إلى إنتاج السلع أو الخدمات بطريقة اقتصادية ومطابقة لحاجات ورغبات المستهلك وأشار بأن الجودة مسئولية جميع الأفراد العاملين سواء  كانوا اداريين أو فنيين كما انه على كل فرد أن يتأكد دائماً أن مخرجات عمله سليمة وصحيحة من المرة الأولى
2. المرحلة الثانية 1960-1980
في بداية الستينات ظهرت فلسفات عديدة للجودة وإدارتها وأبرز فلاسفتها الأوائل ادوارد ديمنج (Deming) الذي وضع أربعة عشر مبدأ تمكن المؤسسة من التميز والمنافسة، ثم ظهرت في السبعينات فلسفة فيليب كروسبلي(Philip crosply) الذي حدد هو الآخر أربعة عشر خطوة لتحسين وتطوير الجودة وادارتها وأخيراً ظهرت فلسفة (Juran) والذي وضع ثلاثة عمليات الجودة وهى تخطيط الجودة ورقابة الجودة وعملية تحسين وتطوير الجودة
3. المرحلة الثالثة 1980- 2000
حدثت في أواخر الثمنينات وأواخر التسعينات وأحدثت تطورت كبيرة في مفهوم الجودة وأدارتها منها على سبيل المثال حلقات الجودة (Quality Circle)وفريق الجودة. .(Quality team) كما أبرز مفهوم الجودة كوظيفة أساسية للإدارة وظهرت تطبيقاته في مختلف المجالات الطبيعية والتطبيقية والإنسانية، وأخيراً ظهرت مقاييس دولية للجودة والتي وضعتها المنظمة الدولية للتوحيد والقياس(International Standards Organization) في خمسة مجموعات من المعايير وهي (ISO  9000-9004) هذه المقاييس بجانب نظريات الرواد الثلاثة كانت الأساس لما يعرف في كل العالم اليوم بمفهوم إدارة الجودة الشاملة TQm
تعريف إدارة الجودة الشاملة
تعددت تعريفات الجودة الشاملة وقد أصبح مفهومها يشتمل على معان كثيرة بالنسبة للمتعاملين معها و الباحثيين وبحيث أصبح لكل منهم مصطلحاته الخاصة ومقاييسه لهذا المضمون.
جوران (Juran) يعرف الجودة الشاملة على أنها الملاءمة للاستخدامFitness for use  ويعرفها كروسبلي  (Crosply) على أنها الالتزام بالمتطلباتConformance to Requirements أو انعدام العيوب (Zero Defects) وأن يعمل كل فرد بشكل صحيح من المرة الأولى (Getting everyone to do it right the first time) ويعرفها ديمنج Deming على أنها تحقيق احتياجات وتوقعات المستفيد حاضراً ومستقبلاً
كما أن إدارة الجودة الشاملة تعرف على أنها:-
-    هى نظام متكامل موجه نحو تحقيق احتياجات المستهلكين وإعطاء صلاحية اكبر للموظفين تساعدهم في اتخاذ القرار والتأكيد على التحسين المستمر لعمليات إنتاج السلع والخدمات والذي يؤدي إلى ولاء العميل في الحاضر والمستقبل وذلك ضمن كلفة تنافسية معقولة.
-         معهد الجودة الفيدرالي يعرفها على أنها تأدية العمل الصحيح على نحو صحيح من الوهلة الأولى(Right First time) مع الاعتماد على تقييم المستفيد في معرفة مدى تحسن الأداء.
-    وعرفت على أنها مدخل جديد في أداء العمل يتطلب تجديد الأساليب الإدارية التقليدية والالتزام طويل الأجل ووحدة الأهداف والعمل الجماعي ومشاركة جميع أفراد المؤسسة.
-    أما هتشكن(Hut chins) فقد عرفها بأنها مدخل الإدارة المنظمة الذي يرتكز على الجودة ويبنى على مشاركة جميع العاملين بالمنظمة ويستهدف النجاح طويل المدى من خلال رضا العميل وتحقيق منافع للعاملين بالمنظمة والمجتمع ككل.
-    أما جوبلنسكي (Jablenski) فيعرفها بأنها شكل تعاوني لأداء الأعمال يعتمد على القدرات المشتركة لكل من الإدارة والعاملين تهدف إلى تحسين الجودة وزيادة الإنتاج بصفة مستمرة من خلال فرق العمل.
نخلص من ذلك إلى أن إدارة الجودة الشاملة تمثل فلسفة إدارية مبنية على أساس رضا المستفيدين والعاملين بالمؤسسة والتأكيد على أن المؤسسة تنتج السلع أو الخدمات وتوزعها بشكل متقن دائماً. وأن أهمية إدارة الجودة الشاملة تنبع من كونها تحسن سمعة المنظمة في نظر العاملين والعملاء، وتركز على تحسين وتطوير جودة الإنتاج وأنها تنمي الشعور بوحدة المجموعة وفريق العمل وتؤدي لأن يكون العاملين فخورين بأعمالهم وبانتمائهم إلى بيئة عمل تهتم بالجودة، كما أن نظام الجودة يخفض التكلفة ويزيد الإنتاج وأخيراً فإن تطبيق مدخل إدارة الجودة أصبح أكثر ضرورية للحصول على بعض الشهادات الدولية للجودة والتي تحسن من سمعة المؤسسة وتعلى مكانتها بين المؤسسات الأخرى
ولمزيد من الإيضاح والتعريف بمهام إدارة الجودة الشاملة يعرض الجدول رقم (1) مقارنة بين إدارة الجودة الشاملة والإدارة التقليدية (الممارسة الإدارية الأكثر شيوعاً).
جدول رقم (1) مقارنة بين إدارة الجودة الشاملة والإدارة التقليدية
عناصر المقارنة
الإدارة التقليدية
إدارة الجودة  الشاملة
الهيكل التنظيمي
هرمي
أفقي  و مسطح
اتخاذ القرارات
غير مؤسس / مركزي/ مبني على معرفة الناس في قمة الهرم
مؤسس / غير مركزي/ مبني على البيانات والاجراءات العلمية والمشاركة التامة
حل المشكلات
تجنب المشكلات وتفاديها، وعدم محاولة إصلاح شئ إلا إذا تعطل تماماً، إتباع أسلوب رد الفعل (Reactive) والتفتيش (Inspection)
البحث عن المشكلات التي تعوق التحسن المستمر وترقبها. اتباع أسلوب الفعل(Proactive) لكشف المشكلات ومنعها قبل حدوثها(Prevention)
مصدر المشكلات
العاملون دائماً هم مصدر المشكلات الإدارية، لذلك فالمديرون يديرون الناس
العمليات والإجراءات والنظام الإداري (The System) مصدر المشكلات لذلك فالمديرون يديرون العمليات الإدارية والنظام الإداري
الأخطاء والإهدار وإعادة الأعمال
يمكن التعامل معها ويتم تحملها لدرجة معينة، والأخطاء عادة يتم اكتشافها وتصحيحها
لا يمكن تحمل أو قبول الأخطاء أو الإهدار أو إعادة الأعمال لتجنب إعادة الأعمال والإهدار، يجب أن تمنع الأخطاء قبل حدوثها بأداء العمل صحيحاً من المرة الأولى(Do it Right the First Time Every Time and all The Time)
التخطيط
 التركيز
جهود التحسين

تخطيط قصير الأجل
تركيز داخلي على تحقيق نتائج سريعة عندما تنشأ مشكلة أو حاجة للتحسين
تخطيط طويل الأجل وتفكير استراتيجي.
 تركيز داخلي وخارجي على العميل تحسين مستمر (Continuous Improvement)
تصميم المنتجات والخدمات
المنتجات والخدمات يتم تحديدها وتصميمها من قبل الإدارات المختصة وفقاً لمعرفة الخبراء
المنتجات والخدمات يتم تحديدها وتصميمها من قبل فرق عمل ممكنة وفقاً لمعلومات وبيانات تم جمعها من عملاء الداخل والخارج
المديرون والموظفون
المديرون يعرفون أكثر، والموظفون يستمعون للتعليمات وينفذوها حرفياً
الناس الذين يؤدون العمل يعرفونه أكثر، لذلك فالموظفون يشاركون في تحسين الإجراءات والعمليات الإدارية
الإنتاجية والجودة
هدفان متضاربات لا يمكن تحقيقهما في آن واحد
تحسين الجودة يؤدي لزيادة الإنتاجية
المسئولية عن الجودة
الجودة مسئولية العاملين ويلامون بشكل مباشر عند تردي الجودة
الجودة مسئولية الإدارة، ويلقى اللوم على الإدارة والنظام المتبع(The System) عند تردي الجودة

أسس ومبادئ وأبعاد الجودة
بالرغم من تعدد التعريفات لمفهوم إدارة الجودة الشاملة فان هناك اتفاقاً حول الأسس والمبادئ التي يجب تبينها والأخذ بها في محاولة تطبيق إدارة الجودة الشاملة بنجاح وهذه الأسس هى:
1.  يعتمد نجاح إدارة الجودة الشاملة بشمل أساسي على خلق ثقافة للمنظمة أو ثقافة الجودة           ( Quality culture)(Organization culture)بحيث تتسم القيم السائدة فيها مع بيئة ادارة الجودة الشاملة وذلك يشمل الانتقال من القيم التقليدية إلي قيم ومعايير عمل جديدة أساسها العمل التعاوني وإرضاء العميل من خلال خدمات ومنتجات ذات جودة عالية.
2.  مشاركة جميع العاملين في المنظمة(Team work) في المنظمة وتحسين الخدمات والإنتاج من خلال فرق العمل بحيث يسمح لكل فرد داخل المنظمة من خلال فرق العمل وحلقات الجودة التصدي للمشاكل والمساهمة في  اتخاذ القرارات.
3.  استخدام الوسائل والأساليب الإحصائية (Statistical process) التي تساعد في اتخاذ القرارات السليمة وحل المشكلات وضبط الجودة.
4.     التأكيد على دعم الإدارة العليا (Management commitment) وقناعتها باهمية نظام إدارة الجودة الشاملة.
5.  لا بد من التدريب المنظم لجميع أفراد المنظمة(Training) وإكسابهم المهارات والمعارف اللازمة التي تمكنهم من تحسين جودة المنتجات والخدمات.
6.  على المنظمة أن تسعى بشكل دوري ومستمر إلى تحقيق رضا العاملين في الداخل سواء كانوا موظفين أو إدارات والعملاء في الخارج وهم المستفيدين من الخدمة والمنتجات .
7.  إدارة الجودة الشاملة ليست برنامجاً تعرف بدايته ونهايته سلفاً بل هى جهود للتحسين والتطور بشكل مستمر ودون توقف.
8.  يبدأ تطبيق إدارة الجودة الشاملة بوضع رؤية مستقبلية وأهداف بعيدة المدى تسعى المنظمة لتحقيقها اذن لا بد من وجود خطة استراتيجية تنسق تلك الجهود.
9.  يعتبر تحسين جودة الإنتاج والخدمات وزيادة الإنتاج من أهم الأهداف التي تسعى إدارة الجودة الشاملة لتحقيقها والوسيلة لتحقيق ذلك هو الحد من الأخطاء فإدارة الجودة تسعى لمنع الخطاء والمشكلات الإدارية قبل حدوثها بدلاً من محاولة تصحيحها ومعالجتها بعد ذلك.
10.     هناك خطوات وإجراءات ومبادئ حددها العلماء والمختصون لتحقيق إدارة الجودة الشاملة يجب أن يتم تبنيها والعمل على ضوئها.




التعليم العالي وإدارة الجودة الشاملة
يعتبر التعليم احد الاحتياجات الرئسية لكافة المجتمعات الإنسانية لذا دأبت المجتمعات بشكل مستمر على العمل نحو تطوير المؤسسات التعليمية بما يفي احتياجات الحاضر ويتلاءم مع معطيات المستقبل. إضافة إلى أن التغيير السريع في البنى العلمية والثقافية والمعرفية والتكنولوجية على مستوى العالم أدى إلي أهمية التقويم والتطوير المستمر لرسالة ونشاطات المؤسسات التعليمية. وهذا يتطلب نمطاً جديداً ومتميزاً من اجل تأهيل من معهم في النظام التعليمي كونه نظاماً معنياً ببناء الإنسان والسير به إلى دروب الإبداع والتميز. واحد أهم المراحل والمفاهيم الإدارية الناجحة في هذا الشأن إدارة الجودة الشاملة TQM والتي تركز على فلسفة إدارية حديثة تمزج بين الوسائل الإدارية والجهود الابتكارية الفنية المتخصصة من أجل الارتقاء بمستوى الأداء والتحسين والتطوير المستمرين.
إن الدلائل تشير على أن تكلفة التعليم العالي قد زادت خلال ال  80و 90 من القرن الماضي وتفوقت على مستوى التضخم العالم الغربي والعالم النامي على السواء وقد اتسمت الجامعات بالتضخم والقدم وعدم التجديد وعدم تفاعل الأساتذة مع التغيير وعدم الحساسية في التعامل مع الطلاب، وعدم التفاعل مع سوق العمل المتغير، وقادة الجامعات لم يتأثروا بالمتغيرات. فالجامعات على هذه الحال شأنها شأن المؤسسات الأخرى تحتاج إلى نمط إداري متميز، فإدارة الجودة الشاملة والتي توجه العمليات الإدارية وتدعو إلى المساواة والعمل الجماعي وزيادة الإنتاج وقلة التكلفة وزيادة الكفاءة وإرضاء العاملين والمستفيدين وتدعو إلي المشاركة في المسئولية وابتداع أساليب أحسن لعمل الأشياء وزيادة ثقافة المؤسسات وتحسينها. فأساس الجودة الشاملة هو العمل الجماعي والمشاركة في المسئولية وإفشاء روح الديمقراطية بين المديرين والعاملين، وكل ذلك يتناسب مع الجامعات لأن هذه ربما تعين في تطوير الأداء الأكاديمي وتحسين الأداء التعليمي وحل المشكلات.
إن إدارة الجودة الشاملة بهذه المفاهيم وجدت لها بريقاً وأهميته  لذلك فقد أهتمت بها مؤسسات التعليم العالي والأساتذة وكانت أمريكا أول الدول التي تعاملت مع ذلك وانخرطت معظم جامعاتها وكلياتها في إدارة الجودة الشاملة بل وقد وجد هذا الاتجاه دعماً من الدولة ومؤسسات القطاع الخاص ووزعت مواد الجودة الشاملة مجاناً وظهرت مفاهيم ثقافة الجودة (Culture of Quality) والجودة هي مهمة الجميع (Quality is everyone’s job) والعمل الجماعي (Team work) واتفق على إنها تناسب الجامعات وقد  جاءت الآمالبأن تسهم  في تطوير الجامعات وتغير المفاهيم القديمة وحل المشكلات. و قد انتشرت هذه المفاهيم في معظم مؤسسات التعليم العالي في العالم بعد ذلك بما في ذلك عالمنا العربي والإسلامي.
إن النظرة الفاحصة للتعليم العالي تدل على أن هناك مشكلات تواجه الجامعات تأتي على رأسها مشكلات المناهج ومواكبتها وتجديدها ومشاكل التمويل والاستفادة من وقت الأساتذة، والتدريس مقابل البحث العلمي وأوضاع الأساتذة وتوسيع فرص الالتحاق بالجامعات والعلاقة مع الدولة ومؤسسات العمل والقيادة والإدارة الجامعية والجامعات اذن شأنها شأن المؤسسات الأخرى تحتاج للتغير والتطوير والتميز وعليها كذلك مواكبة التطورات التكنولوجية والاستفادة منها مواكبة الانفتاح العالمي وتحديات العولمة.
وقد قامت دراسات عديدة اهتمت بالمسح العام لممارسات إدارة الجودة الشاملة في التعليم العالي وتقيمها واهتمت كثير من البحوث والدراسات بهذا الأمر وكانت بعضها بحوث استكشافية تنظر في امكانية تطبيق تلك المفاهيم في التعليم العالي وبعضها تقييم لما تم في هذا المجال، خاصة وقد انخرطت جامعات وكليات كثيرة في هذه الممارسات وقد اشارت تلك البحوث إلى ممارساتْ ناجحة في بعض الجامعات كما أظهرت حماس بعض قيادات التعليم العالي وأساتذة الجامعات لشعارات ومفاهيم إدارة الجودة الشاملة ومن ناحية أخرى فقد أشارت بحوث أخرى إلى أن إدارة الجودة الشاملة  تناولت قضايا جانبية في الجامعات كالتسجيل والحسابات والصيانة كما استعملت في إدارة الجودة في المكتبات ولكنها لم تتناول القضايا الأساسية كالإدارة الجامعية وتجويد  المناهج والاستفادة من وقت الأساتذة وتطوير أساليب التدريس والبحث العلمي والاستفادة من التكنولوجيا في التعليم وهى القضايا الأساسية التي كان يجب أن تجد الاهتمام كما أن القيم والأهداف والرؤى المستقبلية تمثل العناصر التي كان يجب أن يحدث فيها التغير والتطور والتميز.
وعلى كل فقد اجمعت الدراسات على أن حركة إدارة الجودة الشاملة قد شجعت الجامعات على جمع المعلومات وقياس التقدم في مجالات رئيسة مقابل أنفسهم والآخرين وقد تناولت المعلومات ساعات التدريس للأساتذة وعدد الكتب في المكتبات مقابل عدد الطلاب ووضع المعامل المختلفة وأوضاع الأساتذة ومؤهلاتهم، كل هذه المعلومات وغيرها مما تم جمعه كان يمكن أن تكون مفيدة لمتخذي  القرار وقيادة الجامعات والتعليم العالي.
وعلى كل فنحن نعتقد أن التغير في التعليم العالي ليس أمراً سهلاً خاصة فيما يتعلق بالمناهج والجوانب الأكاديمية ووقت الأساتذة إذ أن هذه القضايا تعتبر قضايا مقدسة بالنسبة للأساتذة وليس من السهولة بمكان المساس بها أو أحداث التغير فيها وعموماً فإن إدارة الجودة الشاملة لا يمكن أن تكون فعالة في الجامعات إن لم تتناول هذه القضايا وتناولها لن يكون سهلاً في ظل ممارسات التعليم العالي التي اتسمت دائماً بالفردية والمحافظة والصفوية.
لماذا إدارة الجودة الشاملة فى التعليم عن بعد؟
إن النظام الادارى والممارسات الأكاديمية تختلف فى طبيعتها فى التعليم عن بعد عنها في التعليم النظامي، فالتعليم عن بعد يتسم بقلة الكوادر العلمية الدائمة وبالاعتماد على عدد مقدر من الأساتذة المتعاونيين من الجامعات والمؤسسات الأخرى. وهو يتميز بشبكة إدارية واسعة قد تشمل القطر بأكمله، يتميز كذلك بفصل عملية التدريس عن عملية التعليم فالمناهج والكورسات ومحتوياتها تعد بواسطة متخصصين قد لا تكون لهم علاقة فيما بعد بالطالب، كما أن عملية التعليم ذاتية تتم بعيداً عن القاعات الدراسية ولا توجد المكتبات والمعامل وغيرها من التجهيزات التي تميز الجامعات وكذلك فان هناك خدمات أكاديمية إشرافية تقدم للطلاب بواسطة أساتذة ومتخصصين قد لا تكون لهم علاقة بإعداد المناهج. التعليم عن بعد يتميز باستعمال الوسائط التعليمية والتكنولوجية والاتصالية وتعتبر الأساس في عملية التعليم فبجانب المادة الأكاديمية المطبوعة وإعدادها وتجهيزها توجد وسائل تعليمية تكنولوجية متعددة و يحتاج لشبكة متباينة من الأساتذة والمختصين والفنيين .
على العموم فالتعليم عن بعد يختلف في تنظيمه وإدارته وطريقته التعليمية بشكل كبير عن التعليم النظامي في الجامعات والكليات إذن فإدارة الجودة الشاملة فيه كذلك تحتاج تناولا مختلفاً،  وهو كما يقول بيترز Otto Peters اقرب ما يكون للعمليات الصناعية من ناحية تقسيم العمل والتخصص والعلمية وانتاج المواد التعليمية بكميات كبيرة مع وجود اساليب خاصة في التوزيع والنشر ان التعليم عن بعد من ناحية أخرى نظام واسلوب مختلف متجدد في التعليم العالي يحتاج أكثر من التعليم النظامي لتبني والتعامل مع الجودة الشاملة هذا تفرضه عليه كذلك ظروف تواجده وبقائه ومن ذلك :
1.  يحتاج نظام التعليم عن بعد إلى نظام فعال للمعلومات، والمعلومات تعتبر حجراً لزاوية في تسيير عمله ونجاحه أو فشله وهى أساس في الجودة الشاملة .
2.  هناك دوافع سياسية تدفع التعليم عن بعد  للتمدد وتوسيع فرص القبول للطلاب وهذه تتطلب مقايس للرقابة والتأكد من أن النظام يعمل بشكل فعال .
3.  الأساليب الاتصالية والتكنولوجية التي يعتمد عليها التعليم عن بعد في ممارسته التعليمية تحتاج اكثر من غيرها للقياس والتقويم والمراجعة المستمرة.
4.  الوضع غير الاصيل Peripheral للتعليم عن بعد وكونه نمطاً غير عادي ومختلف حوله يجعله اكثر حاجة للتميز واثبات جودته وذلك لضمان الاعتراف به من قبل المؤسسات التعليمية والمخدمين ومن العامة.
إن نجاح أو فشل ادارة الجودة الشاملة في التعليم عن بعد في نظرنا تعتمد في الأساس على التزام القيادة الإدارية للمؤسسات وتأييدها واقتناعها وتحمسها لمشروع التعليم عن بعد وهو كما رأينا شرط حاسم لتنفيذ الجودة. هذا الالتزام متباين جداً بين مؤسسات التعليم عن بعد والتي تتباين هى الأخرى في أنماط الممارسة والتعليم عن بعد له نوعان رئسيان في التعليم العالي:-
النوع الأول هو الجامعات المفتوحة والتي تتبنى أصلا نظام التعليم عن بعد Open universities في هذا النمط يمكن القول أن القيادة تكون متحمسة وملتزمة ويمكن ان يحقق نجاحاً فيها أما النوع الثاني وهو النمط المختلط (Dual system) وهى الجامعات النظامية والتي بها طلاب يدرسون بنظام التعليم عن بعد، وفي هذا ا لنوع نجد بعضها من قيادته متحمسة للنظام ومتفاعلة معه وهى قابلة لتبني إدارة الجودة الشاملة، في حين نجد مؤسسات لا تولي النظام العنانة الكاملة و لا تعطيه مكانته في العملية التعليمية وهنا نتوقع عدم ايجابية في تعاملها مع التغيير والجودة ولكننا ومع ذلك عند تناولها للجودة الشاملة في التعليم عن بعد فإن التناول سيكون مجملاً وفي اطار عام لكل تلك المؤسسات.
ممارسة إدارة الجودة الشاملة في التعليم عن بعد:
بعد أن بينا مفهوم ادارة الجودة الشاملة واهم مقوماتها ووضحنا أهم ملامح أسلوب التعليم عن بعد،  نمضي  الان لمعالجة القضية الأساسية ألا وهى كيف يمكن تطبيق إدارة الجودة الشاملة في التعليم عن بعد وتؤكد على ما سبق أن ذكرناه من أن التعليم عن بعد لكي يبقي لا بد له من التجديد والتميز كما أن هناك مبررات كثيرة ذكرناها تلزم التعليم عن بعد بالسعي  للتميز من أجل إثبات وجودة .
تعالج إدارة الجودة الشاملة من خلال عدد من المحاور استخلصناها من فلسفة إدارة الجودة الشاملة مع النظر دائماً إلي طبيعة التعليم عن بعد وخصائصه، وهذه المحاور تشمل:- تستهل القيادة والتخطيط، المادة الأكاديمية، نظام دعم الطلاب، تقويم الطلاب، نظم المعلومات والاتصالات والتدريب والتطوير.
أولاً القيادة والتخطيط الإداري:
 ادارة الجودة الشاملة تحتاج الى قيادة واعية وقادرة ومتفاعلة كما لابد من التزام أسس التخطيط طويل وقصير المدى وعليه فاننا نرى مراعاة الجوانب الآتية:
1.  التخطيط السليم لنظام مختلف ومتميز كالتعليم عن بعد يستلزم أن يطرح الموضوع في البداية للمناقشة والتداول وذلك لوقت كاف بين المختصين والمستفيدين والجمهور العام حتى يمكن بلورة نظام شامل يضمن تحديد الأهداف والمحددات بما في ذلك الغايات والأهداف التي يسعى لتحقيقها والجمهور والطلاب الذين سيستهدفهم منهم. ويتبع ذلك دراسات احصائية للقطاع الواسع من الطلاب الذين يمكن أن يكونوا مستهدفين والقطاعات الانتاجية والخدمية التي يمكن أن تستفيد منه، وتشتمل الدراسات التخطيطية كذلك امكانية التطبيق من بلد شاسع كالسودان والامكانات المتاحة والوسائل والمعينات والتكنولوجيا التي يمكن أن تتوفر بل والبنيات الأساسية التي يحتاجها المشروع .ان المشروع البريطاني للجامعة المفتوحة بدأ بطرح الفكرة في شكل مشروع للنقاش هو الWhite paper وطرح للنقاش لأكثر من عام أدلى فيه الجميع بارائهم وبرزت الايجابيات والسلبيات من خلال نقاش واجتماعات وتفاكر اشتركت فيها كل الجهات ذات الشأن ومن بعد ذلك تمت بلورة الشروع في شكله النهائي.اذن تبقى صياغة الخطط المستقبلية المبنية على المعلومات الدقيقة أمراً ضرورياً.
2.  إن تطبيق ادارة الجودة الشاملة في التعليم العالي يحتاج لقيادة واعية ومتحمسة ومرنة، وقناعة القيادة وتحمسها كما رأينا هو المؤشر الرئيس لنجاح إدارة الجودة الشاملة. اضف الى ذلك انه ثبت أن نجاح مشروع التعليم عن بعد لا يتم إلا بوجود مثل هذه القيادة المتفانية، وقد دلت التجارب أن كل مشروعات التعليم عن بعد الناجحة كما كان ورءاها قيادات مؤمنة بالفكرة ومتحمسة لها.
3.  ان مشروع جامعة مفتوحة يحتاج الى دعم الدولة ومراكز اتخاذ القرار فالمشروع من البداية وعلى طول مسيرته يحتاج لاستقطاب دعم مادي ومعنوي كبير، ذلك يمكن من توفير الامكانات اللازمة خاصة وان الجامعة المفتوحة تحتاج إلى أعداد مسبق يشمل توفير الكودار وإعداد المناهج والمقررات وهو أمر يحتاج إلى ميزانيات ضخمة لان المواد الدراسية سواء كانت مطبوعة أو سمعية أو بصرية أو مواد الكترونية كلها يجب ان تعد قبل وقت كافِ وتجرب وتكون  جاهزة قبل بدا المشروع وتسجيل الطلاب .كما ان الجامعة تحتاج ال تدريب الكوادر للقيام بالمهام الإدارية والأكاديمية والفنية وهى مهام ذات طبيعة مختلفة. مجمل القول أن الجامعة المفتوحة تحتاج للدعم والتأييد من قطاع الدولة والقطاع الخاص المستفيد من خدماتها ومن كل قطاعات المجتمع.
4.  يتبع ذلك أهمية توفير الموارد المالية اللازمة لتطبيق مفهوم إدارة الجودة الشاملة لان الموارد المالية يجب الا تكون عقبة وان تتوفر كل الموارد اللازمة حتى نستطيع تلاف المشكلات ومعالجتها قبل وقوعها، فميزانية عام كامل يجب أن تكون متاحة قبل بدايته إذ أننا لا يمكن أن نعتمد على موارد غير مضمونة كرسوم الدراسة.
5.  إن التعليم عن بعد ظل يعاني من عدم الاعتراف والتشكيك في اماكنية تطبيقه وكذلك في مستواه الأكاديمي وقد جاءت هذه النظرة منذ البدايات الأولى في مشروعات التعليم بالمراسلة (Correspondence Education) التي اتسمت بكثير من الضعف وقد فهم المختصون وخبراء التعليم عن بعد ذلك ولذلك جاءت مشروعات التعليم عن بعد المتطورة متجاوزة لكثير من سلبيات التعليم بالمراسلة خاصة فيما يتعلق بالتجويد في إعداد المادة الأكاديمية وتأكيد مناسبتها للتعليم الذاتي وابتداع أساليب متميزة لمعاونة ودعم الطلاب Student support service نقول أن التعليم عن بعد يحتاج لدعم الدولة ومراكز اتخاذ القرار ويحتاج للاعتراف بشهادته بعد أن يستوفى شروط التأهيل للتعليم العالي وان تكون المقررات مستوفية لمتطلبات التخصص وأن يجد الطلاب الدعم الأكاديمي اللازم وأن يراعى تقويم الطلاب بناء على الأسس المعروفة في الجامعات.
وفي هذا الإطار فإننا نرى أن نجاح التعليم عن بعد يستوجب كذلك أن نطرح فكرته وبقوة على الرأي العام وأن تسخر كل امكانات الاتصال والإعلام للاعلان  عن المشروع ويكون معروفاً بكل خصائصه وايجابياته لكل قطاعات المجتمع .
ثانياً: المستوى المتميز للمادة الأكاديمية:
ان المادة الأكاديمية في التعليم عن بعد تحتل المحور الرئيس لعملية التدريس ونقل المعرفة. هذه المادة سواء كانت مادة مطبوعة وهى المحور الرئيس للدراسة في معظم برامج التعليم عن بعد أو كانت مواد إضافية أو مكتبة متنقلة أو بثا إذاعيا أو تلفزيونيا أو في شكل شرائط صوتية مسجلة أو شرائط فيديو أو مواد حاسوبية في شكل Disk أو CDs أو مادة في الانترنت أو أي شكل الكتروني آخر،  يجب أن تكون متميزة في إعدادها ومستوفية لاغراضها الأكاديمية كما يجب أن تتكامل رسالتها بحيث تظهر كحقيبة تعليمية متكاملة ومتناسقة، هذه المادة يجب أن تخضع للمراجعة والتمحيص حتى تبلغ غاية في الدقة والتجويد. كما يجب أن تخضع للتجريب الكافي قبل أن تكون جاهزة لاستعمال الطلاب، أضف إلى ذلك أن هذه المادة يجب أن تكون عرضة للتقويم والمراجعة المستمرة بل والتدعيم من وقت لآخر، والمتابعة والمراجعة هى من أهم آليات إدارة الجودة الشاملة.
أن إعداد المادة الاكاديمية في التعليم عن بعد يأخذ شكلين الشكل الأول هو إعدادها من خلال  مجموعة العمل Course team وفيه تتضافر جهود علماء ومختصين وفنيين في إعداد المادة بشكلها المطبوع أو الالكتروني، هذا الفريق يتكون من أساتذة المادة أو البرنامج وهم من كبار العلماء والمشهود لهم في مجال التخصص ومعدي ومصممي المواد الالكترونية إذاعة وتلفزيون وحاسوب وانترنت وخلافه يضاف إليهم مختصو تكنولوجيا التعليم والذين تنحصر مهمتهم في صياغة المادة في قالب الدراسة الذاتية ومراعاة كل الجوانب التعليمية والتربوية. هذا الفريق يعمل بطريقة متكاملة فينتج مادة أكاديمية متكاملة ومنسقة وتحقق الأهداف العامة للبرنامج التعليمي،  هذا العمل الجماعي والذي هو من سمات إدارة الجودة الشاملة يجعل الجميع يسعون إلى أقصى ما يمكن من تجويد وتميز إى أن كل منهم يحسن أداء أعماله ولكن في اطار  المجموعة إن العمل في مجمله متكامل منسق ومتميز.
أما الطريقة الثانية لإعداد المادة الأكاديمية فتكون اقل تكلفة وربما أسرع وهنا يتم إعداد المادة المطبوعة الرئيسة بواسطة واحد من خيرة الأساتذة في المجال ثم تتم مراجعتها بواسطة أستاذ آخر متخصص كذلك وتضاف إليها المعينات الالكترونية الأخرى بعد اخذ المادة الأكاديمية في الاعتبار، ثم يقوم مختص تكنولوجيا التعليم بوضعها في قالب التعليم الذاتي والتنسيق بين أجزائها المختلفة.
كلا الطريقتين يمكن أن تحقق أهداف إدارة الجودة الشاملة إن اتسمت الخطوات جميعا بالدقة والتميز إلا اننا نرى أن نظام مجموعة العمل اقرب إلى مفهوم إدارة الجودة الشاملة.
ان المادة الأكاديمية بمكوناتها جميعا هى محور التميز في التعليم عن بعد واعتماد الطالب على نفسه في الدراسة وتبنيه لأسلوب الدراسة الفردية يعتبر بواسطة علماء التعليم عن بعد مقياس نجاح أو فشل فلسفة التعليم عن بعد نفسها. كذلك فإننا نرى أن وجود معهد أو إدارة أو قسم لتكنولجيا التعليم في الجامعة المفتوحة يصبح امراً ضرورياً ومتجانساً مع إدارة الجودة الشاملة، اذ انه يمثل الآلية التي تحقق وتقيس التميز والتأكد من أن المواد الأكاديمية توافق مواصفات التعليم عن بعد، كما أن وجود مركز لتكنولوجيا التعليم في الجامعات المفتوحة كان دائماً من أهم آليات البحث والتطوير والتقويم والتي هى آليات ضرورية لضمان الجودة والتطوير والمراجعة المستمرة.

ثالثاً:نظام فعال لدعم الطلاب:
أن كانت المادة الأكاديمية تحتل الشق الأول للنظام التعليمي فان دعم الطلاب والإشراف عليهم أكاديمياً وإداريا يعتبر الشق الثاني ونظام دعم الطلاب Student support service هذه الآلية هى التي تضمن  أن الطالب يمارس التعلم ذاتيا ويجد العون اللازم في ذلك .
أن كثيرا من نظم التعليم عن بعد خاصة تلك التي توجد في الجامعات النظامية لا تولى هذا الموضوع أي عناية، مع انه المحور الرئيس التي يدور حوله نجاح أو فشل العملية التعليمية. والجامعات المفتوحة والتعليم عن بعد بمفاهيمه الحديثة يعتبر هذا الأمر أساسيا والشق الثاني الرئيس للعملية التعليمية بل وفي بعض الجامعات يستحوز على ربع ميزانية الجامعة أو يزيد.
ان تنظيم التعليم عن بعد والذي يعمل في الغالب على نطاق جغرافي وبشري واسع يستدعي وجود ادارات إقليمية بجانب رئاسة الجامعة هذه الإدارات الإقليمية تكون لها مراكز دراسية Study centres هى التى يتعامل معها الطلاب. أن خدمات دعم الطلاب تشمل العون الأكاديمي والخدمات الإرشادية والتي يجب أن تقدم للطلاب بكل كفاءة ومن مختصين، هذه الخدمات تضمن أن الطالب قد استوعب المادة وفهمها وتضمن كذلك التصدي لمشكلاته غير الأكاديمية  وكونه منسجم مع طريقة التعليم الذاتي وان مشاكله المادية والدراسية والاجتماعية و الخاصة تجد من يعينه في معالجتها. أن العون في هذه المجالات يقلل التساقطDropout والذي هو احد مشكلات التعليم عن بعد، كما انه يعين الطلاب في التخلص من العزلة الاجتماعية والأكاديمية التي يحسون بها والتي لا نجدها عند طلاب التعليم النظامي المقيم والمتفاعل .
أن المادة الأكاديمية بأشكالها المختلفة يجب أن تصل الطلاب في الوقت المناسب وتكون في متناولهم جميعا وهذا يشمل المادة المطبوعة وأشكال البث الإذاعي والتلفزيوني وغيره من الوسائل التكنولوجية الأخرى، وهذا يستدعى برمجة لكل هذه الوسائل بحيث يكون الطلاب على علم تام بها، كما أن دعم الطلاب يتطلب ترتيباً إدارياً فعالاً ونظاماً للمعلومات يعتمد عليه نجاح فلسفة التعليم عن بعد نفسه وأخيرا فانه يحتاج لأساتذة أكفاء ومتميزين ومنفعلين مع طريقة التعليم عن بعد وحريصين على نجاحها وأن نعينهم بالتدريب والتأهيل الكافي لهذا العمل.
رابعاً: نظام فعال للمعلومات والاتصالات:
لقد سبق أن ذكرنا أن إدارة الجودة الشاملة ترتكز على توفير المعلومات الدقيقة في كل المجالات واشرنا كذلك إلى أن التعليم عن بعد يتناغم مع إدارة الجودة الشاملة في ذلك لان نجاحه وفاعليته تعتمد على المعلومات.
أن نظام المعلومات والاتصالات يختص بجانبين الأول يتعلق بالمؤسسة وحاجتها للمعلومات عن الطلاب وذلك عن تقديمهم لطلبات الالتحاق والتي يجب أن تكون مستوفية لحاجات الاختيار الصحيح ووضعهم في البرامج المناسبة، وتحوى معلومات كافية عن وضعهم العلمي والأسري والاجتماعي، كذلك تحتاج المؤسسات لنظام معلومات دقيقة يختص بوضع الطالب الأكاديمي وتقدمه العلمي ذلك لان التعليم عن بعد يعتمد أسلوب التقويم المستمر من خلال أنشطة أكاديمية كالتعيينات (Assign ment)وامتحانات يؤديها الطالب أثناء فترة الدراسة وذلك بجانب الامتحان في نهاية العام، أن إدارة التعليم عن بعد تحتاج شبكة معلوماتية متكاملة تربط المركز بالأقاليم وبالمراكز الدراسية تكون متاحة لكل متخذي القرار والمشرفين على العمليات الإدارية والأكاديمية حتى نضمن سهولة وانسياب المعلومات ودقتها.
أن  المؤسسة التعليمية عن بعد كذلك تحتاج معلومات وافية ودقيقة عن الأساتذة الذين يعملون في الإشراف الأكاديمي والإرشاد وكما هو معلوم فان معظمهم من المتعاونين الذين تحتاج المؤسسة أن تتأكد من أنهم يؤدون العمل ويقدمون العون للطلاب ويتواصلون معهم بطريقة فعالة.
 ومن ناحية أخرى فإن المعلومات والاتصالات ضرورية بالنسبة لكل ما يتعلق بالطلاب. فالطلاب يجب أن تتوفر لهم المعلومات الكافية عن النظام التعليمي في الجامعة وتحقق جميع احتياجاتهم للمعلومات وذلك من خلال آليات مناسبة قد تشمل مطبقات أو مرشد للطلاب (Student Book) تحوى معلومات واضحة وكافية عن البرامج الدراسية وما هى متطلبات القبول، فيها وطريقة تقديم استمارات القبول وطريقة الدراسة (وهذه تكون عادة برنامجاً دراسياًَ متكاملاً يدرسه الطالب) وما هى المتطلبات الأكاديمية التى يجب أن يستوفيها الطالب ومعلومات عن طريقة التقويم في الجامعة وكيفية نظام حساب الدرجات والحصول على الشهادة المطلوبة. وكذلك كيفية إرسال واستقبال المادة الأكاديمية المطبوعة وغيرها والتوقيت الملازم لذلك. وكيف يستطيع الطالب أن يراقب دراسته ويقيم وضعه.  يعطى الطالب معلومات عن الخدمات التي تقدمها المؤسسة التعليمية في المراكز التعليمية والإشراف الأكاديمي والإرشاد وكيفية حصوله على ذلك والاستفادة منه، وما هى المساعدات المالية( إن وجدت) والإدارية الأخرى التي يمكن أن يحصل عليها لا بد كذلك من أن نبين للطالب كل أساليب التفاعل التي توفرها المؤسسة سواء كان ذلك اتصالا مباشراً مع المشرفين أو مع زملائه الطلاب أو عن طريق آليات أخرى عن بعد مثل التلفون والمؤتمرات الصوتية والمرئية ومن خلال ال E-mail البريد الالكتروني والانترنت باختصار لكي تحقق إدارة الجودة الشاملة في هذا المجال فإننا نحتاج أن نجعل الطالب على علم ودراية  بكل هذه المعلومات الضرورية التي يحتاجها.
خامساً:تقويم الطلاب:
إن إدارة الجودة الشاملة تستوجب كذلك أن تنال عملية التقويم العناية الكافية ذلك لأنه يعول عليه كثيراً في الاعتراف بالمؤسسة وضمان مصداقيتها وكفاءتها.
إن أساليب التقويم التي تنتهجها المؤسسة يجب أن تكون معروفة للجميع ومتسقة مع أساليب التقويم المتبع في مؤسسات التعليم العالي، وكل برنامج تتبع فيه الأساليب التي تناسبه كما يجب ان تراعي الدقة في تصميم وإجراء التقويم سواء كان تقويماً تكوينيا أو تقويما نهائياً وان تتحقق الضمانات الكافية لإجرائه بطريقة تضمن موضوعيته ومصداقيته، لذلك يجب أن يكون إشراف المؤسسة على التقويم إشرافاً مباشراً مع انه قد يتم بواسطة أساتذة متعاونين أو مؤسسات أخرى. ولعل أساليب التقويم المستمر التي يتناولها التعليم عن بعد كالتعيينات (ِAssignment)  او الامتحانات الأخرى تحتاج لعناية خاصة فلا بد من آليات للضمان بأن الطالب قد قام هو نفسه بأدائها، وكذلك نضمن أنها خضعت للتقويم الصحيح بواسطة المشرف الأكاديمي وعلق عليها التعليق المناسب الذي يعين الطالب في تحسين تعلمه .
إن الامتحانات وأساليب التقويم المختلفة يجب أن تقيس تعلم الطالب وان تكون موضوعية ومناسبة لما تقيسه من مادة أكاديمية، كل ذلك حتى تستوفى مقايس الجودة الشاملة وتضمن أن العملية التعليمية تحقق غاياتنا في النهاية.
اخيراً فان المؤسسة يجب أن تخضع مقايسها وآلياتها التقويمية للمراجعة المستمرة ويشمل ذلك والامتحانات والاختبارات ومحتوياتها وطريقة إعدادها وطريقة إجرائها وتنفيذها وان تكون المؤسسة مستعدة لتحسين أساليبها وتجديدها بناء على التغذية الراجعة التي تتلقاها.
سادساً:التدريب والتطوير:
ان مؤسسات التعليم عن بعد في الدول النامية تحتاج أن تولى عناية خاصة للتدريب والتطوير والتي هى من أهم آليات إدارة الجودة الشاملة . أن قيادات التعليم عن بعد تحتاج أن تنفتح على التجربة العالمية في هذا المجال وهى تجربة ثرة ومتنوعة، يتم ذلك من خلال زيارات للمؤسسات الشبيهة للتعرف على الممارسات والتفاكر مع قياداتنا،  تحتاج أن تشترك في المؤتمرات العالمية والإقليمية والمحلية وعلى رأسها منتدى التعليم عن بعد الرئيس الذي ينظمه المجلس العالمي للتعليم عن بعد والتعليم المفتوح.(International council for Distance and open Education) هذا المنتدى يعقد كل عامين وتقدم فيه عشرات الأوراق العلمية في مختلف جوانب التعليم عن بعد الأكاديمية والإدارية والفنية.
ان مؤسسة التعليم عن بعد الجامعية يجب أن تولى عناية خاصة للمتابعة والتقويم المستمر والبحث في فلسفة التعليم عن بعد وكيفية تحسينه والتصدي للمشكلات والسلبيات قبل وقوعها وحتى تضمن أن الأعمال تؤدي بالطريقة الصحيحة من البداية ووجود إدارة وقسم للبحث والتطوير يصبح أمرا ضرورياً.
كما أن مؤسسة التعليم عن بعد تحتاج أن تهتم بالتدريب والذي يجب أن يشمل كل الكوادر العاملة، و ذلك في كتابة وإعداد المادة العلمية بما يناسب الدراسة الذاتية وفي نظم دعم الطلاب وتقديم العون والإشراف الأكاديمي والعون الإرشادي، والتدريب على كيفية الاستفادة من المعينات التكنولوجية للإنتاج الإذاعي والتلفزيونية وتصميم برامج الحاسوب والتعامل مع الانترنت وغيرها من الأساليب والتقنيات التي يتبناها التعليم عن بعد. أن التدريب والتطوير يجب أن يكون مستمراً وان يكون هناك آلية تشرف على ذلك.


الخلاصة والتوصيات

          عالجت الورقة إمكانية تطبيق مفاهيم إدارة الجودة الشاملة في مؤسسات التعليم عن بعد الجامعية وقد خلصت إلى الآتي:
1.     إن نظرية إدارة الجودة الشاملة تعتمد على مفهوم أن الاستثمار في تحسين جودة الإنتاج والخدمات يؤدي إلى زيادة الانتاجيه وتقليل التكاليف وهو ما يمكن أن نطلق عليه عبارة ثالوث التميز، وذلك على أن يكون تطبيق نظرية الجودة الشاملة شاملا وقائماً على فهم جيد لمتطلبات وخطوات التطبيق الشامل وليس عشوائياً وغير مدروس.
2.     إن الدول النامية والتي تسود فيها عادات وطرق عمل غير علمية ويصعب التخلص منهما يمكنها تطبيق إدارة الجودة الشاملة عن طريق الخطوات الآتية:
  أولاً: وجود إداري في أعلى الهرم التنظيمي قادرة على اتخاذ القرار ويؤمن ايماناً راسخا بفلسفة      
     إدارة الجودة الشاملة
 ثانياً: إعادة بناء المناخ التنظيمي في المؤسسة بناء على ثقافة وقيم الجودة (Quality culture)
 ثالثاً: التطبيق الفعلي والعملي لهذا المفهوم بناء على الخطوات المتعارف عليها مع المتابعة.
 رابعاً: لابد من مكافئة حسن الأداء ومعالجة الأخطاء وتفاديها قبل وقوعها وتطبيق مبدأ الثواب
      والعقاب بطريقه مستمرة.
3.   وقد خلصت الدراسة كذلك إلى أن التعليم عن بعد والجامعات المفتوحة ظلت تمارس نوعا من التجويد والتميز يتماشى مع مفهوم إدارة الجودة الشاملة وذلك للتحديات التي ظلت تواجهها. وتطبيق الجودة الشاملة يمكن أن يؤدي إلى النجاح على أن يشمل بصفة خاصة جوانب إعداد المواد الأكاديمية ونظم دعم الطلاب وتفعيل نظم الاتصال والمعلومات.
          وعليه فان الدراسة توصي بالاتي:
1.  لابد من تطوير استراتيجيه محددة لإدارة الجودة الشاملة في مؤسسات التعليم عن بعد مع الوضوح في تحديد الأهداف على المدى البعيد كما لابد من وجود آلية لتطبيق ذلك.
2.     اعتماد برامج تدريبية تطويرية لكافة العاملين في التعليم عن بعد وذلك في مختلف التخصصات والمهارات.
3.  الاهتمام بالبحث العلمي التطويري في مجال التعليم عن بعد والتعليم المفتوح وإدارة الجودة الشاملة للتصدي للمشكلات وإيجاد البدائل وابتداع أساليب ومفاهيم جديدة للتطوير
4.  الدعم المطلق والمستمر من قبل قيادة التعليم العالي لتطبيق نظام الجودة الشاملة في الجامعات التي تتبنى أساليب التعليم عن بعد وكذلك الجامعات النظامية وتكوين مجلس للجودة وتشجيع التفكير الإبداعي والمبادرات والتميز.

المراجع
·   أحمد محمد الشامي: إدارة الجودة الشاملة: المفهوم والتطبيق في الجمهورية اليمنية، الإداري السنة 21 العدد 76 مارس 1999م ص 42 – 75.
·   عبد الستار محمد العلي: تطوير التعليم الجامعي باستخدام نظام الجودة الشاملة: الإداري السنة 20 العدد 74 سبتمبر 1998 ص 97 – 109.
·   عبد الله بن عيسى بن علي  الكيومي: تقدير درجة امكانية تطبيق بعض مفاهيم إدارة الجودة الشاملة في كليات التربية في سلطة عمان (ملخص رسالة ماجستير من الإدارة التربوية). الإداري السنة 25 العدد 95 ديسمبر 2003 ص 196 – 215.
·   عبد العزيز ابونبقة وفوزية مسعد: إدارة الجودة الشاملة: المفاهيم والتطبيقات، الإداري السنة 20 العدد 74 سبتمبر 1998م.
·   عبد الله بن موسى الخلف. ثالوث التميز: تحسين الجودة وتخفيض التكلفة وزيادة الإنتاج الإدارة العامة المجلد 37 العدد 1 محرم 1418هـ مايو 1997م ص 121 – 141.
·        Koch , James and Fisher , James , (1998) Higher Education and total quality management , Total Quality management vol 19  issue 8 P. 659 . 670.
·        OWlia , M.S Aspinwall , EM. (1996) Quality in Higher Education , A. Survey . Total Quality Mange ment 6, pp 161 – 171.
·        Wood House , D Quality and Quality assurance , in OECD Quality and Internationalization Higher  Education, Paris.
·        Guidelines in the Quality assurance of Distance Learning    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق