الخميس، 20 يونيو، 2013

إنعكاسات نسوية ما بعد الحداثة على المناهج التربوية تنظيراً وممارسة



إنعكاسات نسوية ما بعد الحداثة على المناهج التربوية تنظيراً وممارسة
د. أبو بكر محمد أحمد محمد إبراهيم
1/ المقدمة:
يُؤرخ عادة (من منظور الكتابات الأمريكية في تاريخ التربية الحديث) إلى الكتابات المتخصصة في مجال المناهج التربوية بالربع الثاني من القرن العشرين، الذي شاعت فيه كتابات فرانكلين بوبيت Franklin Bobbitt ورالف تايلر Ralph Tyler وأخرين في أقسام التربية بالجامعات الغربية. فهذه الكتابات قد أسهمت في (ولادة) مجال تخصصي عرف بالمناهج the Curriculum، كما ساعدت على بلورة قضايا التعليم المدرسي ومناهج البحث فيها بشكل علمي/ مدرسي.
إن الدراسات المتخصصة في المناهج (التراكم المعرفي لما يزيد عن نصف قرن) تعكس نوعين من التقاليد البحثية؛ فهناك أولاً: التقاليد العلمية The Scientific Tradition التي يتم فيها تبرير القرارات المتصلة بقضايا المناهج من خلال الرجوع إلى قاعدة تستند على المعرفة بطبيعة التعلم وأثر خيارات التدريس وطرقه المتعددة على مخرجات التعليم، وقد وصِفَ هذا المنحى - تقليدياً- بالعلمية لكونه يحاول تقديم إجراءات وأدوات لفهم المنهج وكيفية تطوير نظرياته وتطبيقاته من خلال تأسيسها إمبريقياً، بحيث تَظهر هذه المعرفة العلمية في شكل كمي يمكن أن تتأسس بناءاً عليه استراتيجيات تعليمية محددة.[1] وهناك ثانياً: التقاليد الإنسانية (الهيومنستك) The Humanistic Tradition التي تحاول أن تُجيب عما يجب أن يتعلمه التلاميذ وعن الكيفية التي يتم بها التعليم استناداً على حجج فلسفية تؤكد قيمة الإنسان وقدرته على تحقيق ذاته، فهو مصدر الخيرية Goodness والإبداع/ الخلق Creativity.[2]
إن مناقشة الطبيعة الإنسانية وحدودها كقاعدة فلسفية للبحث في قضايا المنهج (التربوي) إنطلاقاً من رؤى فلسفية، مغايرة تماماً للرؤية الدينية الخاصة بطبيعة الإنسان والهدف من وجوده ومصدر معياريته، قد أضفى على التقاليد الإنسانية / غير الإمبريقية مضامين معرفية ومنهجية بجانب المضامين الميتافيزيقية: مثل رفض مقولة الحقيقة المطلقة، والإصرار على البحث عن طبيعة المعرفة وأنواعها والطرق المتعددة، التي يمكن أن تكتسب بها المعرفة وتفسر، في حدود الفكر المادي. فالمعرفة (من هذا المنظور) نتاج شروط تاريخية واجتماعية، ولذلك فهي تتسم بالتعقيد وعدم الإطلاق.
وقد أفضى هذا التحول، من المنحى العلمي الإمبريقي إلى المنحى الإنساني/ غير الأميريقي في دراسة قضايا المنهج، إلى تنوع كبير في استخدام الصيغ المنهجية وأدوات التحليل، مثل: صيغ التحليل التاريخي والاقتصادي، والتفسير الثقافي، والنقد الأدبي، والماركسية، والنسوية وغيرها من مقاربات فلسفية.
وفي هذه الدراسة سوف نناقش مقولات النسوية بوصفها قاعدة فلسفية لنوع من المقاربات النقدية تتسم بمضامين معرفية تأثر بها التفكير العلمي/ المدرسي في حقل المناهج: على مستوى النظرية والتطبيق، خاصة في العشرين عاماً الماضية.
وإختيارنا للنظرية النسوية The Feminist Theory يعود لأكثر من سبب، لعل أهمها أن صيغ التحليل التي اتبعها منظرو النسوية تعد، مقارنة بالصيغ وأدوات التحليل غير الأمبريقي، الأكثر راديكالية؛ إذ تتخطى الحوجز المضروبة على ميادين المعرفة المختلفة لتَتََّبع دور المرأة في التاريخ، والاجتماع، والحياة الأسرية، والبنيات الاقتصادية، والتربية، والآداب، والعلوم. ومن بين الأسباب المهمة كذلك، التي حفزت همتنا لمناقشة هذه الفلسفة وانعكاساتها على نظرية المنهج، ارتباط نسوية ما بعد الحداثة بنقد النظام الأبوي وتحليل آثاره الاجتماعية على المرأة والرجل معاً.
ولعل مما يفيد ذكره في هذه المقدمة، أن نشير إلى أننا سوف نحصر نقاشنا في حدود تحليل البعد المعرفي للفلسفة النسوية، فنناقش على وجه التحديد الأسئلة الثلاثة التالية:
1/ كيف عالجت النسوية مشكلة المعيارية ومصدرها؟؛
2/ ما حدود الأفق الذي حاولت النسوية أن تتجاوز به التعريف المادي المحض للإنسان؟؛
3/ وما سر ارتباط هذه المحاولة (النسوية) بقضية البيئة؟ إذ يبدو لنا أن بالإمكان الربط بين المسألة السكانية (قضية تحديد النسل - موضوع مؤتمر القاهرة)، ومحاولة إظهار الوجه الأنثوي للعلم[3] (تحديد رؤية النساء للعالم - مؤتمر بكين)؛ فقد عرفت الفلسفة النسوية ما اعتبرته منظور كلاني/ شامل holistic approach للعلم في حدود استلهامها لقضايا البيئة وأزمة العلم الطبيعي.
وإذا كان تحليل البعد المعرفي – كما يقرر دائماً الأستاذ المسيري[4]- يرتبط بإشكالية التحيز، ومشكلة ما قبل الفهم، فإننا بدون شك سنحتفظ بمسافة بيننا وبين المقولات التي سنخضعها للتحليل والنقد، من منطلق أن بعض الأفكار والمسلمات والتحيزات التي ننطلق منها تباين أفكار ومسلمات وتحيزات خطاب الفلسفة النسوية. وهذا بالطبع يعني أن المناقشة تستبطن تحيزات مختلفة، قد يكون من المفيد أن نفصح عنها في عمل آخر، إذ لا تتسع حدود هذه الدراسة للقيام بذلك العمل في المناقشة التحليلية الحالية.
2/ القيم وإشكالية الإطار المرجعي في أدبيات المناهج الدراسية في الفكر الغربي
ما الذي تفعله المدرسة أو يمكن أن تفعله، سواء بوعي أو من غير وعي، لمساعدة الناشئة على معرفة الصواب والخطأ حتى يكيفوا سلوكهم بطريقة أخلاقية يمكن أن تحقق حياة اجتماعية جيدة؟
يعد مثل هذا السؤال من نوع الأسئلة المشكلة في الفكر التربوي الغربي،[5] الذي يعكس سياسات متضاربة في مسألة التربية القيمية: ففي الوقت الذي تم فيه رفض منح المدارس أي شكل من أشكال الوظيفة القيمية الأخلاقية، وُجِدَ أن استطلاع الرأي العام يدعم تضمين التربية القيمة في المدارس،[6] على الرغم من عدم الاتفاق حول ما يمكن أن تقوم به المدرسة في هذا الصدد.
ويبدو (من منظور تحيزات كاتب هذه السطور) أن التضارب في مسألة التربية القيمية نتاج طبيعي لمسار العلمنة في المجتمعات الغربية، ولمبدأ الإصرار على "اختزال الإنسان في الجانب المادي وتفسير ثنائية المادي والروحي والثقافي والمعنوي في الطبيعة البشرية في إطار المرجعية المادية الكامنة، وإسقاط المرجعية الإنسانية".[7]
فهذا الاسقاط قد تم عبر مراحل انتهت بعلمنة كاملة للتعليم والقيم الفردية والاجتماعية العامة.
فعندما كانت العلمانية تعرف – في منتصف القرن التاسع عشر- في إطار فصل الدين عن الدولة، وفي إطار عدم التدخل في حياة الإنسان الخاصة واحترام الدين والقيم، عملت الأسرة والجماعات الدينية في الغرب على نقل القيم، سواء عن طريق المراقبة الوالدية وإشراف الأسرة المباشر أو عن طريق المدارس الخاصة بالجماعات الدينية المختلفة.
أما عندما بدأت تختفي الأسرة كآلية لنقل القيم، نتيجة لهيمنة الدولة على معظم حياة الإنسان، بما في ذلك حياته الخاصة التي كانت بمنأى عن عمليات العلمنة، والتي كانت محكومة بالقيم المسيحية أو بالقيم العلمانية التي تستند إلى مطلقات إنسانية أخلاقية أو مسيحية متخفية، عندما بدأت هذه العملية تتحقق بدأت كذلك المنظومات المعرفية والأخلاقية بكاملها تتعلمن.[8]
وقد انعكس ذلك على التعليم المدرسي الذي ظل يهدف إلى تأكيد مفهوم القيم القومية (المادية)، وتعريف المدرسة على أنها مكان يتقبل فيه الجميع قيم المجتمع الذي يعيشون فيه وينتمون إليه.[9] غير أن التركيز على قضايا التربية الوطنية Citizenship Education والتربية المدنية Civic Education في المدارس، وترك القطاعات الإرشادية والإعلامية الأخرى التي تشرف عليها الدولة تُضعف بقايا الحس الديني والقيم التي ظلت الأسرة تقليدياً تضطلع بمهمة غرسها في نفوس الناشئة، قاد (نتيجة هذه الازدواجية الصراعية) إلى ترويض وجدان الشباب وإغوائهم وإشاعة القيم التي كان المجتمع يبذل جهوداً لمحاصرتها والحد منها.
ولم يعد من الممكن، والحال على هذا النحو، أن تضطلع المدرسة بوظيفتها التربوية أو تُعيد ما سلب منها. ذلك ما تؤكده – على سبيل المثال- الأزمة الأخلاقية الناتجة عن ظاهرة تفشي الإيدز، والتي انتهت مواجهتها من قبل التربويين وصانعي القرار التربوي في أمريكا بالفشل.
وفي هذا الصدد يشير اسكريفن Scrieven إلى أن نتائج برامج التربية الجنسية التي شرعت في تنفيذها 75% من المدارس الثانوية وثلثا المدارس الوسطى الأمريكية في العام 1982م لم تظهر فروقاً بين المجموعات الضابطة والمجموعات التجريبة في تغيير اتجاهات التلاميذ وسلوكياتهم في موضوع الجنس.[10] مما يعني أن التربية الجنسية (وهي نموذج من أشكال مختلفة للتربية القيمية) قد أظهرت فشلاً واضحاً في تحقيق أثر قيمي إجابي على التلاميذ. يقول اسكريفن ولا يزال الفشل هو الموضوع المشترك في تاريخ التربية القيمية في المدارس.
ولعل مما يؤكد هذه المقولة أن ما يزيد عن نصف مليون نسخة من الكتب التي عالجت تصنيف القيم قد نفدت من المكتبات على أثر الحركة الإصلاحية للمناهج في ستينيات القرن الماضي، وأن هناك محاولات عديدة سعت لتغيير هوية المدارس من خلال تقديم مفاهيم "العقد/ الجماعة cluster" و"مجتمع عادل"، دون أن تتغير الصور إلى الأحسن. [11]
إن أهمية التمهيد السابق - إذا أردنا أن نربطه بما تحن بصدد معالجة قضايا الفلسفة النسوية ذات الصلة بالمناهج التربوية- تتضح عندما ننظر للنسوية من منظور فشل المشاريع الأخلاقية والأطروحات القيمية المادية. إذ تبدو النسوية وكأنها صورة (ضمن صور أخرى أقل راديكالية) للفكر الإنساني النسبي الفاقد لمرجعيته المعرفية والأخلاقية المتماسكة. كما أن النسوية كذلك – ومن منظور تربوي – يمكن اعتبارها جهداً فلسفياً يعكس محاولة لتأكيد أهمية الاعتقاد في القيم الأخلاقية في التعليم المدرسي على أي نحو من اليقين، فهي محاولة محكومة بمنطق الفكر المادي الذي يرد إنسانية الإنسان إلى مرجعية مادية محضة.
فمن منطلق مقولات النسوية يمكن، مثلاً، الاعتراض على مقولة "إن المسؤولية الأخلاقية تتحقق في المجتمع وليس في الفرد"، لأنها تعني الاستسلام التام لحتمية السقوط. كما يمكن إرجاع ضعف الأثر القيمي عند التلاميذ للتعليم الوعظي الداعي للتمسك بالأعراف وقواعد السلوك التقليدية من خلال تعريف مفاهيم الصواب والخطأ المكتشفة بالتجريب العلمي الحسي المجرد من أية غايات إنسانية أو أخلاقية: مفاهيم تسري عليها القوانين المادية التي تؤكد ما هو مسترك ومطرد وقابل للقياس فقط؛ كما يمكن من منطلق مفاهيم النسوية نقد محاولات رسم أهداف سلوكية عملية/ إجرائية للتربية القيمية تترجم تلك المفاهيم بشكل قابل للتعليم والقياس؛ فيقول أنصار النسوية مثلاً إن هذه الطريقة لا تكترث بالأبعاد الداخلية للإنسان (الجوانية)، ولا بمقدرت الإنسان على التمييز الواعي والاختيار الأخلاقي الحر، كما تهمل مراعاة عوامل أخرى تؤثر على التلميذ، مثل: احتياجاته النفسية، وقيم جماعة الأصحاب/ الشُّلة group's values التي ينتمي إليها، والضغوط التي تمليها الظروف المحيطة به. فهذه جميها مسائل تتطلب النظر لقضية التربية القيمية بمنظور مفاهيم الرعاية والشفقة (الأنثوية!)، والبعد عن المنحى الاختزالي والعلمي (الذكوري!) الصارم في فهم الظواهر.

3/ النسوية: مقاربة في إشكلية القيم والتنشئة الاجتماعية وانعكاساتها على التعليم المدرسي
3-1    يقدم علم اجتماع المناهج الحديث the new sociology of curriculum مجموعة حجج لتأكيد أن المدرسة، بوصفها جزءاً من عملية اجتماعية أوسع، يتم تكييفها دائماً في إطار ثقافي اجتماعي.[12] حيث يُلاحظ، بالفعل، أن ثمة علاقة عضوية قوية بين أشكال التكييف الثقافي الاجتماعي الذي تقوم به مؤسسات التربية النظامية وغير النظامية، والأدوار التي تلعبها هذه المؤسسات في الضبط الاجتماعي، ومجموعة الأيدلوجيات الموجهة للمناهج التربوية.
إن هذه الحقيقة البدهية يرتكز عليها الأدب التربوي الحداثي عند مناقشته لإشكال الإطار المرجعي القيمي للمؤسسات التربوية والتعليمية في المجتمع، حيث يضم المجتمع بالضرورة جماعات متعددة الثقافات. ويتلخص الإشكال في كيفية التوفيق بين التعددية الثقافية في المجتمع وقولنا "إن المنهج عبارة عن اختيار من مجموع الثقافة".[13] وقد حُسم هذا الإشكال في التجربة الغربية - وكنتيجة طبيعية لإفرازات تاريخية محددة- بقاعدة "أن ملامح المجتمع عندما تتحدد عن طريق التنوع القيمي value plurality وعندما تتساوى القوى السياسية للمجموعات، فإن الاتجاه سينحو إلى مزيدٍ من التوفيق"،[14] أو إلى مزيدٍ من العلمية.
وإذا برز سؤال عما تعنيه المعالجة التوفيقية هذه؟  أو عن ماهية المعالجة العلمية لسؤال القيم والأخلاق؟ فإن الإجابة عن ذلك باختصار – وتاريخ هذه القضية معلوم للقارئ- أنها تعني إقصاء الدين، وتبني العلمانية فلسفةً للحياة العامة ورؤيةً كليةً تصدر عنها العملية التربوية في بعديها: التربية التعليمية والتنشئة الأخلاقية. ولذلك عندما يقرر باحث في الفكر التربوي الغربي "أن المناهج – في المؤسسات التعليمية الرسمية خاصة- نادراً ما تعكس وضع ثقافي أيديولوجي واحد بشكل تام"[15]، فإنه في هذه الحالة إنما يستثني الدين في بُعديِّه العقدي والتعبدي، بمعنى أن المنهج لا يعكس التقاليد والمعتقدات الدينية لمجموعة معينة في المجتمع، ولكنه يعكس الثقافة العلمانية التي تشترك فيها كل المجموعات ذات الوزن السياسي المؤثر في الحياة العامة، بما في ذلك المجموعات الدينية؛ فالاتجاه العلمي في الغرب، ونتيجة للتقاليد التي سار عليها التفكير الديني في عصور انهياره، ظل يضع العلم المرتبط بالحياة وبكل ما هو واقعي بمثابة النقيض للدين. فترتب على ذلك تقبل فكرة المصالحة مع تيار العلمنة بعد أن فشل الفكر الديني في الغرب في احتوائها، "على الرغم مما تنطوي عليه هذه الفكرة من عملية هدم للذات".[16] فإزاحة الدين عن العلم المرتبط بالحياة وبكل ما هو واقعي أفسح المجال لظهور "الدولة العلمانية المستندة إلى القوة لا إلى المبررات الإلهية والحق المقدس ... فأصبحت الدولة العلمانية مصدر السلطة التي تحكم بها".[17] كما أصبح مصدر الأخلاق ليس الإله أو الغايات الإنسانية وإنما المجتمع أو العلم. أي أن الإنسان (من منظور أصحاب نظرية الأصل الاجتماعي للأخلاق) [18] يخلق قيمه الأخلاقية التي تخدم مصالحه، إذ يتحلى الإنسان بالأخلاق نتيجة للتطبيع الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية فحسب. ومن ثم تم تصور الأخلاق وكأنها ظاهرة وظيفية اجتماعية هدفها تتبع الرأي المجرد للاغلبية وليس محاكمته من منظور أخلاقي إنساني متعين.
وفي مقابل هذه الأطروحة يذهب أصحاب نظرية الأصل العلمي للأخلاق[19] إلى ضرورة تأسيس الأخلاق على هدى القوانين العلمية (المجردة) والحسابات الرياضية الرشيدة والمبادئ الوضعية (الفلسفة النفعية مثلاً).
هذا فيما يبدو هو مجمل قضية الصراع الحاد الخاص بالقيمة في المجتمعات العلمانية، والذي يتلخص في التحديد التالي: إذا كان ثمة إيمان بالقيم المطلقة، فمن ذا الذي يقرر هذه القيم؟ والإجابة الحديثة (إذا استعرنا تعبير المسيري) عن هذه السؤال، في إطار المرجعية المادية الكامنة، هو: الاغبلية التعددية، أو هو: العلم الطبيعي الذي يسوي بين الإنسان والطبيعة، فلا توجد أي حقيقة مطلقة ولا قيم مطلقة. وبذلك تكون القيم المطلقة قد سقطت في صيرورة الأغلبية العددية والعلم الطبيعي.
لسنا هنا في حاجة لتوضيح ما أحدثته عملية تبني الرؤى العلمانية على مستوى الاتجاه العلمي وفي الحياة العامة من أثر، فهذه من القضايا المعلومة. وحسبنا أن نبرز من هذه المسألة ما يتصل بما نحن بصدد معالجته: أثرها على العلوم الاجتماعية والتربوية منهجاً ومضموناً.
تشير أستاذة العلوم السياسية في جامعة نيويورك في السبعينيات الأستاذة ريتا و. كوُّلي Rita W. Cooley، ومن خلال استعراضها لخبرتها في تدريس العلوم الاجتماعية،[20] إلى أن نماذج وأدوات التحليل الاجتماعي التي استخدمت في دراسة المشكلات الاجتماعية التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية (والتي تم الاستعانة فيها بتحليل البيانات والإحصاءات الخاصة بها) جعلت الاتجاه العام للحركة العلمية في الغرب يسير في اتجاه المناداة بضبط "مصداقية دراسة الظاهرة الاجتماعية". فقد ظهر جلياً – في تلك الفترة- ضعف البناء النظري لنظريات دارون وماركس وكومت وعجزها عن معالجة القضايا المستجدة.
وانسجاماً مع هذه الرغبة العلمية حلت النماذج الإحصائية والاختبارات الرياضية محل المناقشات الوصفية ذات الطابع الفلسفي. ونسبة لغياب القياس المعملي – المعتمد في العلوم الفيزيائية والكيمائية- اتجه علماء الاجتماعيات للحيل النظرية وبناء النماذج الرياضية واستخدامها استناداً إلى نظرية الاحتمالات لاختبار مفاهيم العلم الاجتماعي، فساد الاعتقاد بأن المسح الاجتماعي وقياس الرأي وما اشبهها من دراسات قد أصبحت أمراً ممكناً.
إن هذا الاتجاه نبه علماء الاجتماعيات للعناية بصورة أولية بدراسة أثر المؤسسات الاجتماعية على الأفراد وعلى السلوك المجتمعي، فانصب الاهتمام على دراسة الأثر الذي تحدثه المؤسسة الاجتماعية بدلاً من دراسة بنية هذه المؤسسة ذاتها، فنشب الخلاف من جديد بين علماء الاجتماعيات حول القضايا المنهجية.[21]
وقد أسفرت مناقشات القضايا المنهجية ذات الطبيعة الخلافية في البحث الاجتماعي عن ظهور اتجاه نقدي يزعم أن محاولة تقييد النشاط الإنساني في نموذج رياضي محدد يؤسس لتبسيط وتشويه مخل لخصائص الوقائع الاجتماعية، بسبب أن النموذج الرياضي يُظهر هذه الوقائع بشكل مغاير لطبيعتها. وقد استهدفت محاولات هذا الاتجاه نقد الأساليب التقليدية في دراسة المؤسسات الاجتماعية والقانونية والتاريخية لصالح التركيز حول مشاعر الأفراد، بقصد "إظهار تأثير بنى المجتمع (الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية) على حياة الأفراد في مختلف مراحلها، وتوجيه ردة فعل هؤلاء الأفراد إزاء حصيلة هذه المؤثرات البنائية وتأثيرها على المستوى الشخصي".[22]
وبوحي من الروح العلمية في حقبة ما بعد الحداثة، وفي إطار هذا الوعي المتجدد بضرورة نقد الصيغ المنهجية التقليدية في العلوم الاجتماعية، ظهرت محاولات (راديكالية) عملت على إعادة قراءة تاريخ العلم الحديث من منظور يعالج العلم بوصفه مؤسسة اجتماعية وطريقة في اكتساب المعرفة تؤثر فيها توجهات عقول الذين أسهموا في تشييدها. فظهرت ضمن هذا الاتجاه النقدي المدرسة النسوية التي تستند عليها نظرياً قضية المرأة في الفكر الغربي المعاصر.
تحاول المقاربات النسوية أن تعيد قراءة تاريخ العلم لتعرية التحيزات التي تنسبها هذه المدرسة للنوع/ الجندر. حيث تُبرز - على سبيل المثال- سيادة النزعة الموضوعية في العلم الحديث، واستخدام المنطق والعقل لاستنباط علل الظواهر على أنهما يعكسان رغبة رجل العلم في الاستمساك بنظرة (جافة) منفصلة أحادية للعالم، غير متأثرة برغبات العالم/ الباحث الشخصية، التي تعرقل (من وجهة النظر السائدة) انتظام التفكير، أو بحب الباحث لآرائه الخاصة التي تفقد العلم كفاءته، فالنتيجة في هذه الحالة هي "عزل العلم عن اللاوعي الذي يبدو لا عقلانياً".[23]
ومن هذا المنظور النسوي لقيم العلم – التي تدعي هذه المدرسة أنها قيم ذكورية / تعادل خصائص الرجل- تم نقد "تصور الطبيعة القابلة للتفكيك وإعادة التركيب طوعاً لتَحَكُم الإنسان فيها"، لكون أن هذا التصور يمثل نموذجاً اختزالياً أساسياً للعلم في المقاربة (التقليدية/ الذكورية)، التي تستمسك بفهم جوانب الظاهرة المعقدة عن طريق اختزالها (رياضياً) إلى الأجزاء المكونة لها. فقد أدى هذا الفهم إلى قسمة حادة - اصطنعها ديكارت وصارت فيما بعد معتقداً عاماً - تفصل بين الروح والجسد، وبين العقل والمادة. فقد ذهب ديكارت إلى أن الفيزياء قابلة للاختزال إلى الميكانيكية (وأن بالإمكان تفسير كل شيء مادي في حدود انتظام أجزائه وحركاته)، فاعتبر الجسم البشري مماثلاً للآلة الميكانيكية. وهكذا حلت رؤية العالم كآلة ميكانيكية محل رؤية العصور الوسطى للكون العضوي الحي الروحاني. و"تفترض النسوية أن الاستفادة من التقاليد (العلمية/ الذكورية) السائدة بعد اقترانها بالأنثوية (التقاليد المنشودة) تُعيد للعلم المنظور الكلاني holistic approach، الذي يسمح للباحث من أن يركز على الأجزاء الفردية وفي الآن نفسه يضع في اعتباره علاقتها بالبيئة".[24]
ومن ذات هذا المنظور النسوي تم نقد هرمية تقسيم العلوم التي تحتل فيه العلوم الموضوعية (الصلبة / الأكثر خشونة) كالفيزياء والكيمياء قمة الهرم في حين تُحظى علوم النفس (الأكثر ذاتية / الأكثر ليونة) بالمرتبة الدنيا. فقد انتهت هذه الهرمية بالباحثين في علم النفس مثلاً إلى استسلامهم لفكرة الموضوعية بحثاً عن احترام المجتمع العلمي، فراحوا يصوبون اهتمامهم على السلوك القابل للملاحظة والتكميم، وينأون بأنفسهم عن الموضوعات الغير ملموسة مثل دراسة الإبداع أو الأحلام.[25]
3-2    مداخلة في علاقة الفلسفة (النسوية) بالواقع الاجتماعي (للمرأة)
ما فرغنا منه يتصل بظهور (قضية المرأة) وتوظيف المنظور الجسماني (الجندر) في تأسيس أدوات تحليل مفاهيمي ضمن المقاربات المعرفية في حقل العلوم الاجتماعية. و قد حاولنا أن نربط بين إشكال الفصل بين العلم والدين، الذي حُسم بسيادة النظرة العلمانية وهيمنتها على فلسفة العلم والأخلاق العامة، وظهور المقاربات النسوية في الفكر الغربي المعاصر. ففي حين يدعو العلم الحديث إلى الحياد العلمي والموضوعية، تدعو النسوية لنقد هذا الحياد الذي يستبعد النظرة الشمولية holistic ويكبت المشاعر والمعاناة الجوانية. وفي حين يقوم العلم الحديث على علاقة هرمية تراتبية (العلوم الطبيعية تليها الاجتماعية ثم الإنسانية) تنحو النسوية لتقديم علاقة لا تراتبية. ويبدو أن هذا الاتجاه – حسب توقعات كثير من الكتاب- في طريقه لإحداث ثورة تستهدف إعادة صياغة علم المناهج الدراسية فكراً وممارسة.
وسنحاول في هذه المرحلة من الدراسة أن نعطي صورة موجزة للسياق الاجتماعي الذي تمخض عنه هذا الاتجاه الفكري، لنقدم وجهاً آخراً لإشكالية بناء المناهج الدراسية في المجتمع الغربي بعد أن فقد توحده في إطار الدين، وخول السلطة المدنية للدولة "المستندة إلى القوة لا إلى المبررات الإلهية والحق المقدس".
ولن نندهش – إذا استصحبنا هذا المبدأ- عندما نعي أن ظهور دراسات المرأة في الجامعات والمعاهد العليا، بل إن قضية المرأة في مجال التعليم عموماً تمثل ثمرة من ثمار الحركة النسوية العالمية. فالاعتراف بتضمين القيم الأنثوية (إذا استخدمنا مصطلحات المدرسة النسوية) وبفلسفتها و"رؤية النساء للعالم" في المناهج الدراسية جاء نتيجة كفاح المرأة – التي زاد عددها ضمن الهيئة التدريسية بالجامعات زيادة نوعية انعكست على إسهاماتها العلمية المحترمة في المؤسسات الأكاديمية والمراكز العلمية - عبر نقابات المرأة ومنظماتها ومنظمات حقوق الإنسان بمؤسسات الأمم المتحدة وغيرها. فقد أصبح هذا التوجه النسوي مصدر قاعدة معرفية وإطاراً نظرياً لقضية المرأة. [26]
وقد ارتبطت الفلسفة النسوية بفلسفة ما بعد الحداثة، التي هي في جوهرها موقف شكي نقدي من منطلقات الحداثة ومقولاتها في إطار فلسفة ما بعد الاستعمار pos-colonial philosophy، وفكرة نهاية المركز والأطراف، وسياسات قهر الآخر وتوجيهه وفرض الوصاية عليه ليسير وفقاً لرؤى ومصالح الأقوى.[27]
إن النقد النسوي لم يتبع نظرية أو إجرائية محددة، فاتسم بتعدد وجهات النظر ونقاط الانطلاق وتنوعها، حيث استفاد من النظرية النفسية السيكولوجية والماركسية ونظريات ما بعد البنيوية عموماً،[28] ولكنه رغم هذه المشارب المتعددة انتظم خطابه حول مفاهيم يجمع بينها الانطلاق من "عامل الاختلاف الجنسي"،[29] لتحليل علاقات الجندر/ النوع في المجتمع.
وقد اتسم النقد النسوي كذلك بالطرح الأيديولوجي المتوازن في فترة هيمنة الثنائية القطبية الجامدة واستحكام الحرب الباردة على النظام الدولي كانت تهيمن عليه، وقد أثر ذلك على قضية المرأة في أروقة المنظمة الدولية.[30]
ثم دخلت قضية المرأة دولياً سياقاً مختلفاً، وذلك مع إعلان النظام العالمي الجديد، بعد انتهاء الحرب الباردة. ولعبت الأمم المتحدة في هذا السياق العولمي الجديد دوراً أساسياً في دفع قضية المرأة من خلال تنظيمها لعدد من المؤتمرات وطرحها لجملة من المواثيق الدولية على دولها الأعضاء وإشرافها على عدد من التقارير عن وضع المرأة بتلك الدول.
إن هذا الدور للأمم المتحدة أسهم في تفجير الجدل (عربياً وإسلامياً) حول قضية الإطار المرجعي للتغيير وخصوصية القيم الغربية عند تناول قضية المرأة، وذلك في أربع محطات كبرى، وهي: مؤتمر السكان والتنمية في القاهرة، ومؤتمر بكين، ومناقشة اتفاقية عدم التمييز ضد المرأة وإشكاليات تطبيقها، ومؤتمر جمعية الأمم المتحدة عام 2000م.[31]   
لم نقصد بإظهار هذا الجانب (المجتمعي النضالي) في قضية المرأة أن نقف عند مجرد إعادة أحكام من نوع أن السياق الاجتماعي لقضية المرأة في المجتمعات المسلمة يختلف عن سياقها في الغرب (والحكم صحيح لا نشك فيه)، فمثل هذا المنطلق لمناقشة قضية المرأة وما يمكن أن نعيه في شأنها من التجربة الغربية لن يفيدنا في هذه الدراسة كثيراً.
وفي المقابل إذا نظرنا لقضية المرأة من منظور المدرسة النسوية (إشكال العلم الحديث)، قد نصل إلى ذات القضايا التي نستنتجها من الحركة النسائية الاجتماعية (إدماج المرأة في التنمية)؛ فالنظرة الثانية هذه تثير أسئلة مثل: عن أي منظور للتنمية نتحدث عندما نريد أن نترجم رغبة إدماج المرأة في المنظومة التنموية؟ هل نقصد بذلك المنظور السائد عن التنمية في العلوم الاجتماعية التي تناهضها النسوية، وتزعم أنها تعبر عن رؤية عالم الرجال وفلسفة الهيمنة الذكورية؟ إذا كان هذا هو القصد فهذا تناقض بمنطق الفكر النسوي نفسه!.
إن قضية إدماج المرأة في التنمية لا تختلف عن قضية أزمة الحرب النووية ولا عن مشكلة ندرة الموارد الطبيعية، ولا تختلف كذلك عن مشكلة تفشي ظاهرة قيم الذة والمنفعة الآنية، فهذه جميعها جزء من أزمة تسبب فيها العلم الحديث؛ فقد أُفسدت البيئة نتيجة إهدار الموارد وغياب الوازع الأخلاقي الذاتي. وتحاول المقاربات النسوية نقد فلسفة هذا العلم (المادي) الحديث، وتأسيس فلسفة تتجاوز مشكلة إختزال الظواهر في بعد أحادي مادي.
3-3    المنظور الجمساني وفلسفة المنهج الدراسي     
إن ما قمنا بتلخيصه في الفقرات السابقة – بطريقة نأمل ألاَّ تكون مخلة- يمثل أرضية النقد الحداثي الذي أفضى إلى المناقشة الطويلة لقضايا العلوم الاجتماعية وظهور قضية الجندر ومقولات النسوية ومفاهيمها في أدبيات المناهج التربوية. فقد أحدثت النسوية تحولات جذرية وجهت دراسة العلاقة بين المنهج والمدرسة والمجتمع في اتجاه مختلف يفترض أن فلسفة العلم التي يعكسها المنهج والطريقة التي تتبعها المدرسة لتمليك الطالب مفاهيم ومهارات اكتساب المعرفة تؤثر على رؤيته لنفسه ومجتمعه والعالم بأكمله، وأن وعي الطالب بهذه العملية (التي تحاك من وراء ظهره) من شأنها أن تغير الفكرة تماماً، فيصبح الطالب فاعلاً للتغيير لا موضوعاً له.
ويبدو أن دراسة هذه العلاقة (بين المنهج والمدرسة والمجتمع) في هذا الإطار الفلسفي (النسوي) تتضمن ثلاثة مستويات من النقاش، وليس مستويين فقط. لأن التركيز على قضيتي "علاقة المدرسة بالمجتمع"... "والأساليب التي تقود بها الممارسات التربوية لتأسيس العلاقات والمفاهيم بطرق مختلفة"، اللذان تقتصر عليهما مناقشة التربويين،[32] سيفوت الهدف النهائي الذي من أجله بحثت الجوانب الاجتماعية والثقافية في العلاقة بين المنهج والمدرسة والمجتمع. أقصد بحث التحول المفاهيمي والمنظور الإدراكي الكلي المنشود إحداثه في عقول ووجدان الطلاب، الذين سيقومون بدورهم بنقد وإعادة صوغ النماذج الإدراكية السائدة. فبحث هذه القضية (العلاقة بين المنهج والمدرسة والمجتمع) بهذه المستويات الثلاثة سيتصل اتصالاً مباشراً بفلسفة بناء المنهج، وبقدرتها على استثمار الأبعاد الإدراكية (المعرفية) والاجتماعية عند الطالب لضبط وتفسير العلاقة الثلاثة تلك.
وإذا أردنا أن نعبر عن ذلك بلغة فنية technical سنقول أن يكون الغرض من تنظيم المنهج هو إعداد الطلاب للإسهام في ضبط وتطوير الوضع الاجتماعي الأوسع من منظور معرفي (وقيمي) مغاير للنموذج السائد. وأن بناء المنهج – بالشكل الذي يسمح بإعداد الطلاب بهذا التصور- يتطلب إجراءات وترتيبات مختلفة تسري على نظرية المنهج ومجموع مكوناته، مثل: (1) أن يصبح الموضوع الإنساني Human Subject محور التركيز الأول في المنهج (دون أن يفضي ذلك إلى قبول المطلقات الدينية). (2) وأن تستخدم الصيغ والمقاربات النقدية في العلوم الاجتماعية لنقد الممارسات الاجتماعية وتعرية أي نوع من أنواع الوعي الأيديولوجي يعمل على تجميد العلاقات الاجتماعية أو تنميطها. (3) وإعادة صياغة القضايا الأساسية والاهتمامات والصيغ البحثية السائدة في أدبيات المناهج التقليدية لتقديم اجتهاد جديد (فكراً وممارسةً) في المناهج.[33]
وإذا كان الأمر كذلك، فإن المنظور المعرفي الذي تقدمه النسوية يفترض أن المرأة كائناً مستقلاً عن عالم الطبيعة/ المادة ولا يمكن تسويته بالظواهر الطبيعية. وعلى الرغم من أن ذات هذا الإفتراض ينطبق على الرجل، ومن ثم يمكن أن نتحدث عن مركزية إنسانية ومعيارية إنسانية معينة، هي بمثابة المرجعية النهائية الرؤية الكلية التي تضع حدوداً بين الإنسان والمادة/ الطبيعة، على الرغم من ذلك إلا أن مساعي المدرسة النسوية الإصلاحية وبسبب تمركزها حول الأنثى لم تفلح في تجاوز الفكر المادي، وقد تجلى ذلك في شكلين متناقضين، يعبران عن نزعتي تأليه الكون وإنكاره:[34]
الشكل الأول يتلخص في تأكيد الفوارق التشريحية بين الرجل والمرأة، فتصبح الخصائص التشريحية للمرأة قدرها، والخصائص التشريحية للرجل هي أيضاً قدره، ومن ثم تصبح المرأة في حالة صراع دائم مع الرجل، وينحل العالم إلى ثنائية صارمة: ثنائية الأنا والآخر، ولا توجد أي مرجعية إنسانية جوهرية مشتركة بينهما؛ فالمرأة في حالة صراع كوني مع الرجل، ومهمة البرنامج الإصلاحي المتمركز حول الأنثى هو تحسين أدائها في عملية الصراع هذه. كما تهدف إلى تغيير الإنسانية لتعكس هذه الثنائية الصلبة، بل إلى فرضها على التحليل التاريخي: فتظهر نظريات ذكورة وأنوثة الإله، والفهم الأنثوي للتاريخ.
أما الشكل الثاني فتأخذ فيه مقولة المرأة شكلاً مغايراً تماماً، إذ تصبح المرأة كائناً طبيعياً ويتم تسويتها بالرجل في جميع الوجوه بحيث لا تختلف عنه في أي شيء، فدورها لا يختلف عن دوره: فقد تم اختزال المرأة والرجل إلى مستوى واحد ينكر ثنائية ذكر/ أنثى.
وفي كلتنا المقولتين (مقولة الصراع الذكوري الأنثوي ومقولة مطابقة المرأة للرجل) فإن المرأة ليست هي المرأة التي لها دور مستقل داخل إطار الجماعة الإنسانية الشاملة. وبذلك تسقط قيم الأمومة والزوجية والأسرة، ويتراجع الجوهر الإنساني ويصبح كل البشر أفراداً طبيعيين لكلٍّ مصلحته الخاصة، يجابهون الدولة وقطاع اللذة والإعلانات بمفردهم، ولكنهم يسقطون في قبضة الصيرورة معاً.
    
4/       انعكاسات المنظور الجسماني (الجندر) على فلسفة مناهج دراسات المرأة بالجامعات: نموذج تطبيقي
          يبدو من العرض السابق أن قضية المرأة في الوعي المعاصر تقف على ساحة أطر حضارية متباينة؛ فالرؤية الحضارية الغربية/ المادية حددت مسارين لقضية المرأة متناقضين كما أسلفنا، هما: المسار الصراعي الذكوري الأنثوي ومسار المساواة التامة بين الرجل والمرأة. وفي مقابل هذه الرؤية الحضارية المادية نجد رؤية الحضارات التي يشكلها الدين، رؤية كلية لا مادية تنطلق من مرجعية نهائية تضع حدوداً بين الإنسان والطبيعة والخالق، رؤية تؤمن بمبدأ الثنائية في الخلق، وتعالج مسألة المرأة والرجل معاً (الإنسان) من منظور مفاهيم التوحيد وثنائية الخالق والمخلوق وما يتولد عنها من مفاهيم الأمانة والإستخلاف والمسئولية والجزاء.
          وإذا كان الأمر كذلك، فلنا أن نتساءل: هل نحن أمام مفاهيم غربية وأخرى شرقية؟ أم أننا بالفعل أمام منظورين حضاريين يمكن أن يتحاورا؟ وإذا كان الحوار ممكناً فكيف يؤثر ذلك على مسار قضية المرأة في الوعي المعاصر؟
          لا نريد الإجابة عن هذه الأسئلة في كل أبعادها، وكل ما سنقوم به في هذا الصدد هو إبراز أهمية التحليل المعرفي واستثمار مفهوم التحيز في تطوير منهج للتعامل مع قضية المرأة يستصحب الوعي المعاصر والأطروحات السائدة ويجلي الرؤية الحضارية التي شكلت ذلك الوعي والمسار الذي يمكن أن تسلكه قضية المرأة في حالة تطوير منهجية للدرس الحضاري المقارن.
          وحتى لا ننحو منحاً نظرياً بحتاً، فإننا سوف نتخذ من ظاهرة تأسيس برامج لدراسات المرأة بالجامعات مجالاً للتطبيق، وهي ظاهرة بدأت في العشرين عاماً الماضية ولا زالت في تنامي مستمر.
4-1    دراسات الجندر/ الجنوسة وبرامج دراسات المرأة بالجامعات:
تتمثل أهداف دراسات الجندر/ الجنوسة في ثلاثة أهدف عامة، وهي: "إقامة تحليل التراكيب الاجتماعية مقام الجبرية البيولوجية في مقاربات الاختلاف الجنسي؛ وإقامة دراسات مقارنة للرجل والمرأة في حقل التخصص الواحد؛ وأخيراً تغيير النماذج المعرفية في كافة التخصصات بإضافة الجندر كعامل تحليل جديد".[35] أما الهدف المحدد من تطوير برامج ومقررات في مجال دراسات المرأة، واستحدث عدد من الوحدات والأقسام والمراكز العلمية المتخصصة في الدراسات النسوية بالجامعات فهو تطوير نموذج بديل للمنهج وكل مظاهر الحياة الاجتماعية. [36]
تكاد تفصح هذه الأهداف عن الفلسفة التعليمية التي تستند عليها، وعن المنظور الحضاري الذي تنتسب إليه؛ فالفلسفة هي الفلسفة النسوية والمنظور الحضاري هو المنظور المادي. بمعنى أننا لن نندهش أو نستنكر إذا وجدنا أن جامعة من الجامعات الغربية قد تبنت هذه الأهداف، ولكننا من الطبيعي أن نستنكر تبني جامعة من جامعات العالم العربي أو العالم الإسلامي لتلك الأهداف؛ لأننا نتوقع أن تنحاز جامعتنا لمسار مناقشة قضية المرأة لمصلحة المجتمع: وهو أمر لا يحققه نموذجي الصراع الذكور الأنثوي، ولا نموذج التسوية التامة للرجل والمرأة .
فالمرأة في إطار النظرة الاجتماعية هي الأم والأخت والبنت والعمة والخالة والطفلة والزوجة، ولها حقوق وعليها واجبات، وأن هذه الحقوق والواجبات تستند على فلسفة اجتماعية متكاملة؛ فهي ليست فرد مستقل ولا تمثل (نوع) يخفي المرجعية الإنسانية المشتركة.
4-2    الجامعة والتغيير الاجتماعي:
إن النظام التربوي أحد النظم الاجتماعية الهامة التي يتضمنها البناء الاجتماعي، إذ يضطلع بمهمة إعداد الفرد للتَكَيُّف داخل الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه،[37] وبمد الفرد بالعناصر الثقافية ومظاهر التمدن التي تحفظ دوام الطابع المميز للمجتمع. والجامعة بوصفها مؤسسة اجتماعية تضطلع - بجانب ترقية المعرفة العلمية- بمهام ثقافية وأخلاقية تنسجم مع عملية التغيير الاجتماعي التي تباشرها هذه المؤسسة في حدود فلسفة المجتمع ونمط حياته. فالجامعة جزء من المؤسسات التي تُغير بها الجماعة من خصائصها الاجتماعية في إطار الهدف الذي تسعى إليه الجماعة من وراء هذا التغيير؛ ويتسنى ذلك للجامعة بسبب تعزيزها للعلاقات الاجتماعية المرغوبة وللصورة الإداركية التي تعين الطالب على فهم العالم وتفسيره.
فقد أدرك علماء الاجتماعيات أن ثمة علاقة تبادلية بين العلاقات الاجتماعية والصورة الإدراكية لفهم العالم وتفسيره، والتي تلعب التحيزات الثقافية (القيم والمعتقدات المشتركة بين الناس) دوراً أساسياً في تشكلها؛ فكل منهما تتفاعل مع الأخرى وتقويها، بحيث أن الالتزام بأنماط معينة للعلاقات الاجتماعية يولد طريقة متميزة في النظر إلى العالم، وأن رؤية العالم بطريقة معينة تبرز نموذجاً منسجماً للعلاقات الاجتماعية.[38]
وهذا يعني ببساطة أن استمرارية نمط الحياة تعتمد على وجود علاقة تساندية متبادلة، بين تحيز ثقافي معين ونمط محدد للعلاقات الاجتماعية. فـ"نمط الحياة سيستمر في البقاء فقط إذا طُبع أفراده بالتحيز الثقافي الذي يبرز هذا النمط"، وذلك عبر وسائل مختلفة تحدث وعياً لدى الأفراد بسلوكيات معينة يتم تحديدها على أنها جديرة بالثناء والاحترام، وأخرى غير مرغوبة أو حتى غير قابلة للتفكير فيها؛ فـ"من العسير أن نقول عن جمهرة من الناس أن لهم نظاماً اجتماعياً ما لم يكن لهم إطار مرجعي يعتقدون فيه، وتتميز في داخله محرمات ومقدسات من العلاقة".[39]
وإذا سلمنا بهذه الوظيفة الاجتماعية للجامعة، فإن برامج دراسات المرأة التي تقدمها بعض جامعتنا اليوم ينبغي أن يعاد تكييفها في إطار التحيزات الخاصة بمجتمعاتنا وبرؤيتنا للعالم، وأن تظهر تلك التحيزات بشكل واضح.
فعلي سبيل المثال لا بد أن تؤكد مناهجنا التعليمية على فكرة أن المجتمع ليس مجرد مجموعة من الأشخاص تدعوهم غريزة الجماعة إلى أن يتكتلوا في إطار اجتماعي معين، فـ"هذه الغريزة وسيلة لإنشاء المجتمع، وليست سبباً في إنشائه، إذ يضم المجتمع ما هو أكثر من مجرد مجموعة من الأفراد الذين يؤلفون صورته، يضم عدداً من الثوابت التي تحفظ له دوامه، وتحدد شخصيته في صورة مستقلة تقريباً عن أفراده".[40] وذلك لتأكيد أن الثوابت الإسلامية والفكرة الدينية التي أنشأت المجتمع الإسلامي الأول هي التي ستظل تحدد شخصية المجتمع الإسلامي، مصداقاً لقول الرسول عليه الصلاة والسلام "إنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها" بالمفهوم الاجتماعي الدقيق،[41] وقوله عليه السلام "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي"، فالقرآن وسنة النبي عليه الصلاة والسلام هما "النص المؤسس للمجتمع والإنسان المسلم، والمرجعية المعيارية لهما"،[42] إذ تطبعان الحياة الفردية والاجتماعية بطابع خاص.
وحتى لا يتصور الطالب الجامعي حتمية السقوط في الأزمة المعرفية والأخلاقية التي سقطت فيها المجتمعات الغربية/ المادية، فإن الجماعة العلمية والتربوية المشرفة على بناء المنهج التربوي وتخطيطه يلزمها أن تخطط جهودها التربوية بحيث تتكامل مع المؤسسات التربوية والإرشادية الأخرى في توعية الأفراد وغرس قيم المسؤولية، أي – بالتعبير الإسلامي- "توضيح أوامر الله ونواهيه، وتنمية الحس الديني المرهف في الفرد المسلم، من خلال تربية الرقابة الذاتية".[43]  يقول الله سبحانه وتعالى: "ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها" (الشمس: 7-10)؛ فتنمية الحس الديني (= المسؤولية) هذه ضرورية في فلسفة الاجتماع، لأنها تضمن للفرد متى ما وجد نفسه في وضع اجتماعي يقيد إرادته وحريته أن يعمل على تغير ذلك الوضع بما ينسجم مع الشرع (النموذج الاجتماعي المثال). فـ"الشرع الذي يؤمن به الإنسان يعلو على الوضع، فيكتسب الإنسان بذلك مشروعية تعديل الوضع (وإصلاحه) ليتواءم مع الشرع، أو الخروج على الوضع تماماً (والثورة عليه) إذا خالف الشرع"،[44] كما يدل على ذلك قوله تعالى: "وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً"(لقمان: 15)... وهذا يعني – ضمن معاني أخرى- أن النظام الاجتماعي لا ينبغي أن يكون نظاماً أبوياً تسلطياً، فسلطان الأب في ظل هذا النظام محكوم بحقوق وواجبات تعاقدية وقيمية يفرزها توجه قيمي مشترك يلتزم به الأفراد عن وعي وإرادة.[45]
ولعل أهمية التأكيد على هذه الفلسفة في الضبط الاجتماعي الذي يمكن أن تسهم فيه المؤسسة الجامعية يتضح إذا استحضرتا أن النظر لقضية المرأة من منظور اجتماعي تنافسي (حول والقوة والسلطة والسيطرة) قد قاد عملياً بعض الباحثين في العلوم الاجتماعية والتربوية في عالمنا العربي الإسلامي إلى اعتقاد أن الأطر المرجعية الدينية والتشريعية هي المسؤولة عن تحجيم المرأة في سلوكيات وأنماط حياتية ثانوية.[46]
4-3    تصميم برامج دراسات المرأة بالجامعات: تصور عام
على ضوء ما تقدم نزعم أن قرار استحداث برامج تعليمية في مؤسسة ما يعد أمراً في غاية الخطورة، لكونه يستند – عادة- إلى قاعدة من القناعات والمقولات المستمدة من مبادئ الفكر التربوي والفلسفة التعليمية التي تتبناها تلك المؤسسة. وإذا كان الأمر كذلك فإن عملية تصميم مناهج لدراسات المرأة بالجامعات ينبغي أن تُراعي الآتي:[47]
أولاً: ضرورة تحليل المفاهيم الإدراكية الكامنة في الاتجاهات والمنظورات التي تتجاذب قضية المرأة وتعكس الوعي بتشكلاتها التاريخية عالمياً وإقيلمياً والآليات الاجتماعية التي أدت إلى ظهورها.
- وهذا يعني عرض قضية المرأة في المنهج الدراسي في إطار اجتماعي مفعم بروح التحدي الحضاري، فقضية المرأة (بكلمات مالك بن نبي)[48] لا يمكن فصلها عن قضية الرجل؛ فهما وجهان لمشكلة واحدة هي مشكلة المجتمع الإسلامي بكل أبعادها.
- وأن يعي الدارس (إذا استعرنا لغة منى أبو الفضل)[49] أن موضوع "المرأة في الإسلام" في الدراسات التنموية المعاصرة هو فرع من إشكالية المرأة في الوعي المعاصر التي تستدعي فهم إشكاليات الواقع التاريخي العالمي وما تولد عنه من مراجعة للمدركات النظرية (المقاربات النسوية أو فقه الذكورة والتأنيث).
- وأن يؤسس المنهج للنظر لقضية المرأة في الدراسات التنموية المعاصرة على أساس أنها ليست قضية بحث فكري مجرد بقدر ما هي قضية حيوية عملية وحركية وسياسية، وأن يُعمق المنهج في وعي الدارسين أن طرح قضية المرأة في الوقت الراهن أدخلت الفكر الإسلامي ومؤسسات المجتمع (التشريعية والثقافية والمعرفية) في محك الاختبار الجدي لعالمية المشروع العلماني التغريبي، وأن هذا الاختبار يسهم فيه الدارسون والباحثون الجدد مثلما يساهم فيه الأساتذة والباحثون الكبار.
ثانياً: تجلية الرؤية الإسلامية في موضوع المرأة بالرجوع إلى المصادر التأسيسية للفكر الإسلامي (القرآن والسنة) وتدريب الدارسين على تطوير منظور إسلامي أصيل يمكنهم من تفكيك النماذج الفاعلة في المجتمعات الإسلامية الراهنة بالإضافة إلى تفكيك نماذج الفقهاء والتشكلات التاريخية للنموذج الإسلامي وفحصها، لمعرفة مكانة المرأة في النموذج الاجتماعي (كما يقول التجاني عبد القادر في سياق مختلف)[50] الذي يحمله التربويون وأئمة المساجد والقضاة الشرعيون والمدنيون والمشرعون والاعلاميون والفنانون، وهل قضية المرأة في كل هذه النماذج تعبر عن نموذج واحد هو النموذج الإسلامي؟. وذلك حتى تتوافر عند الدراس القدرة على تحديد اتجاه الانحراف المؤسسي بقضية المرأة عن التصور الإسلامي واقتراح كيفية الإصلاح، وبذلك يكون المنهج قد أسهم في دفع قضية المرأة وفي الآن نفسه في المحافظة على نمط الحياة الإسلامية.
ثالثاً: توفير مكون مقارن (في المنهج الدراسي) للمقاربات النسوية والمقاربات الإسلامية المعاصر من منطلق أن كلا النوعين من المقاربات استهدف نقد العلوم الاجتماعية الغربية. والهدف من هذا المكون هو إظهار الفرص والتحديات التي تواجه مسألة تطوير منظور إسلامي في قضية المرأة، بحيث يتسم تناول هذه القضية بالعمق المنهجي المطلوب وتتجمع الجهود الفردية في اتجاه علمي واحد يمكن أن نصفه بأنه يمثل تياراً من تيارات العلوم الاجتماعية (حتى ولو تباينت داخله الرؤى والاجتهادات فذلك أمر طبعي).
رابعاً: أن يوفر المنهج مجموعة من المشاريع التنموية العملية التي تناسب المجتمع الإسلامي الذي تنتسب إليه الجامعة، وأن يسهم الدارس في وضع تصورات للتنمية ورؤى إجرائية من شأنها أن ترتقي بوضع المرأة في كافة جوانب العملية التنموية (ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وتقنياً).
4-4    تحليل مناهج دراسات المرأة بالجامعات: رؤية مغايرة
اتساقاً مع ما تقدم نزعم كذلك أن تحليل مناهج دراسات المرأة من منظور تعليميstructured  يناقش مكونات المنهج على ضوء أهدافه المرسومة[51] يُعد عملاً ناقصاً لا يستوعب تحليل قضية المرأة في الوعي المعاصر في كل أبعادها، إذ يتطلب من وجهة نظرنا القيام بالعمليات التالية:
أولاً: تطوير أداة بحثية لقياس مدى تضمين مفاهيم الاجتماع في محتوى المنهج (من منظور يعكس التحيزات الإسلامية المتعلقة بالتنشئة الاجتماعية وفلسفة دور الرجل والمرأة من منظور فلسفي شامل لا يكتفي بمنظور المقارنات الكمية بين نسبة دور المرأة مقارنة بالرجل).[52]
ثانياً: إجراء مقابلات مع الهيئة التدريسية بغرض التعرف على تصوراتهم ومفاهيمهم عن قضية المرأة وأساليب معالجتها.
ثالثاً: عقد مناقشات جماعية Discussions Group مع عينة من الدارسين (في الفصول الدراسية الأولى والنهائية) والخريجين حول قضايا المرأة المعاصر، وذلك بقصد معرفة الأثر (عن طريق التحليل المقارن) الذي أحدثه المنهج في توجهاتهم واتجاهاتهم تجاه قضية المرأة ومفاهيم التغير الاجتماعي.
وكمثال على قيمة هذا المنهج التحليلي يمكن أن نكتفي في هذه الدراسة بالتطبيق على محتوى المنهج من خلال تطبيق قياس مدى تضمين مفاهيم الاجتماع والتحيزات الإسلامية على برنامج ماجستير العلوم في الجندر والتنمية بجامعة الأحفاد (انظر الجدول الملحق في نهاية الدراسة)، حيث نلاحظ الآتي:
أولاً: إن مقررات ماجستير العلوم في الجندر والتنمية بجامعة الأحفاد للبنات يمكن تصنيفها في ثلاثة محاور:
المحور الأول: القضايا الفكرية التي يثيرها المنظور النسوي المستهدف إظهار التحيز الذكوري ضد المرأة. ويضم هذا المحور مقررات نظريات ومفاهيم دراسات المرأة والجندر/ ونظريات التنمية/ والجندر والاقتصاد/ وتحديات الجندر في القرن الـ21 (Theories and Concepts of Women's and Gender Studies / Theories of Development / Gender and Economy / Gender Challenges in the 21st Century).
المحور الثاني: القضايا المنهجية وأدوات التحليل النسوي التي تحاول المقاربات النسوية إظهار أهميتها العلمية. ويضم هذا المحور مقرري مناهج البحث/ وتخطيط مشاريع الجندر (Research Methods / and Gender Sensitive Project Planning).
المحور الثالث: القضايا المجتمعية والأبعاد الثقافية والسياسية في قضية تحديد هوية المرأة في التشريعات المختلفة، ومناقشة هذه التشريعات من منظور حقوق الإنسان، وقياس وضعها من منظور كمي مقارناً بوضع الرجل في مؤسسات اتخاذ القرار. ويندرج في هذا المحور مقرري الجندر والثقافة والتغيير الاجتماعي/ والمرأة والدولة (Gender, Culture and Social Change / in addition to Women and the State).
ثانياً: يُظهر محتوى المنهج والمادة العلمية المتاحة للطلاب الآتي:
1- ينطلق المنهج من المنظور النسوي الغربي وتبنيه بدل نقده أو إظهار خصوصيته. وهذا التحيز للمنظور الغربي أظهر ما يكون في الطريقة التي تم بها توصيف المقررات، وفي المراجع والأدبيات المتاحة بمكتبة الجامعة والمادة العلمية (المستلات) التي يطلب من الطالب الرجوع إليها. [53] وهذا لا شك يؤثر في توجيه الدارسين، إذ يربطهم بمفاهيم ومصطلحات القاموس العلمي الغربي، ويضعف ربطهم بمعجمهم الحضاري وبالمفاهيم والتصورات التي يُعبر عنها. وقد يؤدي ذلك إلى تشكيل هوية الدارس الذهنية بشكل يتناقض مع هويته الاجتماعية.
2- يقدم المنهج قضية المرأة (في محور أدوات التحليل النسوي) وكأنها قضية يمكن بحثها بطريقة منفصلة عن القضية الاجتماعية، من خلال عقد موازنة بين الرجل والمرأة تخرج بنتائج كمية تشير إلى قيمة المرأة في المجتمع وتحديد أن قيمتها أكبر أو أقل من قيمة الرجل أو تساويها. وهذه الطريقة – وهي شائعة في معظم دراسات الجندر- يعاب عليها أنها تهمل عوامل واعتبارات أخرى تقتضيها مثل هذه المناقشات، تتصل بفلسفة التصور الاجتماعي لقضية المرأة والرجل ومناقشة المنطلقات الفلسفية ذاتها بدلاً من مناقشة أعراضها وتجلياتها وإرجاع الاختلاف الجنسي لعوامل ثقافية واجتماعية.
3- يتبنى المنهج (في معالجته قضية إدماج المرأة في التنمية) نظريات ووسائل التنمية المستمدة من التجربة الغربية واستثمار المقاربات النسوية لتأسيس منظور يكرس لتقاليد اعتماد مفاهيم الجندر في النظرية التنموية. ويعكس هذا التبني انحياز المنهج لمبدأ تغيير النسق الثقافي بنسق تنموي فعال، يُفسح فيه المجال للمرأة لتحتل مكانة متميزة في عملية الإنتاج المادي، بكل ما تحتمله عملية الإفساح هذه من إمكانيات تمرد وثورة (منظمة أو غير منظمة) على الوضع الذي تنحبس فيه المرأة في مجال الإنتاج البشري والتنشئة الاجتماعية (التربية السكانية وتنظيم النسل من القضايا المألوفة في هذا الصدد). فالمنهج إذاً يُبشر بفكرة أن إدماج المرأة في التنمية لا يتحقق إلا بالقضاء على النسق الثقافي التقليدي الزائف، ذو الطابع الأبوي الذي يحاصر وعي المرأة بوضعها الاجتماعي، ليحل محله بناء ثقافي علماني يكون القرار فيه عقلانياً رشيداً تشارك فيه المرأة تماماً مثل الرجل.[54]
ثالثاً: مما تقدم يتضح أن المنهج لا يقدم محاولة علمية جادة تستهدف اكتشاف مسار مختلف لقضية المرأة عن المسار الذي رسمته الحركة النسوية العالمية، أو تستهدف رفض النظر للإسلام بوصفه عائقاً لحل قضية المرأة سواء في تشريعاته أو في رؤيته الكلية. وليس ذلك بسبب ما ذكرناه من عيب منهجي لطريقة المقارنات الكمية لوضع المرأة قياساً بالرجل (في النقطة 2) فحسب، بل يعود ذلك – في تقديرنا- إما إلى النظر للإسلام كعائق لحل قضية المرأة نتيجة الانطلاق من البناء النظري العلمي المتحيز ضد القيم والرؤى الدينية، أو لضعف قدرة الأكاديميين من أساتذة الجامعة على تصنيف التراث الإسلامي واستلهامه. ويمكن إرجاع هذا الضعف إلى طبيعية الكتابات الإسلامية التي تتسم في عمومها بالسمة الفردية، فلم تنتظم تلك الكتابات بعد لتمثل فكراً مدرسياً تراكمياً.
وسواء لهذا السبب أم ذاك فإن الارتباط بقضية المرأة في سياقها الدولي والنظر لقضية المرأة في المجتمعات الإسلامية بمنظار ما انتهت إليه التجربة الغربية يُعد في حد ذاته مسألة خطيرة، ويترتب عليها مسائل نفسية أخطر منها، إذ تحول العملية التعليمية من عملية تواصل مع التراث إلى عملية تكرس الجهل بالتراث وتضعف الثقة في جدوى استلهامه في الممارسات والمعالجات الفكرية الراهنة.
5/ الخاتمة
إن الفرضية الأساسية التي انطلقنا منها في هذه الدراسة تقول إن الوعي المعاصر بقضية المرأة تحف به رؤى حضارية متباينة، وأن الفلسفة النسوية بوصفها فلسفة نقدية للفكر الحداثي تنتسب إلى رؤية معرفية أطرت النقاش حول قضية المرأة في نموذجين مختلفين، هما: المنظور الجسماني (الذكوري الأنثوي) الصراعي، ومنظور النوع الاجتماعي الداعي للمساواة التامة بين الرجل والمرأة. وقد حاول الباحث أن يُظهر أن هذه الرؤية (النسوية) بفرعيها نتاج طبيعي لمسار حضاري مادي، أبعد فيه الدين كليةً من حياة الإنسان العامة والخاصة على السواء.
وقد ربط الباحث هذا التحول (الذي يعبر عن موقف رادكالي) في مسار الفكر المادي بالفكر التربوي، حيث لاحظنا أن النسوية ظهرت في حقل المناهج التربوية ضمن منحى منهجي (التقاليد الإنسانية) يعترض على "فلسفة العلم" في المنحى الإمبريقي التجريبي. فقد تم تبرير هذا الاعتراض (النسوي) في مجال المناهج التربوية بجملة من المبررات تدور جميعها في فلك الأزمة الإنسانية التي تعيشها المجتمعات (الحديثة) في الحضارة المادية التي فككت الإنسان وأفرغته من كل القيم الروحية الإنسانية.
وحتى لا يؤثر الوعي ما بعد الحداثي بقضية المرأة في الوعي الإسلامي تأثيراً سلبياً، عملنا على تقديم نموذج تطبيقي لنقد دراسات المرأة بالجامعات استثمرنا فيه مفهوم التحيز لتوضيح إمكانية أن تقوم الجماعة العلمية التي تشرف على بناء المنهج وتخطيطه بتكييف فلسفة لدراسات المرأة تحافظ على الصورة الإداركية التي يؤمل أن يكتسبها الطالب (في المجتمع المسلم) وعلى التحيزات الاجتماعية التي يتوقع أن يترجمها في حياته الاجتماعية وممارساته العلمية والفكرية.
والدراسة في مجملها اجتهاداً أولياً، نأمل أن نكون قد أصبنا أجره كاملاً، وإلا فلعلنا نصيب أجر المخطي. 
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل،،

ملخق (برنامج ماجستير العلوم في الجندر والتنمية – جامعة الأحفاد الأهلية للبنات بالسودان)[55]
الأهداف:
تقديم مقررات متخصصة تقود لمنح درجة ماجستير العلوم في الجندر والتنمية وتلبى الحاجة للتخصص في هذا المجال.
تدريب أطر وكوادر يتوفر لديها الحس بقضية الجندر في صناعة القرار ووسائل التغيير. 
إعداد كوادر مؤهلة للبحث والتوظيف تبشر بدراسات الجندر على المستوى الجامعي.
إثراء البحث والنشر الذي يؤيد ويناسب التخطيط في موضوع الجندر والتنمية.
الدعاية لأثر المرأة العاملة لتحقيق المساواة بين الجنسين.
تقوية الروابط والعلاقات الإقليمية والدولية مع الجامعات والمعاهد التي تمنح برامج مشابهة.
المقررات الدراسية:
نظريات ومفاهيم دراسات المرأة والجندر
هذا المقرر يقدم للطلاب المفاهيم والنظريات المستخدمة في الدراسات النسوية ودراسات الجندر. ويغطي مراجعة لتطوير هذا الحقل التخصصي واهتماماته الرئيسية. ويعرف بالتوجهات الفلسفية ونظريات العلوم الاجتماعية التي أسهمت في تطوير دراسات المرأة والجندر كحقل أكاديمي متخصص.
نظريات التنمية
يزود هذا المقرر الطلاب بالنظرة الكلية ومصطلحات ونظريات التنمية، والتغيرات التي حدثت في الفكر التنموي. ويقدم أساليب ومجهودات الجندر السائدة في حقل التنمية.
الجندر والثقافة والتغيير الاجتماعي
يركز المقرر على التأسيس الثقافي للجندر والهوية الجنسية. ويهدف لمراعاة حيوية قوة العلاقات الجندرية، وأوجه تغير حياة المرأة وتوسيع استجابات المرأة للمؤثرات والمتغيرات الثقافية والدينية.
المرأة والدولة
يعرف هذا المقرر الطلاب بالنظريات والمناقشات حول الجندر والسياسة على المستوى المحلي والدولي. وتقييم نسبة عامل الجندر في الأوضاع القانونية والقوانين التي تؤثر على الأفراد أطفالاً وشباباً من منظور حقوق الإنسان.  
مناهج بحث
يهدف المقرر لتعريف الطلاب بالنقاشات السجالية للنسوية والجندر في مناهج البحث، مثل المناقشات حول نظريات المعرفة (الابستومولوجيا) وقضايا الجندر في العلوم الاجتماعية. كما يزودهم بمهارات وتقنيات إجراء البحث الاجتماعي باستخدام الأساليب الكمية والنوعية في تصميم البحث وجمع وتحليل البيانات وتفسيرها. 
الجندر والاقتصاد
يقدم المقرر صيغ الجندر ويربطها بالاقتصاديات والتحدي الاقتصادي الدولي والمحلي ومنتجات السوق. ويركز حول النقاش الاقتصادي النسوي لتوجهات إدماج المرأة في التنمية وقطاع الإنتاج. 
تحديات الجندر في القرن الـ 21
يهدف هذا المقرر لإكساب الطلاب بالمعرفة والمهارات التطبيقية لمناقشة قضايا المرأة والرجل في الحياة المعاصرة والمستقبلية. ويثير المقرر مجموعة أسئلة تتعلق بتحديات نقل التكنولوجية وقضايا البيئية والصعوبات التي تعاني منها المرأة وهي تسعى للحصول على حاجاتها الأساسية في العالم الثالث. ويتعامل المقرر كذلك مع الطريقة التي يواجه بها الطلاب التحديات مستقبلاً في مجال تخصصهم وفي مجال الحركات النسوية في تشكيل عالم جديد.  
تخطيط مشاريع الجندر
يزود هذا المقرر الطلاب بمعرفة ومهارات وتقنيات مراعاة الجندر في صياغة السياسات والتخطيط. ويقدم المقرر أطر عمل مختلفة طورت لأغراض بعينها.



[1]  See Linda Darling- Hammond and Jon Snyder: Curriculum Studies and the Traditions of Inquiry: The Scientific Tradition, in Philip W. Jackson (editor): Hand Book of Research on Curriculum, Simon and Schuster Macmillan; New York, 1996, pp. 41-78.  
[2] Yvonna S. Lincoln :Curriculum Studies and the Traditions of Inquiry: The Humanistic Tradition, in Philip W. Jackson (editor):  Hand Book of Research on Curriculum, pp. 79-97.
[3] انظر أطروحة: رفع الحجاب: الوجه الأنثوي للعلم / Lifting the Veil: The feminine Face of Science، في كتاب بهذا العنوان لمؤلفته ليندا جين شيفرد. وقد ترجم الكتاب إلى العربية بعنوان: أنثوية العلم: العلم من منظور الفلسفة النسوية، تعريب: يمنى طريف الخولي، سلسلة عالم المعرفة رقم 305، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب: الكويت، أغسطس 2004م.
[4] عبد الوهاب المسيري: دراسات معرفية في الحداثة الغربية، مكتبة الشروق الدولية: القاهرة، 2006م. انظر الجزء المعنون "النموذج: أداة تحليلية تفسيرية، ص387-395.
[5]  See Kevin Ryan: "Moral and Values Education". In International Encyclopedia of Education, Vol. 6 New Work: Pergamon, 1985, 3406-3413.
[6] See Hugh Sockett: The Moral Aspects of the Curriculum, in Philip W. Jackson (editor):  Hand Book of Research on Curriculum ,p. 543.
[7] عبد الوهاب المسيري: الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، دار الفكر المعاصر: بيروت ودار الفكر: دمشق، ط1، 2002م،  ص38. (بتصرف)
[8] انظر عبد الوهاب المسيري: دراسات معرفية في الحداثة الغربية، مرجع سابق، ص55-56.
[9] Ibid. p. 544.
[10] Michael Scrieven: "Cognitive Moral Education". In moral Education … It Comes with the Territory, edited by David Purpel and Kevin Ryan,  Berkeley. CA: McCutchan, 313-329. cited by Hugh Sockett: The Moral Aspects of the Curriculum,  p544.
[11] Ibid.
[12] See John I. Goodland and Zhixin Sn: Organization of the Curriculum, in Philip W. Jackson (editor): Hand Book of Research on Curriculum, p338.   
[13] Ibid.   
[14] Elliot W. Eisner: Curriculum Ideologies, in Philip W. Jackson (editor): Hand Book of Research on Curriculum, 304.
[15] Ibid.
[16] سيد محمد نقيب العطاس: مداخلات فلسفية في الإسلام والعلمانية، ترجمة محمد الطاهر الميساوي، المعهد العالي العالمي للفكر والحضارة الإسلامية: كوالالمبور، 2000م، ص49.
[17] كافين رايلي: الغرب والعالم، ترجمة عبد الوهاب المسيري وهدى عبد السميع، سلسلة عالم المعرفة رقم 97: الكويت، يناير 1986م، ص15. 
[18] عبد الوهاب المسيري: الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، مرجع سابق، ص138.
[19] المرجع السابق.
[20] Rita W. Cooley: Teaching Social Science, in Steven M. Chan (Editor): Scholars Who Teach: the Art of College Teaching, Nelson-Hall uh Chicago, 1978, 131-161.
[21] Ibid, p. 138.
[22] زغلولة السالم: صورة المرأة العربية في الدراما المتلفزة، دار آرام للدراسات والنشر والتوزيع، عمان، 1997م، ص76. (بتصرف)
[23] ليندا جين شيفرد: أنثوية العلم: العلم من منظور الفلسفة النسوية، مرجع سابق، ص47-48.
[24] نفس المرجع، ص46.
[25] نفس المرجع، ص50.
[26] تشير الدكتورة يمنى الخولي في تصديرها لكتاب أنثوية العلم: العلم من منظور الفلسفة النسوية، إلى المرحلتين التاليتين للحركة النسوية في الفكر الغربي: المرحلة الأولى، شهدت بداية الحركة النسوية في الفكر الغربي، وذلك في القرن التاسع عشر عندما صيغ مصطلح النسوية Feminisms لأول مرة (في 1895م). وفي هذه المرحلة ارتبط المصطلح بتيار (ترفده اتجاهات عدة) يُطالب بحقوق المرأة العامة والمساواة بين الجنسين في العمل والحياة السياسية والتصرف في أموالها مثل الرجل. وهذه الموجة النسوية الأولى في الفكر الغربي كانت حركة اجتماعية سياسية أولاً وأخيراً، غير ذات مضامين فكرية أو أطروحات فلسفية تتجاوز المطالبة بتلك الحقوق. والتي نالت الكثير منها مع العام 1920م. وفي المرحلة الثانية، في الستينات، انطلقت الموجة النسوية الثانية في الفكر الغربي من أمريكا الشمالية. وهذه الموجة وإن جاءت مرتبطة بأصولها الاجتماعية والسياسية إلا أنها اكتسبت نضجاً فكرياً، فهدفت إلى البحث عن إطار نظري أعمق وأشمل من مجرد المطالبة بالمساواة مع الرجل. وقد عملت محاولات هذا الاتجاه الذي عرف بالنسوية الجديدة على إعادة اكتشاف النساء لأنفسهن كنساء، ثم صياغة نظرية عن هذه الهوية النسوية (الأنثوية)، وتحولاتها الممكنة. ليندا جين شيفرد: أنثوية العلم: العلم من منظور الفلسفة النسوية، مرجع سابق، ص11-15.
[27] المرجع السابق.
[28] اختارت المقاربات النسوية تقاليد فكرية أوروبية تمتد أصولها في الفلسفة الوجودية والمنهج الفينومنيولوجي ومدارس التحليل النفسي وفكر الماركسيين الجدد، لتحديد مسار الاتجاه البديل. انظر
Nel Noddings: Gender and the Curriculum, p. 673.
[29] ميجان الرميلي وسعد البازعي: دليل الناقد الأدبي، المركز القافي العربي، ص223.
[30] نادية مصطفي: الأمة الإسلامية في عصر العولمة وقضية المرأة بين التحديات والاستجابات، ضمن أبو يعرب المرزوقي وآخرون: المرأة وتحولات عصر جديد: وقائع ندوة دار الفكر في أسبوعها الثقافي الثالث، دار الفكر: دمشق، 2002م، ص255 وما بعدها.
[31] المرجع السابق، ص275.
[32] See John I. Goodland and Zhixin Sn: Organization of the Curriculum. 338.  
[33] Nel Noddings: Gender and the Curriculum, in Philip W. Jackson (editor): Hand Book of Research on Curriculum, 672-676.
[34] عبد الوهاب المسيري: الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، مرجع سابق، ص72.
[35] ميجان الرميلي وسعد البازعي: دليل الناقد الأدبي، مرجع سابق، ص86.
[36] Nel Noddings: Gender and the Curriculum, p. 667.
[37] مريم محمد المهدي: البحث التربوي ودوره في التنمية المجتمعية للمرأة، ضمن أوراق ندوة دور البحث العلمي في تنمية المرأة، جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا: الخرطوم، 28 يونيو 2005م، ص45.
[38] ميشيل تومبسون وريتشارد إليس ووآرون فليدافسكي: نظرية الثقافة، ترجمة علي سيد صاوي، سلسلة عالم المعرفة رقم223، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب: الكويت،1997م، ص30.
[39] التجاني عبد القادر حامد: المفهوم القرآني والتنظيم المدني: دراسة في أصول النظام الاجتماعي الإسلامي، مجلة إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي: كوالالمبور، س4، ع15، 1999م، ص7.
[40] مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، دار الفكر: دمشق، تصوير 1989م، ص13.
[41] نفس المرجع، ص81.
[42] التجاني عبد القادر حامد: المفهوم القرآني والتنظيم المدني: دراسة في أصول النظام الاجتماعي الإسلامي، مرجع سابق، ص46.
[43] إسحق فرحان وآخرون: نحو صياغة إسلامية لمناهج التربية، جمعية الدراسات والبحوث الإسلامية: عمان، ط2: 980م، ص46.
[44] التجاني عبد القادر حامد: المفهوم القرآني والتنظيم المدني: دراسة في أصول النظام الاجتماعي الإسلامي، مرجع سابق، ص42.
[45] المرجع السابق، نفس الصفحة.
[46] سعت عدد من المراكز البحثية والمنظمات المهتمة بالمسألة النسوية لدراسة وتوثيق وضع المرأة في التشريعات العربية بهدف المساهمة في النهوض بالمرأة العربية وإزالة كافة أشكال التمييز ضدها بسبب النوع. انظر في هذا الصدد موسوعة فريدريش إيبرت للعام 2006م، الصادرة عن مكتب مصر.
[47] تتحدد رؤية مشروع إسلامية مناهج التعليم الجامعي في مبدأ ربط العلوم والمعارف في كل مظاهرها وتجلياتها بالمقاصد، والمفاهيم، والمبادئ، والقيم، والتصورات، والضوابط الكلية الإسلامية. وترجمة هذا المبدأ تعني عملياً أن يمتلك الدارس لكل العلوم والمعارف والمهارات التي يمتلكها أقرانه بالجامعات ذات السمعة الممتازة (لأغراض معادلة الشهادات والوفاء بمعايير تقويم واعتماد البرامج الدراسية في ظل عولمة الجامعات) ولكن من منظور نقدي إسلامي. وأن يمتلك الدارس مجموعة من المعارف الإسلامية التي تطور ملكاته النقدية على ضوء الرؤية الإسلامية الكلية. انظر مناقشة هذه القضية في أبو بكر محمد أحمد محمد إبراهيم: مفهوم التكامل المعرفي وتطبيقاته في المناهج الجامعية، مرجع سابق. (الفصل الخاص بأساسيات تطبيق مفهوم التكامل المعرفي في المناهج الجامعية).
[48] مالك بن نبي: شروط النهضة، مرجع سابق، ص123.
[49] هبة رؤوف: التحيز في دراسات المرأة: بحث مستخلص من كتابات الدكتورة منى أبو الفضل، ضمن المسير عبد الوهاب (تحرير): إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، المعهد العالمي للفكر الإسلامي: فيرجينيا، ط2: 1997م، ص747.
[50] انظر التجاني عبد القادر حامد: المفهوم القرآني والتنظيم المدني: دراسة في أصول النظام الاجتماع الإسلامي، مرجع سابق، ص7-49.
[51] في دراسة أجريت لتحليل مناهج علوم تربية المرأة بالجامعات السودانية صيغت فروض الدراسة على النحو التالي:  "إن أهداف منهج علوم المرأة بالجامعات تواكب برامج تنمية المرأة في السودان، وأن محتوى منهج علوم تنمية المرأة يحقق أهداف التنمية الشاملة في السودان"، وهكذا في باقي عناصر المنهج الأخرى. (انظر الشفاء عبد القادر حسن: تطوير مناهج علوم تنمية المرأة في بعض الجامعات السودانية: دراسة تحليلية، بحث تكميلي قدم لنيل درجة الماجستير في التربية (مناهج وطرق تدريس)، كلية التربية والدراسات الإنسانية بجامعة إفريقيا العالمية: الخرطوم، 2003م).
الخطأ المنهجي هنا يتمثل في أن هذه الفروض سيتم اختبارها وقياسها كمياً عن طريق الصيغ الإحصائية المعروفة وعن طريق تحليل توصيف المقررات التي تعالج تنمية المرأة ومحتوى المادة الدراسية. مما يعني أن فروض الدراسة قد غيبت تماماً عملية تحليل النماذج المعرفية والفلسفية الكامنة في فلسفة التنمية الشاملة التي تم تبنيها مقياساً لتحليل وتقويم البرامج الدراسية المذكورة. على الرغم من أن عملية تحليل النماذج المعرفية – في هذه الحالة- على قدر كبير من الأهمية في الحكم على قيم ومفاهيم التنمية، وفلسفة العملية التربوية وما تتضمنه من إجراءات -يتم عبرها نقل وتحويل تلك المفاهيم إلى مواقف تعليمية حقيقية- وفي معرفة مدى انسجام مفاهيم التنمية وفلسفة التعليم مع فلسفة الحياة الاجتماعية.
            إن الإشكال المنهجي في مثل هذه الدراسة لا يرجع إلى حصر عملية تحليل المنهج الدراسي في إطار عناصره ومكوناته من منظور تعليمي structured فحسب، فهذا الخطأ المنهجي أيسر كثيراً من التصور الخاطئ عن العملية التربوية الذي - نرى أنه- يمثل جوهر أزمة تحليل المنهج الدراسي من منظور اجتماعي. ونقصد بذلك التصور الذي وطن له علماء التربية متأثرين بعلماء الاجتماع المحدثين من الماركسيين الجدد ودعاة فكر ما بعد الحداثة، الذين ينظرون للتعليم المدرسي على أنه "نوع من ممارسة السيطرة على وعي الأفراد وشحن خبراتهم الاجتماعية بقصد الهيمنة عليها".
[52] على الرغم مما يتبادر للذهن من صعوبات عملية تقلل من إمكانية تطوير هذه الأداة، نسبة إلى أن التصور الإسلامي في العلوم الاجتماعية قد يبدو غير مكتمل بعد في كل أبعاده في الفكر الإسلامي المعاصر، إذ يمكن أن يمثل ذلك في الواقع تحدياً أمام الباحث التربوي (الذي يستقي النموذج الاجتماعي من الأدبيات المتخصصة)، إلا أن ما تقدمه المكتبة الإسلامية المعاصرة من مبادرات واجتهادات لبعض المفكرين والكتاب يمكن إعادة صياغته بشكل يناسب خدمة تطوير هذه الأداة البحثية. وأياً كانت نسبية النموذج الاجتماعي المستنبط من الأدبيات الإسلامية قديمها وجديدها، فإن تأسيس تلك الكتابات على مفاهيم الوحي القرآني والمقاصد والكليات يجعل تلك النسبية أمراً مقبولاً لا يؤثر على نسق البناء النظري لتلك العلوم لكونه يفتح مجال العلم للاجتهاد المتصل، وهو أمرٌ ضروري لتجديد العلم والحياة معاً. 
[53] قام الباحث بمراجعة مكتب جامعة الأحفاد، التي تضم مادة ثرية من مراجع ودوريات علمية عن المرأة والجندر والدراسات النسوية، وهذه الأدبيات في عمومها تنطلق من الرؤى الغربية، إذ تكاد تخلو المكتبة تماماً عن مراجع إسلامية يمكن أن تستقى منها معلومات عن التصور الإسلامي لقضية المرأة. وكذلك اطلع الباحث على مفردات المنهج وتوصيف المقررات والمادة المرجعية في التدريس teaching material.  
[54] إن معظم المراجعات التي استهدف التشريعات والقرارات المتصلة بشأن المرأة في التعليم والسياسة والمشاركات العامة تدور حول نقد الأدوار التقليدية للمرأة وضرورة أن تنال المرأة كافة حقوقها المدنية.
[55]University Prospectus 2003 – 2006, Ahfad University for Women; Omdurman, Pp. 165-170.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق