الخميس، 20 يونيو، 2013

التحيز الإدراكي والأخلاق الاستثنائية في نظرية الحرب العادلة عند اليمين المحافظ



التحيز الإدراكي والأخلاق الاستثنائية في نظرية الحرب العادلة عند اليمين المحافظ
 أحمد ثابت·
     فكرة نهاية التاريخ التي روج لها فرانسيس فوكوياما تنصرف إلي أن انتصار الديمقراطية الليبرالية الغربية علي الفاشية أثناء الحرب العالمية الثانية ثم علي الشيوعية طوال عقود الحرب الباردة وضع حدا للصراعات الأيديولوجية التي سادت القرنين التاسع عشر والعشرين والتي اندلعت في أعقاب الثورتين الأمريكية والفرنسية. ومنذ نهاية الحرب الباردة لم توجد إيديولوجيا أخري قادرة علي تشكيل تحد ملموس وواسع النطاق لتلك الأيديولوجيا الليبرالية الديمقراطية الغربية، رغم تزايد نفوذ الإسلام السياسي في بعض المجتمعات. وقد استعار فوكوياما فكرته من النموذج الهيجلي عن انتهاء التاريخ لصالح انتصار الدولة القومية بصورتها الليبرالية الديمقراطية، رغم أن هذا النموذج فقد صدقيته في النصف الأول من القرن العشرين في أوروبا، إلا أن الفكرة - النموذج ظلت سائدة في الثقافة السياسية الأمريكية. وكان هيجل رسم نهاية التاريخ عام 1806 عندما هزمت فرنسا الثورية بقيادة نابليون الثالث مملكة بروسيا بما يعنوّن انتصار مبادئ الثورة الفرنسية من زاوية تعميمها لنموذج الدولة التي تأخذ بمبادئ الحرية والمساواة. ورغم عدم تحقق كثير من هذه المباديء إلا أن فوكوياما زعم أن المثّل الرئيسية للدولة الديمقراطية الليبرالية لم تعد بحاجة للتحسين[1].            
       علي أي أساس بني فوكوياما ثقته وتيقنه من أن التطور السياسي وصل إلي شكله الأخير وأن الحاضر ليس سوى مجرد حقبة أخرى في تطور المجتمعات السياسية؟، يزعم هو أن الديمقراطية الليبرالية وحدها ودائما عبر ارتباطها الوثيق باقتصاد السوق، يمكن أن تفي بحاجات البشر المادية والمعنوية، وهي فكرة تعيد للأذهان صور المجد والعظمة التي ارتبطت بالسعي نحو الإمبراطورية تاريخيا وصارت ترتبط في الحاضر عنده بكرامة الإنسان وحقوق الإنسان[2].
ولكن فوكوياما ألقي شكوكا في نهاية مقاله حول حتمية الانتصار النهائي للديمقراطية الليبرالية، قائلا"إن تعميم نظام السوق علي العالم لن يفضي إلي التحقيق الشامل لقيم الاحترام والقبول للبشر، فما سوف يحدث هو فقط تأكيد سمو هذا النظام علي غيره"[3].
      هناك فكرة أخرى متعلقة بفكرة فوكوياما عن نهاية التاريخ هي فكرة ما يسمى "السلام الديمقراطي" ومفادها أنه نظرا لأن الديمقراطيات الليبرالية لا تشن الحرب ضد بعضها البعض فإن العالم الديمقراطي سوف يصبح عالما آمنا. وصار هذا المفهوم مسلمة من مسلمات التفكير الموجه للسياسة الخارجية الأمريكية وكافتراض مفاده أن أفضل وسيلة لتحقيق نظام عالمي آمن هي دعم عملية دمقرطة صارت كاسحة كملمح للسياسة العالمية المعاصرة. يذكر أن فكرة السلام الديمقراطي شاعت أولا في القرن الثامن عشر ثم دافع عنها بقوة الرئيس الأمريكي الأسبق وودرو ويلسون، واعتبرت طوال القرن العشرين ليست سوى أفكار ليبرالية مثالية حيث لم تكن ملائمة في عالم واقعي تتهدد فيه الديمقراطيات باستمرار بالحرب مع قوى غير ديمقراطية ولوجود ديمقراطيات قليلة خارج الغرب، لكن انهيار الاتحاد السوفييتي أعطي الفكرة دفعة كبري .
        علي أن نجاح هذه الفكرة - فكرة السلم الديمقراطي – ارتبط بطموح الدول الغربية وخصوصا الولايات المتحدة لإرساء عالم آمن يعتمد أساسا علي المناخ المشجع لها عالميا. وهذه الفكرة تمثل في الواقع النظام العالمي السائد كما تريد له واشنطن من حيث فوز النموذج الأمريكي للحياة بأكبر قدر من القبول عالميا. وهنا تلتقي صورة السلام الديمقراطي بصورة نهاية التاريخ، فمن يرفضون التكيف مع القواعد السائدة يعتبرون "متخلفين ثقافيا وتاريخيا" عفا الزمن علي قيمهم وتقاليدهم. وهذه الصور تستدعي، من ثم، صورة ليبرالية مرتبطة بها تتعلق بعالم منقسم بين مركز ليبرالي أو منطقة السلام الديمقراطي التي تنظمها القواعد والنظم الليبرالية ومحيط أو تخوم تتميز بالعنف وسيادة ما ذكره توماس هوبز عن حرب الجميع ضد الجميع حيث يعتبر نشوب الحروب أمرا مترتبا علي ذلك. ويري المدافعون عن فكرة نهاية التاريخ أنها تكتسب صدقيتها في مواجهة وحشية الحروب الاثنية في تسعينات القرن العشرين، وهذا ما عبر عنه فوكوياما بأن الأجزاء الأكبر من العالم طمرها النسيان أو صارت خارج التاريخ.
       في عالم منقسم كهذا، يمكن تبرير تدخل الديمقراطيات الليبرالية جزئيا للحفاظ علي النظام أو كليا للتصدي لانتهاكات فجة لحقوق الإنسان، وفي الواقع العملي، وكما حدث في الماضي، يظل التدخل مسألة انتقائية. فالغرب الليبرالي يتجاهل القتل الجماعي في وسط أفريقيا بينما يري حتمية للتدخل ضد التطهير العرقي في البوسنة أو كوسوفو، ففي عالم منقسم، تسمح الديمقراطيات الغربية لنفسها برفاهية اختيار متى وأين تتدخل. وأن الطابع المراوغ للمصلحة العامة في السياسة الخارجية يبين أنه في حين توجد جدالات كبري موسمية حول أشكال معينة من التدخل، يبقي النمط الغالب هو الانتهازية أو الاعتساف الذي يميز هذه الأشكال بدون مناقشة أو تساؤل.وقد يترتب علي ذلك أن التحيز والانتقائية في مجال اختيار أزمات دولية معينة للتدخل فيها وهجر أزمات أخري إذا ما تم ربطه بسعي الغرب لإضفاء العالمية نموذجه الحضاري وهويته الثقافية، فإنه يفضي إلي أزمات عديدة ونتائج معاكسة أو غير مواتية من حيث أن السعي لإضفاء العالمية هذا يقود إلي مزيد من التجزيء والتشرذم. بل إن عدم وجود حدود وضاحة لأي نظام أو نسق يجعله يعاني من أزمة هوية، فالمنظومة التي تسعي لأن تضفي العالمية علي نفسها يجب أن تقر بأن عناصر ومظاهر من المنظومات الثقافية الأخرى لابد أن تتداخل فيها بل يترتب عليها مزيج ثقافي جديد لا تصير معه المنظومة الغربية نقية خالصة.
    في ظل ذلك، يتساءل المفكر الكبير "تيري إيجلتون" "كيف يمكن لثقافة أن تعولم ذاتها دون أن تختفي؟"[4]، ولأن محاولات فرض منظومة عادة ما تواجه بتمرد، فإن تحويل الجزئي إلي كلي يفضي إلي توالد جزئيات أكثر تذررا، ما يظهر معه التماثل موحشا سطحيا في صور الاستهلاك والموسيقى والملبس، لكن تزداد طرائق التفكير وتصورات العالم أكثر انكفاء علي الذات. ونلاحظ أن ما صار يقسم العالم اليوم هي نفس العمليات التي كان مفترضا أن توحده، ومن ذلك رضاء قوى العولمة عن انهيار تكتلات للقوة كبرى لأنها كانت تمثل خطرا أو تهديدا، وتتفتت إلي عدد اصغر من الدول والكيانات صارت مهددة بالفعل بمزيد من الانقسام والتفتت.
   ومن الملاحظ أنه رغم الرعب والخوف الذي اصطنعته دوائر اليمين السياسي والديني ومعاداة الأجانب في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، ما يزال الغرب غير محتاج إلي الخوف علي هويته حتى الآن، ذلك أن عولمته الثقافية الخاصة تشتمل علي دفاع عنها ضد الغرباء[5]، كما شنت دوائر اليمين المحافظ الجديد حروبا وحشية من أجل سحق من تجرأ علي تحدي سطوة الغرب، ومن ناحية أخرى، فإن الثقافة الغربية تحمل إمكانات عالميتها ما يعنى أنها لا تجعل قيمها متعارضة مع الآخرين، بل تومئ لهم أن قيم الغرب هي أساسا قيمهم أيضا. "ولكن السياسات الداعمة لهذه العالمية هي بالضرورة منحازة إذ تضفي علي الغرب هوية كافية له في هذه اللحظة. ومع هذا كله فإنه ماضي ليعولم ذاته إلي حد النقطة التي تضعف التي تضعف عندها ثقافته من الداخل بفعل حلف غير مقدس يجمع بين نزعة الشك ما بعد الحداثية ونزعة التجزيئية المناضلة. علاوة علي هذا فما إن يبدأ الغرب يعّرف نفسه بأنه جوليات المحارب المحافظ العملاق الآثم الذي سيهزم أتباع داود المتنمرين، حتى تبدو الهوة بين الثقافة المتحضرة وسلوكه الفعلي هوة ضخمة إلي حد مربك"[6]            
أمريكا والتحول إلي نزعة "الاستثنائية الأخلاقية"   
      في هذا الإطار، استغل اليمين المحافظ الجديد الأمريكي وبعد أن وصل لقمة السلطة وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 لترويج رؤاه ذات النزعة الأخلاقية الرسالية المستندة إلي تفسير إيديولوجي عنصري وانتقائي للدين، يحاول إضفاء مسحة أخلاقية علي ما سماه حربه العادلة علي الإرهاب ردا علي هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
     ويلاحظ أنه وحتى ما قبل وقوع هذه الهجمات، تحدث عدد من المحللين المرتبطين بالإدارة وبعض موظفي وزارة الدفاع (البنتاجون) عن تغير طبيعة الحرب من زاوية طروء حقائق جديدة ينبغي علي الاستراتيجيات والتكتيكات الجديدة التعامل معها. وقد عبر عن ذلك وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد قائلا: "إنها ستكون حربا لم تواجهها أمتنا من قبل". وإن تغير طبيعة الحرب يستدعي الحاجة إلي توقع وقبول إجراءات أخلاقية وعسكرية وقانونية مثل الضربات الاستباقية والمحاكمات العسكرية للمشتبه بهم من الإرهابيين ممن ربما لا يجب أن يعرفوا التهم المسندة إليهم. وقد تجلت هذه المسحة الأخلاقية في خطاب بوش في "مست بوينت" عام 2002 في قوله: "لأن الحرب علي الإرهاب تتطلب المواجهة والمثابرة، فإنا تستلزم أيضا هدفا أخلاقيا صارما..إن لدينا فرصة عظيمة لنشر السلام العادل عبر استبدال الفقر والقمع والسخط حول العالم بالأمل في يوم أفضل..سوف نعمل من أجل عالم عادل وآمن بعد الحرب علي الإرهاب".
   مفهوم الحرب العادلة قديم ويرجع جزئيا إلي التقاليد الكنسية المسيحية في أوروبا عندما تحدث عنها القديس أوغسطين، ثم مفكرون آخرون مثل جروشيوس وكانط ووالتزر وغيرهم. وتجدد الحديث عنها في إطار حرب العصابات والتدخل الإنساني الدولي. وتتضمن نظرية الحرب العادلة محتوى معياريا لحجج أخلاقية حول دوافع اللجوء للحرب وسلوك الحرب بافتراض وجود مكان للأخلاق في السياسات الدولية، وتتفق المدرسة الواعية مع رواد نظرية الحرب العادلة علي أن الحرب هي مظهر آخر للسياسة الدولية. وفي مجال الحديث عن مدى معقولية الحرب، تذهب النظرية الحديثة حول الحرب العادلة للتساؤل أساسا عن عدالة دوافع الحرب. وفي حين يرفض القانون الدولي الحرب العدوانية ويقبل بالحرب دفاعا عن النفس، تعد الحرب الوقائية التي تشن من أجل القضاء علي خصم محتمل قبل أن تنمو قوته العسكرية، غير عادلة. ويرتبط معيار الدافع العادل بالنوايا الحسنة وخاصة إحلال السلام والمصالحة وقد تسعي الدول للعودة للسلام وللحالة السابقة علي الحرب، ولكن "الانتقام" أو العدالة لا تعد هدفا سليما للحرب.
  عندما تحولت الحرب العادلة إلي نظرية محددة تحدث منظروها عن ضوابط عديدة منها الانطلاق من أن الحرب تؤدي أساسا إلي تدمير المجتمع الإنساني وتدمير السلام، فالالتزامات الأخلاقية تجاه الآخرين لا يقلل منها بعد المسافة ولا تنتهي عند الحدود الجغرافية. كما أن اللجوء للحرب لا يجب أن يستبعد إمكانية السلام مستقبلا، وقد نظمت اتفاقيات جنيف الأربع وبرتوكولاها الاختياريين ذلك كما هو معروف. ونظرا للجدل واسع النطاق حول عدالة الدوافع من عدمها، فقد تم التعامل مع كل حالة حرب علي حدة.                      
 صعود اليمين المحافظ الجديد
     تنامي نفوذ اليمين المحافظ الجديد في الولايات المتحدة مع تزايد قوة القسم من الحزب الجمهوري في الجنوب الأمريكي، وكان آنذاك ومنذ عقد الستينات من القرن العشرين يعبر بغضب عن رفضه انخراط الولايات المتحدة في سياسات دولية قائمة علي التعاون النشط مع الدول الأخرى وخصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما لم تمانع السياسة الأمريكية تنشيط دور الأمم المتحدة وحلف الناتو ودخلت مفاوضات الحد من التسلح النووي. وردا علي ذلك، دعا المحافظون الجدد إلي سياسة بديلة ترفض العودة لتوجهات العزلة لحساب مضي قدما نحو سياسة تستند أساسا إلي العمل الإنفرادي أو الأحادي أو ما عرف بالاستثنائية الأمريكية. ومع نهاية الحرب الباردة وظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة، شدد المحافظون الجدد علي ضرورة عدم الالتزام بالقانون الدولي وقاعدة التوافق الدولي والالتزامات المتبادلة باعتبارها مقومات لهيكل دولي غير مفيد حسب رؤية هؤلاء. وتقوم تلك السياسة البديلة علي تبني تصورات شوفينية و"أخلاقية" تجاه دول معينة تعتبرها محور الشر استمرارا لتسمية الاتحاد السوفييتي السابق إمبراطورية الشر وهو الاسم الذي أطلقه الرئيس الأسبق ريجان طوال رئاسته التي امتدت بين عامي 1981 و1988. وتم إطلاق التسمية علي نظم حكم معينة في "الشرق الأوسط" اعتبرت نظم حكم "مارقة"، ومن الملفت للنظر أن هذه الصفة لم تطلق علي دول أخرى مثل السعودية رغم أن شعبها لا يكن أية محبة لكل ما هو أمريكي، وسبب ذلك أن لديها وفرة مالية[7].
      ويمكن القول إن ظروفا معينة مع بداية عقد السبعينات من القرن الفائت جعلت المجتمع والسياسة الأمريكيين يتحولان تدريجيا بعيدا عن المبادئ التي تشكل أسس الإمبراطورية العالمية، فهذه الإمبراطورية تتوجه للعالم مستندة علي قيم القوة الأخلاقية الخيرة والقوة الاقتصادية والسياسية والتقانية فالعسكرية. ويحلو لكثير من المحللين والساسة الأمريكيين أن يشبهوا إمبراطوريتهم بالإمبراطورية الرومانية من حيث توافر الموارد اللازمة لتشكيل هذه الإمبراطورية ومن حيث النزعة العالمية. وتشير النزعة العالمية إلي قدرة الإمبراطورية علي معاملة الناس والشعوب بطريقة تستند علي المساواة كأحد المرتكزات الأساسية للإمبراطوريات، إلي جانب تملك سمة الدينامية والاستقرار معا. مثل هذه السياسة تمكن من التوسيع المستمر لنظام السلطة عبر دمج الشعوب والأفراد الضعفاء المقهورين في النواة المركزية، وتتسم الإمبراطورية أيضا بأنها قادرة علي تجاوز القاعدة الاثنية الأصلية التي قامت عليها لتقر باتساع حجم المجموعات البشرية التي تجد نفسها مستوعبة بطريقة أو بأخرى داخل النظام دون توقف بفعل أن هذا النظام يمكن أو حتى يسمح للجماعات المسيطر عليها بإعادة تحديد نفسها كسادة، وينمو في عقلية المضطهدين اعتقاد بتحول القوة القاهرة إلي عطاء.
      بل يضيف من يشبهّون أمريكا بروما موارد هائلة أخرى للقوة لم يكن يتمتع بها الرومان، ولكن نموذج الإمبراطورية الرومانية كان يتسم بالقدرة الاستيعابية. إذ تأثرت بل اعترفت هذه الإمبراطورية بالتفوق الفلسفي والرياضي والأدبي والفنى للإغريق، واستوعبت الثقافة والتقاليد الهيلينية بحر المتوسطية، كما تم امتصاص المنتصر العسكري الروماني في عديد من جوانب الثقافة الأرقى للبلد المهزوم. أكثر من ذلك، فقد انتهت روما باتباع الكثير من الديانات الشرقية، ثم ديانة واحدة منها. ويري البعض أن العصر الإمبراطوري لأمريكا كان بين سنوات 1950 و1965 تميزت فيها الولايات المتحدة داخليا بأنها وطن الديمقراطية الشعبية وحرية التعبير واتساع الحقوق الاجتماعية ، والكفاح من أجل الحقوق المدنية، كما تميز السلوك الأمريكي خارجيا بحب الاستطلاع لأحوال العالم والاحترام له، وكانت تأخذ في اعتبارها وتحلل بتعاطف المجتمعات الأخرى عبر علوم السياسة والأنثروبولوجيا والأدب والسينما، أي تميزت بالتسامح الفكري والثقافي[8].
    علي أن الولايات المتحدة أخذت تبتعد تدريجيا عن النموذج الإمبراطوري سالف الذكر مع بداية عقد السبعينات من القرن العشرين كما سلف الذكر، بفعل تنامي اتجاهات عدم المساواة بين طبقات الشعب الأمريكي نفسها لحساب المجمع الاحتكاري الرأسمالي ما يفضي بالطبع إلي تجاهل قضية المساواة مع الشعوب الأخرى. كما تصاعد نفوذ نزعات متناقضة ومتوازية في الذهنية الأنجلو-سكسونية الحاكمة للعقلية الأمريكية، ففيما يتصل بالعلاقة مع الآخر: نلاحظ أنها تحتاج وهي تستبعد أقلية لأن تدمج أقلية أخرى. والحال أو توافق دمج اليهود الأمريكيين مع استبعاد السود وربما ذوى الأصول المكسيكية، وترافق مع ذلك تراجع النزعة العالمية لحساب تنامي نفوذ الميل للتفاوت لإعادة تأكيد الشعور العنصري. وهكذا صار محرك التطور الأمريكي في العقود الأخيرة هو قيمة اللامساواة وليس قيمة المساواة.
   جري في نفس الوقت تنامي ما سماه البعض الوسواس الأمريكي بالشر الذي يتم إدانته في الخارج بينما هو يأتي في الواقع من داخل الولايات المتحدة، ويذكر "إيمانويل تود" الباحث الفرنسي المدقق أن خطر الشر في أمريكا ماثل في كل مكان في ممارسات وصور الابتعاد عن المساواة، وصعود قوة بلوتوقراطية (أي حكم الأغنياء) لا مسئولة والعيش اعتمادا علي قروض المستهلكين وقروض البلاد، إلي جانب التنفيذ المتزايد لعقوبة الإعدام وعودة الوسواس العنصري، فضلا عن قضية هجمات الجمرة الخبيثة التي يرجح أن شنها أشخاص مخبولون وغير محكومين من الأجهزة السرية[9]. ويمكن أن نضيف هنا استثمار اليمين المحافظ لهذه المظاهر في زرع نزعة الخوف المفرط بشكل شيطاني بأحد الأمثلة الصارخة بعد هجمات 11 سبتمبر بقليل عندما استوقفت المباحث الفيدرالية أفرادا من السود كانوا يقودون شاحنة في طريق سريع محملة بمواد ملتهبة وخطرة تدخل في صناعة كيماوية بزعم أنهم قد خططوا لاستخدامها في عمليات إرهابية، ومن الملفت للنظر أن الموضوع أنهي بسرعة وكأن شيئا لم يكن بعد ثبوت عدم دقة الاتهام!!. كذلك هناك الواقعة المتعلقة بطلب السلطات الجنائية الأمريكية من سلطات لندن تسليمها شخص بريطاني من أصول آسيوية كان في طريقه للولايات المتحدة واستيقافه في المطار بزعم أنه وضع قنبلة في حذائه، وتم أيضا التعتيم علي الموضوع وإنهائه!!.
     هكذا بدت أمريكا التي تندد بالشر في كل مكان، تتحول هي نفسها إلي الشر، بفعل عوامل عديدة منها انتكاس مشاعر المساواة العالمية في أمريكا ذاتها، وهو ما يترتب عليه فقدان الولايات المتحدة لمورد إيديولوجي هام للغاية ولا تستطيع أية إمبراطورية الاستغناء عنه. إذ لن يكون في مقدور أمريكا - المفتقدة إلي تصور متجانس للبشرية والشعوب – أن تحكم عالما شديد الاتساع والتنوع، رغم أن كثيرا من رواد اليمين المحافظ الجديد والنزعة الإمبراطورية العسكرية العارية من القوة الناعمة أو اللينة يقرون بهذا التنوع[10]، لأنها لم تعد تمتلك حاسة العدل. إن أمريكا علي نحو كهذا تنامي حتى قبل هجمات 11 سبتمبر وحتى بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الكتلة السوفييتية، "لم تعد متسامحة، فهي تزعم تجسيد مثال إنساني حصري، وامتلاك مفتاح كل نجاح اقتصادي، وإنتاج السينما الوحيدة المتصورة. وليس هذا الإدعاء الحديث بالهيمنة الاجتماعية والثقافية وعملية التوسع النرجسي هذه، سوى علامة بين علامات درامية كثيرة أخرى علي أفول القوة الاقتصادية والعسكرية الحقيقية، وكذلك نزعة أمريكا العالمية، فهي إذ تعجز عن السيطرة علي العالم تنكر وجود المستقل، وتنوع مجتمعاته"[11].     
         وفضلا عن تراجع النزعة العالمية ومعاييرها، يعتبر اليمين المحافظ الجديد أن الولايات المتحدة تملك نوعا من السمو الاستراتيجي والأخلاقي بما يوجب عليها أن تستثني نفسها من أية علاقات قائمة علي أعمال ومؤسسات شرعية دولية متعددة الأطراف وأن تبقي القائد الوحيد للعالم الذي لديه فرص مربحة من ممارسة أعمال معينة. ومن الملاحظ أن هذه "الاستثنائية الأمريكية" ترتبط بشعور من التفاؤل والتقدم المستمر المستمد أساسا وتاريخيا من "مشروع الاستنارة" أو التنوير، ويستند هذا علي إحساس بأن العناية الإلهية تغذي إدارة بوش الابن بشعور من اليقين الأخلاقي وغياب الشك الذاتي، وهذه العناية الربانية هي التي حمت أمريكا من تأثيرات الخارج[12]. إن إدارة تعتقد في مباركة الله المقدسة للقوة الأمريكية وللقيم الأمريكية لا تؤمن عندئذ بالحلول الوسط، كما تؤمن هذه الإدارة بما يعرف بالإمبريالية الديمقراطية التي تسعي لزرع القيم الليبرالية والديمقراطية الأمريكية ونمط الحياة الأمريكي في منطقة مثل "الشرق الأوسط"[13].
      وقد شكلت العبارات الأخلاقية ذات المنحي الإيديولوجي قاسما مشتركا في أحاديث وخطب الرئيس بوش الابن، ومن ذلك ما ذكره في خطابه عن حالة الاتحاد في يناير 2003 من أن "الحرية التي فزنا بها ليست هدية من أمريكا للعالم، إنها هدية الله إلي الإنسانية، نحن لا نعرف ولا نزعم أننا نعرف كل وسائل عناية الرب، وإن كنا نثق بها، واضعين ثقتنا في رعاية الله لكل حياتنا ولكل التاريخ"[14]. لا يقتصر هذا علي الزعم بعالمية القيم الأمريكية، بل إنه يكشف عن الرسالة الملقاة علي عاتق إدارة بوش وأن جلب هذه القيم الكونية للشرق الأوسط يعد تنفيذا لإرادة الله، وهو ما أشار إليه بوش بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001: "لقد أدركنا اللحظة التي نمر بها، وأدركنا رسالتنا". وكان بوش الابن ذكر مرارا أن المسيح عليه السلام يأتيه في المنام ويرشده إلي ما يجب عليه فعله!!، كما أشار بوب وودوارد في كتابه الثالث ضمن سلسلة كتبه عن بوش الابن والحرب أن بوش ذكر له أنه لن ينسحب من العراق وسيبقي فيه حتى لو لم يتبق معه سوى زوجته وكلبه!!. 
رفض وجود حدود علي القوة العسكرية
   هذا اليقين الإيماني الأخلاقي المفعم بمحفز رؤيوي إيديولوجي احتاج لإعماله في أرض الواقع إلي أن تستخدم إدارة بوش وصقور المحافظين الجدد كافة الوسائل للضغط علي الكونجرس أو إقناعه بزيادة هائلة في نفقات الدفاع وصلت في فترة بوش الرئاسية الثانية إلي أن تشكل نسبة لا تقل عن 45% من مجموع إنفاق العالم كله علي الدفاع. ونبع ذلك من إيمان زائف بضرورة رفض الاعتقاد الشائع والصحيح في الاستراتيجية العسكرية بوجود حدود علي القوة العسكرية، وكذلك من اعتقاد راسخ بأهمية عدم التوقف عند نقطة مناسبة. وما حدث هو أن القادة العسكريين للبنتاجون وعلي رأسهم رامسفيلد وولفوفيتز وتومي فرانكس رفضوا تصور القادة المدنيين - أو الموظفين المحترفين – للبنتاجون للحرب الوقائية والذي ذهب إلي أن القوة العظمى الوحيدة يجب عليها امتلاك القوة الكافية فقط الحفاظ علي موقعها أو تحسينه، بل فضلوا –أي القادة العسكريون- مضاعفة القوة العسكرية حيث لا تعرف حدود التشبع وحيث تستخدم لردع الآخرين وتخويفهم - سواء داخل أمريكا أم خارجها وحتى من الحلفاء - من مجرد الشك في حدود هذه القوة أو تفضيل بدائل أخرى تكمل مهام القوة المسلحة.                
     فالغطرسة النابعة من اليقين "الأخلاقي" ذي المرجعية الإيديولوجية العدوانية المحافظة دفعت رموز الإدارة إلي عدم الاعتناء بمصاحبات إثارة الخشية لدي الحلفاء ومن خدش مشاعر الأصدقاء. فعندما عبرت بريطانيا الحليفة عن الرغبة في إصدار قرار من مجلس الأمن يجيز استخدام القوة ضد العراق لمشاركة في الحرب وكمحاولة أخيرة للحيلولة دون ظهور واشنطن ولندن بمظهر المعادين للتوافق الدولي الرافض لشن حرب، لم يتردد وزير الدفاع رامسفيلد في الهجوم علي البريطانيين مشددا علي أن بلاده لا تحتاج في الواقع إلي المشاركة البريطانية لإنجاح حملتها[15]. ويبدو أن هذا التصريح يدل علي واحدة من أخطر الحقائق التي كشف عنها تصور وسلوك المحافظين الجدد إزاء هجمات 11 سبتمبر، فهي عدت ذريعة هامة لتنفيذ الرسالة "الرؤيوية" "الأخلاقية" تجاه العالم من فرض القوة "الأخلاقية" والقيمية والعسكرية لأمريكا علي العالم. وظهر طلب لندن بمثابة من يعرقل قوة الاندفاعة أو "خيانة الصديق".
     وهكذا عبر بوش الابن عن غضبه من أقوال أدلي بها السناتور الجمهوري من حزب الرئيس نفسه، عن نبراسكا "تشاك هاجل" عام 2004 من أن الرئيس يعامل الكونجرس كما لو كان "عائقا دستوريا" وعندما عارض توجه الرؤيوي الرسالي قال "هاجل" إن "التاريخ قد علمنا أنه لا يجدر بالسياسة الخارجية أن تسقط في هاوية ما يسمى ما يسمى رسالة إلهية.., وعلينا اعتبار التحالفات والمؤسسات الدولية كامتداد لميدان تأثيرنا وليس كعوائق خارجية أمام قدراتنا"، ودعا أيضا لأن تكون "الأمم المتحدة مفيدة لنا أكثر من أي وقت"[16]. إن إدارة بوش التي لم تكن تملك تصورا محددا عن الاستراتيجية الأمريكية للقرن الحادي والعشرين بل فقط أفكارا متناثرة تتأرجح بين العمل المنفرد والعمل متعدد الأطراف وعدم الانخراط النشط في مناطق التوتر إلا ما يرتبط بمصالح أمريكية هناك، مع رفض العودة للعزلة. ولكن جاء تبني الحرب علي الإرهاب ليوفر علي الإدارة اليمينية المحافظة الجديدة ضرورة إعلان أهدافها بوضوح وتعيين حدود تدخلها وأية إمكانية لإثارة التساؤل عن مسئولياتها الخاصة، وقد عبر عن ذكل بشكل صارخ وزير الدفاع السابق رامسفيلد عندما ذكر في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 "تماما مثل الحرب العالمية الثانية، أوجد الحادي عشر من سبتمبر لنا فرصة ذهبية لإعادة صياغة العالم"[17]                      
   يبدو التمييز العنصري فاضحا في تبرير ضرب أفغانستان للقضاء علي حكم طالبان بعد هجمات 11 سبتمبر، وهذا التمييز جاء من اعتقاد إدارة بوش واليمين المحافظ الجديد في مذهب "الاستثنائية الأمريكية" الذي يتيح للولايات المتحدة تنحية قواعد الحرب والقانون الدولي الإنساني وتطبيق ما تراه هي قادرا علي حماية المصالح والقيم والأمن الأمريكي استنادا إلي صورة محددة للخصم مفادها أنه دول تأوي جماعات إرهابية وتسهل لها التدريب وحرية الحركة والتنقل والتمويل وعولمة عملياتها الإرهابية، ما يبرر شن هجمات ساحقة ماحقة وحاسمة ذات طبيعة تدميرية شديدة حتى تظل مبررة حتى لو قتلت أعدادا كبيرة من المدنيين. وهو ما حدث بالفعل منذ بداية الضربات الجوية ضد نظام طالبان حيث قتل وجرح المئات من المدنيين، ويبرر أحد رواد اليمين المحافظ الجديد السناتور الجمهوري "جون ماكين" عدم أهمية أخذ الضحايا من المدنيين غير المحاربين في الاعتبار، بقوله: "إن قضايا مثل رمضان (يقصد شهر رمضان) أو الضحايا المدنيين، مع أنها مأسوية وتثير الأسف.. فإنها تبقي ثانوية بالنظر إلي الهدف الأسمي وهو اقتلاع العدو"[18].
    هناك تبرير آخر مفاده أن الإرهابيين وقد استهدفوا وقتلوا عن عمد ألافا من غير المحاربين وقت السلم، فإن الهجمات عليهم لا يجب أن تراعي الجوانب الإنسانية بالدرجة الأولي، ومن ثم تحولت بالفعل إلي هجمات شاذة و"شيطانية" وعدوانا غير مبرر. وقد بررت إدارة بوش حربها هذه بأنها عادلة باعتبار الإرهاب نوعا مختلفا من الحرب ومن ثم ينبغي خوض حرب استباقية ضده دفاعا عن النفس، وفي أي مكان في العالم. ورغم تأكيد القادة العسكريين الأمريكيين علي حرصهم علي عدم استهداف مدنيين والتركيز فقط علي الأهداف الحربية، فقد ارتكبت القوات الأمريكية جرائم عدة من قتل وجرح لمئات المدنيين في أفغانستان، وقد رد علي ذلك الجنرال "تومي فرانكس" قائد القيادة الوسطي زاعما أن الحرب في أفغانستان تعد أكثر الحروب دقة تم خوضها في تاريخ الأمة الأمريكية"[19]         
     ومن نافلة القول أن إدارة بوش الابن تؤمن باستخدام القوة العسكرية المفرطة من أجل تغيير نظم حكم تزعم أنها مارقة تأوى الإرهاب أو تمتلك أسلحة الدمار الشامل أو تهدد المصالح الأمريكية وحلفاء أمريكا من جيران هذه النظم، وهذه الإدارة ترفض مقولة أن اللجوء لاستعمال القوة أو للحرب يعبر عن فشل للسياسة، إنما تعتقد بنفعية دبلوماسية الإكراه والأدوات الأخرى العنيفة مما جعلها تقوم بعسكرة السياسة الخارجية حيث تعالج المشكلات السياسية بمقتربات عسكرية. وذلك لتحقيق هدف مدني بطبيعته وهو الديمقراطية، ومن ثم اعتبرت حربها المسلحة حربا عادلة من أجل "تحرير" العراق و"دمقرطته" وهو نفس المنطق الذي خاضت به إدارة ويلسون الحرب العالمية الأولي من أجل جعل العالم "آمنا" أو ملائما لتقبل الديمقراطية، ومن هنا فالديمقراطية والحداثة سوف تجلب للشرق الأوسط لجعل العالم وأمريكا أكثر أمنا. والقضاء علي نظام صدام سوف يمنع إيران من تمدد ثورتها في المنطقة ويجعلها تشعر بفوائد المنطقة الخالية من وجود نظام صدام، وسوف تمتد هذه الفوائد لآخرين مثل السعودية. هذا فضلا عن أن إزاحة نظام صدام المؤيد لمن يقومون بعمليات "انتحارية" في إسرائيل سوف يتيح المجال أمام تسوية سلمية. وكان كيسنجر ذكر مؤيدا "إن الطريق إلي القدس يمر عبر بغداد". وتم إجراء مقارنة مع بلدان أوروبا الشرقية ما بعد الشيوعية وما حدث فيها من إصلاحات مع نهاية الحرب الباردة، فالانتعاش السياسي والاقتصادي يؤدي – حسب هذا الزعم – إلي تقدم وازدهار الشرق الأوسط وتمكينه من المشاركة بفعالية في العالم المتمدين. وإن انتشار الديمقراطية- بالمعايير الأمريكية طبعا – من شأنه تدمير الإرهاب.             
    وقد استند هذا الزعم علي فرضية مفادها أن تغيير النظام في العراق سوف يكون عاملا مساعدا إيجابيا للتغيير، وهو ما عبر عنه ولفوفيتز نائب وزير الدفاع السابق ومن أبرز المحافظين الجدد في إدارة بوش الابن، بقوله: "من الصعب تصور أن تحرير شعب ذكي في واحد من أهم الدول العربية من قبضة واحد من أسوأ طغاة العالم سوف لن يشكل فرصة للأمريكيين والعرب والشعوب الأخرى لبداية التحرك نحو المهمة التي حددها الرئيس – يقصد بوش الابن- ببناء عالم عادل وآمن بعد الحرب علي الإرهاب"[20]. وكما هي الحال في تفسير ضرب أفغانستان بعد 11 سبتمبر بأنه بمثابة دفاع عن النفس، فقد طبقت إدارة بوش نفس الزعم لتسويغ العدوان علي العراق من حيث أن النظام العراقي كان يشكل خطرا علي الأمن الأمريكي.
   وفي مجال تفنيد مدى انطباق نظرية الحرب العادلة علي العدوان الأمريكي علي أفغانستان والعراق والذرائع المعطاة مثل الدفاع عن النفس، يثور سؤال أساسي حول تعريف النفس ذاتها، فالدفاع عن الذات المهددة بالعدوان أو وقع عليها اعتداء مثل هجمات 11 سبتمبر يقتضي تعريفا دقيقا للذات بأنها السلامة القومية للدولة ووحدة إقليمها ووجودها ذاته. ولكن الزعم الذي أوردته إدارة بوش تجاوز هذا المفهوم ليصور الدفاع عن النفس موسعا تعريف النفس إلي أن تشمل - فضلا عما سبق - المصالح الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة في الخارج، من جهة، والنفاذ إلي الأسواق الرئيسية والموارد الاستراتيجية في العالم، وكذلك ضمان حيوية والقدرة الإنتاجية للاقتصاد العالمي كما أوضحت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أعنت في بداية 2002. إن هذا التوسيع يؤدي عمليا إلي تحويل الدفاع عن النفس إلي عدوان.    
    إلي جانب أن الضربة الاستباقية قد تكون مشروعة في حالة تيقن الدولة من وجود استعدادات لدي الخصم بتهديد فعلي لكيانه الوطنى وسلامته الترابية أي لوجوده ذاته، ولكن ذلك لم ينطبق علي الحالة الأمريكية التي قامت بتوسيع مفهوم الخوف أو التهديد وزعمت أن أفضل دفاع هو أفضل هجوم!!. أكدت استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة علي ذلك بالقول "كلما عظم شأن التهديد، زادت المخاطر الناجمة عن عدم الإقدام علي فعل ما تجاهه، وزادت الضغوط الدافعة للإقدام علي عمل استباقي للدفاع عن أنفسنا. وحتى لو بقي عدم التيقن من مكان ووقت هجوم العدو، فإن مجابهة أو منع هذه الأعمال عدائية من قبل خصومنا، يستلزم من الولايات المتحدة – في حالة الضرورة – أن تبادر بعمل استباقي"[21]. يعنى ذلك أن اليمين المحافظ بالغ في تقدير مدى خطورة أو جاهزية الهجوم وبالغ كذلك في الإحساس بالخوف حتى وصل إلي حالة الخوف المفرط hubris كي يبرر توجيه ضربات ساحقة ماحقة ووحشية للعدو. وهنا تصبح الصلة بين الدفاع عن النفس والفعل الاستباقي مشوشة ومضطربة إلي حد تضخيم التهديدات قليلة الشأن (والتي قد لا تهدد السلامة الترابية أو الاستقلال السياسي لدولة ما) وحالة عدم التيقن لتبرير شن هجمات استباقية. لقد ضخمت إدارة بوش الابن من الأمن القومي الأمريكي عبر التهويل من تهديدات محتملة بما يتجاوز المعنى المحدد لمفهوم الفعل الاستباقي المقبول بتصوير حالة تهديد بوقوع هجوم وشيك.
   هذا فضلا عن أن التطرف في إضفاء الطابع الأخلاقي علي الحرب من جانب طرف قد يدفعه إلي تجاهل عدالة معاناة وآلام الطرف الآخر، وهذا ما ينطبق علي ما ذكره بوش الابن في خطابه عن الإرهاب قبل الاجتماع المشترك لمجلسي الكونجرس بعد هجمات 11 سبتمبر، من أن الحرية والخوف والعدل والوحشية والوحشية هي أمور تحدث دائما في الحرب. وأضاف "ونحن نعرف أن الله ليس محايدا في هذه الأمور"[22]. ومع تصوير المصلحة بمنطق القوة، فإن اليقين الأخلاقي قد يتحول إلي استثناء خاص بصاحبه، وهو ما بدا من خطاب بوش الابن أمام طلبة الكلية الحربية في "وست بوينت" حيث قال: "يقتضي اختلاف الظروف اختلافا في الإجراءات المتبعة، لكنه لا يتطلب تباين الأخلاقيات، فالحقيقة الأخلاقية تبقي هي نفسها في أية ثقافة وفي أي وقت وفي أي مكان. إن استهداف الأبرياء بالقتل هو خطأ في أي زمان وأي مكان، وكذلك الوحشية تجاه النساء خطأ، ولا يوجد حياد بين العدل والوحشية، بين البريء والمذنب. نحن في صراع بين الخير والشر، وأمريكا تثير حقد قوى الشر لمجرد ذكر اسمها. إن مواجهة النظم الشريرة وغير الملتزمة بالقانون لا تعنى أن أمريكا تخلق مشاكل، بل نحن سنكشف عن المشكلة، وسوف نقود العالم في التصدي لها"[23].
   معنى ذلك أنه بمجرد أن يتخذ طرف ما نغمة أخلاقية زاعقة فإن الخطر يترتب من جراء تنامي الذرائع الأخلاقية وبما يؤدي لتجاهل معاناة الطرف الآخر. إن الطرف الذي يزعم أن العدل في صفه يؤمن بأن أفعاله تدخل في إطار الدفاع عن النفس وضرورة الضربة الاستباقية، ومن ثم تبقي أفعال هذا الطرف مبررة، وفضلا عن ذلك، فإن  تحديد المهمة بما يتجاوز الفعل الموجه ضد طرف معين ليتضمن الدفاع عن قيم معينة عبر استعمال القوة، يفضي إلي توسيع حدود مفهوم الدفاع عن النفس والفعل الاستباقي وكذلك إلي الإفراط في استخدام القوة المسلحة بزعم أنها بمثابة البحث عن سلام كامل أو مثالي بما يؤدي إلي تمديد وتوسيع الحرب بشكل غير ضروري. ومن أهم الأمثلة الصارخة علي تجاهل عدالة معاناة وآلام الطرف الآخر تكرار المسئولين السياسيين والعسكريين الأمريكيين تبرير قتل وجرح الآلاف من المدنيين الأفغان والعراقيين بالخطأ غير المقصود تارة أو بإلقاء اللوم علي حركة طالبان وتنظيم القاعدة باستخدام المدنيين كدروع بشرية أو اختفاء مقاتلي الحركتين وسط المدنيين وكذلك الزعم بأن نظام صدام كان يخفي أسلحته وذخائره في مناطق مأهولة بالسكان. علي أن أخطر الجرائم الأخلاقية ومظاهر الانحطاط الأخلاقي زعم جون بولتون رئيس الوفد الأمريكي لدى الأمم المتحدة بأنه لا مجال للمساواة أخلاقيا بين القتلي من الإسرائيليين والشهداء اللبنانيين المدنيين لصالح الإسرائيليين من زاوية أن هؤلاء الإسرائيليين يستحقون وحدهم إطلاق صفة الشهداء عليهم[24]!!.     
    هذا فضلا عن أن التمييز والتحيز يبدو واضحا في النموذج الإدراكي لليمين المحافظ الجديد من زاوية التشديد علي استبعاد أي التزام بقواعد الحرب في مجال مواجهة الإرهاب، إذ أكد وزير الدفاع الأمريكي السابق أثناء التحضير لضرب أفغانستان علي أنه لا سبيل للدفاع في أي مكان وأي زمان ضد أي تكنيك (للحرب) ومن ثم "يجب عليك ببساطة أن تتعقبهم". وإذا ربطنا مقولته عن أفضل وسيلة للدفاع هى الهجوم، نلاحظ أن اليمين المحافظ الجديد بإصراره علي تضخيم حالة الخوف قد تسبب في إصابة المؤسسات الأمنية والعسكرية الأمريكية نفسها بالاضطراب والإنهاك في إطار عدم تعيينه لمهام محددة ولا مدد محددة للهجوم ووضع البلاد في حالة من التعبئة القصوى، ما يؤدي لارتباك هذه المؤسسات في حالتي الحرب والسلم معا. هذا فضلا عما جري من عسكرة المجتمع الأمريكي نفسه عبر قانون الوطنية Patriot Act الذي وضع قيودا عديدة علي الحريات العامة والمدنية والشخصية، وكذلك تجميع أجهزة الاستخبارات في جهاز واحد وإنشاء وزارة للأمن الداخلي لأول مرة. وفي مناخ محتقن كهذا، يصبح من غير الممكن التمييز بين الخطرين وغير الخطرين علي الأمن. وقد تبدو المؤسسات العسكرية كأفضل وسيلة لخلق فرص عمل كثيرة. ويتضح ذلك مما كتبه "توماس فريدمان" "ينبغي أن نواجه الإرهابيين كما لو كانت القواعد غير موجودة، وأن نحافظ علي المجتمع المفتوح في نفس الوقت، كما لو كان الإرهابيون غير موجودين"[25].
    إن حالة الهوس "الأخلاقي" والخوف المفرط والتعبئة العاجلة والزعم بأن المجتمع يواجه خطرا داهما يعتبر معها أي نقد حول شرعية الحرب أو سلوكياتها بمثابة تقويض لمجهود الحرب بل خيانة وطنية.
      هذا بالإضافة إلي أن نظرية الحرب العادلة ذاتها هي نظرية معيبة لأنها ترفض الحرب كخيار أخير وتقبل حتمية أن تنتهي الصراعات بالحروب، ومن هنا لم تعط اهتماما كافيا ولا تشجع عن التساؤل عما يجري فعلا عند شن الحرب، فإذا رفض شخص ما العنف كوسيلة لحل الصراع تكون الحرب العادلة غير أخلاقية ويسيء استخدام أحكام الحرب. ومن المثير للدهشة أن العدوان الذي شنته إدارة بوش الابن علي أفغانستان صورته دوائر السياسة والإعلام المؤيد لليمين المحافظ الجديد علي أنه لحماية حقوق النساء في أفغانستان ضد تطرف طالبان والتطرف الإسلامي عموما. وهذا يعنى أن أمريكا غير المتسامحة مع العالم عموما ومع الوطن العربي والعالم الإسلامي خصوصا والساعية لفرض قيمها وحتى نمطها الأسري علي هؤلاء، إنما تخلق تعارضا من النوع البدائي الأنثروبولوجي. فالنزعة النسوية الأمريكية تتسم بالتركيز علي الهوية الذاتية للنوع متجاهلة أنواع الهويات الأخري كالقومية والطبقية والاثنية، كما تتميز النزعة النسوية هذه بالجمود والعدوانية تجاه وضعية النساء من المجتمعات الأخرى إذا ما تعارضت مع مقولاتها وأفكارها. وحتى في داخل العالمين العربي والإسلامي نجد التمييز والانتقاء واضحين تجاههما فهناك نقد حاد للبلاد العربية وكذلك لبعض البلاد الإسلامية مثل باكستان وتركيا وإيران وأفغانستان، لكن النقد لا يشمل إندونيسيا وماليزيا والشعوب المسلمة في غرب إفريقيا لارتفاع مكانة المرأة هناك.
        وكان العدوان علي أفغانستان جاء في إطار خطاب حرب حضارية عن مكانة المرأة الأفغانية في الولايات المتحدة وبريطانيا، وحيث شدد هذا الخطاب علي تغيير العادات والتقاليد. ومن المعروف أن تطور العادات يجري بصورة بطيئة تاريخيا ولا يمكن لحرب حديثة وعشوائية مثل الذي تم إلا أن يكبح هذه العادات فقط، لأن الحرب ربطت بين حضارة غربية نسوية ووحشية عسكرية. والمثير للاستغراب هو موقف السيدتين بوش وبلير الذي زعم أنه يؤيد "تحرير" المرأة الأفغانية وسط القصف العشوائي والهمجي الذي راحت ضحيته النساء الأفغانيات أساسا. وبدلا من محاولة التفهم والتحليل العلمي لأفراد ومجموعات يعيشون في ظروف مختلفة، تتزايد الإدانة  بالسيطرة الذكورية في غينيا الجديدة أو الإعجاب الصريح بنظم الأمومة في تنزانيا أو موزمبيق  وغالبية سكانهما من المسلمين. ويتساءل "إيمانويل تود" عن حق: "وإذا بدأ علم في توزيع نقاط الحسن والسوء بكيف ننتظر الهدوء من الحكومات والجيوش؟"
   إن حتى النزعة العالمية لا تعنى التسامح، "فالفرنسيون مثلا يمكن تماما أن يتخذوا موقف عداء من المهاجرين من الأصل المغربي لأن وضع المرأة العربية يتناقض مع عاداتهم، لكن رد فعلهم غريزي ولا تصحبه أية صياغة إيديولوجية، أو أي حكم عام علي النظام الأنثروبولوجي العربي. فالنزعة العالمية لا ترى مسبقا الاختلاف، ولا يمكن أن تصل إلي إدانة صريحة لهذا النظام أو ذاك. وعلي العكس كانت "الحرب ضد الإرهاب" فرصة للأحكام النهائية غير القابلة للاستئناف عن النظام الأنثروبولوجي الأفغاني (أو العربي)، وهي أحكام لا تتفق مع نزعة المساواة المسبقة. ومن ثم، فإن ما نراه هنا ليس مجموعة أقاصيص، وإنما هو أثر تراجع النزعة العالمية في العالم الأنجلوساكسوني، الذي يحرم أمريكا من نظرة صحيحة للعلاقات الدولية، والذي يمنعها من أن تعامل العالم الإسلامي معاملة لائقة، أي بكفاءة إذا تحدثنا استراتيجيا"[26].                              



·  أستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، مدير مركز ابن رشد للتنمية.
[1] - Francis Fukuyama, "The End of History", National Interest, no.16, 1989, p.5
[2] - F. Fukuyama, The End of History and the last Man, London, New York: Penguin and Free Press, 1992, pp. 162-91  
[3] - Fukuyama, "The End of history, Op. Cit., p. 18
[4] - تيري إيجلتون، فكرة الثقافة، ترجمة شوقي جلال، المشروع القومي للترجمة-865، القاهرة: المجلس الأعلي للثقافة، 2005، ص 98
[5] - نفس المصدر، ص99
[6] - نفس المصدر، ص ص99-100
[7] - Charles Tiefer, Veering Right: How the Bush Administration Subverts the Law for Conservative Causes, Los Angeles, Calif.: University of California Press, 2004, p.158
[8] - لنظر كمثال: إيمانويل تود، ما بعد الإمبراطورية: في تفكيك النظام الأمريكي، ترجمه من الفرنسية محمد مستجير مصطفي، القاهرة: دار سطور، 2004، ص ص146-160
[9] - نفس المصدر، ص165
[10] - انظر في ذلك كمثال: صمويل هنتنجتون، صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي، ترجمة أحمد مستجير، القاهرة: دار سطور، 1996
[11] - إيمانويل تود، مصدر سابق، ص167.


[12] - see as an example; Condoleezza Rice, "Promoting the National Interest", Foreign Affairs, vol. 79, no.1, January-February 2000, p. 47
[13] - David H. Dunn, "Myths, Motivations and 'Misunderestimations'" the Bush Administration and Iraq", International Affairs, vol. 79, no. 2, March 2003, p. 285
[14] - New York Times, 29 January 2003
[15] - www.aljazeera.net
[16] - ورد في: غسان سلامة، أمريكا والعالم: إغراء القوة ومداها، ترجمة مصباح الصمد، بيروت: دار النهار، 2005، ص41
[17] - ورد في: نفس المصدر، ص ص59-60
[18] - cited in; Neta C. Crawford, "Just War Theory and the U.S. Counterterror War", Perspectives on Politics (American Political Science Association), vol.1, no.1, March 2003, p.12
[19] - Dexter Filkins, "Flaws in U. S. air war left hundreds of civilians dead", The New York times, 21 July 2002, p. 12
[20] - Paul Wolfowitz, "United on the Risks of a war with Iraq", Washington Post, 23 December 2002

[21] - National Security Council, The National Security Strategy of the United states of America, Washington D.C.: Office of the president, September 2002, p. 6
[22] - The New York Times, 21 September 2001
[23] - www.whitehouse.gov/news/releases/2002/06
[25] - Thomas Friedman, "World War III…", The New York Times, 13 September 2001
[26] - تود، مصدر سابق، ص188

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق