الخميس، 20 يونيو، 2013

الصحة النفسية بين العولمة والعالمية (أخلاقيات الطب النفسي)



الصحة النفسية بين العولمة والعالمية
(أخلاقيات الطب النفسي)
د. أحمد عكاشة

هذا العالم المعولم يواجهنا بتحد أساسي: أن يصاحب التقدم المالي والتقني الذي يسعى إلى التقريب بين أنحاء العالم بتقدم مساو له في الوعي البشري
أوسكار أرياس، حائز على جائزة نوبل، الرئيس السابق لكوستا ريكا
مقدمة
لقد أصبحنا نعيش في عالم يتميز بسرعة الوتيرة والتغيير، بل ان التغيير يكاد يحدث بسرعة لا تسمح لنا بمتابعة كل تفاصيل ذلك التغيير.. فانتشار "المدنية" والتنمية الاقتصادية السريعة والانهيار الضخم للموارد البيئية المتاحة، كلها عوامل تفرض على بلايين من البشر مستقبلا لم يتمكنوا من التدريب على كيفية مواجهته.. التغيير في حد ذاته ليس أمرا سيئا، بل ان السعي إلى التغيير لما هو أفضل كان ولازال، وفي الأغلب سيبقى، هو الدافع الأقوى لاستمرار البشرية وتقدمها ولتغيير السلوك البشري ليصبح أكثر إنسانية وتعاضدا وتسامحا وقبولا للآخر..
أكذوبة العولمة
حين اخترع الصينيون الورق فقد كان ذلك لمصلحة العالم كله وليس الصين فقط.. كذلك فإن اختراع الفراعنة للكتابة كان هدية للبشرية جمعاء، كما استفاد العالم كله من اكتشاف العراقيون للزراعة.. لكن هذه العالمية في الانتفاع التي اتصفت بها الحضارات الأولى لا تنطبق على عولمة القرن العشرين.
لقد وفرت العولمة التقنيات التي تسمح بتجاوز المسافات وتبادل المعلومات في جزء من الثانية.. هذا صحيح.. لكننا لا يمكن أن نتغاضى عن واقع كون مركز ذلك التقدم التقني لازال مركزا في أجزاء بعينها من العالم، تسيطر على تلك المعرفة بل وفي أحيان كثيرة تحدد اتجاه تطورها.. كذلك لا يمكن لنا أن نغفل حقيقة أن ذلك التقدم سريع الوتيرة لم يؤد في كثير من الأحوال إلى توحيد العالم حول قيم واحدة وتعريف واحد للإنسانية وإنما أدى إلى عزلة الأطراف غير المتقدمة ومزيد من إفقارها.
لقد وعدتنا العولمة بعالم موحد، بقرية عالمية، تذوب فيها الحدود والفوارق بين البشر. لكن ما حققته فعليا هو توحيد للسوق العالمية.. توحيد للاقتصاد.. توحيد للعملة في بعض الأماكن.. لكن انعدام المساواة في المعرفة والموارد قد أدى إلى نتيجة معاكسة تماما لما وعدت به العولمة.. أطراف محرومة من الموارد ومن إمكانيات الدخول في سباق العولمة.. محرومة من إنتاج المعرفة.. بل وتكاد تكون محرومة من الوجود.. وفي رد فعل دفاعي مفهوم لجأت تلك الأطراف إلى التمسك بما يخصها من عادات وتقاليد ومعارف تقليدية.. بل أن بعضا منها قد وقف موقف المواجهة مع تلك العولمة التي فشلت في أن تصبح عولمة إنسانية واكتفت بالمجال الاقتصادي والعسكري.
كنتيجة لذلك اتسعت الفجوة بين المجتمعات التي تتمتع بالمعرفة التكنولوجيا والقدرة على التحكم في الأحداث وبين مجتمعات أخرى لازالت تعاني التأخر والحروب والجهل والإحباط والشعور باليأس من إنجاز التقدم وتحقيق الذات.
فالعولمة التي نعرفها اليوم هي عالم يهيمن عليه تحالف القوى العظمى والمؤسسات المالية الضخمة وقواعد السوق.. وقد أنتج لنا هذا التحالف، إلى جانب الانترنت والمحمول الفضائيات.. أنتج تفكيكا في التجمعات البشرية كما أنتج العنصرية والتمسك بالعرق والأصل وإحياء الهوية الأصولية، وكلها أمور تكاد أن تكون مضادة لما كان مستهدفا من عولمة العالم.   
هذه القرية العالمية التي تدعي العولمة إنتاجها ليست "عالمية" كما يدعون. دعونا نتخيل أن العالم مكون من 100 إنسان: سوف نجد أن 57 منهم آسيويون، و21 أوروبيون و8 أفارقة، و6 أمريكان.. سوف نجد أن 48 منهم من الرجال و42 من النساء.. سوف نجد أن 30 منهم من البيض و70 من غير البيض، سوف نجد أن 30 منهم من المسيحيين و70 من غير المسيحيين.. في هذا العالم "المعولم المكون من 100 إنسان يملك 6 أشخاص 59% من الموارد، جميعهم من أمريكا الشمالية، على حين يعيش 80 منهم تحت خط الفقر.. 70 منهم أميون.. 50 معرضون للموت جوعا.. واحد منهم فقط حاصل على تعليم عالي وواحد فقط يملك جهاز كومبيوتر. من الواضح إذا أن توزيع السلطة والموارد لا يتناسب مع نمط الأقلية والأغلبية في هذا العالم.. أي أن هذه العولمة المزعومة فشلت في تمثيل العالم ديموقراطيا كما تدعي.
في هذا العالم المعولم سوف نجد أن ثروة أغنى ثلاثة أفراد في العالم تفوق كل الناتج القومي لــ 48 دولة، وأن 1.3  مليار نسمة يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، كما أن 1.5 مليار من سكان العالم لا يحصلون على مياه نقية وأن ملياراً يعيشون في مساكن غير إنسانية، وأن ما لا يقل عن 40.000  طفل يموتون يومياً من سوء التغذية والأمراض عام 2006.
العولمة إذا مصطلح مليء بالتحديات والاستفزاز. فهو مصطلح لا يشير إلى حكومة ديموقراطية عالمية واحدة توفر الرفاهة للجميع، ولا يعني عالمية المعتقد والايدولوجيا أو الأديان، كما أنه لا يجوز أن يعني التخلي عن الشعور بالوطنية والانتماء.. العولمة قد تقصر المسافات لكنها لا تلغي الجغرافيا.. إن نجاح العولمة في أن تصل مدينة صناعية ضخمة في الولايات المتحدة الأمريكية بأصغر قرية في بنجلاديش لا يعني أن الاثنين متساويان في استخدام موارد العالم والبشرية.    
في هذا السياق، تصبح مهمتنا نحن كعلماء في الصحة النفسية أن نسعى إلى عولمة الرفاهة النفسية بحيث توازي عولمة التكنولوجيا والسياسة والعسكرة.
عولمة الصحة النفسية: تحد لازال ينتظر التناول
الصحة النفسية هي حالة من الرفاهة تسمح للأفراد أن يتعرفوا على إمكانياتهم وتمكنهم من التوافق والتأقلم مع ضغوط الحياة اليومية والعمل المنتج والمرضي كما تمكنهم من المساهمة في بناء مجتمعاتهم.
هذا وتتوازى معدلات انتشار الاضطرابات النفسية مع الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فإذا نظرنا إلى كل ما سبق أن ذكرناه في علاقته بالعولمة يمكن لنا أن نستنتج أن مفهوم الصحة النفسية والاضطرابات النفسية سوف يتأثر تأثرا كبيرا بما يشهده العالم من تطور في العلوم والمعرفة. ولكن يبقى السؤال: هل سيكون هذا التقدم وتلك المعرفة في متناول الجميع بالتساوي؟ هل سوف ينتفع الجميع على قدم المساواة بالتقدم العلمي في التشخيص العلاج؟  
لم يعد المرض النفسي ذلك الشيء النادر في هذا العالم، بل أن المرض النفسي أصبح يحتل مساحة كبيرة ضمن الأمراض المسببة للاعتلال في حياة البشر. لقد أوضحت البحوث أن الفقر والمرض النفسي يغذي كل منهما الآخر، ويؤدي كل منهما إلى الآخر في دائرة شريرة يجب كسرها إما بالقضاء على الفقر أو التدخل المناسب مع المرض النفسي، وإن كان الأفضل أن تكسر في الموقعين. كما أظهرت أيضا أن الفجوة بين من يتلقون ومن لا يتلقون العلاج بين الأطفال والمراهقين هي الأكبر بين الفجوات في الحصول على العلاج والرعاية وهو أمر خطير إذا يعني أن الأجيال التي سوف تتحمل مسؤولية العالم في السنوات القادمة  هم الأكثر تهميشا والأكثر حرمانا من الحصول على الرعاية الصحية النفسية.
هذا ويعود التغير في معالم الصحة النفسية إلى حد كبير إلى التغير في قاعدة المعرفة كما والى إدارة الاقتصاد العالمي. كما تتأثر هذه العملية أيضا بكل تغير يطرأ على السياسة والاقتصاد العالميين.
إن هذا التغير السريع يمثل تحديا كما يمثل فرصة للطب النفسي. وقد يكون التخفيض الدائم في ميزانية الدولة للأنفاق على الصحة هو أوضح المخاطر التي تواجه المهنة حيث أن الجزء الأكبر من الإنفاق على خدمات الطب النفسي والرعاية الصحية النفسية تعتمد على الإنفاق الحكومي. في نفس الوقت نجد أن ذلك الانخفاض في الموارد يصاحبه زيادة في الطلب على هذه الخدمات.
عولمة الطب النفسي يجب أن تعني المساواة في توفير خدمات الصحة النفسية والبحث العلمي لجميع المرضى النفسيين، في كل مكان. وإذا صدقت العولمة التي وعدنا بها فمن الضروري أن يكون هناك إنصاف في توزيع الموارد المتوفرة للتشخيص العلاج والتأهيل للجميع، بغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه.
حسب تقديرات منظمة الصحة العالمية فإن الإنفاق العام على الصحة النفسية يجب ألا يقل عن 10% من إجمالي ميزانية الصحة.. 75% من الخدمات يجب أن تكون موزعة بالتساو بين جميع أنحاء البلاد.. 25% من أسرة المستشفيات العامة يجب أن تكون مخصصة للمرضى النفسيين وأقرب وحدة رعاية نفسية يجب ألا تبعد أكثر من مسافة ساعة بالسيارة عن المستخدمين. بل وتوصي منظمة الصحة العالمية أن يكون الحد الأدنى من الموارد البشرية المتوفرة للصحة النفسية هي من 0.25-1 طبيب نفسي كل 10 آلاف من السكان وأن يتراوح عدد الأسرة ما بين 5-8 سرير لكل 10 آلاف من السكان. فأين نحن من هذا المفترض؟
الصحة النفسية تكاد أن تكون هي سندريللا ميزانية الصحة.. فعلى حين تبلغ إجمالي ميزانية الصحة حوالي 7-14% من إجمالي الناتج القومي في البلاد الصناعية، نجدها تتراوح ما بين 1-5% في البلدان النامية. كذلك يقدر البنك الدولي أن 80% من إجمالي ميزانية الصحة في العالم تنفق على 10% من سكان العالم وأن 20% من منها تنفق على باقي الـ 90% من السكان.. ولنقارن ميزانية الصحة التي تبلغ 3500 دولارا أمريكيا للفرد الواحد سنويا في الولايات المتحدة الأمريكية مقارنة بدولار واحد في بعض البلدان.
لقد فشلت العولمة في أن تحقق عالمية الوفرة في خدمات الصحة النفسية لسكان هذا العالم.. لو كان لنا أن نلخص تأثيرات العولمة على الصحة النفسية حتى الآن فإننا سوف نعرضها في النقاط التالية:
1-       لقد أدى الاختلاف الثقافي والحضاري للمستخدمين إلى اتساع نطاق المواقف والمدارس التي تتناول المرض النفسي.
2-       كما أدى الاختلاف الثقافي والعرقي لمقدمي الخدمة إلى طيف واسع من التوجهات والمعتقدات الخاصة بالرعاية النفسية الصحية.
3-       في البلاد النامية أدت حركات الهجرة الداخلية إلى ارتفاع في معدلات الاضطرابات النفسية الناجمة عن الهجرة.. كما أدت التغيرات الاقتصادية والاجتماعية المصاحبة لذلك إلى ارتفاع معدلات المرض النفسي.
4-       في كثير من بلدان العالم أدت تطور تكنولوجيا المعلومات إلى وفرة في المعرفة بما هو موجود من خدمات صحية في المجال النفسي دون أن تكون تلك الخدمات متاحة فعليا للاستخدام.
5-        وأخيرا فقد ساهمت العولمة في مزيد من التركيز على تطبيق الاتفاقيات الدولية في مجالات التدريب وسياسات الصحة النفسية وحماية حقوق الإنسان الخاصة بالمريض النفسي دون أن توفر توزيعا منصفا للموارد التي يمكن أن تطبق بها تلك المخرجات.
والحقيقة إن عولمة اليوم قد أثقلت واقع العالم بعدة أزمات:
أزمة قيادة حيث تسمح بتركيز الثروة في يد حفنة من البشر وفي المقابل خريطة متسعة للفقر والحرمان؛ وأزمة ديموقراطية حيث يعيش 1.3 بليون شخص على دخول أقل من دولار واحد يوميا؛ وأزمة اقتصادية حيث 1.5 بليون شخص محرومون من المياه النقية،؛ وأزمة روحانية حيث استبدل الناس أملهم في حياة إنسانية بالأمل في التعويض في العالم الآخر؛ وأخيرا أزمة أخلاقية متمثلة في سعي القلة إلى فرض مرجعياتهم على الأغلبية في هذا العالم.
أخلاقيات المهنة بين العالمية والخصوصية
بالعودة إلى قسم أبى قراط وإلى نصائح ابن سينا والرازى وابن عباس نجد أن التطور الناتج عن العولمة قد أغار وأتلف أخلاقيات المهنة وأن ما نصح به السلف أصبح في عالم الأوهام والخداع.. كان الطب سابقاُ يمارس بواسطة أهل الحكمة والفلسفة ثم رجال الدين أي أن الطبيب ينظر إليه كقديس يساعد الناس ويعالج المريض، ويحافظ على أسراره، ويلتزم بدقة بالأخلاقيات والشهامة والمروءة، ومع مرور الزمن وبتأثير ما يسمى بالحضارة الغربية وفقدان الثقة بين المريض والطبيب، وإعطاء طرف ثالث (شركات التأمين) مجالا للتحكم في رزق الطبيب وإملاء شروطها عليه، بحيث لا يحق له التصرف على حسب حاجة المريض ولكن حسب رغبات شركات التأمين، أصبح الطبيب متجهاً في إخلاصه وواجباته والتزاماته إلى شركات التأمين وليس للمريض، وأصبح الطب في الغرب صناعة تجارية وحرفة مهنية  تلتزم بقواعد الاقتصاد والعرض والطلب دون البحث عن الإنسانية والمواساة. وإذا تذكرنا كلمات الزمخشرى إن الطبابة مواساة ثم مداواة نجد أن الفارق واضح بين الالتزام الشرقي والغربي في علاقة الطبيب بالمريض.
إن عرضا مبسطا للفروق في العلاقات الشخصية بين العالمين الغربي والشرقي التقليدي توضح صعوبة توحيد المراجع الأخلاقية أو عولمتها.
المجتمعات التقليدية
المجتمعات الغربية
يسود مفهوم الأسرة والجماعة.
يسود مفهوم الشخص والفرد.
العائلة ممتدة
العائلة نووية
الوضع والحالة يحددها العمر، والوضع في الأسرة ورعاية كبار السن، والعلاقات إجبارية وقسرية بين الأقارب.
الوضع والحالة تعتمد على الجهود الفردية والعلاقات اختيارية ومن باب الحرية الشخصية بين الأقارب.
الزواج مرتب، مع بعض حرية الاختيار،  ويعتمد على العلاقات العائلية.
اختيار شريك الحياة يعتمد على العلاقـات الشخصية.
هناك معلومات كثيرة عن حياة أبعد الأقارب.
هناك معلومات فقط عن الأقارب المقربين للشخص.
اتخاذ القرار عائلي (جماعي).
اتخاذ القرار فردي.
بؤرة التحكم في مصير الشخص خارجية.
بؤرة التحكم في مصير الشخص داخلية.
قرار الطبيب محترم ومقدس.
هناك شك وريبة في العلاقة بين المريـض والطبيب.
نادرا ما يقاضي المرضى أطباءهم المعالجين للخطأ المهني.
من المعتاد أن يقاضي المرضى الأطباء المعالجين للخطأ المهني.
يسود الاحترام لفكرة القضاء والقدر.
الاحترام يرتبط بقدرة الشخص وكفاءته العلمية والتقنية.
العلاقة صحية بين الطبيب والمريض.
الثقة مفقودة بين الطبيب والمريض.
الشخص يمكن استبداله، ولكن الأسرة لابد وأن تستمر، وهناك افتخار بالروابط الأسرية بين الأفراد.
الشخص لا يستبدل، وهناك افتخار من كل شخص بذاته وأعماله وتصرفاته.
تفتخر الأسرة في المجتمعات الشرقية برعايتها للمريض النفسي.
الرعاية للمريض النفسي تكون من جانب المجتمع.
بالنسبة للصحة النفسية والمرض النفسي وكذلك بالنسبة لاستمرار العلة أو شفائها فإن ذلك يعزى إلى قدرة الله عز وجل وارادته.
الصحة أو المرض واستمرار العلة وشفائها تعزى إلى الشخص نفسه أو كفاءة الطبيب وتقدم التقنية.

على أي حال، لم يعد الأطباء اليوم أنصاف آلهة كما كانوا من قبل، ولكن مجرد مقدمي خدمات لمرضاهم، بالإضافة إلى اهتمامِهم بالاهتمامات الطبية الخاصة لهؤلاء المرضى، والعمل على تأدية أكثر الاهتمامات الخاصة بمرضاهم. والأبعد من ذلك أنه في الأربعين عاما الماضية، أصبح هناك تقدما هائلا في التقنية والمعرفة الطبية. هذا التطور قدم للمرضى الآمال العظيمة في الأمراض المزمنة والمستعصية والتي كان صعبا علاجها من قبل. وعلى الرغم من كل هذا التقدم، فإنه ما زال هناك احتمالات لاستغلال بعض المرضى من جانب بعض الأطباء. ويعتبر الطب النفسي واحدا من فروع الطب الذي يتوافر فيه احتمالات استغلال بعض المرضى من قبل بعض الأطباء، وبسبب وجود بعض الغموض والإبهام حول الدراسات التي تجرى على وظائف المخ في الإنسان، فإن هذا يجعل بعض المرضى النفسيين معرضين للاستغلال بالإضافة إلى أنه يعطي بعض الأطباء النفسيين الإحساس بالقدرة على فعل معظم الأشياء ويعتبر المرض النفسي غامضا ومرعبا كنوع من الأمراض المستعصية؛ وذلك لأنه يؤثر على جزء مهم وحيز هام من أجزاء وظائف الإنسان ألا وهي وظيفة العقلانية والقدرة على التمييز بين الأمور. وفي الموقف الذي يكون فيه المريض عاجزا عن التمييز بين الأمور،  وفاقدا للعقلانية فإن هذا الموقف يكون فرصة سانحة لبعض الأطباء أو بعض المهنيين في مجال الطب النفسي لاستغلال مرضاهم. وقد يكون ذلك الاستغلال أيضا من جانب السياسيين أو الأحزاب السياسية أو من رجال الصناعات الطبية أو من الإداريين أو حتى من جانب أسر بعض هؤلاء المرضـى النفسيين. ولذلك فليس من المستغرب أن تقوم الجمعيات النفسية في كل أنحاء العالم بتطوير ووضع الدساتير الأخلاقية المهنية في هذا المجال من الطب، بحيث تهدف هذه الدساتير للأخلاقيات تهدف إلى حماية المرضى النفسيين للحماية من احتمال استغلالهم من بعض المهنيين في مجال الطب النفسي بالإضافة إلى أن هذه الدساتير والقوانين تحمي الأطباء النفسيين أنفسهم من الإحساس بقدرتهم على فعل الكثير من الأشياء.
لقد تقدمت التكنولوجيا والعلم تقدماً أذهل الجميع، وأصبحت الحياة أسهل كثيراً بفضل هذه التكنولوجيا ولكم نسينا في غمرة هذه الحضارة المعاصرة شيئاً هاماً، وظهرت فجوة في حياة الإنسان، وهى خلوها من المرجعية العقائدية والأخلاقية، لقد اختزل الإنسان كآلة صماء، ومعادلات كيميائية وخضع للقوانين العلمية مما جعله "رقم" أو إنسان آلي يتحرك حسب نزوات القادة.
لقد تغيرت الأخلاق في عالمنا بتأثير الفضائيات والعولمة وبعد أن كان القول أن الفضيلة تواكب العلم، أصبح العلم مناراً للاستهتار بالنفس البشرية، ولا ننسى كتاب حديقة الحيوان البشرية عندما كتب عالم الاجتماع ديزموند موريس أن الحيوان في الغابة تختلف أخلاقه عندما يودع في أقفاص حديقة الحيوان، فهو في الغابة شهماً، كريماً، لا يهاجم فريسة إلا إذا كان جائعاً، ولكنه قد يهاجم مدربه  أومن يطعمه في حديقة الحيوان فكبت الحريات والكبت والاستبداد تولد أخلاقيات مختلفة، ويذهب الكاتب في أن الإنسان المعاصر  يعيش في الأغلال والأسوار السياسية وأن نظم الحكم في العالم تختزل الإنسان في إعطائه بعض حاجاته الأساسية ولكنه عليه إتباع تعليمات القادة، ولا ننسى ذلك في دول العالم النامية والتي تحكم بواسطة أنظمة تتميز بالفساد، وعدم الشفافية، أو عدم المساءلة والحكم الدائم مما سبب انهيارا في الأخلاقيات والاتجاه إلى إيثار الذات، وعدم التضحية من أجل الغير والمنافسة القاتلة، وانعدام روح المحبة والتسامح.
إن ما تفعله شركات الأدوية العملاقة مع الأطباء والمرضى لهو جريمة كبرى تسمح بها العولمة، فهي تتحكم في سوق الدواء، وحالياً يتكلف اختراع عقاراً جديداً ما يوازى مليار دولار، والشركة تريد أن تسترد مالها، فلن تخترع دواء للملاريا أو الدرن، أو الجذام لأن هؤلاء المرضى لن يستطيعوا إعادة رأس المال، وهنا يكون الاتجاه لاختراع عقاقير أخرى للضعف الجنسي، للسمنة، لتأجيل الشيخوخة وحتى اختراعها للعقاقير النفسية المكلفة الجديدة فقد غسلت مخ الأطباء ونسوا العلاجات الرخيصة والتي ثبت أخيراً فاعليتها وأن خطورة الأعراض الجانبية التي زايدت عليها شركات الأدوية في إنتاج العقاقير الجديدة توازى في شدتها الأعراض الجانبية للعقاقير الجديدة.
ونظرا لكثرة التحديات التي يواجهها الممارس للطب النفسي في محاولته مداواة مرضاه ولتعدد الأطراف التي قد تحرف تلك المهنة عن مسارها وعن الأخلاقيات التي يجب أن تحكمها فقد عملت الجمعية العالمية للطب النفسي على إصدار ميثاق شرف للمهنة يحكم ممارستها ويحدد حقوق وواجبات المعالج في كل أنحاء العالم.. وهي مهمة ليست يسيرة إذا أخذنا في الاعتبار أن الأخلاقيات هي أكثر ما يتأثر بالثقافة السائدة ومن ثم فقد كان من الصعوبة بمكان أن يصل أطباء النفس في العالم إلى صيغة تحترم عالمية حقوق الإنسان وتتجنب الانتقائية غير المنصفة لسياسات العولمة دون أن تبخس في ذلك المريض حقه أو تطمس الهوية الثقافية لكل شعب من شعوب العالم. 
من هاواي إلى مدريد.. رحلة بحث عن ميثاق أخلاقي عالمي للطب النفسي
اعتمدت الجمعية العالمية للطب النفسي في عام 1977 إعلان هاواي الذي تضمن هاديات للأخلاقيات المطلوبة في ممارسة الطب النفسي، ولقد أعيد تحديث هذا الإعلان في فيينا عام  1983 وكان السبب في ظهوره سواء استعمال الطب النفسي لأغراض سياسية في الاتحاد السوفيتي، حيث يطلق على المعارضين أنهم مرضى نفسيين.. ونظراً للتغييرات والتطورات التي حدثت في التوجهات الاجتماعية المتعلقة بمهنة الطب النفسي، فلقد قامت الجمعية العالمية للطب النفسي بإعادة فحص ومراجعة بعض المعايير الأخلاقية في ممارسة المهنة، ووضعت المبادئ العامة التالية:
الطب فن وعلم، وتظهر آليات التفاعل بين العلم والفن كأوضح ما يكون في الطب النفسي – هذا النوع من الطب المتخصص في رعاية وحماية هؤلاء الذين يعانون المرض والعجز بسبب الاضطرابات النفسية.
لاشك إن هناك حاجة عالمية للتعامل الأخلاقي وللمراجعة المستمرة للمعايير الأخلاقية رغم الفروق الحضارية والاجتماعية والقومية.. يجب أن يكون الممارسون لمهنة الطب وخصوصاً أطباء النفس واعين بالمضامين الأخلاقية لدورهم كأطباء علاوة على الاحتياجات الأخلاقية الخاصة بالطب النفسي.. يجب على أطباء النفس – كأفراد في المجتمع – أن يدافعوا عن العدل والمساواة في معالجة مرضى النفس وأيضا عن العدل الاجتماعي والمساواة بين الجميع.. وهنا نؤكد على أن السلوك الأخلاقي يعتمد على الموقف الشخصي للطبيب النفسي وإحساسه بالمسئولية تجاه المرضى ويعتمد أيضا على معاييره الشخصية في تحديد ما هو صائب ومناسب.
نحن نعرف أن وضع معايير أخلاقية وعمل قوانين للتعامل والدراسات الأخلاقية ودور القانون لا يضمن الممارسة الأخلاقية في مهنة الطب.. وهنا لابد أن يتذكر الطبيب النفسي –دائماً- أن هناك حدوداً بينه وبين مريضه ويجب أن يكون التزامه المبدئي الأول هو احترام المرضى والاهتمام بمصلحتهم والتعامل معهم كبشر متكاملين.
وبهذه الروح، اعتمدت الجمعية العالمية للطب النفسي في اجتماع الجمعية العمومية في 25 أغسطس 1996 المعايير الأخلاقية الآتية لتحكم تعاملات أطباء النفس في العالم.
1.  الطب النفسي هو النظام الطبي الذي يعتني بتقديم أفضل علاج لمرضى النفس وتأهيلهم وتحسين الصحة النفسية، ويخدم أطباء النفس مرضاهم بتقديم علاج متاح يتماشى مع المعلومات العلمية المتفق عليها والقواعد الأخلاقية، ويجب على أطباء النفس استخدام العلاجات التي تتدخل بأقل قدر ممكن في حرية المريض، ويجب عليهم البحث عن النصيحة في المجالات التي لم يتلقوا فيها خبرات سابقة ويجب على أطباء النفس عند قيامهم بذلك أن يكونوا واعين ومهتمين بالتخصيص العادل للموارد الصحية.
2.  على الطبيب النفسي أن يهتم بالتطوير العلمي للتخصص ونقل المعلومات الحديثة للآخرين، وعلى أطباء النفس في مجال البحث توسيع النطاق العلمي للطب النفسي.
3.  يجب تقبل المريض كشريك في العملية العلاجية، تقوم العلاقة بين المعالج والمريض على أساس من الثقة والاحترام المتبادل تسمح للمريض باتخاذ قرارات حرة وبناء على معلومات صحيحة. وواجب الطبيب النفسي أن يقدم للمريض كل المعلومات ذات الصلة ليتمكن المريض من الوصول إلى قرار عقلاني طبقاً لقيمه واختياراته.
4.  على أطباء النفس  -إذا كان المريض عاجزاً عن الحكم الصحيح بسبب مرضه- أن يستشيروا العائلة أو يبحثوا عن لجنة قانونية مناسبة لحماية الكرامة الإنسانية والحقوق القانونية للمرضى، ويجب عدم إعطاء علاجات ضد إرادة المرضى إلا إذا كان توقف العلاج سيعرض حياة المريض أو المحيطين به للخطر، وفي كل الأحوال  - يجب تقديم أفضل علاج متاح بالنسبة للمريض.
5.  يجب على أطباء النفس – عند طلب تقييم حالة مريض – إخبار الشخص المفحوص ونصحه منذ البداية عن الغرض من هذا التقييم واستخدامات نتائجه وتأثيراته اللاحقة الممكنة، ولهذا أهمية خاصة خصوصاً في المواقف المتعددة الأطراف كالطب النفسي الشرعي.
6.  ينبغي أن تبقى المعلومات التي تم الحصول عليها من العلاقة العلاجية سراً، ولا يستخدم إلا بغرض تحسين الصحة النفسية للمرضى، ويعتبر ممنوعاً على أطباء النفس استخدام تلك المعلومات لأسباب شخصية أو لفائدة مادية أو أكاديمية ويمكن تخطى هذه السرية فقط في حالة ما إذا كان هناك ضرراً جسدياً أو نفسياً للمريض أو لشخص ثالث ممكن حدوثه إذا استمرت هذه السرية وعلى أطباء النفس –في مثل هذه الظروف-نصح المريض أولا عن طبيعة العمل الذي سيقومون به إذا كان ذلك ممكناً وكذلك إذا كان الأمر يتعلق بأذى للأطفال.
7.  البحث العلمي الذي لا يتم وفقاً للقواعد العلمية هو عمل غير أخلاقي ويجب اعتماد النشاطات العلمية من لجنة مؤسسية مناسبة تحكم على الجوانب الأخلاقية للنــشاط، ويجب أن يتبع أطباء النفس القواعد الدولية والمحلية المنظمة للتعامل في الأبحاث العلمية، ويقوم بعمل الأبحاث ويديرها الأفراد المدربون على عمل الأبحاث دون سواهم، ولأن مرضى النفس معرضون بشكل خاص ليكونوا موضوعاً للبحوث فيجب الوضع في الاعتبار محاذير كثيرة لحماية تفردهم واستقلالهم.
قواعد خاصة بمواقف محددة:
لقد أدركت لجنة الأخلاقيات في الجمعية العالمية للطب النفسي التي شرفت برئاستها لمدة تسع سنوات الحاجة لتطوير عدد من الخطوط الإرشادية في مواقف معينة. النقاط الخمس الأولى قد تم إقرارهم في الجمعية العمومية في مدريد، أسبانيا في 25 أغسطس، 1963، وفي الجمعية العمومية في هامبورج، ألمانيا في 8 أغسطس 1999 ثم في يوكوهاما باليابان عام 2002 وأخيراً بالقاهرة 2005.
قتل الرحمة:
تحسين الصحة، وتقليل المعاناة وحماية الحياة هو واجبات الطبيب النفسي –هناك بعض المرضى الذين يعانون من عجز شديد بخصوص اتخاذ قرارات بناء على معلومات صحيحة- وفي مثل هذه الحالات يجب توجيه رعاية خاصة لأي عمل قد يؤدى إلى وفاة من لا يستطيع حماية نفسه بسبب إعاقته، ويجب أن يعي الطبيب النفسي أن رؤية المريض قد تكون مشوهة مثل بعض حالات الاكتئاب وفي مثل هذه المواقف فإن دور الطبيب النفسي هو معالجة المرض وليس في المساعدة في إنهاء حياة المرضى.
التعذيب :
لا يجب أن يشارك أطباء النفس بأي عملية تعذيب بدني أو عقلي حتى لو حاولت السلطات إجبارهم على المشاركة في مثل هذه الأعمال وعندنا أمثلة صارخة في الأراضي الفلسطينية وكذلك في معتقل جوانتانامو.
عقوبة الإعدام:
لا يجب على أطباء النفس – تحت أي ظرف المشاركة في الإعدام القانوني أوفي تقييم الأهلية للمحكوم عليه بالإعدام أي بالسماح بأن حالة المريض قد تحسنت ويستطيع تلقى عقوبة الإعدام.
انتقاء الجنس:
يجب ألا يشارك الطبيب النفسي –تحت أي ظرف- في قرار إنهاء الحمل من أجل انتقاء الجنس ويحدث ذلك في الصين حيث لا يسمح إلا بإنجاب طفل واحد والكثير يفضل الذكور.
نقل الأعضاء:
دور الطبيب النفسي هو توضيح المواضيع المحيطة بالتبرع بالأعـضاء والنصح معتمداً معلومات صحيحة ومناسبة لكل الأطراف. يجب ألا يكون أطباء النفس وكلاء عن المرضى في اتخاذ القرارات ويجب عدم استخدام المهارات العلاجية للتدخل في قرار المريض في مثل هذه الأمور ودور أطباء الـنفس هو حمـايـة المـرضـى ومساعدتهم على ممارسة أعلى درجات ممكنة من التحكم الشخصي والدافع الشخصي في مجالات نقل الأعضاء.
الأطباء النفسيون ومخاطبة وسائل الإعلام:
·        تلعب وسائل الإعلام دوراً رئيسياً في بلورة اتجاهات المجتمع ففي كل أشكال الاتصالات مع وسائل الإعلام يكون لزاماً على الطبيب  النفسي أن يتأكد من أن الأشخاص المصابون بمرض نفسي يتم تقديمهم بصورة تحفظ لهم كرامتهم وكبريائهم وبما من شأنه أن يقلل الوصمة والتمييز ضدهم.
·                    يقوم الطبيب النفسي بدور مهم في مساندة هؤلاء الذين يعانون مرض نفسي.
·        بما أن الوعي العام بالأطباء النفسيين والطب النفسي ينعكس على المرضى فعلى الطبيب النفسي – خلال ا اتصال له بوسائل الإعلام – أن يمثل الطب النفسي بكل كرامة.
·        لا يشارك الطبيب النفسي في تصريحات لوسائل الإعلام عن الحالة النفسية المرضية المفترضة لأي شخص لأنه إذا تم فحصه لا يصح الإفشاء وإن لم يتم فلا يصح التكهن.
·        في حالة تقديم نتاج أبحاث علمية لوسائل  الإعلام، فيجب على الطبيب النفسي ان يضمن التكامل العلمي للمعلومات المعطاة وان يكون متنبهاً للتداعيات المحتملة لهذه التصريحات على إدراك الرأي العام عن المرض النفسي  وعلى مصالح المصابون بمرض نفسي.
7. أطباء النفس والتمييز العرقي والثقافي:
إن قيام الطبيب بالتمييز بين المرضى عل أساس عرقي أو ثقافي أو ديني أو جنسي مباشرة أو بمساعدة آخرين يعد عملاً لا أخلاقياً لذا فأطباء النفس لا ينبغي أبدا بشكل مباشر أو غير مباشر أن يشاركوا أو يقرروا أي نشاط يتعلق بالتطهير العرقي.
8. أطباء النفس والبحث العلمي والاستشارات العلمية في مجال علم الوراثة:
يتزايد البحث العلمي عن الأساس الوراثي للمرض النفسي بسرعة كبيرة ويشارك كثير من الأشخاص المصابون بأمراض نفسية في مثل هذه الأبحاث.
يجب على أطباء النفس المشاركين في البحث والاستشارات العلمية في مجال علم الوراثة أن يكونوا على وعى بحقيقة أن مضامين هذه المعلومات لا تقتصر على الأشخاص الذين حصلوا منهم عليها، والإفصاح عنها يمكن أن يسبب آثار سلبية ومشتتة على عائلات ومجتمعات الأشخاص المعنيين لذا فعلى الأطباء أن يحرصوا على:
·        الناس والعائلات المشاركون في البحث العلمي الوراثى يفعلون ذلك بعد موافقة كاملة تتضمن كل المعلومات المتاحة.
·        أي معلومات وراثية في حوزتهم يتم صيانتها بكفاءة من أي اختراق غير رسمي أ وسوء تفسير أو سوء استخدام.
·        يجب التنبيه أثناء التواصل مع المرضى والعائلات على أنهم على بينة واضحة بأن المعلومات الوراثية الحالية غير كاملة ومن الممكن أن تتغير باكتشافات مستقبلية.
·                    يجب على الأطباء النفسيين ألا يحيلوا الناس إلى جهات خدمية بغرض اختبار وراثي تشخيصي إلا إذا توفر:
1.                 توكيد الجودة يكون واضحاً ومرضياً لإجراء مثل تلك الاختبارات.
2.                 موارد كافية وسهلة الوصول إليها من اجل المشورة الوراثية.
·        الاستشارات الوراثية المتعلقة بتنظيم الأسرة أو الإجهاض يجب أن تحترم معتقدات المريض مع تزويد المريض بمعلومات طبية وطب نفسية كافية تساعده في اتخاذ القرارات الأفضل بالنسبة له.
9. أخلاقيات العلاج النفسي في الطب:
·        يجب أن تتم إدارة أي نوع من العلاجات الطبية مهما كانت طبيعته بشروط ممارسة جيدة فيما يتعلق بمواعيدها، فعاليتها، سلامتها وجودتها الموثقة.
·                    العلاج النفسي بمفهومه الواسع، هو مكون مقبول من المكونات العديدة من التداخلات الطبية.
·        وبشكل مخصص وأكثر تحديدا فإن العلاج النفسي يستغل التقنيات المتعلقة بالـتواصل الشفهي وغير الشفهي من اجل تحقيق أهداف علاجية معينة وأثناء رعاية اضطرابات معينة.
·        يجب على الأطباء النفسيين ممن يقدمون تكنيكات معينة من العلاج النفسي، أن يكونوا قد تلقوا التدريب الكافي على مثل هذه التقنيات ويتم تطبيق الهاديات العامة التي تطبق في أي علاج طبي على بعض الإشكال الخاصة في العلاج النفسي كدواعي استعماله ونتائجه، سلبية أو إيجابية.. وتعد فعالية العلاج النفسي وموضعه في خطة العلاج من المواضيع الهامة للباحثين والأطباء.. ويعتبر العلاج النفسي بواسطة أطباء النفس نوعاً من العلاج للأمراض النفسية وغيرها وأيضا للمشاكل العاطفية.
·        يتم تحديد العلاج الذي سيتم استخدامه بالتوافق بين الطبيب والمريض وعائلته أو الأوصياء عليه، بعد القيام بأخذ تاريخ مرضى وفحص دقيقين، باستخدام كل الأبحاث المعملية والإكلينيكية ذات الصلة.
·        يجب أن تكون الطريقة المتبعة خاصة بالمرض وباحتياجات المريض وتراعى العوامل الشخصية والعائلية والدينية والثقافية للفرد، وأن تكون أيضا مرتكزة على بحث علمي صحيح وحكمة إكلينيكية وتهدف إلى إزالة، تعديل أو تقليل الأعراض المرضية أو أنماط السلوك المضطربة.. ويجب أن ترتقي بالتكيف الايجابي الذي يتضمن تطوره الشخصي وتنميته.
·        يجب على أطباء النفس وغيرهم من المعالجين المسئولين عن مريض ما أن يحرصوا على أن يتم تطبيق الهاديات بشكل كامل.. لذا، يجب على أطباء النفس أو غيرهم من الإكلينيكيين  المؤهلين، أن يحددوا دواعي اللجوء للعلاج النفسي ويتتبعوا تطوراته.. وفي هذا الإطار فان الفكرة الأساسية هي أن العلاج هو النتيجة المنطقية للتشخيص وهما معاً أفعال طبية يتم القيام بها لرعاية شخص مريض.
·                    ويتشابه هذان المستويان من القرارات، التداخلات والمسئوليات مع حالات أخرى في الطب الإكلينيكي، وهذا لا يستبعد تداخلات أخرى مثل إعادة التأهيل والتي من الممكن أن يقوم بها أشخاص لا علاقة لهم بالطب.
·        مثل أي من طرق العلاج الأخرى في الطب، فان وصف العلاج النفسي يجب أن يتبع هاديات مقبولة للحصول على موافقة تتضمن كل المعلومات المتاحة قبل بدء العلاج، وتجديدها خلال فترة العلاج إذا تم تغيير أهداف ومقاصد العلاج بشكل ملحوظ.
·        إذا اقتضت الحكمة الإكلينيكية، وطرق الممارسة الطويلة والراسخة (التي تأخذ في الاعتبار العناصر الثقافية والدينية) مع وجود دلائل علمية توصى بفائدة إكلينيكية إذا اقتضى كل ذلك دمج العلاج الدوائي مع العلاج النفسي فيجب أن يوضح هذا للمريض ومناقشته باستفاضة.
·        يستكشف العلاج النفسي الأفكار الجوهرية الحميمة، والمشاعر والخيالات الجامحة وهو بهذا يحدث طرحاً وطرحا مضاد. فإن توازن القوى – في علاقة العلاج النفسي- بين الطبيب والمريض يكون غير متكافئ، ولا يصح تحت أي ظرف أن يستغل الطبيب النفسي هذه العلاقة  من اجل تحقيق مصالح شخصية أو انتهاك العلاقة المهنية المنصوص عليها.
·        يجب إبلاغ المريض–عند بداية العلاج النفسي– إن المعلومات التي سوف يتم طرحها والسجلات الطبية سوف يتم حفظها بسرية تامة إلا إذا أعطى المريض موافقة (تتضمن معرفته بكل المعلومات المتاحة) لإعطائها لطرف ثالث، أو إذا أمرت المحكمة بلزوم الإبلاغ عن الحالات مثل حالات الإساءة إلى الأطفال.
10. صراع المصالح في العلاقة مع الصناعات الدواية:
بالرغم من أن معظم الهيئات والمؤسسات بما فيها (الجمعية العالمية للطب النفسي) لها قواعد ونظم محددة تحكم العلاقة مع الصناعة والهيئات المانحة، فإن الأطباء كأفراد غالباً ما يرتبطون في تعاملات مع الصناعة الدوائية، أو الهيئات المانحة الأخرى وقد يؤدى ذلك إلى صراع أخلاقي. وفي هذه المواقف، على الطبيب النفسي أن يكون منتبهاً وان يطبق الهاديات الآتية:
·        يجب على الطبيب النفسي أن يحاذر بشدة من قبول الهدايا التي من شأنها أن يكون لها تأثير غير ملائم عل العمل المهني.
·        يلتزم الأطباء النفسيين الذين يجرون تجارب إكلينيكية بإبلاغ هيئة المراجعة الأخلاقية والمشاركين في البحث عن مواضيع أبحاثهم وتمويلها والتزامات تعاقدهم والمنافع العائدة على الجهات الممولة لدراساتهم.
·        يجب بذل كل جهد من اجل تيسير وجود هيئات مراجعة تتكون من باحثين وعلماء أخلاقيات وممثلون عن المجتمع من اجل تأكيد حماية حقوق الأشخاص محل البحث العلمي.
·        يجب أن يتأكد الأطباء النفسيين الذين يجرون تجارب إكلينيكية من أن مرضاهم يفهمون كل النواحي المتعلقة بموافقتهم (المشروطة بمعرفتهم بكل ما هو متاح)، وان المستوى التعليمي أو الثقافي للمريض لا يمثل تبريراً لتجاهل هذا الالتزام. إذا كان المريض غير مؤهل(قانونياُ) فإن نفس القواعد يتم العمل بها عند الحصول على الموافقة التي تتضمن كل ما هو متاح ممن يحل محله في اتخاذ القرار، فإن الأطباء النفسيين يجب أن يكونوا على علم بأن النفوذ التجاري الخفي على تصميم التجربة والترويج لتجارب دوائية بدون قيمة علمية، وخرق الخصوصية وبنود التعاقد المقيدة الخاصة بنشر النتائج، كل ذلك –بطرق مختلفة- من شأنه  أن ينتهك حرية العلم  والمعلومات العلمية.
11. النزاعات التي قد تنشأ مع الأطراف المانحة:
·        إن التزام المؤسسات نحو المساهمين أو رجال الإدارة بشأن مضاعفة الأرباح وتخفيض النفقات من الممكن أن يكون متعارضاً مع مبادئ الممارسة للمهنة، لذا فعل الأطباء النفسيين العاملين في مثل هذه الهيئات المحتمل حدوث تعارض فيها أن يتمسكوا بحق المرضى في أن يحصلوا على أفضل العلاجات الممكنة.
·        توافقاً مع قرار الأمم المتحدة رقم 46/119 عن مبادئ حماية الأشخاص المصابين بمرض نفسي، يجب على الأطباء النفسيين أن يعارضوا ممارسات التمييز التي تحد من مزاياهم وتنكر عليهم المساواة وتحد من مجال العلاج كما تقلل من فرصتهم للحصول على علاجات لائقة مناسبة للمرضى.
·        يجب أن تكون الاستقلالية المهنية في تطبيق أفضل هاديات للممارسة والحكمة الإكلينيكية لدعم مصالح ورفاهية المريض لها الأهمية الأساسية للطبيب النفسي، وانه من واجب الطبيب النفسي أيضا صيانة الخصوصية السرية للمريض كجزء من الحفاظ على إمكانيات الشفاء من خلال علاقة الطبيب والمريض وحرمة هذه العلاقة.
12. انتهاك الحقوق الإكلينيكية والثقة بين الأطباء النفسيين والمرضى:
·        قد تكون العلاقة بين الطبيب النفسي والمريض هي العلاقة الوحيدة التي تسمح باستكشاف الجزء الشخصي والعاطفي العميق للفرد ويتم هذا بموافقة المريض.
·        وفي طيات هذه العلاقة، فإن احترام الطبيب النفسي لكرامة وإنسانية المريض يقيم قاعدة من الثقة والتي تكون أساسية في خطة العلاج المتكاملة.
·        تشجع مثل هذه العلاقة المريض على استكشاف مراكز القوى والضعف والرهبة والرغبات الكامنة بعمق في داخله والكثير منها قد يكون متعلقاً بالنشاط الجنسي.
·         تضع هذه المعرفة بخصائص المريض الطبيب النفسي في مكان أقوى يمنحه له المريض في إطار ما يتوقعه من الثقة والاحترام.
·        إن استغلال هذه المعرفة للتأثير والتلاعب بمخاوف ورغبات المريض المتعلقة بالجنس من اجل التواصل الجنسي معه هو انتهاك للثقة بغض النظر عن قبول المريض.
·        إن الموافقة أو القبول –في العلاقة العلاجية- من جانب المريض أو المريضة تعتبر فاسدة وباطلة وذلك نظراً للمعلومات التي يتملكها الطبيب النفسي بخصوص المريض والتي تمنحه سلطة خاصة تجعل هذه الممارسة –حتى بموافقة المريض- استغلالا له.
·        يمكن للقوى الجنسية الكامنة في كافة العلاقات أن تظهر في طيات العلاقة العلاجـية، وإن لم يتمكن الطبيب من التعامل معها كما ينبغي فمن الممكن أن يحدث هذا ألما نفسياً مبرحاً للمريض، ويكون الألم اشد إذا قام الطبيب باستخدام عبارات الإغواء أو غيرها من السلوك غير الشفهي غير الملائم.
·        لذا فلا يصح أبدا تحت أي ظرف من الظروف أن يتورط الطبيب في أي سلوك يتعلق بالجنس بغض النظر عن من يبدأ هذا السلوك، سواء المريض أو الطبيب المعالج.
تم الموافقة علي هذه الهاديات الجديدة في الجمعية العمومية للجمعية العالمية للطب النفسي في القاهرة 12 سبتمبر 2005.
13. حماية حقوق أطباء النفس:

1-       يحتاج الأطباء النفسيين إلى حماية حقوقهم للتعايش مع التزامات مهنتهم وتوقعات الرأي العام منهم بعلاج مرضاهم والدفاع عن رفاهيتهم.

2-       يجب على الأطباء النفسيين أن يكون لهم الحق في ممارسة تخصصهم على أعلى مستوى من الامتياز، بتقديم تقييم مستقل للحالة النفسية للأشخاص ووضع خطة علاج فعال، وبروتوكولات علاجية متمشياً مع أفضل ممارسة وقائماً على الطب المرتكز على أدلة علمية سليمة.

3-       في تاريخ الطب النفسي وفي بعض النظم السياسية الشمولية الحالية وبعض النظم التجارية الهادفة للربح، هناك سمات تزيد من تعرض أطباء النفس إلى إساءة استخدامهم بمنطق إذعانهم إلى الاستجابة إلى طلبات غير ملائمة لتقديم تقارير طبية غير دقيقة والتي تساعد النظام ولكنها تؤذى مصالح الشخص الذي تم كتابة التقرير عنه.

4-       يشارك أطباء النفس مرضاهم في وصمة العار وبالتبعية من الممكن أن يكونوا ضحايا لممارسات التمييز. إن حق والتزام أطباء النفس في ممارسة مهنتهم وفي دفاعهم عن الاحتياجات الطبية والحقوق الاجتماعية والسياسية لمرضاهم يجب أن يتم دون معاناة من النبذ من المهنيين أو السخرية في وسائل الإعلام والاضطهاد.

14. الإفصاح عن الإصابة بمرض ألزهايمر وأنواع العته الأخرى:
أصبح من حق مريض ألزهايمر في المعرفة أولوية راسخة، يدركها كل العاملين في مجال الرعاية الصحية. حيث يريد معظم المرضى معرفة كل المعلومات المتاحة، ويريدون أيضا المشاركة بفاعلية في اتخاذ قرارات علاجهم، وفي نفس الوقت فللمرضى الحق في عدم المعرفة إذا كانت هذه رغبتهم. ولذا يجب إعطاء الفرصة للكل للمعرفة بالقدر الذي يريدونه.
يزيد التغيير الذي يحدث في الوظائف المعرفية من صعوبة الحكم على الأشياء والاستبصار. ولذا يصاحب أحد أفراد الأسرة –عادة- المريض بمرض الخرف ويكون داماً ضمن العلاقة بين المريض والطبيب كطرف ثالث.
يحتاج كل المشاركين في مسئولية محاربة والتأقلم مع مرض الزهايمر (الأطباء، المرضى والأسرة) لسنوات إلى وسائل للوصول إلى المعلومات الخاصة بالمرض والذي يتضمن أيضا التشخيص.
بالإضافة إلى حق المريض في المعرفة، فهناك فوائد عديدة لإخبار المريض أو/ والأسرة بالتشخيص في اقرب وقت ممكن أثناء المرض.. ومن المفيد جداً تدخل الأسرة أو الراعي غير الرسمي في مناقشة عملية الإفصاح عن المرض.
يجب على الطبيب إعطاء معلومات يعتمد عليها ودقيقة مستخدماً لغة بسيطة ويجب عليه أيضاً تقييم مدى تفهم المريض والأسرة للموقف.
يجب أن يصاحب الإبلاغ عن أخبار سيئة – كما هو معتاد- معلومات عن العلاج وخطته. كما يجب إعطاء معلومات عن العلاج البدني وعلاج التخاطب ومجموعات المساندة، ومراكز الرعاية النهارية والتداخلات الأخرى.
يجب التركيز على أن إدراك وجود شبكة أسرية يخفف من العبء الملقى على عاتق من يرعى المريض ويحافظ على جودة الحياة لأطول فترة ممكنة.
15. المسئوليات المزدوجة لأطباء النفس:
تنشأ هذه المواقف كجزء من العمليات القانونية (على سبيل المثال/ الأهلية للمحاكمة، المسئولية الجنائية، الخطورة، القدرة على عمل وصية) أو الاحتياجات الأخرى التي تتطلب الأهلية مثل محكات التأمين عندما يتم تقييم ادعاءات التعويض، أو محكات العمل عندما يتم تقييم القدرة على العمل أو الملائمة لعمل معين أو وظيفة محددة.
قد تنشأ مواقف متناقضة أثناء التداخلات العلاجية إذا كانت المعلومات الخاصة بحالة المريض من الصعب الاحتفاظ بخصوصيتها عندما تكون الملحوظات الطبية والملفات الطبية جزء من ملفات التوظيف الأكبر. وفي هذه الحالة لا تكون قاصرة على الأشخاص الإكلينيكيين المختصين بالحالة. عل سبيل المثال: العسكرية، نظم التصحيح، الخدمات الصحية للمواطنين في المؤسسات الكبرى، بروتوكولات العلاج المدفوعة من طرف ثالث.
واجب الطبيب النفسي الذي يواجه بالتزامات ومسئوليات مزدوجة –في وقت التقييم- ان يفصح للشخص المفحوص عن طبيعة العلاقة الثلاثية وغياب العلاقة العلاجية بين المريض والطبيب بجانب التزامه عن إبلاغ طرف ثالث حتى لو كانت النتائج سلبية وتحتمل التأثير السلبي لمصالح الشخص المفحوص. تحت هذه الظروف قد يختار المريض عدم الاستمرار في عملية التقييم.. بالإضافة إلى ذلك يجب على أطباء النفس الدعوة إلى فصل الملفات والى تقييد الكشف عن المعلومات والسماح فقط بالكشف عن الجزء الضروري لأغراض الهيئة ذات الصلة.
أما بعد..
ورغم تعدد البنود والمبادئ إلا أننا ندرك جميعا أن تطبيق المبادئ يحتاج إلى القدرة على فعل ذلك.. يحتاج إلى مساواة في توفر الموارد والسلطة والمعرفة.. كما ندرك أن الحقوق لا تهدى وإنما يجب أن يكون هناك من يسعى إلى الحفاظ عليها وحمايتها من سعار المصالح المتضاربة.. وإذا كنا في حاجت إلى ذلك في البلد الواحد فما بالنا بحاجتنا إليه في عالم اليوم.. لذلك فإننا نرى أنه لا بد، بل من الضروري وجود جمعيات للأخلاقيات المهنية للطب النفسي أو على الأقل جمعية واحدة بالمنطقة العربية، وذلك حتى لا يكون المريض النفسي تحت رحمة النوايا الحسنة "أو غير الحسنة" للأطباء النفسيين، وعلى أي حال فإن الدساتير الأخلاقية لابد وأن تُطَبق بلباقة وتفهُّم للعوائق المحلية؛ وذلك حتى لا تزداد صورة الطب النفسي والأطباء النفسيين سوءا على سوء. وعلى سبيل المثال نقترح على الأطباء أن يسألوا المريض: هل تفضل أن نخبرك بالتشخيص وطرق العلاج التي نستخدمها في مثل حالتك؟ أم تفضل أن نخبر أسرتك بطبيعة مرضك، وبالعلاج المناسب لحالتك؟، وتكون الأسرة في الحالة الأخيرة هي صاحبة القرار؟، وعلى أي حال فعلينا كأطباء أن نحترم رغبات مرضانا، وعلينا أن نسمح للمريض باختيار اتخاذ القرار المتمركز والمعتمد على أسرته وعائلته، إذا أراد هو ذلك، وفي هذه الحالة من اتخاذ القرار، فنحن لا نهجر ولا نتجاهل استقلال المريض وحقه في اتخاذ القرار، أو حقه القانوني في التوقيع على الموافقة المستنيرة، ولكننا في الواقع نوسع من أفقنا لمفهوم استقلال المريض، واحترام الشخص يعني، وبالأحرى، احترام قيم بيئته وثقافته، والتي تكون نابعة من أعماق نفسه، ويحملها دائما معه، وبالذات أثناء خطواته في اتخاذ القرار المناسب له ولقيمه الثقافية أيا كانت.
التحديات والمهام
كمتخصصين في الصحة النفسية نحن ملتزمون بالحفاظ على صحة مرضانا، وعلى وجه الخصوص بصحتهم النفسية.. إعلان مدريد ينص على انه على الأطباء النفسيين "أن يطالبوا بالعلاج المتساو والعادل لمرضاهم وأن يسعوا لتحقيق العدالة الاجتماعية للجميع.. ولتوفير الرعاية الصحية النفسية عالية المستوى والجودة للجميع دون تمييز.
لقد وفرت لنا العولمة عالمية التشخيص والمعرفة بقواعد العلاج والتأهيل.. كما أن التقدم العلمي في مجال الطب النفسي قد وفر الإمكانية العلاجية لما كان مستعصيا على العلاج من الأمراض.. ولازال ارتفاع معدلات العنف والحروب والتمييز العنصري المنشرين في الكثير من أرجاء العالم – والكثير منها نتيجة لسياسات العولمة الاقتصادية والعسكرية – لازالت تمثل تحديا للقائمين على الصحة النفسية والمهمومين برفع المعاناة عن البشر. إن الموقف العالمي من تلك القضايا هو ضم الأصوات من أجل إرساء مبدأ الرعاية للجميع على أساس من تكافؤ الفرص في الحصول على الخدمة الصحية ومقاومة تهميش الفئات المستضعفة التي تمثل غالبية سكان العالم.
في مواجهة تحديات العولمة يصبح من الضروري تناول أهمية التدريب المستمر لمقدمي الخدمة وإعادة توزيع الإنفاق بما يولي أولوية خاصة للخدمات الاجتماعية والتركيز على دراسة تأثير الثقافات على مفاهيم الصحة والمرض.. واحترام الخصوصية الثقافية للأفراد والشعوب دون أن يكون في ذلك مساس بحقوقهم الأساسية في توفير الرعاية واحترام معتقداتهم وتقاليدهم. 
اليوم، مع وفرة الموارد في العالم لا يوجد مجال أو عذر لحرمان البعض مما هو متوفر بسخاء للبعض الآخر... لا يوجد مجال أو عذر لطمس هوية البعض من أجل فرض هويات الأقوى والأقدر..
وفي هذا السياق فقد أصدرت الجمعية العالمية للطب النفسي، التي كنت اشرف برئاستها، إعلانا معتمدا من جمعيتها العمومية المنعقدة في يوكوهاما في عام 2002 يدعو إلى الاهتمام برفع الوعي بين الحكومات ومنظمات المجتمع المدني لضمان احترام حقوق الإنسان الخاصة بالمرضى النفسيين على خلفية من المرجعية الأخلاقية التي ارتضاها المجتمع الطبي العالمي، مشددا على كون ذلك شرطا أساسيا في تحقيق عالمية منصفة. كما نص الإعلان على أهمية إصدار الموراد التعريفية والتثقيف العام كأداة لمواجهة التبعات النفسية للعولمة ولمقاومة الوصمة والتمييز الناجمة عن الإصابة بالمرض النفسي.. كما طالب بضرورة وضع الاستراتيجيات العلمية لدعم الصحة النفسية وإرساء مبدأ الوقاية أفضل من العلاج على المستوى المجتمعي وأن يعمل الأطباء النفسيين على المساهمة في صياغة تعريف جديد لدور الطب النفسي في عالم اليوم المعولم.
ومن أجل تحقيق تلك الأهداف يجب أن يكون واضحا أن تهذيب آثار العولمة لن يتحقق سوى برفع المستوى الصحي والاجتماعي للبشر، حين تصبح الرفاهة الإنسانية وليس الربح هي مركز اهتمام واضعي السياسات العالمية.. فالعولمة التي تنجح في قطع آلاف الأميال بواسطة أحدث أشكال التكنولوجيا تبقى هشة ولا إنسانية إذا عجزت عن أن توفر الرعاية الصحية عموما والرعاية الصحية على وجه الخصوص لسكان هذا الكوكب..
خلاصة
رغم كثرتها، إلا أن فوائد العولمة ليست عالمية كما يدعي البعض.. بل أنها قد تركزت في يد حفنة قليلة من الدول الصناعية المجهزة والقادرة على أفضل استخدام للفرص المتاحة لها. وعلى العكس من ذلك فقد أدت العولمة إلى مزيد من تهميش وإفقار الكثير من البلدان النامية والفقيرة، بل وساهمت في تهديد استقرار مؤسساتها الوطنية. على تلك القوى العظمى المسيطرة على العالم بواسطة رأس المال والجيوش أن تدرك أن العولمة ليس أمرا اقتصاديا وحسب، إنها عملية تؤثر على حياة جميع البشر بشكل حقيقي. إنها عملية تدمج ما بين التكنولوجيا والثقافة وتسعى إلى الربط ما بين البشر في كل مكان. ولكي نصل إلى عولمة أو عالمية الصحة النفسية يجب علينا أن نلجأ إلى استراتيجية مختلفة تسعى إلى تطوير السياسات الاجتماعية والصحية في جميع أركان الأرض بدلا من أن تحرص على تصدير منتجات التكنولوجيا ممن يملك ويخترع إلى من لا يملك ولا يتحكم في عناصر الاختراع.. إن العالمية التي نسعى إليها لا يمكن أن تتحقق بدون إعادة توزيع موارد العالم بشكل عادل ومنصف.. دون ذلك الإنصاف والعدالة في التوزيع وتكافؤ الفرص تبقى العولمة شعارا يجمل استغلال القلة للأغلبية.. سواء في مجال الصحة النفسية أو في غيرها.   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق