الخميس، 20 يونيو، 2013

مسرحة القصص المضفرة: ديباجة* إنسانية فى مسرحية "العالم المتخاذل" لنعومى والاس




مسرحة القصص المضفرة:
ديباجة* إنسانية فى مسرحية "العالم المتخاذل" لنعومى والاس
                                             د/ بتول سمير خطاب··
                                       
لقد أحدثت هجمات الحادي عشر من سبتمبر صدعًا هائلاً في الخطاب الثقافي السائد أصاب في مقتل الثقافة العربية والتي اختزلها هذا الخطاب في قالب جامد للإنسان العربي مقترنا بالعنف والتطرف والإرهاب والتخلف حيث أصبحت الثقافة العربية مصدرًا للفوبيا (الخوف الممزوج بالكره) انطوى عليها الخطاب الغربي الحالي وكانت النتيجة أن هذا النموذج الإدراكي المعرفي الذي روجت له الحضارة الغربية الأمريكية قد حول الخطاب العربي رغمًا عنه إلى "خطاب تبريري" ما عليه إلا أن يقدم اعتذارًا  من "خطيئة" الحادي عشر من سبتمبر وهكذا أصبح ما نعني به بالحوار الحضاري المعاصر لا يدور حول إيجابيات التزاوج الثقافي بين الحضارة العربية مثلاً ومثيلتها الغربية أو كيف تؤثر خصوصية هذه في تلك بل أصبح رواج هذا الحوار الحضاري يقترن بمدى قوته وبراعته في درء اتهامات الغرب عن الثقافة العربية وتمركزت مفردات هذا الخطاب حول آليات التبرير، الاعتذار والدفاع عن النفس وهكذا ،وكما سجننا النموذج الغربي ولا يزال في صورة "الآخر"، سجننا أنفسنا ونحن لا ندري في ذات الصورة من خلال خطاب تبريري متكرر وملأت مقولات مثل "نحن بلد السلام" و "مهد الحضارات والأديان" وغيرها أدبياتنا وإعلامنا وصحفنا.
وتجلت إشكالية "الآخر" أكثر ما تجلت في مجال النقد الأدبي من خلال تهافت الباحثين على اقتباس مناهج النقد الغربية ومحاولة قولبة النصوص العربية بأية وسيلة في تلك القوالب الغربية "الغريبة" وأصبحت تلك المسألة على تزايدها سمت من سمات الوجاهة الثقافية والتفوق الأكاديمي ولم ندرك ونحن نفعل ذلك أي جرم نرتكبه في حق أنفسنا وثقافتنا وكيف نؤكد بذلك على المشروع الغربي في وضعنا في موضع الآخر والمفعول به والمُقلِد والتابع.
ومن هنا تبرز أهمية أطروحة مفكرنا العربي عبد الوهاب المسيري والذي التقط تلك الإشكالية، إشكالية التحيز الأعمى للنموذج الغربي والذي وضع الثقافة العربية وتلمس هذا الخطر المحدق بالثقافة العربية حتى من قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ويذكر المسيري "إن لكل مجتمع تحيزاته، ولكن ما حدث هو أن كثيرًا من شعوب العالم بدأت تتخلى عن تحيزاتها النابعة من واقعها التاريخي والإنساني والوجودي،وبدأت تتبنى التحيزات الغربية ثم تحيزات هذه الحضارة الاستهلاكية العالمية،وبدأت تنظر لنفسها من وجهة نظره"(1) وفي معرض نقده لتلك "التبعية الإدراكية" للغرب(2) يتساءل المسيري عن كنه هذه النماذج الغربية ومصادرها ومناخها الثقافي والاجتماعي فأي نموذج إدراكي معرفي هو وليد هذه التوليفة ولا ينفصل عنها فإذا ما انتزع منها فقد لا يصلح تطبيقه على سياقات ثقافية أخرى كالعربية مثلاً ويصبح النتاج مسخًا مشوهًا بلا هوية. ولابد أن نذكر أن منهج المسيري لا يسعى إلى الحيادية أو الموضوعية كمقابل معرفي للتحيز فلا مناص من التحيز عند تناول أية ثقافة ولكنه ينأى عن التحيز المطلق للنموذج الغربي المادي الذي طرح نفسه على أنه النموذج الأمثل وما دونه فليذهب للجحيم فالمسيري يرى أننا في حاجة ماسة إلى إبداع أشكال و بنى حضارية متعددة ومتنوعة لها خصوصيتها وتفردها دون تبعية لمركزية غربية واهية(3).
إذًا،تكمن الإشكالية هنا في طرح مناهج متعددة، ورؤى جديدة أو حتى "تحيزات متعددة" فلم لا يكون لدينا نموذجًا عربيًا خالصًا ينبثق من سياقنا الأصيل وتراثنا ومعاصرتنا أيضًا وخاصةً أننا لم نؤسس لنا حتى الآن نموذجًا خاص بنا يتعامل مع الإشكالية الخاصة بنا،ونموذجًا آخر آسيويًا وآخر أفريقيًا وهكذا وبذلك تتفتت الهيمنة الغربية المجحفة وتعمق التجربة الإنسانية وتثريها مراكز إشعاعية مختلفة.
 ولعل المسيري لم يتناول  بالتفصيل الدراسات المسرحية ولكن ثمة ترابط أو "تلباثي" بين لحظتي ميلاد ... ميلاد نموذج جديد يطرحه المسيري لمواجهة هيمنة النموذج الحضاري الغربي وميلاد رؤية جديدة أيضًا تتزامن مع ظهور المسرح العربي الأمريكي عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر والذي ينبئ بإشكاليات وتجليات وقضايا جديدة تفرض وجود نموذج مختلف للتعامل معها من خلال مفردات جديدة طازجة لا تجتر كالببغاء مفاهيم مستهلكة،هذا المسرح الغض يحاول أن يتجاوز تلك الثنائيات التي يقوم عليها الخطاب السائد بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر مثل ( الأنا والآخر والمركز والهامش وغيرها) وهي ثنائيات انتقدها المسيري لقصورها في احتواء التجربة الإ[1]نسانية الشديدة التعقيد والغموض أيضًا(4).
 تركز هذه الورقة على مسرحية "العالم المتخاذل" للكاتبة الأمريكية نعومي والاس كمثال بارز لهذا المسرح الناشئ والمسرحية تدور حول (البطل عليّ) الذي يحكي من خلال منولوج طويل يمثل الحدث الدرامي الرئيس للمسرحية مأساة العراق في ظل حرب الخليج الأولى والعقوبات الاقتصادية التي فرضتها الأمم المتحدة عليها بضغط من أمريكا. المسرحية كتبت وعرضت قبل أحداث سبتمبر ولكنها أُعيد عرضها بعد الأحداث في أمريكا ومصر (الجامعة الأمريكية) لتحقق تواصلاً عميقًا مؤثرًا مع اللحظة التاريخية التي يعيشها الواقع العربي.(5) إن القضايا التي تطرحها المسرحية تتجاوز المناهج النقدية السائدة مثل منهج "ما بعد الكولونيالية" Post Colonialism أو " التزاوج الثقافي" Inter Culturalism اللتين تمخضتا من رحم "ما بعد الحداثة" فلا يصلح أي منهما ليكون إطارًا تفسيريًا جامعًا مانعًا للمسرحية، فخطاب " ما بعد الكولونيالية" أبرز قدرة تحليلية رائعة في التحاور مع خطاب القوة والهيمنة والثقافات المهمشة ولكن تمحور التطبيق الذي غمر أغلب الكتابات النقدية حول مجموعة من الثنائيات المحدودة والمتكررة التي أضعفت من قيمة الخطاب وعممت تلك الثنائيات فأصبحت تطلق على كل ظاهرة بلا تمييز ودون التفكير في منحى بديل يدفعنا للأمام أو يطلق رؤى إبداعية وفكرية مغايرة تخرجنا من كهف الثنائية المبتور.
ومن الطبيعي أن تتلون لغتنا الثقافية بذات المفاهيم فأصبحنا سجناء قابعون في فلك مفردات مُقيدة مثل ( الأنا والآخر والأبيض والأسود والمركز والهامش وغيرها) وبالتالي ظل خطاب (ما بعد الكولونيالية) أسير تلك المرارة المظلمة التي خلفها المُستعمِر لدى المُستعمَّر بالرغم من ذيوع أدبيات المقاومة على استحياء. وعلى الصعيد الآخر ،تبرز مدرسة مختلفة أسست لها في المسرح منهجًا خاصًا وهي مدرسة (التزاوج الثقافي) وتنطلق من فكرة اليوتوبيا الإنسانية الحالمة فاللغة الإنسانية لغة نقية عالمية مثل الموسيقى لا تعرف تحيزًا إثنيًا أو عرقيًا أو جنسيًا وبالتالي تكوّن مسرح يقوم على تكوينات وتابلوهات فنية رائعة وراقية تنطلق من لغة الجسد والإيماءة دون الخوض في إشكاليات "ما بعد الكولونيالية". والطريف أن رواد هذا المسرح من أمثال بيتر بروك وروبرت ويلسون اتجهوا إلى الشرق الأقصى وأفريقيا يقتبسون منهما أساليبهم وأشكالهم الفنية ثم يمزجونها بتقنياتهم الغربية ولذلك أُطلق عليه " مسرح التزاوج الثقافي"Intercultural Theater أما الممثلين فهم جموع من شتى أنحاء العالم وهم يتخلون عن خلفياتهم التاريخية وهويتهم العرقية ليتحولوا إلى قوارير فارغة تحمل إشارات وطقوس المخرج الإبداعية فقط، ولهذا الإسقاط المتعمد لهوية ولون وإثنية الممثل تعرض هذا المسرح،رغم نجاحه،لكثير من النقد والجدل لما اعتبر استغلال واستنزاف لفنون الثقافات الأخرى ومحاولة "أمركتها".
مسرحية "العالم المتخاذل" تقوم على فكرة التذكر واستدعاء التاريخ من خلال بطلها الأوحد (عليّ) الذي يتذكر ما حدث لأهله وصديقه في خضم الحرب والتذكر هنا يمثل استرجاع أو استحضار الذاكرة الجمعية للعراق المجروح.وعلى الرغم من قصر النص الأصلي للمسرحية فإن العرض يفجر طاقات إنسانية كامنة من خلال لغة مسرحية مكثفة ومتعددة الأبعاد ويتأرجح النص في حركة بندولية لا نهائية بين خطابي "ما بعد الكولونيالية" و "التزاوج الثقافي" دون التقيد بأحدهما ليطرح في النهاية نموذجًا خاصًا به.وتلك الحركة البندولية للمسرحية تتفق من حيث الإطار والتركيب مع النموذج البديل الذي يطرحه المسيري فهو نموذج واسع فضفاض غير عضوي(6) لأنه لا يدعي الصلابة والكمال ويقوم هذا النموذج على فكرة البحث والاجتهاد وليس الكمال والشمولية ويستلهم المسيري مفرداته من الكيمياء والفيزياء لتوصيف هذا النموذج: فذرات هذا النموذج في حالة حركة تتفاوت في سرعتها علوًا وهبوطًا وفي كثافتها أيضًا وهي ذرات تتفاعل مع بعضها البعض ولكنها لا تذوب أو تنصهر في الآخر بل تحتفظ باستقلاليتها وكينونتها دون أن تفقد علاقتها بالكل والعام وهنا تتجلى ثنائيات جديدة خلاقة مثل (الجزء والكل والخاص والعام و غيرها) كبدائل لثنائيات خطاب "ما بعد الكولونيالية" وأرى أن هذه السيولة المذبذبة لحركة الذرات في كيان متصل/منفصل تقضي على استبداد المركز وضعف الهامش، فالذرات تحل محل بعضها البعض ولا يوجد مركز/هامش ولكن صيرورة ديناميكية يتخللها فترات سكون وثبات لتطرح وتصيغ علاقات جديدة لا نهائية بين الأشياء وذلك هو الإطار الذي تتحرك فيه أحداث "العالم المتخاذل". فالمسرحية تطرح علاقات ذات مغزى بين كاتبة أمريكية ونص عن العراق، بين البطل العربي العراقي وبلده والعالم وخطاب القوة وبين الخطاب السياسي العالمي والإنساني الخاص الذي يمثل مصدر المقاومة أو "الانتفاضة" وبين التاريخ واللحظة الآنية واستشرافها للمستقبل. كل ذلك من خلال ديباجة إنسانية مُضفرة :نسيج ثري متشابك ومخزون فائض من الألم والأمل والعذابات والانتصارات والموت والبقاء. وهذه الضفائر لا تأخذ أشكال الأضداد المتنافرة ولكن التيمات المجدولة التي تتصل بالكل وتحتفظ بخصوصية الجزء ولها مساميتها وفضفاضيتها أيضًا.
المسرحية(7) تبرز من خلال (الحكي):عليّ يتذكر ويردد تلك الكلمة
 "I remember" طيلة المسرحية في محاولة لاستدعاء والاستبقاء على التاريخ الشفاهي له ولأهله لتصبح تلك الكلمة طوق النجاة الوحيد للبطل تنقذه من الضياع والتلاشي بفعل الحضارة الغربية الاستهلاكية التي تروج لثقافة النسيان أو (التناسي) Culture of Amnesia  تحت مظلة العولمة الزائفة.  ينطلق صوت الذاكرة المجَسم المُحمل بقصة عليّ وقصص الآخرين يشق أرجاء الفضاء المسرحي الفارغ مقوضًا لدعائم ثقافة النسيان الزاحفة تلك .
 وهنا تلتفت والاس على خلاف الكثير من الكتاب الأمريكيين إلى الدور الذي يلعبه التاريخ في تشكيل اللحظة الزمكانية، فالتاريخ في تصورها هو مسرح اللحظة الحالية(8) وهنا تتفق والاس تمامًا مع المسيري على أهمية مقاومة ثقافة التناسي أو منهج نهاية التاريخ End of History الذي يرتكز عليه النموذج الغربي المادي.(9)
 ونلمح أهمية التاريخ أيضًا في افتتاحية المسرحية عندما يدخل عليّ الفضاء المسرحي وهو يحمل كتابًا فوق رأسه ثم يسقط الكتاب وتتكثف عمق اللحظة الدرامية في الوجود المادي المرئي (للكتاب) على خشبة المسرح..فالكتاب هنا هو كناية مجسدة عن تاريخ العراق ورمز لثقافة بلاد الرافدين .. مركز الحضارة العربية الإسلامية ومقصد العلماء ومريدي الثقافة ... دولة المكتبات (وسقوط الكتاب) من فوق رأس عليّ هو فعل مسرحي مضاد يستدعي مشهدا تاريخيا هاما و هو كيف حرق المغول الكتب ورموها في النهر ليسحقوا بذلك الحضارة العربية ويختلط هذا الحدث التاريخي القديم مع الواقع المعاصر في لحظة مسرحية مكثفة مختزلة في (الكتاب) من خلال فعل بربري آخر لا يقل وحشية أو بشاعة عما فعله المغول من قبل  و هو ما تقوم به القوات الأمريكية من اغتيال للتراث والتاريخ .. الكتاب اذا، يصبح فاعلاً صادمًا في مسألة الفرجة باستدعائه لصور متداخلة للمغول والأمريكان.
لا تجتر والاس نفس النظرة النمطية الغربية السائدة تجاه الشرق على أنه المصدر المثير والخلاب والغامض والعنيف أيضًا فهي لا تقنع بنظرة ال ""Voyeur المتعالي المنفصل عن السياق فالعراق في المسرحية ليست محفوظة في فاترينة عرض لتلتهمها نظرات الغرب الفضولية ولكنها أرض الكتب وبلد النخيل والحمام والشعر .. وكلها صور مستوحاة من تاريخ وتراث ذلك البلد الذي تحول بفعل الحرب كما تقول إلى بلد الأشباح والبقايا بعدما هجرت الحمام الأشجار وجفت الثمار.
يسترسل عليّ في نسج وحكي القصص الإنسانية التي ترسم ملامح المسرحية فهي عبارة عن قصيدة أرجوانية اللون تشع حزنًا وأملاً .. صوتها "انتفاضي" يئن.. يتقطع..يتهدج ولكنه " لا ينطفئ أبدًا ولا يشتعل أبدًا"(10) تسكنه طاقة كامنة قادرة على المقاومة والبقاء وتتساقط من طيات هذا الصوت القصص الإنسانية الصغيرة وتتناثر في أرجاء المكان المسرحي بشكل عشوائي فتارة تتتابع الواحدة تلو الأخرى وتارة تتوازى بشكل آني مصورة (الزمن) في أشكال هندسية متنوعة وعلى الرغم من أن القصص تبدو وكأنها نغمات مبعثرة إلا أنها متناغمة مثل حبات اللؤلؤ المنثور التي يجدلها جميعًا في عقد متين : المخزون الدافق للتجربة الإنسانية تفيض حزنًا وألمًا وموتًا ولكن يتولد من قلب الضعف والانهيار صوت المقاومة كمُعادِل لصوت الحرب والاستعمار فعليّ لا يزال يتذكر زقزقة الحمام وأبيات الشعر ونكات صديقه سمير .. ولا يزال قلبه مفعم بالأمل وعلى الرغم أنه يتذكر فالتاريخ بالنسبة له تراث وحافز وليس معول هدم  يحول بينه و بين أن يحلم بمستقبل أفضل فالمسرحية في خدعة مفاجئة للجمهور تنتهي بنهاية سعيدة عندما يتحول رنين عظام الحمام الميتة في الإناء الذي يحمله عليّ إلى ريش أبيض يغمر جنبات الفضاء المسرحي كرمز للأمل والحياة.
تولي والاس التفاصيل الصغيرة في حياتنا أهمية كبيرة ترقى لمنزلة القداسة.(11) فعليّ مثلاً يضطر للاستغناء عن طيوره عندما جُنِد في جيش صدّام وجدته لقيت حتفها إثر مرض لم تجد دواء له من جراء العقوبات الاقتصادية ،والعراقيون باعوا كتبهم ثم مقتنياتهم وكل ما لديهم حتى يسدوا رمقهم ومن ضمنهم (عليّ) الذي اضطر لبيع حمامه لذات الغرض.
إن نزع القداسة عن الكون وتبديده لدى المسيري يقابله عند والاس اغتيال أحلام الناس الصغيرة وسحق تفاصيل حياتهم اليومية التي تسكنها عظمة وسحر خفي فهي ترى سحر في التفاصيل الصغيرة التي يلهو بها الخطاب الاستعماري مبددًا إياها بالرشاشات وتلك التفاصيل هي ما تنسج(12)عند المسيري "المجتمع التراحمي" الذي تتقلص رقعته بفعل الحضارة المادية الغربية.ولكنه يأبى إلا أن يبرز عند (عليّ) من خلال وفاءه لصديقه سمير وتذكره لأسرته وأهله بالعراق ولحظات حزنهم وفرحهم.. لقد فرضت عليه وحشية الحرب وحدة مفرطة حيث نراه وحيدًا مغتربًا فهو (البطل الوحيد طوال المسرحية)ولكن ذاكرته تسعفه بصورة فوتوغرافية دقيقة لا ينساها عن ذلك "المجتمع التراحمي" الصغير الذي كان يشع حبًا ودفئًا ورحمة يومًا ما ومن خلال أدوات المسرح من حركة جسدية وأداء صوتي متلون وإيماءة إستعارية تتحول أطياف الذكريات وملامح الشخوص المحكي عنها إلى تابلوهات بارزة واضحة المعالم.
يهاجم المسيري ما بعد الحداثة وكيف (شيأت) الإنسان محولةً إياه إلى (شئ مادي لا تاريخي) أو ahistorical object يلهث وراء تلبية نزعاته ورغباته المادية والجسدية فتسيدت صورة الإنسان الاقتصادي الجسماني(13) فهو إنسان يستهلك ويعبد شهواته بعد ما فقد بعده الإنساني وخضع لحتميته البيولوجية خضوعه لحتميته الاقتصادية بل وانهارت منظومته الأخلاقية فلا مرجعية له إلا ذاته ولأنه أصبح بهذا الضعف والهشاشة فإن الحضارة المادية تستغني عنه عندما لا تصبح في حاجة إليه عن طريق الاستعمار والتطهير العرقي والإبادة وهي تنويعات شتى لما يسميه المسيري فكرة " التخلص من الفوارغ"(14). تذهب والاس إلى ما ذهب إليه المسيري حول اغتيال إنسانية الإنسان بل ونزع القداسة عن جسده الذي أنهكته مطالب الحضارة الغربية فهو جسد مطواع لابد له أن يصدر إشارات المجتمع السائد الى أن يستهلك تمامًا ويتآكل تحت ترس ماكينة العمل أو آلة الحرب أو ملذاته الهوجاء أو برصاص آكلي البشر.(15)
ومن خلال فرضيات المسرح، تركز والاس على صورتين متقابلتين للجسد:أحدهما مرئية والأخرى محكي عنها والمحكي عنها هي صورة مؤلمة ومخزية لجسد سمير،صديق عليّ،الذي فتكت به مدافع الجيش الأمريكي ليتناثر قطعة قطعة في لغة بالغة التأثير دون الإغراق في ميلودراما مستهلكة .وأما الصورة المقابلة فهي رمزية تشي بالمقاومة والخروج عن المألوف عندما يطوع عليّ جسده ليأتي بإيماءات بريختية غريبة صادمة للجمهور فعليّ يحاول الوقوف على الكتاب ثم يخبئ رأسه في الكتاب، وفي مشهد آخر يبدو وكأنه سوف يأكل صفحات الكتاب وهنا تستلهم والاس فكرة بريخت عن "الحركة الدالة اجتماعيًا" أو "Gestus" أي "الحركة الجسدية التي تتخطى التعبير عن الموقف الدرامي المباشر ونفسية الشخصية الدرامية ومشاعرها لتشير إلى موقعها في البنية الاقتصادية والاجتماعية فتحدده وتعلق عليه ضمنًا"(16) وعن طريق هذا النمط الحركي المباغت،يتمرد عليّ على القيود المفروضة على جسده الذي ينطلق بما يعن له من إيماءات ويصبح الجسد المتحرر (فاعلاً) وليس مفعولاً به. وتخلق والاس إحساسًا لدى المتفرج بالاستغراب تقصد به أن تدفع الجمهور للتفكير واستلهام شعور جديد بالأشياء فنحسها ونراها بشكل مختلف،فإذا فعلنا ذلك لشعرنا بغرابة اللحظة التي نعيشها ولهزتنا بشدة كي نتحرك ونفعل شيئًا .
تعد رحلة والاس في "العالم المتخاذل" هي رحلة بحث،أشبه بما يعنيه المسيري "بالاجتهاد"(17) من أجل التقاط تلك المعجزة الإنسانية، هذا البريق الكامن الذي يربطنا جميعنا بجسور لا شعورية خفية ترقى وتسمو بالمنظومة الأخلاقية فوالاس تحاول (استنطاق) لغة (إنسانية) فريدة غير متحيزة دون السقوط في يوتوبيا وهمية أو ميلودراما مبتذلة وتظل المسرحية رحلة بحث غير مكتملة عن تلك (اللغة).
ولقد وظفت والاس مفردات المسرح من أجل ذلك فالنص مكتوب بلغة إنجليزية تتخللها كلمات وبعض الأغاني العربية لتقلقل بها سلطوية وثبات النص الإنجليزي. وتلجأ (للتناص) أيضًا لتذكرنا أن تراث الإنسانية ملك لنا جميعًا مع الاحتفاظ بخصوصية كل ثقافة فعليّ يتذكر أبياتًا من الشعر لهنري واذورث والسياب وكنفاني ومحمود درويش وكل شعراء الحب، الأبيات تتداخل وتستدعي بعضها البعض في تلاحم ثقافي "فضفاض" يتجاوز الجانب المادي الشهواني وخطاب آكلي البشر ليرقى إلى آفاق معرفية شفافة ورحبة يبزغ من خلال صوت مقاومة رصين لا ينقطع أبدًا.
وشخصية "عليّ" نفسه هي مثال للتناص والتزاوج الثقافي المستنير فهو إنسان عراقي مثقف متعقل بلا شطط.. منفتح على الثقافات الأخرى فهو يقرأ لشكسبير بالإنجليزية والعربية دون أن يفقد هويته وهو يحفظ أبيات الشعر العربي والإنجليزي ولا يزال (يتذكر) ترنيمات جدته ويرددها ويجتر مرارة وألم الماضي دون أن يقبع فيه ضعيفًا مستكينًا فهو إنسان حالم لا يزال قلبه ينبض بالأمل والحلم و (عظام الحمام الميتة) معه تتحول إلى ريش حر يطير في كل اتجاه.
ويبقى سؤال لابد أن يطرح نفسه بإلحاح وهو تلك العلاقة والمسافة الشائكة بين كاتبة أمريكية تكتب عن العراق و يترائى للذهن للوهلة الأولى أن يتوقع القارىء من كاتبة أمريكية صورة عن عراق خيالية كما تبدو في أعين المستشرقين أو أن تنحى الكاتبة منحى إنسانيًا متوسلاً العطف والتباكي على ما يحدث من الحضارة التي تنتمي إليها في حق العراق المسكين. ولكن والاس لم تأخذ أي المسلكين وانتهجت مسلكًا مختلفًا تمامًا فهى تحاول أن ترقى بذاتها متجاوزة تلك الفردية الأمريكية المطلقة وما ينطوي عليها من نرجسية وتمركز حول الذات وشعور زائف بالأفضلية. و باستعارة مفردات المسيري،  فهي تشعر أنها جزء من كل وتشعر بمسئوليتها تجاه ما يحدث وتقول أننا نعيش لحظة واحدة ننسج انتصاراتها وهزائمها معًا فمسئوليتنا مشتركة ولأنها تريد أن تتفاعل مع التجربة الإنسانية الشاملة وأن تتلمس الحقيقة بنفسها ، لم تقنع بإعلام أمريكي متحيز وأكليشيهات معبأة حول الشرق الأوسط وعزمت أن تقطع رحلة .. رحلة البحث عن الذات وعن الحقيقة فعبرت حدود القارة الأمريكية إلى الأراضي المحتلة لتستمع إلى صوت الحقيقة مباشرةً دون وساطة يتسلل لها من ثنايا حكايات الناس البسطاء والأطفال تستلهم منه إبداعها، ولأن ذات الفنان المبدع لا تنفصل عن ذات الرحالة المستكشف،فإن والاس عندما عبرت الحدود الجغرافية بين أمريكا وفلسطين بحثًا عن الحقيقة قد تخطت نفس الحدود في مسرحيتها "العالم المتخاذل" تلك الحدود الواهية الوضعية التي تفصل بين الأنا والآخر ولم تكن فقط عابرة للحدود بل اخترقتها للأعماق واستطاعت أن تتجاوز "الذات الطبيعية"(18)إلى آفاق رحبة وأن تجعل تجربتها الشخصية محركًا فاعلاً لتجربتها المسرحية في "العالم المتخاذل".
        
 خلاصة ،
إن مسرحية (العالم المتخاذل) لتطرح رؤية جديدة تتجاوز أفق " ما بعد الكولونيالية" و "التزاوج الثقافي" مقتربة من نموذج المسيري "البديل غير العضوي الفضفاض" وتبشر في الوقت نفسه بظهور منحى جديد للمسرح العربي الأمريكي الناشئ بعد هجمات سبتمبر، والمسرحية تحمل نفس هموم وآمال المسيري من إعادة بعث التاريخ والحفاظ على الهوية وتفردها وإعادة القداسة للتجربة الإنسانية. "العالم المتخاذل" وباستعارة لغة المسيري ديباجة إنسانية رصينة تبحث في تفاصيل القصص الإنسانية المجدولة عن ذلك الكنز المفعم بالأسرار، عن تلك "الرقعة" الإبداعية (الخاصة) وهذا "المجتمع التراحمي" ليحمينا من سطوة الخطاب السياسي المفرق .. هي قارورة صغيرة تفوح شعرًا وموسيقى وطيور وحلم .. تنطلق بصوت "انتفاضي" في مواجهة المدافع والرشاشات.وتظل "العالم المتخاذل" رحلة بحث عن لحظة ميلاد آتية .. معجزة إنسانية.. تمامًا مثل نموذج المسيري.. رحلة اجتهاد دءوب.
                            
وتبقى روح النموذج الفضفاض الواسع متجسدة في تلك الصورة الاستعارية التي يصف بها (عليّ) طيوره:

"My Birds, they were a mix of Christian ,Jewish and Muslim. They pulled out each other's feathers when they got a chance, Sometimes even a little blood, but mostly they got along well and rapped in the same pile."

" إن طيوري ... أخلاط من المسيحيين؛اليهود والمسلمين وقد ينتش كل منهم ريش الآخر بين الفينة والأخرى وقد تُذرّف قطرات من الدم ولكن في المجمل يألف بعضهم البعض ويتكوموا ثانيةً في نفس العش".(19)
 




















الهوامش:


*  الديباجة :كلمة عربية خالصة يعيد المسيري إحيائها وإبراز ثرائها في خدمة العلوم الإنسانية (العالم من منظور غربي،31)
·· كلية الألسن ـ جامعة عين شمس.



(1)  عبد الوهاب المسيري:العالم من منظور غربي،القاهرة،دار الهلال،2001،ص 34.
(2)  نفسه،ص 43.
(3)  نفسه،ص 255.
(4)  نفسه، ص 309.
(5)  كان أول عرض للمسرحية عام 2000 في ولاية نيوجرسي بالولايات المتحدة الأمريكية ثم توالى عرضها في لندن؛ألمانيا ومصر عام 2003 على مسرح الجامعة الأمريكية.

(6)  المسيري:العالم،ص 312.
(7)  Wallace, Naomi. The Retreating World. American Theater Journal, vol.20,no.6, 2003.
(8)  2004 "ًWallace, "Looking for Fire
(9)  المسيري:رحلتي الفكرية ،دار الشروق،القاهرة،2005،ص 411.
(10)  المسيري: العالم،ص 355.
 American Theater, vol. 20, July 2003.(11)  Wallace, "When Bad Things "
(12)  المسيري:العالم،ص 350.
(13)  نفسه،ص 158.
(14)  نفسه،ص 351.
(15)  (Wallace, "Looking for Fire")
(16)  نهاد صليحة:المسرح بين النص والعرض،مكتبة الآسرة،القاهرة،1999، ص 137.
(17)  المسيري:العالم،ص 44.
(18)  يعلق المسيري على مفهوم "الموضوعية" وما تنطوي عليه من "إسكات الكيان والوجدان" وكيف أن دخول الذات في عملية الإدراك يعد أمرًا مستثنيًا  وهو عكس ما قامت به نعومي والاس عندما زارت الأراضي المحتلة. نفسه،ص ص 31؛ 214.
(19)  ترجمتي من Wallace, Naomi. The Retreating World

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق