الخميس، 20 يونيو، 2013

الخصوصيات الثقافية والاجتماعية لنجاح تجربة بنك الفقراء فى بنجلاديش



الخصوصيات الثقافية والاجتماعية
لنجاح تجربة بنك الفقراء فى بنجلاديش
        فؤاد السعيد·
منذ حصول الدكتور محمد يونس على جائزة نوبل للسلام مؤخراً حار خبراء الاقتصاد الغربى فى تفسير النجاح المذهل الذى حققته تجربة بنك جرامين أو بنك القرى فى بنجلاديش و المعروف عربيا باسم بنك الفقراء ، اذ بدت لهم و كأنها تتحدى و تستعصى على كل تفسير اقتصادى ممكن وفقا لما استقرت عليه نظريات الاقتصاد الغربى و قواعدها و قوانينها المتعارف عليها عالميا و يبدو أن الاجابة تكمن فى أن محمد يونس و زملائه و تلاميذه من تعلموا فى مدارس علم اقتصاد الغربى  قد تيقنوا من أن نجاح مشروعهم لن يكون ممكنا الا اذا انطلق من تفهم عميق للخصوصيات الثقافية و الاجتماعية لبيئة المجتمع الاسلامى الآسيوى فى بنجلاديش ، وقد أثار هذا النجاح العديد من التساؤلات ؛ فبنجلاديش هى نموذج لواحد من أفقر المجتمعات فى العالم وأكثرها كثافة سكانية، إضافة إلى تعرضها للكوارث الطبيعية المدمرة بشكل متكرر ، فكيف قدمت واحدة من أبرز التجارب العالمية لمواجهة مشكلة الفقر اعتماداً على القروض متناهية الصغر التى تبدأ بما يوازى 10 دولارات ولا تتجاوز 120 دولاراً، بل ان التجربة طبقت و أسهمت فى حل مشكلة الفقر فى العديد من دول العالم مثل الهند و تركيا و كوسوفو ..وغيرها .
 و كيف يمكن تفسير ارتفاع نسبة سداد القروض إلى 98.85% ، وذلك على الرغم من عدم اشتراط البنك على عملائه المعدمين تقديم أى نوع من الضمان المادى من رصيد مالى أو ممتلكات ( فهى ببساطة غير موجودة لديهم أصلا ) أو حتى التوقيع على أى أوراق قانونية تثبت التزاماتهم تجاه البنك!! والأهم من ذلك أن 48% من المقترضين لم يقوموا بسداد القروض فحسب بل نجحوا عبر مشروعاتهم الريفية البسيطة فى تجاوز مستوى الفقر خلال ثماني سنوات وذلك وفقا لاسماعيل سراج الدين الذي قيد له متابعة أعمال البنك عن كتب خلال سنوات عمله كنائب لمدير البنك الدولي وكواحد من أبرز الخبراء فى التعامل مع ظاهرة الفقر على مستوى العالم. و هى ظاهرة تبدو غريبة فعلا اذا ما عرفنا أن نسبة سداد قروض الميسورين من عملاء البنوك التقليدية التى تحصل على ضماناتها كاملة  فى بنجلاديش لا تزيد عن 83% !!
      كيف استمر البنك ؟
    بدأ محمد يونس تجربته فى قرية جوبرا عام 1976 بعد حصوله على الدكتوراه فى الاقتصاد من جامعة فندربيلت الأمريكية، وفى عام 1983 تأسس البنك بشكل رسمي ويشير أخر التقارير الصادرة عن البنك.
( أغسطس 2006) إلى أن النسبة الأكبر من ملاك الأسهم(94%) هم ممن سبق لهم الحصول على القروض – ولا يزالون ومعظمهم من النساء الذين يمثلون 97% من مجموع المقترضين البالغ عددهم 6.61% مليون مقترض ويعمل حالياً من خلال 2.226 فرعا تعمل فى 71.371 قرية ويبلغ عدد الموظفين فيه18.795 موظفاُ.

     والأكثر من ذلك أن فلسفة القروض متناهية الصغر ذاتها تتعرض منذ فترة لانتقادات عديدة تشكك فى قدرتها على الاستمرار، وفى عام 2002 أشار تقرير اقتصادي نشرته صحيفة " وول ستريت " جورنال" إلى المتاعب والصعوبات التى يواجهها بنك جرامين نتيجة للمنافسة القوية من البنوك الأخرى فى بنجلاديش التي تراجعت فوائدها على القروض ، وعلى الرغم من أن هذا الانخفاض هو فى صالح المقترضين الأقل قدرة عموماً، إلا أن محمد يونس رد على ذلك بان " القروض الصغيرة لن تختفي لان الناس يحتاجون إليها ومن الظلم حرمان نصف سكان العالم من الخدمات المالية ".
     والحق أن نجاح تجربة محمد يونس بل وفهمها أصلا لن يكون ممكنا دون سبر دلالاتها الثقافية و الاجتماعية العميقة كمؤسسة للتنمية الاجتماعية تستهدف أساسا تحسين نوعية الحياة للمعدمين وإخراجهم من دائرة الفقر، وهو ما يتجاوز المفهوم التقليدى المحدود للبنك بالمفهوم الغربى ، ففى مقابل مفهوم الفقر باعتباره " أحد أشكال التجريد من القوة" فان البنك يعتمد فى عمله على مفهوم ثقافى آخر يتمثل فى " إكساب القوة للمعدمين" فى المجتمع و كسب ولائهم و انتمائهم للبنك و لأنفسهم و لآسرهم .
     وعلى الرغم من أن بنك جرامين يحرص على ألا تزيد فوائده على القروض عما تتعامل به البنوك عموماً فى بنجلاديش والتي حددتها الحكومة بـ 11% ، إلا أن استمرار التجربة ونموها المطرد لا يعود إلى ذلك المبرر الاقتصادي الجزئي فقط ، بل يعود إلى الفلسفة العامة الجديدة التي يعمل بمقتضاها البنك وطبيعة الخاصة كموسسة للتنمية الاجتماعية تستهدف أساسا تحسين نوعية الحياة للمعدمين وإخراجهم من دائرة الفقر عبر مساعدتهم على البدء بمشروع منزلي بسيط يختاره بنفسه وإدماجهم فى كيان اقتصادي –اجتماعي قوى.. وهو ما يمكن أن يفسر ارتفاع نسبة سداد القروض منقبل هؤلاء المعدمين إلى 98.85% بينما لا تزيد نسبة سداد قروض الميسورين من عملاء البنوك التقليدية فى بنجلاديش عن 83%، وذلك على الرغم من عدم اشتراط بنك الفقراء توقيع المقترض على اى أوراق قانونية تثبت التزاماته تجاه البنك. والاهم من ذلك أن 48% من المقترضين لم يقوموا بسداد القروض فحسب بل نجحوا عبر مشروعاتهم الصغيرة فى تجاوز مستوى الفقر خلال ثماني سنوات وذلك وفقا لاسماعيل سراج الدين الذي قيد له متابعة أعمال البنك عن كتب خلال سنوات عمله كنائب لمدير البنك الدولي وكواحد من ابرز الخبراء فى التعامل مع ظاهرة الفقر على مستوى العالم
 رأس المال الثقافي : الثقة
      على الرغم من أن المفكر الأمريكى اليابانى الأصل فرانسيس فوكوياما كان أول من صك مصطلح " رأس المال الثقافي" ،فربما كان محمد يونس هو أول من التفت لأهميته ووظفه بنجاح مذهل منذ منتصف سبعينات القرن الماضي. وإذا كان فوكوياما قد طبق المفهوم للمقارنة بين بعض الاقتصاديات الكبيرة، عندما لفت أنظار الاقتصاديين إلى أن احد أسباب تميز الاقتصاد اليابانى هو قوة مبدأ الثقة بين الأفراد والمؤسسات بما يقلص من الإجراءات القانونية اللازمة لإزالة الشكوك المتبادلة، وهو ذات المبدأ الذي نجده فى المجتمع الامريكى، وهو ما أنتج حركية عالية للمجتمع المدني وقدرة كبيرة للأمريكيين على تنظيم أنفسهم فى منظمات وجمعيات كان لها دور بارز فى النمو الاقتصادى ، وهو وضع معاكس لنطاق الثقة المحدود الذي لا يزال يكبل اقتصاد ضخم  كالاقتصاد الصيني، حيث تقتصر حدود الثقة على العلاقات التقليدية القديمة خاصة علاقات القرابة.
       ويبدو أن محمد يونس قد التفت مبكرا لإمكانية توظيف عامل "الثقة" كقيمة ثقافية راسخة فى المجتمع البنجلاديشى  حتى فى أوساط المعدمين ممن يستهدفهم البنك. وتبدأ الثقة من البنك نفسه بمجرد نزول القائمون على إدارته، هم أنفسهم، إلى الفقراء والمشردين والمتسولين دون انتظار لمجيئهم للبنك، وتتأكد مع تقديم القرض دون ضمانات ، ولكن البنك يضع شروطاً تقوم أيضا على الثقة، مثل طلب تزكية بعض أهالى المنطقة ممن سبق لهم الاقتراض والالتزام بالسداد، كما لا يتعامل البنك مع المقترضين كل بصفته الفردية بل يتعامل معهم ويوافق على طلباتهم للقروض باعتبارهم مجموعة متضامنة أدبيا على كلمة شرف بالتعاون فى العمل والدعم المتبادل فى الشدائد والمساندة الإنسانية المتبادلة فى سداد القروض ( دون التزام قانوني)
ويبدو أن هذه الثقة التي يفترضها البنك فى المقترضين، إضافة إلى رعايته الاجتماعية للأسر وهو ما يتجاوز دور البنك التقليدي قد قوبلت بنوع من " رد الجميل" أو لنقل أن الثقة كانت فى محلها بدليل ظاهرة الالتزام الطوعى غير القانوني بسداد القروض.   
  ويلاحظ أن الأهداف الاجتماعية والإنسانية هي التي تتيح قبول طلب الحصول على القرض كما تحدد قيمته ونسبة الفائدة التي قد تصل فى بعض الأحوال إلى حوالي 20% ولكنها تنخفض إلى 8% فى حالة القرض لترميم السكن (الأكواخ) أو لبناء سكن جديد،والى 5% إذا كانت مخصصة لتعليم الأبناء، بل وتصل إلى صفر % فى حالة القروض الموجهة المتسولين بهدف إدماجهم فى العمل.
    كما يلاحظ الجانب الاجتماعي المتمثل فى إدارة المقترضين /الملاك أنفسهم للبنك واتخاذ القرارات الرئيسية فيه،على الرغم من كونهم جهلاء معدمين، فالمبادئ الستة عشر التي ينبغي على المقترضين الالتزام بها ثم وضعها فى  " ورشة العمل القومية" التي تشكلت من مائة سيدة كن أول رؤساء منتخبين للمراكز ( يمثل كل مركز عدداً من المجموعة فى عدة قرى) وهو ما يشير إلى اعتقاد النخبة المثقفة التي طرحت مبادرة البنك (محمد يونس وزملاؤه) بعدم كفاية معرفتهم العلمية الحديثة فى مجال إدارة الاقتصاد وإيمانهم بأهمية الإنصات لحكمة الناس العاديين وإعطائهم الفرصة لإدارة شئونهم بما يتناسب مع خصوصيتهم الثقافية- الاجتماعية.
     ويتمثل هذا الإنصات أيضا فى ظهور مفهوم "التوظيف الذاتي" الذي يعنى إتاحة الفرصة للمقترض لاختيار المشروع الصغير الذي يناسبه ويعرفه ثم مساعدته على تطوير وتجسيد ذلك فى نمط المشروعات المنزلية البسيطة وتصنيع الأقمشة القطنية وحتى بيع المتسولين – السابقين لبعض السلع البسيطة أثناء تجولهم فى الشوارع أو تحركهم من باب لأخر،مع عدم اشتراط تخليهم عن التسول إلا بقرار ذاتي.
ويختلف " التوظيف الذاتي " عن النظرة التقليدية لحل مشكلة الفقر والفقراء والتي تقوم على تأسيس الدولة أو رجال الأعمال للمشروعات ثم طرح الوظائف فيها على الناس، وهو الطريق الذي يكرس الفقر من وجهة نظر محمد يونس، إذ يظل الفرد موظفا فقيراً دون أن يخوض تجربة التراكم الاستثماري بداية من مشروعه الصغير القريب إلى خبراته والى معارفه والى ثقافته.

       ولكن يبدو أن القائمين على البنك لايعتقدون بأن كل قيم الثقافة التقليدية للمجتمعات تكون بالضرورة ايجابية على طول الخط ، اذ يلفت النظر فى تجربة البنك أيضا التركيز على جانب اجتماعي هام يتمثل فى اعتماد بعض المعايير والشروط التي تنتسب للحداثة فى اختيار الأفراد الخمسة لمجموعة العمل لبعضهم البعض دون تسليم بالمعايير التي تقوم عليها العلاقات التقليدية فى المجتمع البنجلاديشى، ومن ذلك أن يقوم الاختيار الطوعى الجماعي المتبادل على معايير عقلانية وواقعية مثل التفاهم الانسانى والتقارب فى التعليم والعمر...الخ ، اذ يشترط البنك عدم وجود أقارب فى المجموعة وهو مايشير الى تقدير سلبى للدور المعوق الذى يمكن أن تلعبه علاقات القرابة التقليدية فى نجاح مثل هذا النشاط الاقتصادى.
        ويمكن ملاحظة كثافة استخدام الرموز الثقافية التي تلعب دوراً هاماً فى تقريب بعض المبادئ والمفاهيم إلى أذهان البسطاء، ومنها مثلا تعدد رمزية " اليد " فى ثقافة المجتمع ؛ فهناك مفهوم " اليد السفلى" التي ترمز لليد الذليلة الممدودة للتسول، ومفهوم " اليد العليا" التي يحبها الله ورسوله، وهى اليد الكريمة التي تحصل على رزقها بالعمل، وهناك " اليد السوداء" التي ترمز ليد الظلم وتعبر عن المبدأ الثاني عشر من  المبادئ الستة عشر والذي ينص على الآتى " لن نسبب أى ظلم لأى شخص ولن نسمح لأحد بأن يفعل ذلك ".
كما يلاحظ حرص البنك على توظيف وسائط اعلامية ملائمة ثقافيا فى تواصله مع عملائه اذ اختار الاعتماد على الرسوم المعبرة وذلك وفق مبدأ الاعتماد على الإدراك البصري الذي يناسب المعدمين الأميين وعدم الاكتفاء باللوحات الإرشادية المكتوبة ويلاحظ أن الرسوم تتسم بالبدائية والبساطة مما يجعلها اقرب لأذواق الريفيين ودرجات ألوانهم ، لدرجة أنها تبدو وكأن أحدهم قد رسمها، فهي بعيدة كل البعد عن قواعد الملصقات المحترفة التي اعتاد المثقفون إنتاجها واستخدامها فى البرامج التنموية الموجهة للناس فى الكثير من التجارب التنموية.
تفسيرالطابع النسوي للبنك
       من حيث المبدأ يساوى نظام البنك بين الرجال والنساء فى حق طلب القروض المعتادة ولكن المتابعة الدقيقة والتقييمات الميدانية التي يجريها البنك أكدت أن القروض التي تحصل عليها النساء تؤدى دورها الاجتماعي لصالح الأسرة (التغذية – السكن- التعليم- سداد القرض- الاستثمار فى المشروع) بشكل أكبر مما هو الحال بالنسبة لقروض الرجال، ولذلك فان النساء المعدمات أصبحن بشكل تلقائي يمثلن النسبة الأكبر من المقترضين (97%) ونتيجة لذات النتائج الميدانية فان نظام البنك يقصر ما يعرف بالقرض الكبير أو قرض الأسرة والذي يمكن أن يصل إلى 30.000 تكا على النساء فى الأسرة دون الرجال . وقد تسمح لنا تلك النظرة السلبية لدور الرجال فى المشروعات الصغيرة بتفسير اشتراط البنك أن يكون الأعضاء الخمسة للمجموعة من جنس واحد على أنه لتفادى تأثيرهم السلبى المتوقع ، وبناء على ذلك سيكون على الرجال أن يثبتوا جدارتهم ميدانيا على مدى زمني كاف للحصول على الثقة الكاملة للبنك.
       ويلفت النظر هنا قبول الرجال لنتائج هذا الواقع وما يترتب عليه من تأكيد لمفهوم تدنى جدارة الرجال مقارنة بالنساء، وعدم وجود مقاومة ذكورية لدور البنك أو عرقلة للدور الايجابي الذي تلعبه النساء لتنمية الأسر، وهو ما يمكن تفسيره ثقافيا بتحذر قبول الرجال لاعتلاء المراة مركز القيادة فى المجتمع كما فى السياسة، وهو أمر يميز ثقافة المنطقة الهندية بوجه عام،فقد عرفت بنجلاديش زعامات نسائية مثل حسنة واجد وخالدة ضياء ، وعرفت باكستان بنظير بوتو ، كما عرفت الهند أنديرا غاندى وسونيا غاندى، وعرفت سيريلانكا باندرانيكا وابنتها كوماراتونجا..الخ وهو وضع يمثل نوعا من الخصوصية الثقافية لهذه المنطقة ليس له مثيل فى العديد من المناطق الثقافية الأخرى على مستوى العالم . ويمكن استنتاج صعوبة قبول مثل هذا الوضع فى مجتمعاتنا العربية عموماً حيث تسود ثقافة ذكورية لا تزال ترفض قيادة المراة اجتماعيا وسياسياو اقتصاديا وهو معوق ثقافي – اجتماعي ينبغي تأمله بعمق عند التفكير فى الاستفادة من تجربة بنك الفقراء فى مجتمعاتنا .
 العمل الاجتماعي والسياسة
     إذن بنك الفقراء ليس مجرد بنك عادى ولكنه شبكة قوية من العلاقات والمصالح الاقتصادية والاجتماعية لقطاع ضخم ومنظم من الفقراء وأفقر الفقراء فى بنجلاديش، وبالمعنى الواسع " للسياسة" فان اى حركة اجتماعية بهذا الحجم السكاني وذلك الانتشار الجغرافي وتلك القوة فى طبيعية الارتباطات والمصالح والانتماء كان لابد وان يتحول الاهتمام بها إلى المستوى السياسي .. وهنا تثير التجربة العديد من التساؤلات . لماذا لم تستشعر الدولة فى البنك نوعا من الخطر السياسي؟ بل ان الحكومة شاركت فى راس مال البنك لدعمه منذ البداية (تشارك الآن بـ6% فقط من أسهمه) ولا تذكر اى مصادر أن الدولة ( السياسية) كانت فى اى لحظة معوقة لعمل البنك ونموه وتوسعه .
     ويمكن تفسير الأمر بطبيعة البنك ذاتها، كمؤسسة اقتصادية تعمل وفق القواعد " الاقتصادية" بما يحقق أهدافها الاجتماعية فى دعم  أفقر الفقراء دون اى مأرب سياسى فوري مباشر، فتجربة البنك بدأت بمحمد يونس وعدد من طلابه فى قسم الاقتصاد بالجامعة رأوا فى العمل الاقتصادي – الاجتماعي لخدمة الناس هدفا له قيمته فى حد ذاته وليس مجرد وسيلة لتجنيد الناس على مشروع سياسى مسبق وهو الأمر الذي كان يمكن أن يعرض المشروع الاقتصادي – الاجتماعي وخدماته للهزات المحتملة للمشروع السياسي نتيجة حالات المد والجذر فى العلاقة مع الدولة ، ويبدو أن هذا المفهوم لا يزال غائبا فى مجتمعاتنا، وفى كل الأحوال فان هذه الإشكالية ينبغي أن تكون على قائمة أولوليات اى تفكير فى نقل التجربة إلى مجتمعاتنا . و يعنى هذا كله أن القائمين على البنك كانوا على درجة عالية من استيعاب طبيعة الدولة المتسلطة فى الشرق و التى تختلف بشكل جوهرى عن الدول الديمقراطية الحديثة التى تلتزم باحترام هامش واسع من الحقوق و الحريات لتنظيمات العمل الأهلى فى المجتمع .
صور إعلامية زائفة
        شاعت فى الإعلام العربي صورتان زائفتان عن تجربة بنك الفقراء، أما الصورة الأولى فاعتبرته احد الأنماط الممكنة لما يعرف فى منطقتنا " بالاقتصاد الاسلامى" الذي يركز على المشروعات الصغيرة للفقراء والمعدمين . ولكن الواقع يقول أن نجاح التجربة يلقى حجرا فى بركة الحوار حول تقييم البنوك الحديثة من المنظور الاسلامى الذي اعتاد على طرح السؤال البسيط :ربوى أم لا ربوى؟ والذي يتم اختزاله فى صورة سؤال بسيط: هل يحصل البنك على فائدة ثابتة نظير تقديمه للقروض؟
   وتبدأ القصة فى أعقاب تعرض مناطق واسعة من البلاد للكوارث الأعاصير المدمرة التي راح ضحيتها أكثر من مليون ونصف شخص عام 1974 . حينذاك انتهز العديد من الأغنياء الفرصة وبدأوا فى تقديم القروض للفلاحين بفائدة أصلية فاحشة وصلت إلى 1300% تتضاعف فى حالة عدم القدرة على السداد، وهو ما كان يعنى عمليا أن حياة اسر بأكملها تظل مرهونة لذلك المرابي طوال العمر، فى هذه الظروف نشأت فكرة بنك الفقراء الذي يحصل على فائدة بسيطة ولكن ثابتة نظير تقديم القروض متناهية الصغر للفلاحين إضافة إلى معاونتهم فى اختيار مشروعاتهم ومتابعة تحسن نوعية الحياة لأسرهم . وتمثل هذه الفائدة الأحد الأدنى الاقتصادي اللازم والضروري لاستمرار البنك والحيلولة دون انهياره . وبذلك فانالتجربة تثير الحاجة لاجتهاد اسلامى أصيل يعيد النظر فى المنهج الشكلى السائد حاليا للحكم على تجربة مثل هذا البنك بأنها تمثل ربا محرم على الرغم من الدور التنموى و الانسانى الذى يلعبه لمساندة أفقر الفقراء بدلا من تركهم فريسة لاستغلال المرابين المستغلين الحقيقيين أو البنوك التقليدية التى تزيد من ديونهم و تزيدهم افقارا ، كما تطرح التجربة سؤالا لعلماء الاقتصاد الاسلامى :هل ينبغى اعادة فهم الربا على ضوء التعقيد المعاصر للاقتصاد المحلى و الدولى ؟
   أما الصورة الإعلامية الأخرى فتتمثل فى احتفاء اليسار التقليدي فى بلادنا بالتجربة وطابعها الاجتماعي لتنتهي إلى اعتبارها احد التطبيقات الممكنة لبنك اجتماعي ذا نزعة اشتراكية ، وهو ما ينطوي على نوع من المبالغة التى تتغافل عن النظر للسياق الاقتصادي العام الذي يتحرك فيه بنك الفقراء فى بنجلاديش، فهو لا يطرح باعتباره استراتيجية رئيسية لتيسير الاقتصاد فى البلاد، بل باعتباره أهم المشروعات الاقتصادية – الاجتماعية الموجهة لحل مشكلة الفقر والفقراء فى البلاد ضمن السياق العام لنظام قائم على الاقتصاد الحر.
نحو رأسمالية إنسانية
     أما الدرس المنهجى الأخير الذى يمكن استخلاصه من التجربة فهو أن هناك حدودا دقيقة من الخطأ تجاوزها فى رفض التحيز المعرفى للخبرة الانسانية و التى وصلت الى ذروتها المعاصرة فى ماوصلت الية المعرفة الغربية المعاصرة – فى الاقتصاد و غيره – و الا انتقلنا من النقد المعرفى المحمود الذى يلفت النظر الى أهمية مراعاة الخصوصيات الثقافية و الاجتماعية الى النقض الأيديولوجى الذى قد يصل الى حد القطيعة الكاملة  مع كل المنجزات المعرفية المعاصرة لمجرد أن الغرب هو الذى يحمل رايتها حاليا متناسيا أنها منجز انسلنى شاركت فية كافة الحضارات الانسانية و كنا نحمل لواءه قبل الغرب ؛ فمحمد يونس يلتزم كافة القواعد الأساسية لعلم الاقتصاد و أصول المالية و المحاسبة المعاصرة المتفق عليها عالميا فى  تسيير شئون البنك، كما يؤمن تماما بأهمية دور الحافز الفردي فى النشاط الاقتصادي، ولكنه فى هذا الإطار يعتقد أنه حتى الرأسمالية يمكن أن تكون هناك أكثر من قراءة لها، وفى ذلك فانه يتوافق مع الاتجاهات النقدية التي انتقدت المفهوم الضيق للرأسمالية الذي خلق مفهوم الإنسان أحادى البعد الذي يكون نموذجه هو العمل على تعظيم أرباحه فقط، مع إلغاء كافة النزعات الإنسانية والدينية والاجتماعية حيث تمثل الرغبة فى مساعدة الفقراء احد الدوافع الأساسية المحركة للإنسان و هو عامل ينبغى استثماره طالما لايزال فعاليته الكبيرة فى مجتمعاتنا بالمخالفة مع الأعراف السائدة المجتمعات الغربية المعاصرة. أما الانتقاد الرئيسي بالتانى فتتمثل فى خطأ الاعتقاد بان آلية السوق الحر وحدها لابد وان تنتج نتائج ايجابية لكل فئات المجتمع، إذا أثبتت العديد من التجارب أن الأمور لا تسير دائما على هذا النحو خاصة فى المجتمعات التي تعانى من ظاهرة الفقر. واخيراً فان الاعتقاد بان توفير المناخ الملائم لرجال الأعمال من شانه أن يشكل منهم القاطرة القادرة على سحب فئات المجتمع كله وراءها نحو المزيد من التنمية لا ينبغي الاعتماد عليه كاستراتيجية وحيدة ، بل ينبغي أن يوازيها فى نفس الوقت استراتيجية للتنمية من أسفل تمكن الفئات الدنيا من الخروج من دائرة الفقر عبر إدماجهم فى تنظيمات اقتصادية واجتماعية من المشروعات الصغيرة ذات الطابع الاستثماري ، والاهم من ذلك كله أن يونس قد رفض الصورة النمطية الشائعة عن الفقراء " باعتبارهم معوقين للتنمية وعب على المجتمع وكرس نظرة متعاطفة معهم باعتبارهم ضحية لظروف اجتماعية اقتصادية على رأسها ظاهرة توريث الفقر وانعدام فرص التمكين والحراك الاجتماعي من طبقة لأخرى، وانه الأجدى هو تمكينهم من التحول إلى طاقة إضافية للتنمية ، كما انطلق من موقف انسانى محصن يختلف عن المنطق السائد المتمثل فى الاستجابة لضغوط الفئات الاجتماعية القادرة على الضغط، فالفقراء والمعدمين والأرامل والمتسولين الذين غير البنك حياتهم حصلوا على القروض لمجرد كونهم بشراً ولمجرد أن جماعة من المثقفين نظروا للحق فى الحصول على القروض باعتباره واحد من حقوق الإنسان الأساسية كما يقول محمد يونس.




· باحث فى المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق