الخميس، 20 يونيو، 2013

منهج عبد العزيز حمودة في كتاباته النقدية وإشكالية التحيز



منهج عبد العزيز حمودة
في كتاباته النقدية وإشكالية التحيز
                                               د. أحمد عدنان حمدي·
يذهب البحث إلى أنّ منهج (د.حمودة) الفكري في كتاباته النقدية ولاسيما في كتبه الأخيرة (المرايا المحدبة: من البنيوية إلى التفكيك 1998، والمرايا المقعرة: نحو نظرية نقدية عربية 2001، والخروج من التيه: دراسة في سلطة النص 2003) يسلم بوجود التحيز في الخطابات النقدية الغربية ومناهجها، فهي غير محايدة أو موضوعية بصورة نهائية أو إنسانية عالمية، وكذلك المعارف أو النظريات أو المشاريع أو المدارس الناتجة عنها.
فنتاجات النقد الحداثي وما قبله وما بعده كما يرى (د. حمودة)، على مستوى نظرياتهم الأدبية أو التنظير للأدب ورؤيتهم للنص الأدبي، وعلى مستوى مناهجهم النقدية أو كيفية قراءتهم له، هي ليست حقائق علمية إنسانية عالمية يجب التسليم بها وعدم مناقشتها، بل هي طروحات وفرضيات ومبادئ ومفاهيم قابلة للنقاش والحوار والجدل والاختلاف أو الاتفاق معها، فهي نظريات متأثرة باتجاهات ذلك الفكر، بوصفها جزءاً من الثقافة الغربية، متحيزة إلى رؤى فلسفية غربية خاصة بواقعهم([1]). ونحن نؤيد هذا الطرح، فالنقل السهل والاستعارة المجانية غير ممكنة، وإنما لابد من ضرورة التمحيص والتساؤل وتأصيل طرائق التفكير ضمن سياقاتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، لكي يتم الحوار الحضاري في حدود الشخصية الحضارية الواعية بالاختلاف، فهذه القضية تمثل إشكالية حضارية كبرى لا تمس النقد الأدبي وحده بل تمس العلوم الإنسانية بشكل عام، فغالبية نظريات ومناهج النقد الأدبي الغربية متحيزة في جوهرها للأنساق الحضارية التي نشأت واستمرت من خلالها، فهي تحمل مضامين ثقافية تجعلها متلائمة مع بيئتها الحضارية الغربية، فالتراث المتكون عبر التاريخ له خصوصيته وتفرده ومن ثم له تحيزاته لرؤيته وإطاره المعرفي([2])، ولذلك فقول عدد من النقاد بإمكانية فصل المنهج عن سياقه دون إحداث أية تغييرات، أو بعد إدخال تعديلات طفيفة، هو نوع من الوهم الذي سرعان ما يتكشف تحت محك التحليل التاريخي للخلفية الثقافية الفلسفية التي تحملها تلك المناهج، وهذا الطرح هو ليس جديدا على الوعي النقدي العربي، بل هو أحد المرتكزات الأساسية للحوار العربي-الإسلامي الطويل مع الحضارة الغربية منذ كانت موروثاً يونانياً، حتى أمست هذه القضية ضرباً من التفكير البدهي الذي لا يحتاج إلى دليل، وعليه فإنّ إسقاط صفات العالمي والموضوعي على النقد الأدبي الغربي كما يذهب عدد من النقاد، هو تحيز لرؤى ومرجعيات غربية([3]).
إلا أنّ هذه النتيجة التي يسلم بها (د. حمودة) في كتاباته النقدية تنطلق كما نرى من رؤية فكرية كلية للمعرفة، والتي ينبثق عنها مفاهيم ثنائية فكرية أعدها مفاهيم أساسية ومحورية في منهجه الفكري، تمثل شبكة متداخلة فيما بينها، ويكمل أحدها الآخر، فهي التي تكون منهجه الفكري برمته ويستخدمها بوصفها أدوات فكرية في قراءته ونقده وتشكيل تصوراته وأرائه النقدية، وهي كما أرى: ثنائية مفهومي الاختلاف والاتفاق، ومفهومي الثابت والمتغير، ومفهومي الاجتهاد والتقليد، وسنتناول هذه المفاهيم تباعاً، بعد بيان رؤيته الفكرية الكلية للمعرفة التي انطلق منها من خلال تقصي آراءه ومواقفه المبثوثة في كتاباته النقدية.
1- رؤيته الفكرية الكلية للمعرفة ووعيه بضرورتها:
إنّ (د.حمودة) في كتاباته النقدية مدرك أهمية الرؤية، وأنّه لابد لكل ناقد أو اتجاه نقدي أن ينطلق من رؤية فكرية كلية للمعرفة، توجه رؤيته النقدية وآراءه، فضلا عن أنّه لابّد أن ينحاز لواقعه الخاص، لهذا وجدنا (د.حمودة) يذهب إلى القول بأنّ من الضرورة العلمية والمنطقية والواقعية أن ينطلق النقاد أو النقد العربي المعاصر من رؤية فلسفية ومعرفية تنتمي للأنساق الفكرية الكبرى لتراثه وحضارته العربية، التي ينتمي إليها وتشكل واقعه العربي، وأن ينطلق من هذا الواقع العربي المعاصر، لذلك فهو يأخذ على الناقد الحداثي العربي افتقاره "إلى فلسفة خاصة به عن الحياة والوجود والذات والمعرفة، فهو يستعير المفاهيم النهائية لدى الآخرين ويقتبس من المدارس الفكرية الغربية، ويحاول في جهد توفيقي بالدرجة الأولى، تقديم نسخة عربية خاصة به، إنَّها كلها عمليات اقتباس ونقل وترقيع وتوفيق لا ترتبط بواقع ثقافي أصيل، ومن هنا تجيء الصورة النهائية مليئة بالثقوب والتناقضات "([4])، وهذا الواقع النقدي مرتبط بواقع فكري أكبر، لذلك نجد (د.حمودة) يشير إلى أنه بالرغم من حماس الحداثي العربي المحمود عموماً المتبني للرؤية الغربية، لتحقيق نهضة فكرية عربية، وسعيه الدؤوب لتحقيق استنارة ثقافية، فشل في إنشاء حداثة عربية حقيقية، بل فشل في نحت مصطلح نقدي جديد خاص به تمتد جذوره في واقعنا الثقافي العربي، فضلاً عن فشله في تنقية المصطلح الوافد من عوالقه الثقافية الغربية، لارتباطه بمناخه الفكري والاجتماعي والسياسي الذي أنتجه، والذي يمثل الخلفية المرجعية الدائمة له من ناحية، والذي يفسره ويمنحه شرعيته من ناحية أخرى، فالحداثة الغربية لم تنشأ من فراغ، وإنما هي النتاج الطبيعي المنطقي لتطورات الفكر الغربي في الثلاثمائة عام الأخيرة على الأقل، التي أدت بصورة حتمية سببية إلى ظهور المدارس الأدبية والنقدية الجديدة بمصطلحاتها الخاصة، وعليه فإنَّ نقل هذا المصطلح في عزلة عن خلفيته الفكرية والفلسفية سوف يفرغه من دلالته ويفقده القدرة على أن يحدد معنى، ونقله بعوالقه الفلسفية سوف يؤدي إلى الفوضى والاضطراب والترف الفكري الذي لا يتقبله الواقع العربي، إذ إنّ القيم المعرفية القادمة مع المصطلح تختلف، بل تتعارض أحياناً مع القيم المعرفية التي طورها الفكر العربي المختلف عن الفكر الغربي([5]).
فالحداثيـون العرب كما يذهب (د.حمودة) أعطونا فكراً لقيطاً مجهول النسب، بالرغم من محاولاتهم المستميتة في تأصيله داخل الواقع الثقافي العربي بالعودة إلى التراث لإبراز بعض جوانبه الحداثية، بدعوى الجمع بين (الأصالة والمعاصرة)، وهو شعار رفعه الحداثيون العرب، الذي يُعّد خروجاً على مبادئ وأسس الحداثة الغربية التي تدعي القطيعة المعرفية مع الماضي، وهو في حقيقته لا يجمع بينهما، وإنما هو يقرأ التراث من منظور حداثي غربي منحاز، أو من منظور استقراء الحداثة الغربية في بعض مفردات التراث الثقافي العربي، للوصول إلى شرعية الحداثة الغربية، لا شرعية التراث، وهو تناقض واضح بين ادعائهم الرؤية النهضوية المستقبلية التي تنطلق إلى الأمام رفضاً للحاضر والواقع الذي فقد شرعيته، وتمرداً على التقاليد الموروثة، وبين محاولة إعادة تفسير التراث الثقافي، أو استقرائه للوصول إلى تأكيد تراثي لمقولاتهم الحداثية الجديدة([6]). وهذا يقتضي أنّ المنطلق أو المدخل الحقيقي لتأسيس آراء أدبية ونقدية عربية حسب وجهة نظره، هو الارتكاز على فلسفة منتمية إلى أنساق الواقع الثقافي العربي الكبرى، ولا تكون غريبة عنه، وهي التي جسدها سؤاله عن الذات والهوية الثقافية الواقية: من أنا ؟ ومن نحن([7]). وما يعنيه بسؤاله هذا هو البحث عن دور فاعل لهذه الذات في واقعها الحاضر وفي علاقتها مع الآخر، يخرجها من التبعية له، ويحافظ على شخصيتها وهويتها الخاصة من الذوبان في الآخر، ويحدد لها دورها على الصعيد الإنساني العالمي، وما يعنيه في هذا السياق هو الواقع النقدي الأدبي، ثم إنّ تشكيل صوت أدبي ونقدي خاص يفرض البحث الدائب عن منهج، وهو ما يعني-في التحليل الأخير-تشكيل رؤية حضارية متميزة، وكل هذا يعني-أو يفضي بالضرورة إلى الإسهام في تشكيل علاقة متوازية بين الذات والآخر(الغرب)، أي يسهم في معادلة الفكاك من أسر التبعية، هنا تتجلى خطورة الممارسة النقدية المنهجية وارتباطها الحميم بالإطار الحضاري، فأهمية الممارسة النقدية وخطورتها وفاعليتها لا تكمن فـي مـدى جدتها وجديتها وعمقها فحسب بل تكمن-فضلاً عن ذلك-في مدى استجابتها لحركة الواقع المعاش وتلبية حاجاته المستجدة المتغيرة([8])، وما يعنى به (د.حمودة) في الإجابة عن هذا السؤال هو الواقع النقدي الأدبي، لهذا يذهب إلى القول أنه قد تعني الإجابة والقدرة على تحديد هويتنا الثقافية، القدرة على اتخاذ قرار حول أي عمل أدبي مستقبلي، لأنّ الاتفاق يفترض أنه سينهي حالة الفصام ويضع حداً للشرخ ويرأب الصدع، وهكذا سنعود إلى درجة من التوحد الصحي والكلية التي راوغتنا لما يقرب من قرنين من الزمان([9])، وإلا فإنّ المفارقات " ستظل تفرض نفسها ما استمر عجزنا عن تحديد هوية ثقافية خاصة بنا وما استمر اعتمادنا على الآخر الثقافي، سواء استعرنا فكره فقط أو مناهجه فقط، أو الاثنين معاً "([10]). ونحن نتفق معه في هذه المسألة، ولكن ما الرؤية المعرفية الكلية المنتمية إلى الأنساق الكبرى للواقع الثقافي العربي، وغير الغريبة عنه، التي انطلق منها (د.حمودة) في كتاباته النقدية ؟ وأثرت في قراءته للنظريات الأدبية الغربية ومناهجها النقدية، أو في قراءته للتراث البلاغي والنقدي العربي القديم، أو في عرضه لرؤيته وآراءه النقدية، سنحاول في هذا البحث عن طريق تحليل مواقفه الكشف عن رؤيته الكلية للمعرفة والاستدلال عليها من خلال آرائه ومنطلقاته في كتاباته النقدية، وأول تلك الاستدلالات هي الغاية التي يريد الوصول إليها، في كتاباته النقدية بوصفها مُوَجهة لطريقة تفكيره، ودالة على منظوره الثقافي أو رؤيته للمعرفة التي يتبناها.
أ- غاية خطابه النقدي:
إنّ نتيجة الاستقراء لكتاباته النقدية، وخاصةً لكتابيه (المرايا المقعرة والخروج من التيه)، تقول: إنّ الغاية الأساسية، التي يقصدها (د.حمودة) ويريد تحقيقها، هي تقديم (نظرية نقدية عربية)([11])، مستندة إلى نظريتين جزئيتين، هما (النظرية اللغوية العربية والنظرية الأدبية العربية)([12])، وهـذه الغـاية، تُشير بصورة جلية إلى نقطتين أساسيتين هما: (النظرية) و(العربية)، فالنظرية هي الموصوف، والعربية هي الصفة الثانية للموصوف بعد (النقدية أو اللغوية أو الأدبية)، وما يعنينا في هذا البحث هو صفة العربية، فما المقصود بالعربية بوصفها صفة ثانية (للنظرية) ؟
إنّ صفة العربية التي يصف بها النظرية انحصرت في دلالتين، أولاهما: انبثاق هذه النظرية من خصوصية الواقع العربي بكل أبعاده الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والثقافية والأدبية والفلسفية. ثانيهما: هو الانطلاق من التراث لوضع أسس أو أركان أو مبادئ هذه النظرية من التراث العربي البلاغي والنقدي، الذي هو نتيجة جهد فكري للعقل العربي الإسلامي في الحضارة العربية، ولاسيما جهد البلاغيين العرب في العصر الذهبي، ابتداء بالجـاحظ وانتهاءً بحـازم القرطاجني، هذا العقل الذي استطاع-في وقت كان عقل أوربا يغط في سبات الجهالة-أن يقدم فكراً لغوياً ونقدياً، كان من الممكن أن يتطور إلى مدارس لغوية ونقدية كاملة النضج، لو لم يحدث زمن الانقطاع الطويل من القرن الرابع عشر الميلادي حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولـو لـم يتخذ الحداثيون العرب في العصر الحديث موقف القطيعة الاختيارية والإرادية من ذلك التراث القديم، لانبهارهم بإنجازات العقل الغربي، على أن يكون هذا الانطلاق من التراث هو بقصد تأسيس شرعية الماضي التراثي، لا الحاضر الحداثي أو غير الحداثي، فضلا عن حتمية النظر إليه من رؤية تعكس الحجم الحقيقي لإنجازات العقل العربي والبلاغة العربية، من دون تضخيم لإنجازاتها، ولا تقليل أو تصغير من شأنها، مع استلهام الثقافات والمعارف الإنسانية الأخرى والاستفادة منها ولاسيما الغربية، لا القطيعة معها([13]).
ويذهب البحث إلى أنّ اختيار (د.حمودة) للتراث منطلقاً إذ يعدُّه المنطلق الضروري العلمي والمنطقي والواقعي للنقد العربي المعاصر، يدل بداية على تبنيه للرؤية الكلية المعرفية التي تأسس عليها هذا التراث، أي أنّ (د.حمودة) يتبنى التراث على جميع مستوياته ليس على مستوياته اللغوية والبلاغية والنقدية والأدبية فحسب، بل على مستواه الفكري أيضاً، إذ لا انفصال بين هذه المستويات، بل إنّ هذا التراث أنتج ولم يكن هناك فصل بين التخصصات إذ يمكن أن يكون الناقد أو البلاغي نحوياً ولغوياً وقاضياً وفيلسوفاً ومتكلماً وفقيهاً… الخ، ثم إنّ البلاغة العربية انطلقت منذ البداية من الدراسات القرآنية والدراسة اللغوية للنص القرآني، أي أنّ الدراسات القرآنية ولاسيما التي دارت حول إعجاز القرآن الكريم كان لها تأثير على الدراسات البلاغية والنقدية القديمة([14])، والنص القرآني هو منبع هذا الفكر ومُوجِّهُهُ، والواقع التاريخي -كما يسلم- (د.حمودة) لتطور البلاغة العربية يؤكد بأنّ البلاغي العربي كان يتحرك على محورين: محور الدين الذي بدأت البلاغة موظفة في خدمته وتبيان إعجاز كتابه السماوي(القرآن الكريم)، ومحور التأثير الأجنبي الذي جد فيما بعد، ولاسيما نظرية المحاكاة ومبادئ المنطق كما قدمها أرسطو، إذ شق البلاغي طريقه بين المحورين في براعة واضحة مكنته من تحاشي الصدام المحتمل في أكثر من موقع، وطور موقفاً وسطاً ناضجاً([15]).
فالتراث الثقافي كان يصوغه المفكر العربي الإسلامي الذي انطلق من الوحي (القرآن والسنة)، لتأسيس فكره ونظريته المعرفية، فلقد سعى المفكر الإسلامي إلى المعرفة وارتحل من أجلها واتسعت دائرة معارفه من مجرد الرغبة في جمع الأحاديث النبوية وتحقيقها إلى البحث عن المعرفة بمجالاته كافة وأنواعها المختلفة، كالمعرفة التاريخية، والمعرفة الفلسـفية، والمعـرفة الدينية، والمعرفة الصوفية … الخ، وفي ذلك وصل نضجه العقلي إلى درجة اقتدر بها على إنتاج نظرية خاصة عن المعرفة (Epistemology)، لم تهمل المعرفة الحسية أو التجريبية-كما فعل الفكر الديني المسيحي– ومن ثم لم يجد الفكر الإسلامي نفسه مضطراً إلى مشاركة أفلاطون شكه في المعرفة المكتسبة عن طريق الحواس ورفضه لها، كما يكتب (د.حمودة) معتمداً على المستشرق الإنجليزي إيان رتشارد نتون([16]).
وهذا الكلام صحيح إلى حدِّ ما، إذ إنّ الرؤية الكلية الإسلامية أقرت بأن المعرفة ممكنة وصحيحة من ثلاثة مصادر معرفية، وهي العقل، والحس أوالتجربة، والوحي، ولا يشكك أحدها بمعرفة الآخر أو ينفيها وينقضها، بل يكمل أحدها معرفة الآخر، فهي علاقة تكاملية بين مصادر المعرفة، وهذا الموقف من المعرفة منطلق في أصله من موقف من الوجود، إذ إنّ الرؤية الكلية الإسلامية تنطلق من الوجود إلى المعرفة, وليس العكس, فالنظرة التي تحكم الوجود هي نفسها التي تحكم المعرفة, فليس هناك بحث مجرد ينطلق من الفراغ ليؤسس مذهباَ في الوجود, فالوجود أسبق زمناً من الفكر والعلم الإنساني([17]), والوجود لا يتوقف على الإدراك فمن الأشياء الموجودة ما ُيدرِكها ُمدرك ويعجز عن إدراكها مدرك آخر, ولا يكون ذلك قادحا َفي وجودها, بل هي موجودة سواء أدركها أم لم يدركها, فالإدراك ليس شرطاً في الوجود و إنما الوجود شرط الإدراك([18]). فالحقائق و الأشياء لابدّ من وجودها أولا مستقلة عن الإنسان وعقله وحواسه, لكي يمكننا معرفتها وإثباتها والتسليم بها ثانياَ, أي أن هناك علاقة اعتمادية بينهما, وأول تلك الحقائق وجود هذا الوجود بما فيه الإنسان, والإقرار بقدرته على المعرفة بما ركب فيه الله (I) من قدرات عقلية وحسية, ووجود واجب الوجود خالق هذا الوجود والإنسان, فإثبات الواضح تحصيل حاصل لا قيمة له, بل هو امتهان للعقول البشرية, والتشكيك في ذلك إنما هو مجارات للشكاكين واللاأدريين في منهجهم, الذين ينكرون الحسيات والبديهيات عناداًَ, ولا يبتغون الحق([19]). فالرؤية الإسلامية تدور حول ثلاثة محاور رئيسة وهي: الله والإنسان والوجود (عالمي الشهادة والغيب), وهي من ثوابت الفكر الإسلامي, التي تميزه عن الفكر الغربي ومنظوره([20]), أي أن هناك هرمية وجودية حقيقية بالغة الاختلاف وهي(الله والإنسان والوجود) وهذا يقتضي تعدد مصادر المعرفة, لا أحادية المصدر-إما العقل وإما الحس والتجربة- وإنما تبلغ مصادر المعرفة ثلاثة مصادر وهي, العقل الإنساني, والحس والتجربة، والوحي(أي القرآن والسنة) من الله (U)([21]).
ب- موقفه من الواقع الغربي ورؤيته للدين:
ثم إنّ رؤية (د.حمودة) للواقع والعالم الغربي الأوروبي وفكره وموقف هذا الفكر من الدين، تؤكد انطلاقه من رؤية معرفية لا تفصل بين الدين والمعرفة والثقافة، إذ يرى أنّ ذلك الواقع أصابته تغيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية وفكرية فلسفية لم تصب الواقع العربي، تغيرات أسست عصر نهضته، الذي وصل إلى ذروته في القرن السابع عشر، والذي بث روح المغامرة الفردية والمخاطرة والمبادرة، والرغبة في اكتشاف المجهول ومعرفة غير المألوف والغريب، أي أنّ تلك النهضة ارتبطت برحلات الاستكشاف، التي أدت في النهاية إلى الفتوحات والغزو الأوروبي لمناطق عديدة من العالم واستعماره، وإلى ظهور الثورة الصناعية التي جعلت الإنسان الغربي في القرن التاسع عشر يؤمن بقدرته على صناعة عالمه، ويتوقع السيطرة على العالم أجمع أو التحكم فيه، إذ بعد اكتشافه كيفية صنع القطارات والآلات الأخرى-كما يذهب (د.حمودة) مستشهداً بكلام جريجوري بيتسون- رأى الإنسان الغربي نفسه بوصفه أوتوقراطياً يملك قوة السيطرة على عالم مكون من الفيزياء والكيمياء، بحيث ظن أنَّه من الممكن التحكم بالظواهر البيولوجية مثل عمليات في أنبوبة اختبار، لأنّ مفهوم التطور العلمي في ذلك الوقت كان يدور حول هذا المعنى، فهذه الثورة الصناعية غيرت الكثير من الثوابت في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العالم الغربي([22])، وهذا يقتضي تغير العديد من الثوابت السابقة في العلاقات الفكرية الفلسفية الغربية، محدثة قطيعة معرفية معها، إذ يعد (د.حمودة) القرن السابع عشر هو المحطة " الوحيدة التي يمكن أن تمثل قطيعة معرفية واضحة، فهي بداية التفكير العلمي بتجريبيته، وهي أيضاً بداية فاصلة تبعدنا عن الفكر الغيبي للعصور الوسطى. وما حدث بعد ذلك من تحولات جذرية، بل متعارضة في أحيان كثيرة داخل الفكر الفلسفي الغربي لا تعدو أن تكون ردود فعل للتحولات أو النقلات العلمية، وهي ردود فعل قد تتفق مع المادية الجديدة للعلم وقد تختلف معها وترفضها. وفي كلتا الحالتين يولد الفكر الفلسفي موقفه الذي يتفق أو يختلف مع الفكر العلمي الجديد "([23]).
ومن أهم التغيرات التي يعدها (د.حمودة) من الاختلافات الجوهرية والثابتة بين الثقافة الغربية والثقافة العربية، وهي أيضا المنطلق الحقيقي والأساس الفلسفي للحداثة الغربية ومـا قبلها ومـا بعد الحداثة، وتوابعها أيضاً من مشاريع ومـدارس اجتماعية ونفسية ولغوية وأدبية ونقدية…وغير ذلك، هي التغيرات الجذرية التي أصابت " أضلاع المربع الأربعة: عالم الميتافيزيقا (الله)، والإنسان، والعالم المادي الفيزيقي من حوله (الطبيعة)، ثم اللغة باعتبارها أداة التعبير عن المعرفة التي تولدها تلك العلاقات المتشابكة "([24])، أي حدثت تغيرات أصابت إطارهم المرجعي أو رؤيتهم الوجودية الفلسفية (لله والإنسان والعالم)، ومن ثم رؤيتهم المعرفية العلمية ومصادر المعرفة التي ينطلقون منها، وهذه التغيرات أو الإنشطارات أو الانفصامات-كما يصفها- هي التي أدت إلى توالد " المذاهب الفلسفية من واقعية أو تجريبية إلى مثالية إلى وجودية …الخ، وهي مذاهب أحدثت تغيرات في العلاقة بين تلك الأضلاع بدرجات متفاوتة، مما ترتب عليها تغيرات مقابلة في استخدام الإنسان للغة ونظرته إليها "([25])، ونظرته للأدب تبعا لذلك.
ونحن نتفق معه في ذلك، إذ إنّ الفكر الغربي انشطر إلى رؤيتين كليتين، انطلقتا من موقفين اثنين إزاء العالم والمعرفة، الرؤية الأولى، بدأت من الفكر أو المعرفة إلى الوجود، وهي رؤية الاتجاهات الذاتية، أما الرؤية الثانية، فبدأت من الوجود إلى المعرفة أو الفكر، وهي رؤية الاتجاهات التجريبية، مما أدَّى إلى اختلاف مفهوم طبيعة العالم أو الوجود لديها، ومن ثم مصدر المعرفة وطبيعتها ومعاييرها. إنّ هذه التغيرات التي أصابت الأضلاع الأربعة في الفكر الغربي، جعلت العلاقات داخل العقل والفكر الغربي تتمحور حول قطبين اثنين هما: الإنسان والطبيعة، وعليه فإنّ الاتجاهات الفلسفية المتزامنة التي انبثقت عن ذلك المناخ الفكري المتغير، هي إمّا اتجاهات تجريبية أو اتجاهات ذاتية. وبهذا فإنّ الفكر الغربي بعد أن كان يرى الوجود وحدة متكاملة تجمع بين الله والوجود والإنسان والمعرفة لمدة طويلة، حل التفتت والشرذمة، وحل عصر الإزاحات المعرفية، حيث يزيح عصر معرفي-كما يذهب د.حمودة معتمداً على ميشيل فوكو– عصراً آخراً مولداً فراغاً في المنطقة المفصلية، فالعقل مثلا بالمفهوم الكانتي أزاح العالم الخارجي في حقبة معرفية، ثم أزاح الاقتصاد والمادية الله في حقبة أخرى، ثم أزاحت اللغة العقل والاقتصاد…وهكذا([26]).
وعليه فإنّ الشرذمة أو التيه أو الانشطارات أو الانفصامات التي أصابت الثقافة الغربية وإطارها المرجعي، والتي ولدت أزمة الإنسان الغربي المعاصر، هي غريبة عن الثقافة العربية الإسلامية([27])، التي ظلت العلاقات تتمحور داخلها حول ثلاثة أقطاب هي الله والإنسان والطبيعة وهي من ثوابتها الفكرية([28])، بخلاف الثقافة الغربية.
لذلك نجد أنّ الاتجاهين الفلسفيين (التجريبي والذاتي) وقفا ضد سلطة الكنيسة القديمة والجديدة، وأقصيا من رؤيتهم التأثير الفاعل للإله في الوجود، حيث لم يعد (الله-تعالى-) لديهم كما تؤمن الأديان السماوية، قادراً على الثواب والعقاب، والعفو والمغفرة، بل صار عاجزا عن التدخل لإثابة المفضلين من عباده([29])، إذ أنّ الفكر الأوربي عموماً غربه وشرقه، اتخذ العلم المادي بعد صعود نجمه إلهاً جديداً للثقافة الغربية، بعد أن أزاحوا الإله بمفهومه الميتافيزيقي وأعلنوا موته، وهذا ما حصل مثلاً في روسيا عام 1917، التي كانت نقطة الانفجار الأخيرة التي سبقتها عمليات غليان مستمرة ضد نظام حكم القياصرة والانحطاط السياسي والتخلف الحضاري منذ بداية القرن العشرين على الأقل، ولهذا لم يكن غريباً احتضان المثقفين الروس العلم الجديد بوصفه الإله والمنقذ الجديد والاختيار القادر على إخراج البلاد من عصر الانحطاط قبل الثورة النهائية بسنوات طويلة([30]). فضلا عن أنّ الكنيسة الأوربية كانت عائقاً أمام التطورات العلمية، فتحت ضغوطها أعلنت القطيعة المعرفية مع التراث اليوناني–الروماني، وطمسه ونسيانه، أي أنها أوقفت حركة التطور المنطقي لهذا التراث، في حين أنّ النهضة الأوربية قامت في انطلاقتها الثقافية على وصل ما انقطع مع التراث الغربي القديم، وإعادة الاكتشاف لإنجازات الحضارة اليونانية–الرومانية([31]).
ومن ثم أقصيا كذلك الدين المسيحي عن التأثير الفاعل في المعرفة، فوقفا ضد الحق الإلهي للملوك والخرافة أو التفكير الغيبي المسيحي للعصور الوسطى بمذاهبه المختلفة والمتناقضة، الكاثوليكية والاورثوذكسية والبروتستانتية وأخيراً البيوريتانية أو التطهيرية (Pritanism)، ومن ثم نبذوا القيم الروحية التقليدية المسيحية، فلا منقذ أو مخلص، ولا حقيقة أو مثل، وفتحوا الطريق أمام المعرفة القائمة على التفكير المنطقي من ناحية–وهو فكر عقلاني بالدرجة الأولى– والتفكير العلمي القائم على التجربة الحسية والمادية من ناحية أخرى([32]). وهذان الاتجاهان اتفقا على أسطرة الإنسان سواء بمفهومه المادي أو المثالي، وأنسنة الدين المسيحي، فالثقافة الغربية وضعت " العلمية أو العقلانية والدين على طرفي نقيض على أساس أن الدين فكر غيبي يتعارض مع التفكير العلمي والعقلانية "([33])، وعليه لا يمكن عدّه مصدراً معرفياً مستقلاً، يسهم في المعرفة أو العلم، مما أدى إلى ظهور تلك الأنسنة أو العقلنة، التي تعني عند (د.حمودة) معتمداً على د. شكري عياد " إرجاع الدين إلى الإنسان وإحلال الأساطير محل الدين "([34])، حتى أمكن أن يفهم اللاهوت المسيحي حول صلب المسيح وقيامته فهما أسطورياً غير حقيقي على أنه يرمز إلى تجديد الحياة، أو اقتران الموت بالحياة، بل إنّ هذه التحولات الفكرية الخطيرة، أو التصدعات الحداثية والانزياحات المعرفية، في الثقافة الغربية، وبتأثير التقدم في العلوم البيولوجية، نقلت حقل المقدس والاسراري والغيبي في مجال العلاقات والقيم الدينية والماضوية إلى مجال الإنسان والتجربة والمعيش، كما يذهب (د.حمودة) مستشهداً بكلام د.شكري عياد وخالدة سعيد([35]). و(د.حمودة) يرفض هذا التوجه ويجعل للدين الإسلامي دوراً أساسياً في الثقافة العربية، ولذلك فان كلمتي حديث وحداثة في الثقافة الغربية من المستحيل أن تطلق، كما يذهب (د.حمودة) مستشهداً بكلام (ألان تورين)، على مجتمع يسعى قبل كل شيء لأن ينتظم ويعمل طبقاً لوحي إلهي أو جوهر قومي، أي أنّ الحداثة تستبعد أي غائية، فهي ليست مجرد تغيير أو تتابع أحداث: إنها انتشار لمنتجات النشاط العقلي، العلمية، التكنولوجية، الإدارية، فالعلمنة وإزالة سحر الأوهام، اللتين تحددان الحداثة بوصفها عقلنة، تبرزان القطيعة الضرورية مع الغائية الدينية التي تنادي دوماً بنهاية التاريخ، سواء عن طريق تحقيق تام لمشروع إلهي أو اختفاء لإنسانية منحرفة لم تخلص لرسالتها، فالحداثة الغربية الفلسفية كما يقول تورين: أحلت فكرة العلم-أي العلم المادي- محل فكرة الله في قلب المجتمع، وقصرت الاعتقادات الدينية على الحياة الخاصة بكل فرد فحسب([36]).
ونحن نتفق مع (د.حمودة) في مسألة أنّ الدين الإسلامي له دور رئيس في الثقافة العربية، وهو غير متناقض بوصفه مصدراً معرفياً مع المصدرين الآخرين الحس أو التجربة والعقل، والتناقض وإن كان يصدق على الدين والوحي بمفهومه المسيحي، فإنّه لا يصدق على الدين والوحي بمفهومه الإسلامي، وذلك لأنّ هذا الرأي يكسب شرعيته من غموض مفهوم الوحي لدى الفكر الغربي، فعلمنة المعرفة هي نتيجة تاريخية ومنطقية في سياقها الغربي، الذي عرف الغموض والتعقيد في مفهوم الوحي ومحاولة عقلنته وأنسنته مشروعة، ولهذا نجد الغموض لديهم قرين الميتافيزيقا والوضوح قرين الفيزيقا([37]). ولقد حاولت الاتجاهات الذاتية سواء التي انتهجت نهجاً شكياً أو نقدياً أو جدلياً التوفيق بين معتقداتها وقيمها وبين المعارف الجديدة المكتشفة، فذهبت إلى القول بوجود مبادئ عليا حدسية، ضرورية وكلية، سواء كانت نتيجة العلاقة الحدسية الخالصة بين العقل الإنساني والعقل الكلي الإلهي، يضمن هذا الأخير يقينها، أو لم تكن كذلك، إلاَّ أنَّ الاتجاهات التجريبية انتقدت ذلك ولم تسلم به، حتى ساوى (برتراندرسل) في الدلالة بين مفاهيم (الوحي والبصيرة والحدس)، ثم جعلها جميعاً طرائق تؤدي إلى الأضاليل والأوهام الخادعة، ومقابلاً نقيضاً للعلم والتحليل المنطقي، وقاموا بتفسير الدين والتدين تفسيراً حسياً، إذ عدَّ (دور كايم) التدين محاولة إنسانية يعبر المتدين بها عن إخلاصه للنظام الاجتماعي، وجعل بعضهم الدين انعكاسات لإسقاطات نفسية شتى ومتنوعة، كأن يكون إسقاطاً لتصور أب كوني للعالم حسب التصور اللاهوتي المسيحي، أو إسقاطاً لرغبة اختلاق رمز يشكل قوة ربط جامعة في المجتمع، أو إسقاطاً لمصالح السلطات الحاكمة في الكهنوت والملوك، أو تعبيراً عن الاغتراب، أو أداة للسيطرة الاقتصادية واستغلالاً لجهد لعمال من الرأسماليين، كما يذهب إليه الماركسيون عامة([38])، ومنهم من تبنى موقفا لا أدرياً تجاه قضايا ما بعد الطبيعيات أو الميتافيزيقا، وذهبوا إلى أنَّ هذه القضايا لا يستطيعون إثباتها ولا نفيها، لأنَّ التحقيقات التجريبية والاستدلالات العقلية لا تستطيع التطرق إلى خارج الوقائع وظواهر الأشياء. ثم إنّ هذه السمة الانفصالية أو الإقصائية أضحت من سمات الفكر الغربي، إذ إنّ الاتجاهات الذاتية والتجريبية عموما، أقصتا الإله على صعيد الوجود والمعرفة معا، إذ لم يعد ذاتا مستقلة بنفسها عن الوجود والإنسان، ولم يعد (الوحي) مصدراً معرفياً مستقلاً بنفسه عن العقل والحس أو التجربة، ولم يعد له دور في المعرفة والعلم.
لهذا نجد أنّ (د.حمودة) ينتقد موقف الحداثة أو الفكر الغربي من الدين، إذ إنَّه لا يعدُّ الدين والتفكير الغيبي -بوصفه عربياً مسلماً-مناقضاً للعقل والعلم، ولا يرى من الضروري إحلال العلم محل الله في قلب المجتمع، وقصر الاعتقادات الدينية الإسلامية على الحياة الخاصة بكل فرد، فضلاً عن أنّ العلمية والفكر الديني لا يمكن أن يكونا على طرفي نقيض– كما في الفكر الغربي– على أساس أنّ الدين فكر غيبي يتعارض مع التفكير العلمي والعقلانية([39]). بل هو يعد الدين عنصراً مؤثّراً في إنتاج الثقافة العربية، وينتقد رأي ألان تورين في المجتمع الحديث، ويرفض كذلك أسطرة الإنسان وذاته وجعله مصدر جميع القيم، وفي الوقت نفسه ينتقد موقف ما بعد الحداثة في رفضها للثالوث العقل والعلم والقانون، ودعوتها لتفكيك المؤسسات بجميع أشكالها بوصفها سلطات قمعية تقهر الذات وتكبل حريتها([40]). يضاف إلى ذلك أنّه يرفض أنسنة الدين الإسلامي من خلال كتابه السماوي(القرآن الكريم)، التي تجسدت في محاولة بعض الحداثيين العرب، بأنسنة الدين الإسلامي وعقلنته، بوصفه الإطار المرجعي الذي تأسس عليه التراث، من خلال محاولة قراءة النص القرآني باستخدام بعض المناهج النقدية الغربية المنحازة لثقافتها، أو تطبيق عليه مقولات نقدية بنيوية أو تفكيكية…الخ، منحازة لمرجعيتها الفكـرية الفلسفية الغربية، وإنّ هـذه الأنسنة لتـعد تـرفاً فكـرياً– كمـا يصفها(د.حمودة)– يرفضه الواقع العربي والثقافة العربية، وإذا كانت الثقافة الغربية، بتطوراتها الفكرية المتلاحقة عبر مئات السنين، قد قدمت شرعية ثقافية لهذه المحاولات، فإنَّ واقعنا الثقافي غير مستعد للتعايش مع هذه المحاولات([41])، ثم إنَّ هذا الأمر سوف " يوقعنا في محاذير ربما لا نقصدها. ربما يحدث ذلك– وقد حدث مؤخراً –عن خطأ في تطبيق المنهج النقدي، وليس عن إلحاد أو تجديف، لكنه يمثل خطأ منهجياً في استخدام أدوات نقدية مثيرة للجدل في تحليل نصوص غير أدبية، وفي مثل هذه الحالات فان الرد يجب أن يكون داخل نفس الإطار الفكري، وعلى تلك الأسس "([42])، والإشارة واضحة إلى كتابات د.نصر حامد أبو زيد، في كتابه، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، أو غيره من الكتاب من أمثال محمد شحرور، في كتابه، الكتاب والقرآن.
ولهذا نجد (د.حمودة) يعدُّ الدعوة التي تنادي بتطوير حداثة لا تفصل بين سيادة العقل أو الفكر العلمي وبين الدين، هي من الدعوات القوية والأكثر معاصرة في الوقت الحالي، إذ ارتفعت دعوة " في قلب الحضارة الغربية ذاتها إلى تصفية المشروع التنويري بعد أن أوصلت سيادة العقل والعلم هذه الحضارة إلى طريق مسدود أبرز علاماته كبت الذات، التي قام المشروع التنويري لتحريرها أصلاً، فضلاً عن سيادة القيم المادية، قيم السوق ورأس المال، والتفتت والتشرذم والتراجع المؤسي للقيم الروحية، من أبرز ملامح الدعوات لتصفية المشروع التنويري الغربي تلك الدعوة القوية التي ظهرت في السنوات الأخيرة من القرن العشرين للعودة إلى القيم الروحية التقليدية، أو لضرورة تطوير حداثة لا تفصل بالضرورة بين سيادة العقل والفكر العلمي وبين الدين، وهذا اختيار ما زال، لحسن الحظ، قائماً بالنسبة لنا، مشروع التنوير الغربي استغرق أكثر من ثلاثة قرون في تاريخ الفكر الغربي قبل أن يدرك العقل الغربي صلابة الحائط الذي يواجه الحضارة الغربية في نهاية الطريق، أما نحن فما زال أمامنا حرية الاختيار والانتقاء "([43])، ويضيف قائلاً إنّ العالم " الغربي اليوم، الذي ينبهر بعضنا بإنجازاته الحداثية وما بعد الحداثية إلـى درجة العمى عن إدراك الاختلاف، هذا العالم قد بدأ مرحلة الحنين إلى الماضي: ماضي التقاليد والنظام والتوازن الصريح بين منجزات العقل وتحقيق الذات والقيم الدينية، بعد أن اقترب العالم الغربي نفسه من حالة الهمجية والفوضى، ويزداد الحنين حدة في الثقافات التي فرضت عليها الحداثة وما بعد الحداثة مـن الخارج عن طريق قوة استعمار قاهرة (…) فإذا كان أصحاب الحداثة الغربية أنفسهم يشعرون بالحنين(nostalgia) إلى الماضي بمراتبيته وطقوسه فكيف بنا، بكامل إرادتنا، ندخل السباق المهلك للتغيير القائم بالدرجة الأولى على تحقيق قطيعة معرفية مع الماضي "([44])، فهذه الإشارات لهي دليل قوي على وجهة نظرنا بأنّ (د.حمودة) ينطلق من رؤية معرفية لا تفصل بين الثقافة والدين.
2- المفاهيم الثنائية لمنهجه الفكري:
إنّ هذه الرؤية هي التي انبثقت عنها المفاهيم الثنائية التي تبناها في منهجه الفكري، والتي تمثلت بما يأتي:
أ‌-       مفهوما الاختلاف والاتفاق:
إنّ اختلاف رؤيته الكلية لمصادر المعرفة عن الرؤية الكلية الغربية في عدم فصل الدين عن المعرفة ومن ثم فإنّ الدين أو الوحي هو مصدر معرفي، سينبثق عنه مفهوم الاختلاف إلا أنّ ذلك لا يعني الاختلاف بصورة مطلقة مع الرؤية الغربية، لأنّ الرؤية الإسلامية التي يتبناها تتفق مع الرؤية الغربية في كون العقل والحس أو التجربة مصدرين أيضا للمعرفة ولكنهما ليسا المصدرين الوحيدين، مما يقتضي أنّ يكون مفهوم الاتفاق أيضاً من المفاهيم الأساسية في منهجه ومقارنا لمفهوم الاختلاف، ومن ثمة فإنّ هذا المنهج سيرى أنّ الثقافات الإنسانية غير متماثلة وغير متفقة في كل شيء، أي أنّ في كل ثقافة لابد من وجود خصوصيات تخصها لا تدخل ضمن المشترك الإنساني، أو النتاج العالمي، وتخص واقعها التي أنتجت فيه، وكذلك لا يعني هذا أنّ الثقافات متضادة في كل شيء ولا يوجد ما يجمعها، بل لابد من وجود ما يتفقون عليه، ويتبع بعضهم بعضا مع وجود الدليل، إلا أنّ ذلك لا يعني تبنى ما سمي بمبدأ المقايسة الذي يجعل من يتبناه يبحث عن التماثل والتطابق بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية فحسب تحت مؤثر أيديولوجي غربي([45]).
ثم إنّ ممارسة حق الاختلاف كما يذهب (د. حمودة) لا يعني بالضرورة صحة مقولات الثقافة العربية أو المثقف العربي المنتمي لها، أو خطأ مقولات الآخرين، وتقبلنا لمقولات الآخرين واتفاقنا معهم لا علاقة له بوجود تلك المقولات ومدى تأثيرها، ثم إنّ اختلافاً معها لا يبطل وجودها أو تأثيرها، ولا يعني كذلك اتهام المخالفين بالجهل أو القصور أو التقصير، ما دام يقوم هذا الاختلاف على الحوار البناء، ومقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل([46]).
وهذا الاختلاف يقع كما يرى (د.حمودة) على مستويين، على المستوى الفكري، وعلى مستوى الواقعي، فعلى المستوى الأول نجد (د.حمودة) لا يسلم بالموضوعية المطلقة لما انتجته الحداثة النقدية وما بعدها، وما قبلها ومصطلحاتها النقدية، ويؤكد انحيازها، للفكر والثقافة التي انطلقت منها([47]). ونحن نتفق معه في ذلك إذ لا نسلم بفرضية من يرى بأنه علينا التغاضي عن تحيزات ونقائص الحداثة حتى نندمج بها ونصبح جزءً منها([48])، لأنّ التغاضي عن تحيزات المقولات النقدية الغربية، والرؤية الفلسفية الكلية المنطلقة منها، يجعلنا نقرأ تلك المقولات قراءة جزئية ومنقوصة، لا تصل إلـى الأبعاد الحقيقة لتلك المقولات، بل إنّنا نجردها من شروطها التاريخية، ونوظفها فـي سياقات مختلفة عنها، بل متنـاقضة ومتضـادة معها([49]). فهناك اختلاف بين الثقافتين الغربية والعربية بصورة عامة، واختلاف بين الفكر الحداثي وما بعد الحداثي، وبين الفكر العربي بصورة خاصة، فالأزمة هي أزمة حضارية ثقافية فكرية بالدرجة الأولى([50]).
أما على المستوى الثاني، فيذهب (د.حمودة) إلى أنّ العالم الغربي هو عالم صناعي اقتصادي إنتاجي، في حين أنّ العالم العربي هو عالم استهلاكي، مستهلك لمنتجات الصناعة الغربية المتقدمة على الرغم من كل شعارات التصنيع والتحديث التي رفعها العالم العربي لما يقرب من قرنين، بل إنّ الاختلاف في التطور الصناعي والزراعي والاقتصادي يوجد داخل الواقع الغربي والدول الاستعمارية المسيطرة نفسها، ومن ثم فإنّ اندفاع دول العالم الثالث ومنها الدول العربية في اتجاه الحداثة أو ما بعد الحداثة الغربية دون أن تتوفر لها الحالة الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزتها، هو شبيه بتبني نتائج تقوم على مقدمات ليست مقدماتها، فإنّ النتيجة المؤكدة هي وقوع المجتمعات في حالة فصام مرضية، واختراق لثقافتنا العربية([51])، لأنّ ذلك سوف ينعكس على المجتمعات، مع أنّ هناك اختلافاً واضحاً بين المؤسسات الاجتماعية ووظائفها في المجتمع العربي وعلى رأسها الأسرة، وبين المؤسسات الاجتماعية الحداثية وما بعد الحداثية([52]).
ولهذا نجد (د.حمودة) يرى أنّ الحداثة الثقافية والنقدية على وجه الخصوص وما قبل الحداثة وما بعد الحداثة، ما هي إلا نتاج-بدرجة ما- لواقع غربي خاص بها، بكل أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية والفكرية الفلسفية خصوصاً، أي أنها لم تنشأ من فراغ، بل هي النتاج الطبيعي والمنطقي لتطورات الفكر الغربي الفلسفي بمذاهبه المختلفة، منذ القرن السابع عشر وحتى الآن، وثوراته العلمية الصناعية التي قلبت موازين العلاقات التقليدية فـي مجتمعاتها، وهـي تطورات خاصة بالواقع والإنسان الغربي، وهي تطورات أدت بصورة ضرورية إلى ظهور المدارس الأدبية والنقدية بمصطلحاتها الخاصة التي تكتسب دلالتها وشرعيتها من ذلك الفكر بالدرجة الأولى، والتي تفسر ردود الفعل التـي تثيرها الحداثة أو الحداثات الثقافية وما قبلها وما بعدها، ثم إنها بالطبع تفسر التعديلات المختلفة التي تدخلها كل ثقافة على مشاريعها النقدية. وعليه فإنّ نقل مفاهيمها ومصطلحاتها النقدية -كما يذهب (د.حمودة)- إلى الثقافة العربية في عزلة عن خلفيتها الفكرية والفلسفية سوف يفرغها من دلالتها، ويفقدها القدرة على تحديد معنى معين، ونقلها بعوالقها الفلسفية سوف يؤدي إلى الفوضى والاضطراب، بل يعده نوعاً من الترف بل العبث الفكري-كما يصفه- وذلك لأنّ القيم القادمة مع تلك المصطلحات تختلف بل تتعارض أحياناً مع القيم المعرفية التي طورها الفكر العربي المختلف-كما يعلل ذلك-، لذلك يتساءل: كيف يمكننا نقل تلك المصطلحات بنفس المفاهيم التي تكتسب دلالتها من انتمائها للفكر والثقافة التي أفرزتها في المقام الأول، إلى الثقافة العربية المختلفة تمام الاختلاف عن مناخها الفكري؟ وعليه فإنّ عدم إدراك ذلك الاختلاف بين الثقافتين سيؤدي إلى الوقوع في خطر التبعية الثقافية للأخر الغربي([53]).
ثم إنّ مفهومي الاختلاف والاتفاق يقتضيان وجود أمور ثابتة في كل ثقافة تمثل خصوصيتها واختلافها عن الثقافة الأخرى، فضلاً عن وجود المتغيرات التي قد تكون من المشتركات بين الثقافات وإمكانية الاستفادة من ثقافات الآخرين لتقديم حلول لها، وهذا يجعلنا ننتقل إلى الثنائية المفهومية الثانية المكونة لمنهجه الفكري.
ب-مفهوما الثابت والمتغير:
إنّ هذين المفهومين مرتبطان بالمفهومين السابقين، فإذا سلمنا بوجود الاختلاف، فلابد من وجود أمور ثابتة لا تتغير مسلم بها وغير قابلة للنقاش، تتحيز لها الثقافات وتمثل خصوصيتها وتتأسس عليها، وتنطلق منها رؤاها الكلية، ثم إنّ كل حركة متغيرة لابد لها من محور ثابت ومن فلك تدور فيه، فلا وجود للحركة المطلقة من كل قيد، ولا وجود للتطور المطلق لكل الأوضاع والقيم.
والثابت: لغة هو كل ما لازم الشيء ولم يفارقه، يقال ثبت فلان في المكان يثبت ثبوتا، هو ثابت إذا أقام به. وأثبته السُّقم إذا لم يفارقه([54])، واصطلاحاً هو ضد المتغير، فكل شيء لا تتغير حقيقته بتغير الزمان فهو شيء ثابت، ومنها الحقائق الثابتة الأبدية التي لا تتغير، كما يطلق الثابت على الموجود، أو على الأمر الذي لا يزول بتشكيك المشكك([55]). أما المتغير: لغة فهو الذي يتحول من حال إلى حال أخرى مختلفة، تقول غيّرت الشيء فتغيّر، وتغايرت الأشياء إذا اختلفت([56])، فهو اصطلاحا ما يمكن تغيره، أو ما يمكن تغييره، أو ما ينزع إلى التغير([57]).
فما هو المبدأ المعرفي الثابت في منهجه الفكري، الذي تبناه وأسس عليه، وأثر في مواقفه وأراه النقدية ؟ إنّ هذا المبدأ هو (مبدأ الثنائية: القائم على علاقة الوسطية المتوازنة).
- مبدأ الثنائية القائم على علاقة الوسطية المتوازنة:
وهذا المبدأ يقر بالثنائيات المعرفية ولا يقصيها، لصالح الأحادية المادية أو المثالية، وهو ينطلق من رؤية للوجود، لا تختزل الواقع أو الوجود إلى عناصره الأولية المادية، أو إلى عناصر مثالية، بل إنّ الوجود يضم عناصر من المحدود واللامحدود، التي تعد صدى للثنائيات الكبرى، ثنائية الخالق والمخلوق، الإنسان والطبيعة، ولذلك فهي لا تركز على الكلي دون الجزئي، ولا على العام دون الخاص، ولا على الاستمرار دون الانقطاع، ولا على عكس هذه الثنائيات، فالعالم هو كل متماسك مكون من كليات متماسكة مكونة بدورها من أجزاء متماسكة لكل شخصيتها ووظيفتها المقدرة وقيمتها في ذاتها، ولكنها لا تفهم إلا بالعودة إلى الكليات، ولكنها ليست كليات صلبة مادية، بل إنّ مركزها ومصدر تماسكها يوجد خارجها، ولذا فهي تظل كليات فضفاضة تحوي ثغرات داخلها، وعليه فإنّ هذه المعرفة تحاول الوصول إلى خصوصية الظاهرة وتنوعها دون أن تهمل عموميتها، وتحاول الوصول إلى النقط المفصلية التي تصل بين ظاهرة وأخرى وتفصل بينهما، دون أن ترد الجزء إلى الكل، أو الخاص إلى العام، أو تفرض الاستمرارية على الانقطاعات([58]). إنّ المنهج الفكري الكلي الذي ينطلق من هذا المبدأ القائم على علاقة الوسطية والتوازن والتكامل، يرفض مبدأ الأحادية الاقصائية، المادية أو المثالية، الذي يتبناه المنهج العلماني، بل يخالفه كليا، لأنّ مبدأ الأحادية يختزل الواقع إلى أحادية واحدة في تعليلاته وفي رؤيته، وهي إما أحادية مادية تختزل الواقع أو الوجود إلى عناصره الأولية المادية وتقصي ما عدا ذلك كما عند الاتجاهات التجريبية الغربية، أو أحادية مثالية، تختزل الواقع إلى عناصر مثالية وتلغي ما دون ذلك، كما عند الاتجاهات الذاتية الغربية. بل هو يُسجل المتغيرات كما يُسجل الثوابت، ويعترف بالنسبي كما يقر بالمطلق.
فهذا المبدأ يسلم بالتعددية السببية وتعددية المؤثرات في فهمنا للطبيعة والإنسان وتفسيرنا لهما، لان الظواهر الطبيعية والإنسانية معقدة ومركبة، فهي غير بسيطة، فمن الخطأ ردها إلى عنصر مادي واحد، وإنما لابد من النظر إلى الظاهرة بأبعادها الكاملة، ومن ثـم يتم  بعد ذلك تحديد أكثر الأبعاد فعالية أو تأثيراً([59])، ومن ينطلق من هذا المبدأ لا يحاول تفسير ما هو إنساني بما هو طبيعي غير إنساني، فيخضع الإنسان والظواهر الاجتماعية بشكل مغلق لمنهج الضبط والقياس والتحكم والتفسير، أي لممارسات مناهج البحث في العلوم التجريبية نفسها، وهي المنهجية التي يتم عن طريقها فرض الواحدية المادية على جميع مستويات الوجود، وفرض منطق الأشياء على الإنسان، واختزال العالم إلى بعد طبيعي مادي واحد، تسري عليه القوانين العامة الطبيعية، ومن ثم تسقط الأبعاد القيمية، الغائية والأخلاقية...الخ, وتظهر الحتميات المختلفة التي تفسر مستويات الوجود المختلفة, بشكل حتمي مادي مما يفضي إلى تركيز المعرفة على الكمي وما هو محسوس ومحدود وما يقاس ماديا, على حساب الكيفي وغير المحسوس واللامحدود ومالا يقاس مادياً, وهذا ما يسمى بوحدة العلوم, وإنما ترى بأنّ الإنسان لا يمكن تجاهله لصالح الطبيعي أو المادي، والتاريخ لا يمكن إسقاطه لصالح الحاضر, وكيفية الجمع بين هذه الثنائيات هو جوهر أطروحتها, فضلاً عن أنّ العلوم الإنسانية هي مستقلة عن العلوم الطبيعية وعن العلوم الشرعية, مع وجود علاقات تكاملية فيما بينها([60]).
وهذا يقتضي الاجتهاد في القراءة، والتثبت والتبين عند الأخذ من فكر الآخرين، والابتعاد عن التقليد سواء أكان تقليدا للتراث الغربي أو للتراث العربي والإسلامي، وهذا الأمر يقودنا إلى مفهومي الاجتهاد والتقليد.
ج- مفهوما الاجتهاد والتقليد: إنّ الاجتهاد العلمي يتطلب من الباحث بذل ما في وسعه في طلب العلم، وتفريغ غاية جهده في تحصيل المقصود بحيث يحس من نفسه العجز عن المزيد، والابتعاد عن التقليد، الذي هو الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، بحيث يوجب عليك قبوله ويلزمك إياه، مع جواز الإتباع الذي هو الرجوع إلى قول ثبت عليه حجة ودليل بحيث يوجب عليك قبوله([61]).
إنّ البحث يرى أنّ (د.حمودة) استخدام هذه الثنائية المفهومية في خطابه النقدي بصورة متكررة([62])، فهي تعد من المفاهيم الرئيسة في منهجه الفكري، وصفة العلمية في وصف الاجتهاد لا تقتصر عند (د. حمودة) على العلم بمفهومه التجريبي، فالعلم بحسب الرؤية التجريبية الغربية، يشير إلى معنى ضيق ينحصر في المعرفة التي تحكمها قوانين المادة، والتجريب المادي فحسب، فيفسر كل الظواهر على أساس مادي تجريبي، فيقبل ما يثبت التجريب المادي وجوده وصحته، ويرفض ما يثبت التجريب المادي عدم وجوده أو صحته، أو حتـى مـا لا يقبل القياس أو الحكم التجريبي([63]). فـي حين أنّ (د.حمودة) يرفض حصر مفهوم العلم بهذا الإطار الضيق، لأنّ هذا العلم بمعناه الضيق التجريبي إذا كان قادراً على تفسير الموجودات الحسية فهو يقف عاجزاً عن تفسير العديد من الظواهر الميتافيزيقية، وهذا ما أدركه العقل الغربي أخيراً، لذلك فإنّ (د.حمودة) لا يقبل تطبيق قواعد العلوم الطبيعية والتطبيقية أو تعميمات التاريخ الطبيعي أو قوانين الفيزياء على أمور لا تخضع للتجريب والقياس العلمي بهذا المعنى الضيق ولا ينبغي إخضاعها له، مثل العلوم الإنسانية، ويتبنى مفهوماً واسعاً وشاملاً للعلم، أوضحه شكري عياد بأنه معرفة منظمة أو نافعة، يقينية أو غير يقينية أي ظنية، تشتمل على قضايا كلية يمكن تسميتها أحكاماً عامة، أو قواعد، أو قوانين، تنطبق على كل حالة خاصة، يمكن أن تعرض مما يدخل تحت موضوعها([64])، فتحت هذا المفهوم يمكن أن يدخل مفهوم العلم التجريبي ومفاهيم العلوم الإنسانية والشرعية، لأنها جميعها معارف تنطبق عليها صفة التنظيم والنفع، واليقينية والظن، فضلا عن احتوائها على أحكام عامة أو قواعد أو قوانين.
وانطلاقاً من هذا المفهوم نجد أنّ (د.حمودة) يشترط بذل الجهد والوسع لفهم منجزات العقل العربي (التراث/ الأصالة)، وإنجازات العقل الغربي (الحداثة وما قبلها وما بعدها/ المعاصرة)، لكي نستطيع الوصول إلى آراء أدبية ونقدية عربية ناضجة، وعدم تبسيط الأمور والأخذ بأبسط الحلول المتمثلة بالتقليد، والسقوط بخطر التبعية الغربية، وبذلك نزيل التكلسات التي رسبتها عصور الانحلال الطويلة فوق تراث البلاغة العربية حتى نعيد الاتصال وليس القطيعة مع ذلك التراث ونطوره في ضوء معارفنا، ومعارف الآخرين الجديدة، ليصبح أكثر خصوصية وارتباطاً بالعقل العربي([65])، مع إدراك الاختلاف بين الثقافتين العربية والغربية، وإدراك ثوابت ومتغيرات كلّ منهما، ومن ثم انعكاس ذلك على الآراء والمفاهيم والنظريات والمصطلحات، مما يؤدي إلى تحيزها للرؤية الكلية الفكرية المعرفية التي انبثقت عنها.
ثم إنّ هذا لا يمنع من الاستفادة من ثقافة الآخرين وإتباعهم إذا توفر الدليل والحجة على آرائهم وأقوالهم، دون تقليدهم تقليداً أعمى من دون توفر دليل يلزمنا بذلك، لهذا نجد (د.حمودة) لا يدعي لرؤيته وآراءه النقدية أن تكون جديدة كل الجدة، بل إنّ هذا أمر مستحيل في العلوم الإنسانية بخلاف العلوم الطبيعية([66]). ونحن نتفق معه في ذلك إذ إنّ الظن بوجوب الصيرورة إلى اجتهاد علمي جديد يفي بحاجة النقد الأدبي العربي في عالم سريع التغير ظن صحيح، لكننا كأننا أسرتنا جاذبية الاجتهاد الجديد والتطور والتقدم من أجل التطور والتقدم، وطرافتهم فشغلتنا عن تدقيق العلم اللغوي والبلاغي والنقدي السابق، الذي فيه العديد من الحلول التي تفي بحاجاتنا المعاصرة، مما يعفينا من تكلف اجتهاد جديد.
3- أثر مفاهيم منهجه الفكري في عدد من مواقفه وآراءه النقدية:
أ- ثنائية الحداثة والتحديث:
إنّ (د.حمودة) لا يتبنى الدمج بين هذين المفهومين في كتاباته النقدية، وهذا أمر أجده طبيعيا وضروريا في منهجه الفكري لأنه يتبنى مبدأ الثنائية القائم على علاقة الوسطية المتوازنة، وهو بخلاف ما ذهب إليه الحداثيون الغربيون عندما دمجوا بينهما، وموقفهم هذا لم يأت اعتباطاً، بل له إطار مرجعي أو رؤية فلسفية كلية للوجود والمعرفة، أو تركيبة ثقافية معينة، فالحداثيون عدّو من معاني الحداثة-كما يذهب د.حمودة مستشهداً بكلام د.جابر عصفور- بأنها " البحث الذي لا يتوقف لتعرف أسرار الكون والسيطرة عليه فكرياً وعلمياً "([67])، وذلك ليضفوا على ثقافتهم صفة العالمية والعلمية، التي لا تقبل الاختلاف، فالحداثة الثقافية الغربية تبنت ذلك المفهوم الضيق للعلم، وجعلته جزءاً لا يتجزأ من مفهوم حداثتها  " إلى درجة يؤكد معها الجميع أن الحداثة في أحد معانيها الجوهرية صنو العقلنة أو العقلانية أو مرادف لها "([68]) أي العقلانية التجريبية، ومن هذه الحداثة، الحداثة النقدية التي سعت إلى تكوين علم نقدي أدبي، فأنتجت البنيوية الأدبية، المعتمدة على البنيوية اللغوية.
في حين أنّ (د.حمودة) لا يدمج مفهوم العلم بمعناه التجريبي بمفهوم الحداثة، إذ يرى أنّ التحديث يعني " الحفاظ على منجزات العقل العربي مع الاستفادة من منجزات العقل الأوربي في العلوم والتكنولوجيا "([69]) والحقائق العلمية، والمختبرات التجريبية، فهو يقوم بالفصل بين الحقائق العلمية التي لا تقبل الجدل والاختلاف، مثل دوران الأرض حول الشمس، والتي ترتبط  بالتحديث، وبين الآراء ووجهات النظر والرؤى المختلفة، التي تقبل الاختلاف، والتي ترتبط بالحداثة، فليس صحيحاً أنّ هذه الاستفادة لا تتم إلا بتبني الحداثة بأخطائها وصوابها، بعيوبها ومحاسنها، بشرها وخيرها، والارتماء الكامل في أحضان الحضارة والثقافة الغربية، والوقوع في خطر التبعية الثقافية لها، فالحداثة الثقافية، هي ليست حقائق علمية لابد من التسليم بأفكارها وطروحاتها، بل هي إنجازات ثقافية غربية لها خصوصيتها، يمكننا الاتفاق أو الاختلاف معها، ولا تعني هذه الاستفادة ضرورة القطيعة المعرفية مع الماضي أو التراث بكامله، وإنجازات العقل العربي واحتقارها، وعدم الانطلاق منها، لبناء إنجازاتنا الحاضرة، وإنّما هذا سوف يعني قطع جذورنا مع واقعنا وحضارة وثقافة امتنا والوقوع في خطر الغربة أو الاستغراب والابتعاد عن الهوية الواقية([70]).
فدوافع " نشر الحداثة الغربية في الثقافات الأخرى ليست الرغبة البريئة في نشر سيادة العقل والتفكير العقلاني، بل الرغبة في سيطرة المركز الحداثي على الثقافات الواقعة على المحيط بهدف استغلالها تجاريا وصناعيا وعن طريق الاستعمار غير المباشر "([71])، والاستعمار الغربي مارس خديعة كبرى " مع الشعوب المقهورة حينما ربط بين الكونية الجديدة والعقلانية بكل ما فيها من إغراءات وغواية. لكنه قبل ذلك كان قد قصر العقلانية على عقلانيته هو، على قوميته الخاصة، وهكذا حينما يبيع لنا الغرب الكونية الجديدة فإنه يبيع لنا نسخته القومية الخاصة من سيطرة العقل والحداثة. ونسخة الغرب العقلانية تقوم على عدم الاعتراف بأي مكتسبات من الماضي، ولهذا تدعو للتخلص من كل المعتقدات والأنظمة السياسية والاجتماعية التي لا تتأسس على العقلانية والعلمية "([72]).
ب- ثنائية الحداثة والتراث:
إنّ عملية التطور في العلوم الإنسانية حسب مفهوم (د.حمودة) لا يلغي اللاحق فيها السابق، فيصبح اللاحق ثقافة تقدمية والسابق ثقافة رجعية، بل إنّ التطور يأخذ شكل أمواج متداخلة، وحلقات يربط بعضها بعضاً، فيبطل بذلك أنّ من لوازم العلمية والثقافة هو القطيعة المعرفية مع المعطيات السابقة والتراث والماضي، كما ادعت الحداثة والنقد الحداثي، فتاريخ "الفكر لا يمثل بالضرورة موجات متعاقبة أو متوالية تكمل الواحدة منها الأخرى اتفاقاً أو اختلافا، لكنه في الواقع يمثل موجات يكون فيها التداخل أكثر من التعاقب المحدد البدايات والنهايات "([73]). لذلك يرى أنّ " المدارس والمذاهب النقدية منذ عصر النقاد الأول، وحتى الآن، تتطور على شكل دوائر يكون فيها تداخل المحيطات أكبر بكثير من تباعدها "([74])، وبناءا على ذلك يتبنى الدعوة إلى التطوير انطلاقا من التراث ومرورا بالحاضر، الانطلاق من الدراسات الجادة للتراث، "والتأسيس عليها، بما يتفق مع روح العصر ومتطلبات العالم الجديد في عصر العولمة وثورة المعلومات بهدف تطوير نظرية نقدية عربية خاصة بنا "([75]).
لهذا فإنّ (د.حمودة) ينتقد شرط الحداثة النقدية الغربية وجوهرها، ورفضه الشديد لكون القيم والمبادئ الجمالية الأدبية التراثية القديمة العربية أضحت قرينة إطار مرجعي مرفوض، صار التمرد عليه قرين التحرر الفردي الذي ينطلق من إطار مرجعي مضاد، هذا الإطار المرجعي المضاد الجديد يعني استبدال الحاضر بالماضي، والغرب المتقدم بالشرق المتخلف، والحداثة بالتراث الذي أصبح من الضروري القطيعة المعرفية معه أو هدمه، ومن ضمنه القطيعة مع القيم الجمالية والأدبية والأصول النقدية القديمة والتعويل على الأصول النقدية الغربية التي هي ليس من صنع العقل العربي المتخلف ولا من تراثه، بل من صنع الغرب المتقدم الذي أصبح اللحاق به منذ ذلك الوقت حلا لأزمة التخلف، وهذا التحرر من الإطار المرجعي القديم ونتاجه المعرفي والقيمي المتخلف المكبل للحريات اتخذ تسمياتٍ متعددةً وصيغاً متنوعةً، فهو تحرر وثورة مثلاً على التقاليد السائدة، أو على القيم والأعراف المهيمنة، أو خروج على المعايير المستتبة، أو هو إدانة للمجتمع وقوانينه وأنظمته لما فيه من ظواهر التخلف والتعسف والكبت والظلم والتشويه، أو هو دعوة لأنسنة الدين وتغيير الفكر العربي القديم المتخلف والعاجز عن التفكير الكلي والمركب وتوقفه عند الجزئيات، أو هو في مجال الإبداع تحطيم للأساليب التقليدية، أو يأخذ شكل اتهام اللغة العربية بالقصور…وغير ذلك، فخطاب (د.حمودة) يرفض قرن الإطار المرجعي العربي القديم بصفة التخلف، بل يذهب إلى أنّ العقل العربي القديم لم يكن متخلفاً ونتاجه غير علمي، ولم تكن الثقافة العربية القديمة مفلسة أبداً، وهو ينتقد هذا الاحتقار المعلن أو الخفي لإنجازات العقل العربي القديم أو تجاهل هذه الإنجازات([76]).
بل إنه يرى أنّ الأطر الثقافية والقيم المعرفية العربية متميزة ومغايرة تماماً للأطر الثقافية والقيم المعرفية الغربية، لذلك فهو يرفض تبني أي إطار فكري غربي بصورة كاملة وعد ذلك تحيزاً وسقوطاً في التبعية للثقافة الغربية، وهو مع الاستفادة والتزاوج مع الضروري مـن فكر الآخر الحديث، إن كـان منسجماً مع الثقافة العربية والواقع العربي، وبذلك نستطيع تطوير هوية واقية من فناء ثقافة المغلوب فـي ثقافة الغالب، فضلا عن أنّه لا يميل إلى تبني الفكر الغربي وحداثاته المختلفة، فهو كذلك لا يميل إلى تبني أصولية دينية تدعو إلى القطيعة مع الآخر، بل هو يتبنى العودة إلى الأصول وتطوير حداثة عربية دون انسحاب جزئي أو كلي من ثقافة الآخر وحضارته، فهو مع تحديث العقل العربي ذاته في آليات ومناهج أدائه دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى قبول مقولات الحداثة الغربية من ناحية، أو أًصولية مغالية تقهر الذات وحرية التفكير والتعبير من ناحية أخرى، ولتحقيق ذلك لابد من الفهم الكامل للحداثة الغربية حتى يتم اختيار ما يغني الفكر العربي([77]). مع الانطلاق من التراث، ورفض موقف من يرفض التراث العربي القديم بشكل لا يخلو من الحدة، أو موقف من يدعو صراحة إلى تحقيق قطيعة معرفية مع التراث قبل تحقيق تحديث العقل العربي، أو موقف من يحاول إمساك العصا من منتصفها بين التراث العربي والحداثة الغربية، فينادون بوسطية ثقافية نقدية ثم يستخدمون كل أدوات المناهج النقدية الحداثية وما بعد الحداثية الغربية ومصطلحاتها([78]). فهو مع الموقف الوسطي الذي يتعامل مع التراث من موقف اتصال مع عدم الانفصال عن الحداثة الغربية([79]).
فهو يرفض أن يكون التراث العربي القديم مرادفاً للجهل والتخلف، وأنه قد فقد شرعيته التاريخية، مع فتح باب الاجتهاد في التعامل مع التراث النقدي والبلاغي العربي([80]).  لذلك يسعى في خطابه إلى البحث كما يقول " عن توازن أكثر خصوصية بثقافتنا بين تحديث الحداثة الغربية والقيم الدينية والروحية العربية "([81]) كما يصفها، ويحاول تخليق (synthesis) نظرية أدبية من معطيات عربية وغير عربية في تأكيد انتمائه إلى الجذور الثقافية العربية والاتصال بالآخر([82]). وقد استطاع العقل العربي أن يحدد موقفاً خاصاً به ولاسيما في باب البلاغة والنقد الأدبي، معتمداً في ذلك على الاستعارات التي لا يمكن إغفالها وعلى خاصية الثقافة العربية وأغراض الشعر العربي الخاصة، أي أنه استطاع أن يطور موقفاً أصيلاً مـن ناحية، ومعاصراً يمكن وضعه داخل تيار النقد العالمي في القرن العشرين من ناحية أخرى([83]). أمـا اللغة العربية فقد عبرت عـن الثورة الفكرية العربية فـي مجالات الرياضيات، وعلوم الفلك، والطب، والفلسفة، وتم نقلها إلى الثقافات الغربية عبر قنوات كثيرة، أبرزها الوجود العربي في الأندلس، وساهمت في تحقيق النهضة الأوربية([84]).
فهو يحاول الانطلاق من وسطية متوازنة متكاملة، أكثر خصوصية بالثقافة العربية كما يصرح، توازن بين العلم التجريبي الإنساني وبين العلم الإلهي، بين الخطاب الإنساني وبين الخطاب الإلهي، بين تحديث الحداثة الغربية وبين القيم الدينية والروحية الإسلامية، فهي منطقة وسط يأخذ فيها المثقف العربي من التراث أفضل ما فيه، ومن الآخر خير ما يقدمه وما يتناسب مع ثقافته العربية وتراثه الخاص، فهو توازن صحي بين إنجازات العقل العربي وإنجازات العقل الغربي، يرتكز على الوعي بالحاضر بدلاً من تقديس الماضي، لا يرفض الجديد كله، ولا يقبله كله، ولا يقف عند القديم يتفاخر بإنجازاته في سلبية وعجز، بل يتعامل مع التراث من موقف اتصال، مع عدم الانفصال عن ثقافات الآخرين وفتح باب الاجتهاد العلمي في ذلك، فعلاقة (د.حمودة) بالتراث هي علاقة اتصال وانفصال متزامنين، فهي عودة للتراث لتأكيد شرعيته لا شرعية الحداثة، والتمسك بهذا التراث وإحيائه وتطويره([85])، ثم إنّ " قراءة النص القديم لا تحقق عملية تأثير الماضي في الحاضر فقط، بل تأثير الحاضر في الماضي بالقدر نفسه. فنحن [كما يقول] عندما نقرأ نصاً لعبد القاهر عن الصورة الشعرية فلابد أنّه يؤثر في فهمنا المعاصر للصورة لغوياً وبلاغياً، وفي الوقت نفسه فان القارئ الحديث، وهو يحمل تحت جلدة وعيه كل ما يعرفه من التراث النقدي، داخل أرشيفه الثقافي، الذي جاء بعد عبد القاهر، من ناحية، وتراثه الحاضر من ناحية أخرى، يدرك أشياء لم يدركها الماضي–عبد القاهر في هذه الحالة–عن نفسه "([86]). أي أنّه يحاول قراءة التراث ضمن سياقه ومحيطه التاريخي الخاص، وفي عصره الذي عاش فيه، مع عدم إسقاط مفاهيمه المعاصرة عليه، وبذلك سوف ينفصل عنه ثم إنّ هذه المفاهيم التراثية سوف تؤثر في مفاهيمنا المعاصرة وواقعنا النقدي فنحاول توظيفها فيه، فضلاً عن إضافة ما استجد من اجتهادات نقدية علمية، لم يدركها التراث، في عصره([87]).
فهو في سعيه لإيجاد مذهب أو نظرية أدبية عربية، يسعى أن تكون وسطية توازن بين القيم الدينية والأخلاقية وبين الحرية الجمالية المطلقة، فرؤيته النقدية لا ترفض القيم الدينية والأخلاقية، كما تحرر الإبداع من قيود الحكم القيمي على أساس تلك القيم في الوقت نفسه([88]).
فهو يرى أنّ " الموقف الفقهي من الشعر والشعراء في صدر الإسلام كان أقل صرامةً وتشنجاً بشكل واضح من موقف المتطهرين (Puritans) الأوربيين منذ منتصف القرن الخامس عشر الذي قام على رفض جميع أنواع الإبداع لكونها محققة للذة، مما لا يتفق مع طبيعة العقاب المفروضة علـى أبناء آدم لكونهم حمالين للخطيئة الأولى، خطيئة العصيان، ولم يستثن من ذلك الحظر إلا الكتابات الدينية والشعر الديني "([89])، المنتمي للمتطهرين بالطبع بخلاف الكتابات والأشعار الدينية الأخرى. إلا أنّ (د.حمودة) وجدناه يشترط وجود إطار مـن القيم يتقيد بها المبدع في كتابته، بوصف الإبداع نتاج الوعي فضلا عن اللاوعي، ويتقيد بها الناقد أيضا في قراءته وتقييمه للنص الأدبي([90]).






· جامعة الموصل - كلية الآداب – قسم اللغة العربية.
([1]) ينظر: الخروج من التيه، مطابع السياسة، الكويت، 1424هـ-2003م: 102-105.
([2]) ينظر: ما وراء المنهج: تحيزات النقد الأدبي الغربي، د.سعد عبد الرحمن البازعي، ضمن كتاب، إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد، تحرير: د.عبد الوهاب المسيري، الجزء1، مؤسسة انترناشيونال جرافيكس، الولايات المتحدة الأمريكية، ط2، 1417هـ-1996م: 267، 273. تأملات حول إشكالية المنهج في نقد الشعر الحديث، د.صلاح فضل، مجلة الأقلام، بغداد، العدد1، 1986م: 108-109.
([3]) ينظر: ما وراء المنهج: 268، 271، 275-276.
([4]) المرايا المحدبة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1418هـ-1998م: 62-63. وينظر: المرايا المقعرة، مطابع الوطن، الكويت، 1422هـ-2001م: 154.
([5]) ينظر: المرايا المحدبة:61، 63-64.
([6]) ينظر: المصدر نفسه: 29، 41-43، 63-64، 161. المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، شكري عياد، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1993م: 15.
([7]) ينظر: المرايا المقعرة: 20-24.
([8]) الخطاب النقدي وإشكالية العلاقة بين الذات والآخر، أ.د.شكري عزيز الماضي، مجلة الموقف الثقافي، بغداد، العدد9، 1997م: 16.
([9]) المرايا المقعرة: 24.
([10]) المصدر نفسه: 170.
([11]) ينظر: المرايا المقعرة: ولاسيما العنوان الفرعي للكتاب وهو (نحو نظرية نقدية عربية)، فضلا عن أنّ مطالعة الفهرسة تُشير إلى أنّ الجزء الثاني من الكتاب، يسمه بـ (وصل ما انقطع: نحو نظرية نقدية عربية)، والذي ضم فصلين، الأول معنون (بالنظرية اللغوية العربية) والثاني (بالنظرية الأدبية العربية). الخروج من التيه: 8، 11، 287، 321، 352.
([12]) ينظر: إشاراته المتكررة في المرايا المقعرة، لهاتين النظرتين: 11، 12، 13، 184، 186، 189، 190، 193، 194، 195، 197، 198، 200، 209، 211، 213، 214، 215، 218، 219، 220، 221، 222، 233، 243، 244، 251، 252، 257، 261، 262، 264، 269، 270، 273، 275، 288، 289، 304، 305، 306، 307، 308، 309، 310، 312، 313، 314، 316، 319، 320، 324، 325، 326، 328، 331، 332، 333، 334، 335، 336، 341، 344، 346، 347، 350، 351، 352، 353، 354، 365، 372، 374، 378، 381، 382، 385-386، 391، 392، 403، 410، 415، 416، 436، 443، 446، 458، 461، 465، 466، 467، 471، 476، 489، 490، 491.
([13]) ينظر: المرايا المقعرة: 9-13.
([14]) ينظر: أثر القرآن في تطوير النقد العربي إلى آخر القرن الرابع الهجري، د.محمد زغلول سلام، دار المعارف، القاهرة، ط3، (د.ت): 263-299. نظرية الإعجاز القرآني وأثرها في النقد العربي القديم، د.أحمد سيد محمد عمار، المطبعة العلمية، دمشق، ط2، 1421هـ-2000م: 175-280.
([15]) ينظر: المرايا المقعرة: 416-417، 491.
([16]) ينظر: المرايا المقعرة: 313.
([17]) ينظر: في معنى المنهاجية الإسلامية, أ.د.لؤى الصافي, ضمن كتاب: دورة المنهاجية الإسلامية في العلوم الاجتماعية: حقل العلوم السياسية نموذجا، إعداد وإشراف: أ.د.نادية محمود مصطفى و أ.د.سيف الدين عبد الفتاح، مركز الدراسات المعرفية، القاهرة-مصر، 1423هـ-2002م: 66.
([18]) ينظر: نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة, د.راجح عبد الحميد الكردي، الكتاب الثاني، دار الفرقان للنشر والتوزيع، عمان، ط2، 2003م: 75، 116, 234.
([19]) ينظر: المصدر نفسه، الكتاب الأول: 92، 157-159. الكتاب الثاني:74.
([20]) ينظر: تكوين العقل العربي، د.محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت-لبنان، ط7، 1998م: 29.
([21]) ينظر: تحليل مقارن للنماذج المعرفية الإسلامية والغربية, د.أحمد داود أغلو, ضمن كتاب: نحو نظام معرفي إسلامي(حلقة دراسية)، تحرير د.حسن فتحي ملكاوي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، عمان-الأردن، ط1، 1420هـ-2000م: 119، 122.
([22]) ينظر: المرايا المحدبة: 68-70، 91-92.
([23]) المرايا المحدبة: 110.
([24]) المصدر نفسه: 67. 
([25]) المصدر نفسه: 67.
([26]) ينظر: الكلمات والأشياء، ميشيل فوكو، ترجمة: مجموعة من المترجمين: 292-293، 294-295. المرايا المحدبة: 245.
([27])  ينظر: المرايا المحدبة: 66-67، 70.
([28]) ينظر: تكوين العقل العربي: 28-29.
([29]) ينظر: المرايا المحدبة: 106، 245-246.
([30]) ينظر: الخروج من التيه: 89.
([31]) ينظر: المرايا المقعرة: 194-195.
([32]) ينظر: المرايا المحدبة: 38، 74-75، 92-93. الخروج من التيه: 15-16.
([33]) المرايا المقعرة: 91.
([34]) المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين: 66-67. وينظر: المرايا المحدبة: 35.
([35]) ينظر: المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين: 66-67. المرايا المحدبة: 35، 36، 64. المرايا المقعرة: 54-55.
([36]) ينظر: نقد الحداثة، ألان تورين، ترجمة: أنور مغيث، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة، 1997م: 29-30. المرايا المقعرة: 56.
([37]) ينظر: تحليل مقارن للنماذج المعرفية الإسلامية والغربية: 116-118، 121، ومصادره.
([38]) ينظر: تاريخ الفلسفة الغربية: الفلسفة الحديثة، برتراند رسل، الكتاب الثالث، ترجمة: د.محمد فتحي الشنيطي، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1977م: 112. تحليل مقارن للنماذج المعرفية الإسلامية والغربية: 117، 120، 130. معالم نظرية المعرفة في القرآن الكريم، د.عرفان عبد الحميد فتاح، ضمن كتاب: نحو نظام معرفي إسلامي: 160.
([39]) ينظر: المرايا المقعرة: 91.
([40]) ينظر: نقد الحداثة: 29-30. المرايا المقعرة: 54-56.
([41]) ينظر: المرايا المحدبة: 36، 64.
([42]) المصدر نفسه: 36.
([43]) المرايا المقعرة: 482.
([44]) المرايا المقعرة: 64. وينظر: نقد الحداثة: 472-473.
([45]) ينظر: الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة: تداخل الأنساق والمفاهيم ورهانات العولمة، د.عبدالله إبراهيم، المركز الثقافي العربي، بيروت-لبنان، الدار البيضاء-المغرب، ط1، 1999م: 17-29، 30.
([46]) ينظر: المرايا المقعرة: 8، 12، 105.
([47]) ينظر: الخروج من التيه: 8. المرايا المقعرة: 8-9.
([48]) ينظر: المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين: 15.
([49]) ينظر: الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة: 7-8.
([50]) ينظر: المرايا المقعرة: 52-53، 55-56.
([51]) ينظر: المصدر نفسه: 58، 59، 61-62. المدينة وظهور الحداثة، ريموند وليامز، ضمن كتاب: الحداثة وما بعد الحداثة، إعداد وتقديم: بيتر بروكر، ترجمة: د.عبد الوهاب علوب، مراجعة: د.جابر عصفور، منشورات المجمع الثقافي، أبو ظبي- الإمارات العربية المتحدة، ط1، 1995م: 146-147. ما بعد الحداثة والمجتمع الاستهلاكي، فريدريك جيمسن، ضمن كتاب: الحداثة وما بعد الحداثة: 257-258. نقد الحداثة: 243-244، 246-247.
([52]) ينظر: المرايا المقعرة: 64-65. نقد الحداثة: 32-33.
([53]) ينظر: المرايا المحدبة: 10-11، 63، 70، 81، 84. المرايا المقعرة: 22، 50، 52، ومصدره. عصر البنيوية من ليفي شتراوس إلى فوكو، اديث كيرزويل، ترجمة: جابر عصفور، دار آفاق عربية للصحافة والطباعة والنشر، بغداد، 1985: 15، 202، 259. مدخل إلى قراءة النص الشعري: المفاهيم معالم، محمد مفتاح، مجلة فصول، العدد1، 1997: 249.
([54]) ينظر: لسان العرب المحيط، ابن منظور، تقديم: عبدالله العلايلي، إعداد وتصنيف: يوسف خياط، دار لسان العرب، بيروت-لبنان، (د.ت)، المجلد1: 346، مادة (ثبت).
([55]) ينظر: المعجم الفلسفي: بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية، د.جميل صليبا، دار الكتاب اللبناني، دار الكتاب المصري، بيروت-لبنان، القاهرة-مصر، 1991م، الجزء2: 373.
([56]) ينظر: لسان العرب، المجلد2: 1035، مادة (غير).
([57]) ينظر: المعجم الفلسفي، الجزء2: 330.
([58]) ينظر: فقه التحيز، د.عبد الوهاب المسيري، ضمن كتاب: إشكالية التحيز: 49، 99-100. في أهمية الدرس المعرفي، أ.د.عبد الوهاب المسيري، ضمن كتاب: نحو نظام معرفي إسلامي: 52-54.
([59]) ينظر: فقه التحيز : 55 ، 100 -101. في اهمية الدرس المعرفي: 52، 60.
([60]) ينظر فقه التحيز: 53-54, 100.
([61]) ينظر: أعلام الموقعين عن ربِّ العالمين، لأبي عبدالله محمد بن أبي بكر، المعروف بابن القيّم الجُوزيّة، راجعه وقدم له وعلق عليه: طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل للنشر والتوزيع والطباعة، بيروت-لبنان، 1973م: الجزء2، 197.
([62]) ينظر: المرايا المقعرة: 184، 185، 201.
([63]) ينظر: المصدر نفسه: 482-484.
([64]) ينظر: المصدر نفسه: 484-485. المذاهب الأدبية العربية والغربية: 15-16.
([65]) ينظر: المرايا المقعرة: 91، 104، 200،
([66]) ينظر: المصدرنفسه: 184.
([67]) المرايا المحدبة: 24. وينظر: أنوار العقل، د.جابر عصفور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1996م: 117-118.
([68]) المرايا المقعرة: 55. وينظر: نقد الحداثة: 29-30.
([69]) المرايا المقعرة: 30.
([70]) ينظر: المرايا المقعرة: 25-32، 35-36، 37-38، 40، 42-43، 92، 186، 197-198، ومصادره. المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين: 11-15. من إشكاليات النقد العربي الجديد، شكري عزيز الماضي: 55، 105.
([71]) المرايا المقعرة: 72.
([72]) المصدر نفسه: 72. وينظر: نقد الحداثة: 188-189.
([73]) المرايا المحدبة: 68.
([74]) المصدر نفسه: 200. وينظر: المصدر نفسه: 301-302.
([75]) المرايا المقعرة: 52-53.
([76]) ينظر: نقد الحداثة: 270. المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين: 60-62. قراءة التراث النقدي، جابر عصفور، عربية للطباعة والنشر، القاهرة، ط1، 1992م: 37-38، 46. جدلية الخفاء والتجلي: دراسات بنيوية في الشعر، د.كمال أبو ديب، دار العلم للملايين، بيروت، 1979م: المقدمة، 9. فرضية الحتمية اللغوية واللغة العربية، عبد الرحمن حامد حمد، مجلة عالم الفكر، العدد23، 2000: 10. المرايا المقعرة: 43-47، 69-70، 97، 481، 489، 491.
([77]) ينظر: المرايا المحدبة: 33. المرايا المقعرة: 59، 103-104.
([78]) ينظر: الغربال، ميخائيل نعيمة، مؤسسة نوفل، بيروت-لبنان، ط12، 1981م: 47-49. المرايا المقعرة: 166-168، ومصدره.
([79]) ينظر: الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي النقدي، الولي محمد، المركز الثقافي العربي، بيروت-لبنان، الدار البيضاء-المغرب، ط1، 1990م: 173. اللغة والإبداع: مبادئ علم الأسلوب العربي، شكري عياد، انترناشونال برس، القاهرة، ط1، 1988م: 9. المرايا المقعرة: 174-175.
([80]) ينظر: المرايا المقعرة: 168-170، 173-174.
([81]) المصدر نفسه: 56.
([82]) ينظر: الخروج من التيه: 321-322.
([83]) ينظر: المرايا المقعرة: 373.
([84]) ينظر: المصدر نفسه: 195.
([85]) ينظر: المرايا المقعرة: 31، 56، 171-185. الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي: 66، 173. اللغة والإبداع: مبادئ علم الأسلوب العربي: 9. نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، د.محمد عابد الجابري، دار الطليعة، بيروت، 1980م: 16. قراءة التراث النقدي: 14.
([86]) المرايا المقعرة: 180-181. وينظر: قراءة التراث النقدي: 14.
([87]) ينظر: المرايا المقعرة: 175-181.
([88]) ينظر: المرايا المقعرة: 422.
([89])المصدر نفسه: 421. وينظر: المصدر نفسه: 416-417، 419-422. حول روافد النقد الأدبي عند العرب: نظرة تحليل وتأصيل، أحمد طاهر حسنين، مجلة فصول، العدد1، 1985: 14. مفهوم الشعر: دراسة في التراث النقدي، ، د.جابر أحمد عصفور، المركز العربي للثقافة والعلوم طباعة نشر توزيع، 1982م: 97.
([90]) ينظر: المرايا المقعرة: 434-436.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق