الخميس، 20 يونيو، 2013

الهندسة اللغوية والثورة المعلوماتية



                                      الهندسة اللغوية والثورة المعلوماتية    
د. علي صبري فرغلـــي·
تمهيد
التحيز سمة من سمات البحث العلمي في جميع المجالات وكافة العصور، ففي كل مرحلة من مراحل البحث العلمي  يحدد الإطار النظري لمجال البحث الإشكالية الرئيسة والظواهر الدالة، ومنهجية البحث ، ويستمر الباحثون في مجال  ما  في  تحليل الظواهر الدالة في إطار النظرية السائدة في هذا الوقت مع تجاهلهم  للأمثلة المضادة (counter examples)  للنظرية مؤقتا.  وعندما تتزايد هذه الأمثلة المضادة ويتضح اكثر فأكثرقصور النظرية السائدة  يصبح المجال ممهدا لثورة علمية (كيون    1970)  وبزوغ نظرية علمية جديدة قادرة على تفسير تلك الظواهرالتي لم يكن من الممكن تفسيرها في إطار النظرية القديمة.   ويوضح كيون أن تاريخ البحث العلمي  يتمثل في فترات يسود فيها البحث العلمي المعتاد   normal science  وثورات علمية تغير من أساسيات العلم  كما حدث عند اكشاف نظرية النسبية ونظرية الجاذبية الأرضية والانشطار النووي واكتشاف غاز الأكسجين.
يتكون هذا البحث من خمسة أجزاء: نعرض في الجزء الأول تحليل توماس كيون (1970) لتاريخ العلوم ويشير تحليله  إلى أن  تاريخ العلوم يمكن النظر اليه على أته يتميز بفترات من البحث الغلمي المعتاد  يتخللها ثورات علمية تفند النظرية العلمية السائدة وتطرح بديلا يفسر ظواهر تعجز النظرية السائدة عن تفسيرها وتقدم تفسيرا أفضل للظواهر الدالة  وتطرح إطارا نظريا جديدا  يحدد  ظواهر  دالة جديدة ويعرف مناهج البحث العلمي المعتاد للحقبة الفادمة ، أي أن الثورات العلمية تمثل طفرة في مجال البحث بينما يمثل البحث العلمي المعتاد تراكمات كمية تجعل الإطار النظري أكثر دقة وتحديدا،  وفي الجزء الثاني من هذا البحث نقوم بتطبيق نظرية كيون على تاريخ البحث العلمي في اللسانيات  مبينين صحة تصوره العام بالنسبة إلى التطور في منهجية البحث اللساني من المدرسة التقليدية إلى البنيوية ومنها إلى المدرسة التوليدية. وفي الجزء الثالث من هذا البحث نوضح منهج البحث العلمي قي اللسانيات الي اتبعه علماء اللغة العرب العظام في القرنين الثامن والتاسع الميلادي. وفي القسم الرابع   ننتقل بعد مراجعة وتحليل المنهج العلمي الذي ساد البحث اللساني في المشرق العربي إلى التقدم العلمي المذهل الذي تميز به الغرب في أواخر القرن العشرين وحتي يومنا  هذا ، ونخلص إلى أننا شهدنا ونشهد ثورة علمية واقتصادية واجتماعية تفوق في أبعادها الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. وفي الجزء الخامس  نقدم نظرة مستقبلية   ونطرح فيه بعض  التساؤلات عن  موقف الباحث العربي إزاء الثورة العلمية المعاصرة والعولمة.                                                                                                  


  القسم الأول:   تأريخ العلوم
إن النظرة التقليدية لتاريخ العلوم هي  أن التقدم العلمي في علم معين هو محصلة المساهمات البحثية للعلماء الناشطين في مجال هذا العلم. وأن كل جيل من العلماء يدرس ويستوعب ما وصل اليه السابقون ثم يركز على المشكلات التي لم تحل ويقوم ببحثها وعندما يتوصل هذا الجيل لحلول وأفكار جديدة يثبت صحتها تنضم هذه الأفكار الجديدة لتصبح جزءاُ لا يتجزأ من الإنجاز العلمي في هذا المجال. وفي عصرنا هذا تمثل الكتب المدرسية في المدارس والجامعات حصيلة الإنجاز العلمي في المجال والتي يتلقاها ويستوعبها الأجيال الجديدة من الطلاب. ويتجه معظم هؤلاء الطلاب إلى الحياة العملية كلِ في مجاله مسلحين بالمعرفة والتقنية التي تمكنهم من ممارسة مهنهم بشكل مرضي.       
ويمكن أن نطلق على هؤلاء "المستهلكون"  للمعرفة. ولا يقلل ها التعبير من شأنهم إذ أنهم يقومون بدور هام في أداء خدمات أساسية في المجتمع. وكلما كان تدريبهم جيدا وعلى أعلى مستوى ممكن، كلما كانت فائدة المجتمع أكثر.                                                                                      
وهناك عدد قليل من الخريجين النابغين الراغبين في  مواصلة  الدراسة على مستويات عليا والانضمام إلى صفوف  العلماء المساهمين في تطوير وإثراء المعرفة في المجال.  ويتجه هؤلاء الى الدراسات العليا للحصول على المزيد من التدريب وخاصة في منهجية البحث وأساليبه في المجال وينضموا في حالة نجاحهم إلى صفوف العلماء الناشطين ويُُتوقع منهم القيام بأبحاث ونشر نتائجها ، وعرضها ومناقشتها مع أقرانهم في المؤتمرات العلمية ، ويساهمون بدورهم كما ساهم سلفاؤهم في الماضي وتشكل هذه الفئة ألقليلة الجيل الجديد من العلماء.
إن التصور المعتاد لتاريخ البحث العلمي مبني على أساس أن التقدم العلمي هو تراكم كمي للمعرفة بالدرجة الأولى. يطرح كيون (1970) نظرة مغايرة ، فهو يقول أن هناك في كل علم من العلوم اكتشافات باهرة لا تتكرر كثيرا ومن سماتها أنها تترك آثارا هائلة على مجال البحث. ويعطي كيون بعض الأمثلة على تلك الاكتشافات الهائلة التي يسميها ثورات علمية   ، ومن بين الأمثلة التي يطرحها كيون اكتشاف الأشعة ، وغاز الأوكسجين في أواخر القرن الثمن عشر ونظرية جاليليو عن قانون الحركة.  ونذكر منها اكتشاف نظرية الجاذبية الأرضية لنيوتن والتي فسرت ظواهر كان الجميع يلاحظونها دون أن تثير تساؤلاتهم.  تعيد هذا الثورات العلمية صياغة الإطار النظري في المجال ، وينظر العلماء نظرة جديدة لظواهر لاحظوها من قبل ولكنهم يرونها في ظل النظرية الجديدة في ضوء جديد.
تاريخ البحث العلمي إذن ، بالنسبة إلى كيون ، يتميز بفترات طويلة من الممارسة العلمية المعتادة  يتخللها ثورات علمية تعيد صياغة مجال البحث العلمي وتطرح مسائل مستجدة ومنهجية جديدية للبحث.  ونتناول في القسم التالي من هذه الدراسة شرح تطبيقي لنظرية كيون في مجال اللسانيات العامة.          



القسم الثاني: تاريخ  البحث اللساني:
إن تطور البحث العلمي في علم اللغة مثال واضح يؤكد التمايز بين فترات البحث العلمي المعتاد والثورات العلمية.  فقبل  القرن التاسع عشر كانت النظرية السائدة في علم اللغة  هي اللسانيات التقليدية وفي أواخر  القرن التاسع عشر وعلى ايدي اللساني السويسري فرديناند ديسوسور ) ظهرت النظرية البنيوية  في علم اللغة ، ثم قامت في أعقابها  ثورة علمية قادها نوم تشومسكي (تشومسكي 1957، 1965،1981،1995)  عندما اوضح قصور النظرية البنيوية وتفوق النظرية التوليدية عليها في تفسير الظواهر اللغوية. وهناك الكثير من الأمثلة المضادة للنظرية التوليدية الآن مما  يبشر بثورة علمية جديدة.    وفيما يلي نوضح الملامح الأساسية والفروق بين هذه النظريات الثلاث.
اللسانيات  التقليدية   Traditional Grammar
سادت النظرية التقليدية في اللسانيات من أرسطو  وأفلاطون  حتى أواخر القرن التاسع عشر ، ولم تنته إلا بإحلال المدرسة البنيوة مكانها.نعرض الآن السمات المميزة للنظرية التقليدية وكيف أتت النظرية النيوية بإطار نظري جديد يمثل تطورا إلى الأمام وبختلف جذريا عما سبق.
لم تكن النظرية التقليدية نظرية شاملة جامعة ، ولكنها استندت إلى مفاهيم أساسية شاعت بين جميع العلماء المهتمين باللسانيات ، وهذه هي أهم تلك المفاهيم:
1 – كابت الفكرة السائدة أن اللغة عبارة عن مجموعة من الكلمات وبعض القواعد التي تحكم ترتيب الكلمات.  وقد أثر ذلك على طرق تدريس اللغات الأجنبية ،  ونشأ منهج Grammar Translation Method  الي كان يعتمد على تلقين الطلاب مجموعة من المفردات وبعض القواعد وكأنه بها تنتهي عملية المدرس.  لم يكن هناك فهم لتحليل استيعاب اللغة لمجموعة من المهارات كالتكلم والسماع والقراءة والكتابة ، وبالتالي كان من أهم عيوب تدريس اللغات افتقاد الطالب للكفاءة proficiency  للتواصل باللغة التي يتعلمها.
2 –   كان للغة المكتوبة سحرها  واعتبر اللسانيون  اللغة المكتوبة واللغة الأدبية بالذات  هي اللغة الحقيقية الجديرة بالدراسة والتي يجب تدريسها لمن أراد تعلم اللغة. وقد أثر ذلك في مناهج تدريس اللغات إ كان المقصود هو تدريس "أفضل" نوعية من اللغة وهي اللغة الأدبية. ,لكن في طبيعة الحال لا يتكلم الناس في حياتهم اليومية باللغة الأدبية. والي ينشد إليه طلاب اللغات الأجنبية هو تمكينهم من التواصل مع متكلمي اللغة بالطريقة التي يتكلم بها الناس وليس باللغة الأدبية التي لا يتكلم بها أحد.

3 – كان اعتقادهم أن  اللغة المنطوقة أو الدارجة هي محاولة من العامة لتكلم اللغة الصحيحة  وتمثل اللغة العامية قصورهم في  ذلك.  وبالتالي لم تحظ اللغات العامية بالدراسة الكافية ولم ينظر اليها كلغات شرعية تلبي احتياجات متكلميها.

4 – اعتقدوا أن هناك  لغات راقية ومعقدة ولغات أخرى بسيطة لا تسمح بالتعبير عن الأفكار المعقدة. بينما في الحقيقة تستطيع أي لغة تلبية احتياجات متكلميها.
5 – تعريف أنواع الكلام ليس دقيقا ، فمثلا تعريف الاسم بأنه كلمة تستخدم للإشارة إلى شخص أو مكان أو شيء وأن الفعل هو كلمة تعبر عن حدث   تعريفات قاصرة وغير دقيقة.  فمثلا هناك أفعال لاتعبر عن أي حدث مثل "فكر ، تلقى ، نسي" ، كما أن هناك أسماء تعبر عن أحداث مثل "معركة ، حرب  ، شجار" ، كما أن هناك أسماء لا ينطبق عليها التعريف الذي أتوا به ، فمثلا كلمة "مشاجرة" هي اسم ولكنها لا تستخدم للإشارة إلى شخص  أو مكان أو شيء.
6 – عدم الاهتمام بتفسير عملية تعلم اللغة الأم إذ  أنهم لم يقدموا تفسيرا لظاهرة                                                 اكتساب اللغة الأم في فترة قصيرة نسبيا وبشكل نمطي مهما كان اختلاف اللغة التي بكتسبها الطفل ، ولم تحظ دراسات اكتساب الطف للغته الأم باهتمام منهم.
اللسانيات  البنيوية Structural Linguistics
 محاولة تفسير ظاهرة اكتساب اللغة الأم
بينما اعتبرت  اللسانيات التقليدية ظاهرة اكتساب اللغة الأم  ظاهرة طبيعية لا تستحق الدراسة أو التفسير، قدمت اللسانيات البنيوية تفسيرا لها ، فقد قارنت بين  اكتساب اللغة والسمات الأخرى التي يرثها الطفل عن ذويه. ولاحظ اللسانيون البنيويون أن الطفل عادة يرث ملامح عشيرته وقد يرث لون شعر والديه ولون بشرتهم وغير ذلك ولكنه لا يرث مطلقا اللغة التي يتكلم بها أهله، فقد ثبت لهم أنه لو أُخذ طفل لحظة ولادته من أهله وتربى في بيئة لغوية مختلفه فإنه يحتفظ بجميع ملامح أسرته الحقيقة ما عدا اللغة فإنه لا يعرف شيأََ عن لغتهم ويتكلم لغة عشيرته الجديدة كأي فرد منهم.
أدت الملاحظة السابقة إلى الاعتقاد أن الطفل عندما يولد يكون عقله كالصفحة البيضاء tabula raza
وأن اكتسابه اللغة يعتمد فقط على سماعه للسلوك اللغوي للذين حوله ، وأنه يتعلم اللغة عن طريق السماع والمحاكاة والتشجيع عنما ينجح في المحاكاة.
أسبقية الكلام
بينما كان اللسانيون التقليديون ينظرون إلى اللغة المكتوبة ولغة الأدب بشكل خاص  على أنها اللغة الأرقى والأولي بالدراسة فإن البنيون كانوا يرون العكس تماما.  فقد لاحظوا  أنه بالنسبة لتاريخ الإنسان سبق الكلام الكتابة بوقت طويل جدا ، وهذا يعني أن اللغة الإنسانية وُجدت واُستخدمت كوسيلة اتصال بدون وجود للكتابة لمئات الآلاف من السنين وفي الحقيقة لم يكتشف الإنسان الكتابة إلا منذ ستة آلاف سنة فقط، ومن الطبيعي إذن أن يكون الافتراض هو  أن اللغة هي التواصل الشفوي يالدرجة الأولى. وفي تاريخ كل إنسان منا ، يسبق الكلام الكتابة ، فالطفل يتكلم قبل أن بتعلم القراءة والكتابة. كما أن تعلم الطفل الكلام يتم دون حاجة إلى مدرسة أو معلم بينما لا يتعلم أي طفل الكتابة تلقائيا بل يحتاج إلى مدرس وتدريب ، كما أن كثير من الناس يعيشون حياة طبيعية دون أن يتعلموا كتابة حرف واحد في حياتهم. لهذه الأسبااب جميعا وغيرها اعتير اللسانيون البنيويون أن اللغة الدارجة التي يتحدث بها الناس في حياتهم اليومية هي اللغة الأصلية   و أن الكتابة هي أمر ثانوي بالنسبة للغة وأن اللغة الحقيقية هي الكلام وهي الأحق بالدراسة.  
ازدواجية اللغة
تحدث اللسانيون البنيويون عن ضرورة تحليل اللغة على مستويين  (Bloomfield 1933): المستوي الأول هو مستوي الوحدات الصوتية ، والوحدة الصوتية الأولية "الفونيم" لا معنى لها في حد ذاتها ، فصوت الميم وحده  مثلا لا معنى له على الإطلاق وصوت النون لا معنى له في حد ذاته، والمستوى الثاني للتحليل هو المستوى الصرفي وهو مستوي الوحدات اللغوية الصغيرة التي لها معني ، فمثلا إذا  نطقنا حرف الميم  ثم حرف النون  نشكل وجدة صوتية لها معنى. وأشار البنيويون إلى أن هناك نسق يحكم بنية  الوحدات الصوتية  كما أن هناك نسق يحكم الوحدات الصرفية ، وانه ينبغي على اللساني الذي يمارس البحث العلمي في المجال اكتشاف هذه الأنساق.
                   الدراسة المقارنة بين اللغات وإرجاع كل لغة إلى عائلتها
كان اكتشاف اللغة السانسكرتية Sanskrit    لغة الهند القديمة في نهاية القرن الثامن عشر وإعلان القاضي البريطاني السير وليم جونز الذي  كان يعمل بالبنغال أن اللغات السنسكريتية واليونانية واللاتينية تنتسب إلى سلالة لغوية واحدة وأنهم جمبعا أعضاء في أسرة اللغة الأوروبية الهندية Indo European Language   إيذانا ببدء مرحلة جديدة من مراحل البحث اللساني.
وأصبح  من الظواهر الدالة للسانيين البنيويين أن يدرسوا تاريخ اللغات وقد توصلوا إلى إرجاع معظم لغات العالم إلى أصولها التاريخية ، بل وطورا أساليب ومناهج متعددة لوصف اللغات التي اندثرت عن طريق مقارنة اللغات الأبناء ورصد المتشابهات بينهم والتي يستنتج منها أن تلك السمات قد "ورثت" من اللغة الأم. ومن بين نتائجهم التوصل إلى اصول العربية والعبرية وقاموا بعمل أشجار تمثل علاقات اللغات الأم باللغات الحالية. وأصبح "النحو المقارن" Comparative Linguistics  و "النحو التاريخي"  Historical Linguistics يمثلان نشاطا أساسيا لعلماء اللغة.
 الموضوعية في البحث
اهتم اللسانيون في العصر الحديث بأن تصبح اللسانيات علما مثل باقي العلوم الطبيعية ، ووضعوا منهجية صارمة لكي تكون نتائج البحث اللساني موضوعية بعبدة عن الأحكام  الذاتية تماما. وكانوا في هذا الشأن يحاولون  محاكاة  البحث العلمي في الكيمياء والطبيعة حيث تجري التجارب في المعامل وتكون النتائج واحدة لا تختلف باختلاف من يقوم بالتجربة ، وأرادوا أن يضعوا طرقا محددة للبحث اللساني بحيث تكون نتائج البحث واحدة لا تتأثر باختلاف القائم بالبحث.  وقد اهتموا اهتماما  كبيرا بالرصد والتمحيص وكثيرا ما استخدموا أجهزة التسجيل لجمع المادة اللغوية ثم إخضاعها للتحليل الدقيق ، وبذلك ابتعدوا عن الأحكام الذاتية تماما. ومن أهم إنجازات العالم اللساني السيسري جي سوسير أنه ميز بين الدراسة للغة في تطورها التاريخي diachronic study of language  ودراستها في حالتها الراهنة synchronic study of language  (فرديناند دي سوسير 1916).    
ومن أهم المفاهيم الأساسية للمنهج البنيوي أن لكل لغة منظومة من العلاقات أو مجموعة من المنظومات المتداخلة تجمعها علاقات التشابه والتضاد. وأنه يجب وصف كل لغة طبقا لبنيتها الخاصة وعدم فرض بنية لغة على أخرى.
ساد المنهج البنيوي البحث العلمي اللساني، واتبعت كل الأبحاث اللسانية هذا المنهج في دراسة وتحليل اللغات في العالم ، وهذه هي فترة الممارسة الاعتيادية في البحث العلمي التي يتحدث عنها كيون (1970). وأثناء الممارسة الاعتيادية للبحث العلمي يكتشف العلماء نواحي القصور في الإطار النظري الذي يتبعونه ، ولكنهم عادة ما يتجاهلون نواحي القصور هذه إلى أن تأتي ثورة علمية جديدة تضع إطارا نظريا جديدا وتحدد ظواهر دالة مختلفة. وهذا ما حدث في عام 1957  عندما طرح توم تشومسكي النظرية التوليدية (تشومسكي 1957  ، 1965، 1981 ، 1995)  حين أوضح قصور النظرية البنيوية وقدم نظرية جديدة تماما كبديل لها.
اللسانيات التوليدية  Generative Grammar
إعادة تعريف المنهج العلمي
تمثل أفكار نوم تشومسكي ثورة علمية في اللسانيات ، وقد قاومها بشدة اللسانيون البنيويون  في البداية إلا أنه بعد سنوات قليلة  اتبعت الغالبية العظمى من اللسانيين الأمريكيين النظرية الجديدة وبدأوا يمارسون أبحاثهم اللسانية باستخدام الإطار النظري التوليدي ، وتبعهم في ذلك معظم اللسانيين في العالم.
            تفسيرالظواهر الإنسانية   وليس  مجرد  وصفها
بينما كان مجرد  تحليل النص موضوعيا هو هدف اللساني البنيوي  اعتبر نوم تشومسكي الوصف والتحليل ضروريا ولكن ليس كافيا ،  فكل إنسان يستطيع وصف الظواهر الطبيعية ورصدها ، فكل إنسان مثلا كان يلاحظ تعاقب الليل والنهار  ولكن الملاحظة وحدها لم تنتج علما. إن العلم يسعى لتفسير الظواهر الطبيعية وليس مجرد رصدها. وهو يقول أن الملاحظة والرصد ضروريان للتفسير ولكنهما وحدهما ليسا كافيين للتوصل إلى النظريات العلمية. ويرى تشومسكي أن نجاح العلوم الطبيعية في العصر الحديث يرجع إلى متابعتها البحث عن المبادىء التفسيرية التي تنفذ إلى عمق الظواهر المنتقاه لدلالتها التفسيرية. ويرى تشومسكي أن أي محاولة جادة لفهم المعرفة اللغوية وبلوغ مستوى كاف من العمق التفسيري لابد أن ترتكز على ثلاثة مبادىء رئيسة:

1 -   التجريد  abstraction  ويقتضي  هذا  تجاهل الاختلافات السطحية والنفاذ إلى البنية العميقة حيث يمكن اكتشاف الأنساق التي تحكم الظواهر الطبيعية ، كما يقتضي التجرد بناء نماذج مجردة. ومن الأمثلة المعروفة في هذا الشأن إختلاف الماس عن الفحم. فقد كان الظن الشائع أن الفرق بين الفحم والماس يرجع إلى اختلاف المادة المكونة لكل منهما. وأثبت البحث العلمي أن المادة لكل منهما واحدة.
2 – الطبيعة الرياضية:  أن تكون لهذه النماذج المجردة طبيعة رياضية نظرا لدقة المنهج الرياضي ، والرياضيات تمثل لغة دقيقة تمكن من وصف الظواهر الطبيعية بدقة. وقد ظهرت اللسانيات الرياضية Mathematical Linguistics   كأحد الفروع الأساسية للسانيات التوليدية ، وكان لها تأثير كبير في تطوير اللسانيات الحاسوبية.
3 – المرونة الابستمولوجية: هذه النماذج الرياضية المجردة إكثر واقعية إلى حد ما من الاحساسات العادية للعلماء.
يقول تشومسكي  إن هدف البحث اللساني هو وصف المعرفة اللغوية (الفاسي الفهري 1986)  وليس السلوك اللغوي. فمن المعروف أن النص اللغوي قد لا يكون تعبيرا أمينا عن المعرفة اللغوية لدي المتكلم. فقد يكون المتكلم في بعض الأحيان تحت تأثير عوامل لا علاقة لها بكفاءته اللغوية مثل الاجهاد أو التشتت ، أو شرود الذهن أو السكر وقد يؤثر ذلك على سلوكه اللغوي.  وفي هذه الحالات لا يكون سلوكه اللغوي تعبيرا صادقا عن معرفته اللغوية. وميز تشومسكي (Chomsky, 1965) بوضوح بين الكفاءة اللغوية linguistic competence   والسلوك اللغوي performance.
وانتقد تشومسكي البنيويين لأنهم قصروا أبحاثهم على البنية السطحية للغة surface structure   وأصر على أن لللغة بنية عميقة deep structure   جديرة بالدراسة،  وأشار تشومسكي إلى أن تحليل البنية السطحية – أي ما يقوله الناس  - فقط لا يفسر كثيرا من الظواهر اللغوية ، وانه لفهم كثير من الظواهر اللغوية لابد أن يتعدى اللساني البنية السطحية إلى البنية العميقة  وهو يستشهد بالتالي:
A – John is easy to please.
B – John is eager to please.
يقول تشومسكي أن هاتين الجملتين متماثلتان، ولكن في الحقيقة هما مختلفتان تماما حيث أننا يمكن أن نقول
It is easy to please John.
بينما لا يصح أن نقول
It is eager to please John.
 
وفي اللغة العربية أيضا  تختلف الجملتان التاليتان
عبد الكريم سريع الغضب
عبد الكريم سريع الحركة
فالمقصود في الجملة الأولى أن أشياء صغيرة ممكن أن تغضب عبد الكريم ، بينما لا تعني الجملة الثانية أن هناك أشياء تحرك عبد الكريم.  
    العقل الإنساني هو موضوع البحث
يختلف هدف البحث اللساني في اللسانيات التوليدية عنه في اللسانيات البنيوية. فبينما كان الهدف في الإطار النظري اللساني هو دراسة النص فإن الهدف عند تشومسكي هو دراسة ما وراء النص أي دراسة  العقل الإنساني لأنه يسعي لوصف المقدرة اللغوية والتي تتواجد نشكل محسوس في العقل الإنساني كما ثبت من دراسة السلوك اللغوي لدي المصابين باصابات في المخ. 
إعادة تفسير ظاهرة اكتساب اللغة الأم
تحدد اللسانيات التولبدبة أحد إهداف البحث اللساني الرئيسة بأنه تفسير ظاهرة اكتساب اللغة الأم. وتتلخص هذه الظاهرة في استعداد أي طفل لتعلم النسق اللغوي لجماعته اللغوية في فترة وجيزة نسبيا لا تتعدى أربع أو خمي سنوات بدون معلم ، وبصرف النظر عن صعوبة أو سهولة تلك اللغة ، وأنه يستخلص هذه المعرفة اللغوية الهائلة من سماعه للسلوك اللغوي لقومه الذي يشوبه كثير من الأخطاء في معظم الأحيان  فنحن لا نتحدث للطفل بنفس الطريقة التي نتحدث بها إلى الكبار   ورغم ذلك فإن الطفل يكتسب اللغة الصيحية، ويرى تشومسكي أن ذلك يشير إلى وجود قواعد كلية في جميع اللغات universal grammar  ، وأن هناك علاقة بين العقل الإنساني وهذه القواعد الكلية ، وأن الطفل يولد وعنده نظرية عن طبيعة اللغة الإنسانية شأنه في ذلك شإن عالم اللغة. وأن على  اللساني اكتشاف نظرية اللغة التي يولد بها الطفل. تحدد هذه النظرية شكل وبنية اللغة الإنسانية كما تحدد مدى التفاوت الممكن بين  اللغات.
هدف اللسااني التوليدي إذن هو الكشف عن هذه القواعد الكلية، وهكذا تتعدى اللسانيات التوليدية العناية بتغطية النصوص اللغوية التي بمكن ملاحظتها إلى العناية بتفسير ما وراء النصوص. أي تحديد المعرفة اللغوية التي جعلت النص ممكنا.                    
القسم الثالث:    اللسانيات العربية
لا تختلف اللسانيات العربية في تحيزها  للظواهر الدالة الجديرة بالدراسة والبحث عن المدارس اللسانية الأخري التي تحدثنا عنها في القسم السابق.  وسنتناول في هذا القسم السمات الساسية التي تميز البحث اللساني العربي.

   الإشكالية الرئيسة
تميزت الدراسات اللسانية لدي القدماء بوضوح هدف البحث اللساني الذي تركز في امور تطبيقية:
          1 – فهم القرآن الكريم فهما صحيحا واستنباط  القوانين الصوتية  التي تمكن من تلاوته ، ومعرفة ما في أحاديث السنة الشريفة
          2 – حفظ اللغة العربية من "اللحن" بعد الفتوحات الإسلامية واعتناق  العديد من الشعوب الأخرى دين الإسلام وتعلمهم اللغة العربية.
          3 – الحفاظ على نقاء اللسان العربي.
وقد كان النحاة العرب واعين لهذه الأهداف.  يقول ابن فارس:
 " وأقول: إن العلم بلغة العرب واجب على كل متعلق من العلم بالقرآن والسنة والفتيا بسبب . حتى لا غنى بأحد منهم عنه. وذلك أن القرآن نازل بلغة العرب، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – عربي. فمن أراد معرفة ما في كتاب الله – عز وجل – وما في سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – من كل كلمة عربية أو نظم عجيب , لم يجد من العلم باللغة بداَ" 
وبقول الثعالبي:
"فإن من أحب الله أحب رسوله المصطفى – صلى الله عليه وسلم - ، ومن أحب الرسول احب العرب ، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي نزل بها أفضل الكتب على أفضل العرب والعجم ، ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف عليها همه"
وهكذا يتضح لنا مدى القدسية التي أحاط بها اللسانيون  الاهتمام بدراسة اللغة العربية وحبها.  ودراسة اللغة وتعلمها يتطلب معرفة قواعدها ونظمها. ولذلك كان من الطبيعي أن تتأثر المفاهيم الأساسية وطرق البحث بهذه الأهداف التي كانت واضحة – منا رأينا – لعلماء اللغة العرب. فلم تكن النظرية هي  شاغلهم الرئيسي ، ولم يهتموا بمقارنة اللغة العربية باللغات الأخرى ، وإنما انحصر جهدهم في التعمق في دراسة اللغة العربية لمعرفة أسرارها وقوانينها لفهم النصوص الدينية والمحافظة على أصالة اللغة العربية.
يقول عبده الراجحي:
" لأن ارتباط المسلمين بالنص الفرآني جعلهم يبدأون بما هو عملي قبل أن يصلوا إلى وضع "منهج نظري" لكل فرع من فروع البحث التي ارتادوها آنذاك ، كانت قراءة القرآن عن طريق "التلقي والعرض" أسبق من وضع كتب تحديد منهج القراءات، وكان التفسير بالأثر أسبق من غيره من الوان التفسير وأسبق – بلا شك – من  التأويل. وكان الفقه أسبق من الأصول. ومن هذا  التصور العام نستطيع أن نتصور الدراسة اللغوية عند العرب بحيث نراها بادئة بما هو عملي من حيث جمع الألفاظ وضبطها ثم دراسة التراكيب اللغوية قبل الوصول إلى منهج عام في درس اللغة على ما رأيناه بعد ذلك في القرن الرابع"
من هنا نرى أن دراسة اللغة العهربية عند النحاة العرب كانت لأهداف تطبيقية محددة ، ومن هنا كان الاختلاف بين أهداف البحث اللساني عند القدماء وأهداف البحث في السانيات التوليدية  التي تهدف إلى تفسير ظاهرة اكتساب اللغة.                                             
إنجازات اللسانيين العرب
     علم  الصوتيات ومستوبات التحليل
ركز علماء اللغة العرب جهودهم على تحليل ووصف اللغة العربية ، وكانت دراستهم للغة العربية على درجة من العمق والإصالة أدت إلى أن يتوصلوا إلى أسس نظرية هامة لا يمكن إلا أن تندرج تحت علم النظرية العامة لعلم اللغة. فنجد الخليل بن أحمد يقدم لنا أول تصنيف للإصوات العربية حسب موضع النطق place  of articulation  . ويمضي بعد ذلك سيبويه ويصنف الأصوات طبقا لحركة الأوتار الصوتية vocal cords ويقسمها إلى المجهور والمهموس. أما ابن جني فيتحدث عن مستويات التحليل اللساني كالمستوى الصوتي والصرفي والنحوي والدلالي مما يبين أن العرب قد تعرفوا على فروع البحث اللساني المختلفة .
كما أن التحليل الدقيق للصرف العربي المعقد قد نال وما زال ينال الإعجاب من كافة اللسانيين في العالم. وما زال يستخدم تحليلهم في برامج الهندسة اللغوية العربية لدقة التحليل وطبيعته الرياضية والتوصل لكافة مغردات اللغة العربية من خلال ما لا يزيد عن ستة آلاف جذر وعدد قليل من الأوزان لا يتجاوز عدد أشابع اليدين.  
     اتباع المنهج الوصفي
انخذ علماء اللغة العرب منذ البداية منهجا وصفيا لا معيارايا ، وكثيرا ما كان عالم اللغة  يتكبد المشقة للحصول على مادته العلمية من واقع السلوك اللغوي للعرب ، وقد سبقوا في هذا اللسانيين البنيويين بعدة قرون في وقت لم تكن آلات التسجيل الصوتسة قد أكتشفت. ولم يفرض النحاة على اللغة تصورهم لما يجب أن يكون ، بل كانوا يصفون القواعد التي تولد النص اللغوي كما هو موجود في النص القرآني وكما يقولونه العرب. ومن هنا كان تقعيد اللغة يتم بناء على السلوك اللغوي وبالاعتماد على النص.
   البنية السطحية والبنية العميقة
لم يقف البحث اللغوي عتد البنية السطحية للجملة العربية، فقد سبقوا تشومسكي في ذلك إذ شملت تحليلاتهم " المستتر" أي أن هناك عناصر لغوية موجودة في بنية الجملة ، ولكنها غير ظاهرة في البنية السطحية. كما تضمنت تحليلاتهم ظواهر التقديم والتأخير  ونظرية العامل ، والمحذوف ، ويكفي أن نذكر هنا أن علم اللغة الحديث لم يتوصل إلى مثل هذه التحليلات إلا في النصف الثاني من القرن العشرين من خلال اللسانيات التوليدية.
القسم الرابع: الهندسة اللسانية  
تحدثنا في القسم السابق عن الثورات العلمية في البحث اللساني ، ولم نتطرق على الإطلاق إلى  العلاقة بين البحث العلمي والاقتصاد. وفي هذا القسم سنتعرض إلى علاقة اللسانيات بالتطور التقني والاقتصادي وسنطور  المقولة التي اشرنا إليها في منتصف الثمانينات بأن العالم كان يشهد آنذاك  ثورة علمية هائلة (فرغلي 1988) قد أدت إلى ثورة  اقتصادية وسياسية.  وسنبدأ بالقاء نظرة تاريخية موجزة عن تطور الهندسة اللغوية منذ الأربعينات  حتى الثمانينات قبل أن نناقش بالتفصيل الثورة العلمية المعاصرة.  ونلفت نظر القرىء أن مصطلح الهندسة اللغوية هو مصطلح جديد لم يكن معروفا في تلك الفترة. وكان من التعارف عليه  في ذلك الوقت  اطلاق تعبير اللسانيات الحاسوبية الذي ما زال أيضا يستخدم حتى الآن  إلى جانب مصطلح "معالجة اللغات الطبيعية Natural Language Processing (NLP)       
       من الأربعينيات إلى الستينيات  
أتضحت الفائدة التطبيقية للسانيات البنوية على النطاق القومي في الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الحرب العالمية الثانية عندما استخدم الجيش الأمريكي بعض اللسانيين البنيويين الذين وظفوا
تقنيتهم في فك الشفرة العسكرية للجيش النازي ، كما تواكب ذلك مع ظهور الحاسوب الرقمي  digital computer   الذي أبهر اللسانيين بسرعته الفائقة. ومن الممكن أن نحدد أن الأفكار الأولى للترجمة من لغة لأخري بواسطة الحاسوب قد بدأت في نهاية 1946 في مناقشة بين وارن ويفر وأندروبوث (ويفر 1955) وكانت الفكرة السائدة في ذلك الوقت أنه يمكن استخدام  طرق حل الشفرات السرية التي اعتمدت على جداول التكرار النسبي للحروف في الترجمة الآلية  فقد كان من أهداف الحكومة الأمريكية في ذلك الوقت  ترجمة الوثائق السياسية والجتماعية والكتب العلمية التي تسربها من الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت نظرا للتنافس الشديد بين الدولتين العظميتين ولتفوق الاتحاد السوفييتي السابق في أبحاث الفضاء  وبعض المجالات الأخرى على الولايات المتحدة في ذلك الوقت.
كان ظن علماء الحاسوب وعلماء اللغة في تلك الوقت أن  مجرد إدخال قواميس تحوي مفردات اللغتين الانجليزية والروسية وبعض القواعد البسيطة التي تعيد ترتيب الكلمات حسب بنية اللغة كافيا لانتاج برامج جيدة للترجمة الآلية   وكانت عملية الترجمة تتم على النحو التالي: يدخل النص المطلوب ترجمته إلى الحاسوب الذي يقوم بمطالعة كلمات النص كلمة كلمة ويبحث عنها في القاموس الثنائي  اللغة  ،  وعندما يجدها يستخرج الكلمة المقابلة لها في اللغة الأخرى ويضيفها إلى النص المترجم مع تغيير ترتيب الكلمات  دون أي محاولة "لفهم" النص أو حتى تحليله من الناحية النحوية أو الدلالية ، وكأن الأمر في حقيقته لا يزيد عن كونه ترجمة حرفية أي كلمة بكلمة. على أنه في بعض الأحيان كان يأتي بنتائج مشجعة ولذا تحمس العلماء لإمكانية بناء برامج لترجمة كافة النصوص.  وأنفقت الحكومة الأمريكية بسخاء على مشاريع أبحاث الترجمة الآلية وكان التوقع أن يقوم الحاسوب وحده بعملية الترجمة بأكملها دون تدخل من الإنسان بكفاءة تصل إلى 95%.  
       انهيار أحلام الترجمة الآلية في الستينات
أثبت الواقع أن اللغة الإنسانية معقدة وأن هناك كم هائل من المعلومات نستخدمها في الترجمة منها المعرفة اللسانية ، ومعرفة الموضوع subject matter  ، والمعرفة بالعالم. كما أن اللغة الغنسانية غامضة ambiguous  بطبيعتها ، ومعظم الجمل لها معان مختلفة ، ونحن لا ندرك هذا لأننا نسمع الجمل في سياق معين ونستخدم معرفتنا بالعالم كي نختار تلقائيا المعنى المقصود ،   وأن الإفتراض بسهولة قيام الحاسوب بالترجمة الآلية بادخال القواميس ثنائية اللغة اليه والتغيير السطحي في ترتيب بعض الكلمات  ليس دقيقا.  لهذا لم تحقق مشاريع الترجمة الآلية في الخمسينات والستينات تقدما كبيرا رغم الإنفاق الضخم عليها. وشكلت الحكومة الأمريكية لجنة سميت Automatic Language Processing Advisory Committee  لبحث أسباب التعثر في إنتاج برمجيات الترجمة الآلية. وبعد بحث مستفيض أصدرت اللجنة تقريرا شهيرا عرف باسم ALPAC Report  (Pierce et all, 1966) الذي شكك في جدوى الإنفاق على برمجيات الترجمة الآلية وأوصى بالتركيز على البحث الأساسي في اللسانيات الحاسوبية أولا. وتوقفت الحكومة الأمريكية بالفعل عن تمويل برمجيات الترجمة الآلية حتي الثمانينات.
العلــم والاقتصـــاد العالمـــــــي
تدر ك  الدول المتقدمة والشركات الكبري أهمية البحث العلمي لازدهارها وتقدمها ولذلك تنشىء كل شركة كبيرة قسما خاصة للبحث والتطوير تكون مهمته متابعة المستجدات في المجال للاستفادة من نتائجها في تطوير منتجاتها والتقدم على منافسيها. وقد اشار الدكتور أسامة الخولي (الخولي 1986) إلى العلاقة المباشرة بين الاقتصاد من ناحية والعلم والتقنية من الناحية الأخرى.  ويكفي أن نلقي نظرة على خريطة العالم اليوم لنرى أن الدول القوية والغنية في أغلب الأحوال هي الدول الأكثر تقدما من الناحية العلمية على غيرها من الدول الضعيفة والفقيرة.
وقد شهدت السبعينات والثمانينات طفرة في البحث العلمي فمثلا بعد أن  كانت تشير الحصائيات  في الستينات إلى نقص شديد في المواد الغذائية وندرة في المواد الأولية جاءت الحقائق تقول "إن انتاج العالم من المواد الغذائية قد ازداد بمقدار الثلث في الفترة من 1972 إلى 1985 " (الرميحي 1987)، كما دلت الإحصائيات في نفس الفترة على  أن استهلاك الدول النتقدمة للمواد الأولية قد قل بنسبة 50% على الرغم من الزيادة الكبيرة في انتاج المواد المصنعة.
ومن مجالات هذه الطفرة في البحث العلمي التقدم في أبحاث الفضاء واطلاق العديد من الأقمار الصناعية ودراسة المتغيرات الجغرافية وجمع المعلومات والاستشعار عن بعد لمعرفة الثروات الكامنة في باطن الإرض ، كما حدث تقدم هائل في العلوم الطبية وزاد متوسط عمر الفرد زيادة كبيرة وتم التغلب على مشكلة زرع الأعضاء والتحكم في جنس الجنين وتحديد الخواص الوراثية،  كما حدث طفرة هائلة في صناعة الحاسوب وأصبح اقل حجما وأرخص ثمنا وأكثر قوة ، مما أمكن أن بصبح الحاسوب جزءاَ لا يتجزأ من الحياة اليومية للأفراد إذ يستخدم في البنوك والمكتبات واشارات المرور وصناعة السيارات وغيرها. وقد تدفقت الأموال في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان لتمويل البحث العلمي وانشاء مراكز الأبحاث التعددية (فرغلي 1988). وكان من الطبيعي أن تتزايد المعرفة بشكل هائل   وكلما زادت المعرفة عجز الباحثون عن متابعة كل ماينشر في مجالهم بالطرق العادية  وظهر اصطلاح تفجر المعرفة information explosion (Malnor 1985) للتعبير عن هذه الظاهرة. وأصبح من الضروري  التوصل إلى حلول لها.
الثورة المعلوماتية
تفوقت الولايات المتحدة الأمريكية على أوروبا واليابان وحققت  تقدما علميا هائلا في السبعينيات والثمانينات ، كما فازت في صراعها العلمي مع الاتحاد السوفييتي قبل سقوطه بعدة سنوات.   فقد كانت تسعى للاستحواذ على المعرفة بشكل أكبر من سعيها للاستحواذ على الأسواق التجارية لتصريف منتجاتها ، وبدأ الاقتصاد الإمريكي نفسه يتغير. فقد تغيرت السلعة الاستراتيجية من المادة المصنعة إلى المعلومة  وهذا مانعنيه بالثورة المعلوماتية أوما يطلق عليه  بعض علماء الاقتصاد الأمريكيون اقتصاد المعرفة  (Adamson, 2003; Neef, 1999, Topscott (1966) ومجتمع المعرفة الذي يلعب فيه الحاسوب دورا رئيسيا.
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                     وكما كان لاختراع الآلة والميكنة أثركبير في تطور المجتمع الإنساني من مجتمع إقطاعي إلي مجتمع رأسمالي فإننا نلاحظ  أن اختراع الحاسوب لعب دوراً أساسيا في تطور الاقتصاد من اقتصاد سلعي إلي اقتصاد أصبحت فيه المعرفة هي السلعة الرئيسة. فإن العالم يشهد الآن ثورة اقتصادية (الثورة المعلوماتية)  تفوق أبعادها نتائج  الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر(فرغلي  1987 ؛  نيف 1998)  وسنعرض لخصائص الثورة الصناعية ونقارنها بما يحدث في العالم الغربي وبالتحديد في الولايات المتحدة إبتداء من نهاية الثمانينات حتي بدايات القرن الواحد والعشرين.  سنتناول في عرضنا للمقولة قوى الانتاج ، القوى المنتجة ، السلع الرئيسة والآثار الاجتماعية والسياسية وأثر التقنية في تحول العالم إلى قرية صغيرة وذلك نتيجة  للدور الرئيسي الذي لعبه وما زال يلعبه الحاسوب وعلم اللغة في هذه الثورة المعلوماتية.
من الثورة الصناعية  إلى الثورة المعلوماتية
كان من النتائج المعروفة  للثورة الصناعية في القرن التاسع عشر تغير السلع الاستراتيجية و قوى الانتاج وعلاقات الانتاج.  فقبل الثورة الصناعية  كانت السلعة الاستراتيجية هي المنتجات الزراعية، إذ لم يكن هناك صناعة كبيرة في ذلك الوقت ، وكانت قوى الانتاج الرئيسية هي المزارعين ، وكانت علاقات الانتاج هي  علاقات استبدادية لم يكن للمزارعين حرية اختيار من يعملون له في أغلب الأحيان وكثير ما نقرأ عن بيع مقاطعة ما بأرضها وزرعها وما عليها من مزارعين ودواب.  وتمثلت الثورة الصناعية في تغيير أسس الانتاج الثلاثة ، فتغيرت السلعة الاستراتيجية من المنتجات الزراعية إلى المنجات الصناعية ، وتحولت قوى الانتاج الرئيسية من مزارعين إالى عمال صناعين وتحولت علاقات الانتاج من علاقات استبدادية إلى علاقات يختار فيها العامل  صاحب العمل وأصبح لقوى الانتاج الحق النظري في الانتقال من مكان لمكان وأن  تتفاوض من خلال نقاباتها  مع أصحاب العمل للحصول على شروط عمل أفضل وظهرت فكرة ساعات العمل المحددة.

وما يحدث الآن هو بالتحديد تكرار لما حدث في القرن التاسع عشر فقد تغيرت السلعة الاستراتيجية من المنتجات المصنعة إلى المعلومة. ويتحدث نيف (1998) بالتفصيل عن مجتمع المعرفة الحالي في الولايات المتحدة ويمكننا أن  ننظر كمثال واضح إلى الشركات الأمريكية الجديدة كشركة جوجل Google   وغيرها  التي لا تنتج أي بضاعة مصنعة والتي تحقق أرباحا خيالية لدرجة أن أسهم هذه الشركة التي طرحت لأول مرة منذ عام ونصف بسعر 85 دولارا أمريكيا قد قفز بعد سنة واحدة إلى أربعمائة دولارا للسهم الواحد.   ومن مظاهر التحول الاقتصادي الحالي هو ظهورقطاع ضخم من الشركات التي تنتج برمجيات حاسوبية متقدمة. والملاحظة الهامة التي يرصدها نيف (1998) وغيره هو تحول الهيكل العام للاقتصاد الأمريكي من قطاع التصنيع الذي كان يمثل حولي 50% من الانتاج الكلي إلى 20% فقط بينما زاد قطاع الخدمات زيادة كبيرة.  وكا تغيرت السلعة الاستراتيجية وأصبحت المعلومة فقد تغيرت قوى الانتاج الرئيسية في المجتمع الأمريكي الحالي إلى ما يسمي عمال المعرفة ، وعمال  المعرفة  هم أفراد على أعلى مستوي من العلم  والتدريب وعلى درجة عالية من الذكاء وأصحاب قدرة فذة على الابتكار. وتتنافس الشركات الأمريكية في إغراء هؤلاء العمال للعمل بها ، وتمنحهم مرتبات  خيالية  بالإضافة إلى أسهم شبه مجانية في الشركات حتى يعملوا بها كما لو كانت شركتهم الخاصة. هذه هي قوى الانتاج في الثورة المعلوماتية وعلاقات الانتاج أصبحت علاقات شبه مشاركة في الرأسمال.  أما  الشركات الصناعية التي تنتج المنتجات الصناعية فيتم تصديرها إلى الخارج للاستفادة من رخص العمالة والقرب من ألاسواق العالمية.   
الهندسة اللسانية
لعبت الهندسة اللسبية وما تزال تلعب دورا رئيسيا في الثورة المعلوماتية ، فالمعلومة تصاغ باللغات الإنسانية ، وتوجد في نص لساني ، ونظرا لتفجر المعلومات والمعرفة فإنه من الصعب بل أحيانا من المستحيل الغوص في ملايين النصوص لاستخراج معلومة هامة في وقت قصير. وقد حققت الهندسة اللسانية تقدما كبييرا في السنوات الأخيرة في مجالات استرجاع المعلومات ، الترجمة الآلية، معالجة النصوص المتعددة اللغات، التحليل الدلالي واستخراج الكائنات Entity Extraction . ولذلك يشكل مهندسو اللسانيات جزءا أساسيا من الطبقة الجديدة في  اقتصاد المعرفة.
القسم الخامس:  نظرة مستقبلية
الموقف من العولمة
كان من أهم نتائج التقدم العلمي المذهل الذي حققته الولايات المتحدة الأمريكية في السبعينات والثمانيات أنها استطاعت حسم الصراع  الذي دام طوال القرن العشرين مع المعسكر الاشتراكي والاتحاد اللسوفييتي بالذات لصالحها في عام 1990. ولا يعني انتصار الولايات المتحدة بالضرورة أن النظام الرأسمالي أقضل من النظام الاشتراكي لأن الولايات المتحدة لها خصوصية مكنتها من تحقيق هذا النصر، ويتطب هذا الموضوع  بحثا مستقلا.    قد وُلد النظام العالمي الجديد  ذو القطب الواحد ولم يعد هناك ردع للقوة الأعظم في العالم. وتخوف الكثيرون في عالمنا العربي  من مغبة انفراد الولايات المتحدة بالسيطرة على العالم  يقول محمود أمين العالم (1997) :

" إن الولايات المتحدة تستخدم التقنيات الحديثة وثورة المعلومات كوسيلة لنشر لغتها وثقافتها وقيمها الاجتماعية مما قد يؤدي إلى تهميش  دور اللغات والثقافات القومية"
صاحب ميلاد النظام العلمي الجديد تقدم هائل في مجال الاتصالات سواء عن طريق الانترنت أو الأقمار الصناعية مما ألغى الحواجز بين البلدان وأصبح العالم كقرية صغيرة ولم يعد من السهل على الحكومات أن تخفي المعلومات عن شعوبها واصبحت الانترنت متاحة لأي إنسان للتعبير عن رأي يقرأه ويراه الناس  في مختلف أنحاء العالم.
ونقول أنه لا يمكننا بل ولا نريد أن نوقف العولمة ، فكما أن العولمة تجعل ثقافتنا عرضة للتأثر من قبل الثقافات الأخرى فإنها تفتح الباب على مصراعيه لثقافتنا لكي تكون مؤثرة بدورها في الثقافات الأخرى.  إن ثقافتنا وتاريخنا وحضارتنا وقبمنا يمكن أن تشكل رافدا هاما من الثقافة العالمية التي ستتكون نتيجة تحول العالم إلى قرية صغيرة ، وقد ناشد   فرغلي (1999) المثقفين العرب بلورة مشروع حضاري ينبع من تاريخنا وديننا وتقاليدنا وعاداتنا .
المشروع الحضاري العربي للقرن الحادي والعشرين
نقدم هنا برنامجا محددا للنواحي العلمية:
أولا: يجب تخصيص 10% على الأقل من ميزانية كل دولة عربية للأبحاث العلمية الأساسية والتطبيقية.
ثانيا : القيام بحملة قومية لحث العقول والخبرات العربية المهاجرة إلى المشاركة الإيجابية في الصرح العلمي العربي
ثالثا: تطوير التعليم لغرس حب الابتكار والتجديد
رابعا: إعلاء شإن الحوار وتشريع حق الاختلاف
خامسا:  إدامة الاتصال والتعاون بين العلماء العرب سواء في داخل الوطن العربي أم خارجه.
خاتمة
يواجه العالم العربي ظروفا بالغة القسوة وهجوما  شرسا للغاية  والأمل مطروح أمام العقول  العربية في أن تنهض بسمئوليتها وتطرح الحلول الكفيلة بإنقاذ هذه الأمة. وقد طرحنا في هذه الورقة تصورنا عن البحث العلمي وأشرنا إلى ظروف العالم اليوم التي نعيشها اليوم ، وبينا أن البحث العلمي وتقدمه ساهم مساهمة كبيرة في إحداث التغيرات الجذرية في النظام العالمي ، والعولمة ، وتفجر المعلومات وتحول العالم إلى قرية صغيرة تتلاشى فيها الحدود ، ونحن لا نستطيغ تغير التطور التاريخي ولكن علينا تحويله لصالحنا ، وعلينا أن نخلق ظروفا مواتية من ظروف غير مواتية. 



                                           المراجــــــــــــــــــــع

Adamson, Deborah. 2003. The Impact of the Dollar’s Drive: Price Hile loom on Imported Goods, travel avroad.
Chomsky, Noam, 1957.   Syntactic Structures, The Hague.
_______________, 1965.   Aspects of the Theory of Syntax, MIT Press, Cambridge, Massachusetts.
___________ , 1981, Lectures on Government and Binding, Faris, Dordrecht.
___________, 1995.  The Minimalist Program, Cambridge, MA: MIT Press.
De Saussure, Ferdinand, 1916. A Course in General Linguistics, First Edition, New York Philosophical Library
Farghaly, Ali, 1998. The Arabic Language in a Global Age, Al-Arabiyya: Volume 31.
Farghaly, Ali, (ed.)  2003. “Handbook for Language Engineers”,  CSLI publications, Stanford, CA.
Kuhn, Thomas, 1970. The Structure of Scientific Revolution.
Neef, Dale. Ed. 1988. The Knowledge Economy, Boston, Massachusetts, Butterworth-Heinemann.
Neef, Dale. 1999. A Little Knowledge is a Dangerous Thing. Massachusetts, Butterworth-Heinemann.
 Pierce,  John, R.  et al., 1966. Language and Machines — Computers in Translation and Linguistics. ALPAC report, National Academy of Sciences, National Research Council, Washington, DC,.
Topscott, DON. 1996. The Digital Economy. New York, McGraw Hill.

                                               
 المراجع العربية
أسامة الخولي "الثقافة والاعتماد على الذات في الوطن العربي" الكويت أبريل 1986.
 ابن فارس "الصتحبي"
الثعالبي "فقه اللغة وسر العربية"
الخليل بن أحمد "العين" تحقيق الدكتور عبد الله درويش ، بغداد 1967.
سيبويه  "الكتاب" بولاق 1317 ه.
ابن جني "الخصائص" تحقيق محمد علي النجار ، عالم الكتب – بيروت 1983 – الطبعة الثالثة.
عبده الراجحي " فقه اللغة في الكتب العربية"  دار النهضة العربية ، بيوت 1979.
عبد القادر الفاسي الفهري "اللسانيات واللغة العربية: نماذج تركيبية ودلالية" دار تويقال للنشر – الدار البيضاء – المغرب.
علي فرغلي "علم اللغة والذكاء الاصطناعي" ورقة قدمت في الندوى الدولية الأولى لجمعية اللسانيات بالمغرب، الرباط  1987.
علي فرغلي ،" الحاسب الآلي والعلوم الإنسانية" ، في مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والانسانية ، تحرير جابر عصفور ، مكتبة دار العروبة للنشر والتوزيع ، الكويت ، 1988.
علي فرغلي "الهوية العربية وازدواجية اللغة في عصر المعلومات" في مجلة الفكر العربي: مجلة الإنماء العربي للعلوم الإنسانية ، بيروت ، العدد السادس والتسعون ، ربيع 1999.
محمود أمين العالم ،  "محرر" ، "لغتنا العربية في معركة الحضارة". سلسلة قضايا فكرية للنشر والتوزيع – القاهرة – 1997.







· Senior Member of Technical Staff Oracle USA Inc.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق