الخميس، 20 يونيو، 2013

ألوان من التحيز... تطبيق عملي على التحيز في مجال الطاقة



ألوان من التحيز... تطبيق عملي على التحيز في مجال الطاقة
أ/ عمرو كمال حمودة·
التحيز في الفكر الغربي يظهر بشكل مباشر و واضح عند تطبيقه على الموارد, وهو السبيل لتغليف السيطرة و الاستعمار و التحكم في مقدرات الشعوب النامية.
و لأن البترول في  منطقة الشرق الأوسط بما تضمه من دول عربية و إسلامية, يعتبر أهم مورد من ناحية الدخل و التأثير و الطلب عليه, فكان من المتصور أن تحصل تلك الدول على سعر عادل لبرميل البترول أو للمتر المكعب من الغاز الطبيعي, و لكن الحاصل كان عكس ذلك على طول الخط, بل صراعا داميا منذ اكتشاف البترول و من بعده الغاز الطبيعي بين المنتجين و بين الشركات البترولية الدولية و من وراءها الدول التي تعطيها الجنسية, و هي دول غربية أوروبية و أمريكية تحديدا. و قد بان "تحيز" هؤلاء على امتداد الصراع و حتى اللحظة الراهنة.

-1-

على الرغم من كل "الكلام" و "الأدبيات" التي استهلكت أطناناً من الورق و الحبر حول تحرير السوق و حول الليبرالية في التجارة و حول الشفافية, و كلها من إنتاج الماكينة الفكرية للغرب الرأسمالي, فإن الوضع القائم لا يعكس ذلك بل يختلف معه, و لنبدأ القصة من أولها!
يتوهم الكثيرون أن هناك سعر معروف لبرميل النفط المنتج في منطقة الشرق الأوسط, و لكن الأمر ليس كذلك. فهل يتصور أن أكبر منطقة منتجة للنفط و هي أيضا أكبر منطقة تمتلك احتياطي نفطي يصل إلى 60% من الاحتياطي العالمي, و رغم ذلك فإن سعر برميل النفط يتحدد وفقاً لبترول بحر الشمال المعروف باسم "برنت".
لم يعد التسعير لبرميل النفط في "يد" الدول المنتجة له, إنما انتقل لأيدي الدول المستهلكة له خاصة في الغرب الصناعي. لم يعد لدينا سوقاً بالمعنى المعروف حيث تحقق إرادة البائع مع إرادة المشتري وفقاً لقواعد العرض و الطلب التي أنتجها الاقتصاد السياسي الأوروبي, فإن كل العمليات و كافة الصفقات باتت مرتبطة بصيغة سعرية "Formula" ترتكز على خام برنت, أي أن النفط السعودي أو النفط الليبي أو النفط المصري أو النفط الجزائري, عندما تعلن أسعارهم كل فترة زمنية, فإن السعر يتحدد على النحو التالي:
(سعر الخام السعودي العربي الخفيف في أول يناير على سبيل المثال يساوي السعر المعلن لخام برنت (بحر الشمال) مضافا إليه علاوة تقدر بكذا من الدولار)
و هكذا فإن الاحتكارات النفطية العالمية قد ربطت النفط المستخرج من منطقة الشرق الأوسط بحركة سعر النفط المستخرج في الغرب, على الرغم من أن الكمية المستخرجة منه يوميا لا تساوي 10:1 من الكمية المستخرجة من دولة واحدة فقط و هي المملكة العربية السعودية! و من ثم أصبح "خام برنت" مؤشر السوق في حركة تداول نفط الشرق الأوسط, و انتهت بذلك "خرافة العرض و الطلب" لأن المتحكم الفعلي هو القابض على مسألة التسعير و على خفايا البورصة.
و لم يقتصر الأمر على التحكم في مؤشر السوق (البرنت) إنما عمدت الشركات الاحتكارية البترولية على التلاعب في هذا المؤشر نتيجة أياديها الخفية في البورصة ذاتها!
و لعل أشهر عمليات التلاعب تلك, القضية التي نظرها القضاء الأمريكي في التسعينيات من القرن الماضي و التي استمر تداولها فترة طويلة حتى سنوات قليلة سابقة, و قد عرفت بقضية "ترانز نور – TRANS NOR" و كانت بين ثلاث شركات بترولية كبيرة, منها ترانز نور و معها "إكسون – Exxon" و "كونوكو – Conoco", عندما اكتشفت السلطات الأمريكية تلاعب الشركات الثلاث بالتعاون فيما بينهم بسعر خام برنت في بورصتي لندن و نيويورك للصفقات الآجلة.. لتحقيق مكاسب خرافية في أرقامها بين فترة المضاربة الآنية و فترة المضاربة الآجلة.

-2-

و على صعيد آخر تم إعادة هيكلة السوق النفطية لتستقر على قاعدتي "المضاربة الآجلة – Futures" و المقايضة التبادلية "Swaps", و يعني ذلك تحويل كافة التعاملات و الصفقات التي تبرم, إلى البورصة الدولية للنفط و مشتقاته, كبديل عن الاتفاقات بين الدول و الهيئات الوطنية للنفط الموجودة بها, و بين الأطراف الأخرى التي تشتري النفط و مشتقاته.
و تكفينا الإشارة إلى حجم العقود التي تبرم يوميا في بورصة "سنغافورة" لمنتج أو مشتق نفطي و هي مادة "النافتا- Naphta" أو مادة السولار- Gasoil, حيث يصل حجم التعاقدات اليومية إلى أكثر من 300 صفقة بالإضافة إلى أكثر من 100 صفقة من النفط الخام وفقاً لأسعار برنت مع بورصة لندن! ناهيك عن حجم التعاملات و التعاقدات بالبورصات الأخرى سواء  في نيويورك أو طوكيو.
و لم يقف الأمر عند ذلك.
لقد ربطت الشركات الدولية الاحتكارية للنفط جزء من تعاملاتها بسلع استراتيجية غذائية يحتاجها العالم الثالث – فقامت شركات مثل "شل-Shell", "إكسون –Exxon" و "كوستال- Coastal" بتخصيص إدارات مستقلة داخل هياكلها الإدارية لتنظيم عمليات بيع النفط و المنتجات النفطية مقابل سلع غذائية حيوية و هي القمح و السكر و الذرة على وجه التحديد.
و على سبيل المثال فإن دولة كوبا اضطرت للتعامل مع هذه الشركات لمقايضة جزء من محصول السكر لديها لشراء بترول و مشتقات بترولية.
و لقد اتسعت عمليات المقايضة التبادلية بحيث دخلت فيها أطراف متعددة مثل شركات السمسرة في نيويورك و مجموعة "اليورو بروكرز- Euro Brokers" و الشركات التجارية المتخصصة في السلع الغذائية (لويس دريفوس – فيليب برازرز – مارك ريتش) بالإضافة إلى بعض البنوك مثل (كريدي ليونيه و بنك سوسييتيه جنرال و بنك كريدي سويس).
و كان من بين الاتجاهات الخطرة لهذا التوجه.. سحب السيادة تدريجيا من الهيئات الوطنية للنفط في الدول المنتجة له في التحكم في حجم الإنتاج و التسعير.
و قد بدأت هذه العملية منذ عام 1990 (مع انتهاء حرب الخليج الأولى) عندما أعلنت أربع مؤسسات مصرفية و مالية دولية تلعب الدور الأكبر في تمويل تجارة النفط على مستوى العالم و هي:
-    جولدمان ساخس – Godman Sachs
-    شيرسون لحمان – Sherson Lehman
-    سولومون برازرز – Solomon Brothers
-    بنك باريس الوطني – Banque Nationale de Paris
أعلنت هذه المؤسسات عن إصدارها لسندات و أوراق مالية مضمونة لتمويل شراء نفط خام بكميات محددة و سعر محدد عند نهاية الورقة المالية أو السند.

-3-

و يظهر التحيز في مسألة السيطرة على الوسائل الإعلامية المؤثرة في صناعة النفط و تجارته, مثل المجلات و النشرات و التقارير اليومية و الأسبوعية و الشهرية التي تبث اتجاهات السوق و الأسعار و تقدم الرؤى الغربية التحليلية لها, و من ثم صياغة الوعي النفطي و تشكيله و ضمان السيطرة عليه و توجيهه نحو المسارات التي تضعف من الموقف التفاوضي للدول المنتجة للنفط.
و من أهم التقارير المؤثرة في هذا الصدد, تقارير الوكالة الدولية للطاقة و تقارير وزارة الطاقة الأمريكية.
كان لافتاً للنظر, نشأة الوكالة الدولية للطاقة, في العام الذي تلى حرب أكتوبر 1973, و انفجار أسعار النفط و الموقف الموحد الذي اتخذته الدول الأعضاء في منظمة أوبك لتعديل أسعار النفط و تعديل شروط بيعه. و كان  قرار إنشاء الوكالة وفقاً لدراسة استراتيجية وضعها هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة و مستشار الأمن القومي وقتئذ.
و كان المعلن عن عمل الوكالة وقتها, العمل على التنسيق بين الدول الأعضاء بخصوص خطط الإمدادات النفطية و كذلك تصميم خطط الطوارئ لمساندة الدول الأعضاء في الأزمات.. أي أن الأمانة العامة للوكالة ركزت بدور سياسي أو حتى التأثير في مواقف المنتجين و بالأخص دول منظمة أوبك, و ذلك تأكيدا للمبدأ الذي روج له المؤسسون للوكالة, بأن النفط سلعة اقتصادية يخضع لقاعدة العرض و الطلب.. بعيدا عن تأثيرات السياسة و مقتضياتها.
ثم تغير موقف الوكالة عندما بدأت أسعار البترول تضطرب صعودا و نزولا و عودة منظمة أوبك للتماسك و تغليب الوحدة على التبعثر.
و اتخذت الوكالة موقفا شبه عدواني باتخاذها مواقف إعلامية عنيفة ضد أي قرار أو إعلان لمنظمة أوبك بتقليص حجم الإنتاج أو لزيادة الأسعار, و لم تكتفي أمانة الوكالة بذلك بل استخدمت التقارير الصادرة عنها – و التي لها تأثير كبير على وضع السوق و البورصات – لمواجهة سياسات منظمة أوبك, حتى أصبح من الصعب وصف هذه التقارير بالحيادية العلمية. و لنضرب مثلا على ذلك. ففي عام 2003 كانت أسعار خامات النفط في اتجاه صعودي و اتخذت منظمة أوبك موقفا قويا لعدم زيادة الإنتاج حتى لا تضعف الأسعار, فما كان من وكالة الطاقة الدولية إلا أن أصدرت تقريراً يقول الآتي:
"إن الإمدادات الإضافية من المنتجين غير الأعضاء في أوبك ستفوق حجم النمو في الطلب في السنة المقبلة مما سيضعف من جهود أوبك في الحفاظ على الأسعار المرتفعة للنفط مما نتوقع معه.. انخفاض الطلب على خامات أوبك بمقدار 700 ألف برميل يومياً".
و هذا يعني بشكل غير مباشر توجيه ضربة تحت الحزام لمنظمة أوبك و تشجيع المضاربين في البورصات لعدم المضاربة على الخامات النفطية المنتجة لدى دول منظمة أوبك. و من ناحية أخرى فإنه رغم القدرات التنبؤية و التخطيطية لدى الوكالة الدولية, فإن الأسعار لم تنخفض بل استمرت في تصاعد, و لا يعني ذلك أن تنبؤات الوكالة الدولية للطاقة كانت غير سليمة و إنما كانت مغلفة بالتحيز لتحقيق هدف سياسي و اقتصادي لا علاقة له بقاعدة العرض و الطلب!
و المدهش أن تقديرات وزارة الطاقة الأمريكية عن نفس الفترة جاءت مخالفة لتقديرات الوكالة الدولية, حيث أكدت وزارة الطاقة في تقريرها ما يلي:
          "إن تلبية احتياجات الاستهلاك الدولي من النفط سيتطلب زيادة الإنتاج بنحو 42 مليون برميل يوميا خلال الفترة من 2001 إلى 2005, و أن منظمة  أوبك, و بشكل رئيسي الدول الخليجية الأعضاء بها ستتحمل العبء الأكبر خلال العام القادم بما لا يقل عن 61% من هذه الزيادة المطلوبة! (ألا يعني ذلك أن تحيز الوكالة الدولية للطاقة إنما كان فاضحاً!)
و لدينا نموذج أحدث للتلاعب في الأرقام و الاتجاهات. فعندما عادت الأسعار للارتفاع الجنوني عام 2005 بحيث وصلت لحاجز 70 دولار للبرميل, خرج جون كلود تريشيه رئيس البنك المركزي الأوروبي على المجتمع الدولي بالتحذير من خطر رفع أسعار النفط على رفع معدلات التضخم, راميا بالبلاء و سببه على الدول المنتجة للنفط  و خاصة أوبك.
و جاءت إدانة أخرى من الجزء الآخر من الأطلنطي, حيث ذكرت الآلة الصحفية الأمريكية أن ارتفاع معدلات النمو في الصين إلى 10% أدى بطريق مباشر إلى زيادة الطلب الصيني على النفط  و من ثم ارتفاع أسعاره.
و هذا التحيز تفضحه الحقائق و التي تأتي من الغرب ذاته.
فلم يرتفع صوت لتحليل عنصر "السعر" الذي يعتبر جوهر المشكلة. فالذي لا يعرفه المواطن العادي أن سعر برميل النفط لا يصل إلى المستهلك إلا بعد إضافة رسوم و إتاوات و ضرائب و جمارك عليه يصل مجموعها في النهاية إلى 100% من سعر البرميل المعروض.
و كان التساؤل دائما لماذا لا تتخذ الحكومات في أوروبا و الولايات المتحدة قرارات لتخفيض هذه المجموعة من الإتاوات و عدم تحميلها بهذا الثقل على كواهل المستهلكين؟
و ثمة جانب آخر, فالولايات المتحدة بنموذجها الرأسمالي في التنمية الاقتصادية تستهلك يوميا ربع إنتاج النفط العالمي, كما تتحكم أسواق المال الأمريكية في بلايين الدولارات التي تستثمر في أسواق النفط و الغاز.. و يعطينا ذلك فكرة عن مدى تأثير المعلومات و البيانات الصادرة عن إدارة المعلومات بوزارة الطاقة الأمريكية على الأوضاع البترولية العالمية, خاصة العرض و الطلب.
و يقول المعلق البترولي وليد قدوري.. " لقد أصبح معروفا للقاصي و الداني, أن أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع أسعار النفط الحالية هو عقده القوانين المتعددة في الولايات المتحدة الأمريكية" و معنى ذلك انعكاس تعقد الحياة الاقتصادية و القانونية داخل الولايات المتحدة على صعوبة تطبيق مبدأ المنافسة الحرة و مبدأ حرية التجارة, و كأن النظام الرأسمالي لصالح أصحابه و شديد التحيز لمصالحهم.
و من أمثلة تعقد الحياة الاقتصادية هناك, فرض ضريبة الكاربون و التي تمنع دخول خامات نفطية معينة (ذات نسبة رصاص أكبر من غيرها) إلى السوق الأمريكية مما يؤدي بدوره إلى رفع أسعار الخامات البترولية عالميا. كذلك الإغلاق الحالي لعدد كبير من مصافي التكرير الأمريكية و نقلها إلى خارج الولايات المتحدة الأمريكية ينعكس بدوره على ارتفاع أسعار المنتجات البترولية, و أيضا الشروط البيئية المتشددة التي اعتمدها المجتمع الأمريكي لصيانة بيئة المواطن الأمريكي و صحة أولاده و مستقبلهم, لها انعكاس هي الأخرى على ارتفاع أسعار البترول طالما أن الولايات المتحدة تشترط الحصول على طاقة نظيفة أقل تلويثا للبيئة من وجهة نظر الدولة الأمريكية. فلا يصح في هذه الحالة اتهام أوبك أو الصين بأنهم السبب المباشر لارتفاع  أسعار النفط!
و ربما من المفيد أن نذكر كلمة كلود مونديل الأمين العام للوكالة الدولية للطاقة أثناء الحوار التي أجرته معه مجلة "بترواستراتيجي – Petrostrategy" الفرنسية في 28/3/2005 حينما ذكر بالحرف ما نصه:
          "إن الوكالة الدولية للطاقة تواجه صعوبة في فهم أسلوب التفكير و العمل في الصناديق التي تفرط في الاستثمار في النفط, فهذا جزء من مشكلة زيادة الأسعار".
إنها إشارة ضمنية لسبب من الأسباب الحقيقية لتزايد ألا و هو المضاربة الجشعة لصناديق الاستثمار و المعاشات الأمريكية على سلعة مطلوبة كل يوم و كل ساعة و كل دقيقة, و من ثم تحقيق مكاسب خرافية لصالح هذه الصناديق دون أي اعتبار لظروف الاقتصاد العالمي.
فلا يصح بالتالي إلقاء اللوم سواء على منظمة أوبك أو نمو الاقتصاد الصيني!
و يقودنا ذلك إلى تأكيد الفكرة التي سبق و ذكرناها حول دور الإعلام في التحيز لموقف الغرب ضاربا عرض الحائط بالموضوعية أو الحقيقة. 

-4-

و من مظاهر "التحيز" الجديرة بالنظر, تلك اللعبة المسماة "الحوار بين المنتجين و المستهلكين" و فكرة الحوار عندما بدأت استهدفت التقريب بين الطرف المنتج للنفط و الطرف الآخر المستهلك له و خاصة بعد انتهاء حرب أكتوبر 1973 و استقواء مركز منظمة أوبك في مفاوضاتها مع الدول الصناعية و الشركات الاحتكارية الدولية في تجارة النفط و مشتقاته.
جانب المنتجين طلب من خلال الحوار أن يتحدد سعر برميل النفط بالتناسب مع سعر المعدات و الآلات المنتجة في الدول الصناعية و التي يتم تصديرها إلى العالم النامي.  و لكن الدول الصناعية رفضت و ماطلت في هذا الطلب, و أعلنت تمسكها بالقاعدة الذهبية لتحديد السعر, ألا و هي العرض و الطلب.
و منذ عام 1974 و حتى يومنا هذا لم تنقطع الدعوات للحوار بين المنتجين و المستهلكين و خرج كم هائل من الأوراق و الأبحاث حول الحوار و دواعيه و أهدافه و استراتيجياته و نتائجه.. و رغم ذلك لم نصل إلى نتيجة مرضية تحقق العدالة في السعر.
فالدول المستهلكة للنفط لم تتخلى أبدا عن موقفها المتشدد و حملت مسئولية تصاعد الأسعار أو تقلص حجم الإنتاج من النفط, على عاتق الدول المنتجة,  و لم تلتزم في أي وقت من الأوقات بنتائج أو حتى روح الحوار بين الطرفين. فلقد كان الحوار من جانب الدول الصناعية المستهلكة مجرد عملية "إدارة" للحوار تعتمد على استراتيجية "التسويف و المماطلة" و هي إحدى الإستراتيجيات التفاوضية المعروفة و التي تستهدف عدم التوصل لأي نتيجة من إدارة الحوار!
أي أن المرئي المعلن.. شئ, و غير المرئي في الخباء.. شئ آخر!
ففي الوقت الذي تدعو فيه الدول المستهلكة للحوار مع الدول المنتجة  و تطالبها بألا تتخذ أي قرارات من جانب واحد لرفع سعر برميل النفط أو تقليل حجم الإنتاج, و تلح على أن يتخذ كل قرار بعد التشاور بين الجانبين.
و رغم ذلك فإن النية كانت مبيتة لهدم أسس الحوار, و التحيز لمصالح الدول الصناعية المستهلكة للنفط.
فمنذ عام 1989 طرحت الجماعة الأوروبية ضرورة قيام سوق موحدة أوروبية للطاقة من فيلاديفو ستوك شرقاً إلى الأطلنطي غرباً.
و نشير إلى كلمة للسنيور "كاجلياري" رئيس مجلس إدارة شركة إيني الإيطالية و هي من كبريات الشركات الأوروبية في مجال الطاقة. و يعتبر كاجلياري في ذات الوقت المنظر لميثاق أوروبي للطاقة. و قد قال في كلمته التي ألقاها في أعمال ندوة عقدت بمركز لندن لدراسات الطاقة عام 1990:

          "إن النفط و الغاز لدى دول الكومنولث المستقلة (الاتحاد السوفيتي سابقا) يمكنهما تغطية الجزء الأعظم من احتياجات القارة الأوروبية , مما يضع بذلك نهاية للاعتماد على نفط الشرق الأوسط, و بالتالي نتمكن من تهميش Marginalize دور منظمة أوبك. فدول الكومنولث مع بعضها قادرة على إنتاج 18 مليون برميل من النفط كل يوم و حوالي 100 مليار متر مكعب من الغاز. و في ظل هذه الفعالية سترضخ دول الشرق الأوسط لقبول نظام نفطي أوروبي و بشروطنا".


و ليس لنا أي تعليق عن مدى التحيز و أيضا عن اللهجة المستخدمة!
ثم لم تنتظر الدول الأوروبية لحين التوصل لميثاق كامل, بل أعلنت في أول سبتمبر عام 1990 عن إنشاء هيئة جديدة داخل السوق الأوروبية المشتركة أطلق عليها اسم "يوروبيا" تضم 32 شركة و مؤسسة تمثل مصالح 95% من مصافي التكرير الأوروبية, و هدفها بناء مخزون إستراتيجي – و كان ذلك للمرة الأولى- من المشتقات البترولية, و التعاون المشترك بين الدول الأعضاء في هذه الهيئة الجديدة لتغطية الاحتياجات المتبادلة في حالات الطوارئ.
و الشيء المثير, أن الدول الأوروبية كانت تهاجم باستمرار منظمة أوبك و أيضا منظمة أوابك (الدول العربية المصدرة للنفط) باعتبارها – في رأيهم – منظمات احتكارية. بينما إنشاء هيئة "يوروبيا" يعتبر هو الآخر تنظيما احتكاريا وفقاً للإطار و الآليات الناشئة عنه.
و بعد تأسيس هيئة يوروبيا بأربعة أعوام, تمكنت الدول الأوروبية من التوصل لميثاق أوروبي موحد في مجال الطاقة (عام 1994). و يتضمن الميثاق بنودا تمثل إلتزامات قانونية على الدول الأعضاء في الميثاق, و تتصل هذه البنود بأنشطة التنقيب عن النفط و الاستخراج, حتى التسويق مرورا بعبور المنتجات من حدود دولة لأخرى و كذلك تصدير الأرباح و نقل التكنولوجيا إلخ.
و هكذا فإن الحوار بين الدول المنتجة و الدول المستهلكة يتم تفريغه من مضمونه, و يتحول لمجرد "ديكور" في العلاقة الدولية.
و في تعليق مهم لوزير الطاقة الجزائري الأسبق صادق بو سنة على مسألة الحوار, يقول بنبرة بها قدر كبير من المرارة:
"منذ حرب أكتوبر 1973 و نحن نحاول إيجاد وسيلة للتحاور مع الدول الصناعية, و لكنها ترفض إقامته معنا, في حين أن الموقف الآن أكثر من أي وقت آخر.. يحتاج لأوسع المناقشات بين المنتجين و المستهلكين و إيجاد إطار مؤسسي لتبادل المعلومات و البحث عن الإمكانيات النفطية الجديدة".

-5-

و لم يقتصر التحيز على النفط فقط إنما امتد إلى مجال الغاز الطبيعي كذلك. و يلاحظ ازدياد الاهتمام بالغاز الطبيعي لأنه طاقة نظيفة غير ملوثة للبيئة.
و منذ عام 2000 فإن منتجي الغاز الطبيعي و أصحاب الحجم الأكبر من الاحتياطي في الشرق الأوسط مثل إيران, قطر, الجزائر, المملكة العربية السعودية, يحاولون بطرق عديدة لتحديد ثلاثة أمور لها أكبر تأثير على تطور صناعة النفط و حول الحصول على حقوق عادلة لبيع الغاز الطبيعي. و تتمثل الأمور تلك في الآتي:
1.      قضية تسعير الغاز و تقنين عقود البيع.
2.      إيجاد آلية لتنظيم تبادل المعلومات و الخبرات حول صناعة الغاز.
3.   إيجاد آلية لتنظيم المنافسة على الأسواق, بعد أن تحددت ثلاث مراكز مشترية للغاز الطبيعي و هي الاتحاد الأوروبي و القارة الأمريكية الشمالية و منطقة جنوب شرق آسيا.

و الحادث أن تسعير الغاز مسألة غير محددة حتى الآن. و لا توجد بورصة خاصة لتجارة الغاز الطبيعي و لا يرتبط سعر الغاز بسعر النفط الخام, كما لا توجد عقود عادلة بين منتجي الغاز و مستهلكيه, إنما عقود إذعانية يضعها مشتري الغاز على هواه لحماية مصالحه و لعدم وجود سوق تعمل بنظام "التنافسية" أو "الشفافية" و يلاحظ أن المشتريين يضعون سعرا ثابتا للغاز الطبيعي حتى لا يرتبط بأسعار النفط الخام التي يصبها التقلب و الارتفاع المستمر.
و يشرح الدكتور حسين عبد الله هذا الوضع عندما يقول:
          " تنخفض أسعار الغاز عن أسعار البترول لعدم وجود سوق عالمية تتحدد فيها أسعار الغاز, و اعتماد السعر في كل حالة على التفاوض بين المصدر و المستورد مع غلبة كفة التفاوض في صالح المستورد الذي يملك الكثير من أسباب السيطرة على مقدرات المشروع, سواء من حيث التمويل أم التسويق أم التكنولوجيا المستخدمة. كذلك يتوقف الأمر على ما تفرضه الدول المستهلكة من ضرائب على الغاز, وهو ما يعتبر اقتناصا للريع الذي ينبغي أن يحصل منتجو الغاز على جانب منه برفع سعر الغاز المصدر.
و يبدو أن "التحيز" لم يكن كافيا بالدرجة, و بالتالي ظهر اتجاه جديد,من جانب الاتحاد الأوروبي نحو مزيد من التحكم في تجارة الغاز الطبيعي.
فمنذ سنوات قليلة تقدمت مفوضية الطاقة بالاتحاد الأوروبي بتقرير على قدر كبير من الأهمية للدول الأعضاء, و قد اتسم التقرير كذلك بالغرابة.
ذلك أن التقرير في ظاهره و كأنه يدعو إلى تحرير تجارة الغاز, و لكنه في باطنه أو في حقيقته, يعبد الطريق لمزيد من القيود و لتقرير سياسة إذعانية أخرى تضع منتج الغاز الطبيعي تحت رحمة المشتري للأبد.
فالعقود الحالية تربط البائع بالمشتري لمدد طويلة و كأن المشتري هو المستهلك لما يبتاعه من غاز طبيعي من البائع, و من ثم يصبح مستهلكا نهائيا للغاز.
و يطرح تقرير المفوضية الأوروبية للطاقة, تغيير هذه العلاقة, بحيث يتمكن المشتري (الذي هو غالبا و دائما من خارج منطقة الشرق الأوسط) من بيع ما يشتريه من الغاز الطبيعي عن طريق التداول. أي أن من حقه شراء غاز من المصدر ثم يبيعه مرة ثانية أو يحتفظ بجزء لتغطية احتياجاته, و يكن له حرية التصرف فيما يزيد عن حاجته من الغاز الطبيعي.
و كان للدكتور شكيب خليل وزير الطاقة الجزائري تعليقا دقيقا حول تقرير المفوضية الأوروبية للطاقة بقوله:
"أنه في حالة تنفيذ التوجهات الأوروبية, يصبح من حق المشتري أن يتصرف بالغاز كما يريد. فيتم الشراء من الجزائر على سبيل المثال بسعر ثلاث دولارات للمتر المكعب ثم إعادة بيعه للولايات المتحدة الأمريكية بسعر عشرة دولارات, مما يدعونا للمطالبة بتقاسم الأرباح.. في هذه الحالة!"

و الشيء الملفت للنظر أن الولايات المتحدة الأمريكية و هي قلعة النظام الرأسمالي الذي ينادي و يعمل طول الوقت على تحرير التجارة و تحرير السوق, لم تفتح سوقها للغاز الطبيعي أو تقوم بتحريره إلا بعد خمسة و عشرين عاما من بداية صناعة الغاز, أي بعد أن تأسست أركان السوق و توطدت دعائمه و عرفت الدولة كيف تسيطر عليه و توجهه.

-6-

و من الألوان المثيرة للتحيز في مجال الطاقة, مسألة التحكم الكامل في "نقل التقنية المتقدمة" في إنتاج النفط أو البحث و التنقيب عنه.
إن الأساليب التكنولوجية لاستخراج النفط و البحث عنه تعتبر من الأسرار الغامضة التي يصعب على العالم الثالث أو حتى الدول المنتجة للنفط, أن تكشف شفرتها. و هو ما أدى بدولة مثل الجزائر لديها إمكانيات نفطية كبيرة إلى أن تعاني معاناة شديدة من تدهور إنتاجية الحقول البترولية بسبب تقادم أساليب الإنتاج و حجب الوسائل الجديدة عنها. فالحقول القديمة في الجزائر مثل  حاسي مسعود لم تعد تعطي نفس الأحجام الكبيرة من البراميل يوميا, و لا يعني ذلك أن الحقول قد "شاخت" فقد يحدث ذلك لحقول أخرى و لكن الوضع مختلف في الجزائر, من ناحية التركيب الجيولوجي, بما يعني أنه باستخدام تكنولوجيا أخرى غير المستخدمة حاليا, يمكن لحقل حاسي مسعود و غيره أن يستعيد نشاطه و حيويته و أن يصل لمستواه القديم بل يزيد عليه.
و هناك تكنولوجيا جديدة معقدة إلى حد ما و لكنها فعالة للغاية.. و هي الحفر الأفقي – Horizontal Drilling و التي أدت إلى زيادة إنتاجية الحقول بشكل هائل.. و هي بديل أساسي لعملية الحفر الرأسي, أو هي مترتبة عليه, و لكنها تكنولوجيا غير متاحة إلا في الغرب و لا يتم توفيرها إلا بعد اتفاقات معقدة تسمح بمزيد من الامتيازات و الحقوق الجديدة و تمثل تحيزا آخر لصالح الاستعمار الذي يغير ملابسه و لا يغير جوهره.

-7-

و لعل من أخطر أنواع التحيزات و المخاطر التي تواجه نفط الدول العربية و الدول الإسلامية هو اتفاق دول العالم الصناعي و الاحتكارات الدولية على "إجبار" الدول المنتجة للنفط على "بيع" احتياطها المخزون في باطن الأرض, و الذي يعتبر ملكا للأجيال المقبلة.. مقدما. و يعني ذلك ببساطة.. أن الدول المنتجة للنفط ستفرط طواعية في ثروتها المختزنة.. للغير. في حين أن الدول المستهلكة ستتمكن بهذه الطريقة من السيطرة  على "أصول" الدول النامية.
كيف يكون ذلك.. و هل وصل الأمر إلى هذا الحد؟ و هل تحققت هذه اللعبة الخطرة؟ و كيف تم التخطيط لها, و منذ متى بدأت هذه اللعبة و تطورت ووصلت إلى هذا الوضع الخطر؟
لنستمع إلى مقولة هامة للسنيور "كاجلياري" رئيس شركة "إني Enni" الإيطالية للنفط, هي من كبريات الشركات الاحتكارية الدولية, و التي كان لها – و مازال – علاقات قوية و روابط مع الدول العربية و الإسلامية المنتجة للنفط منذ أوائل عقد الخمسينيات من القرن الماضي.. كانت فيه شركة "إيني" حليفا للدول المنتجة للنفط, و تدعو إلى تعديل اتفاقات امتياز استخراج النفط بما يحقق قدر من العدالة للدول المنتجة, بل كانت "إيني" أول شركة بترولية دولية توقع مع إحدى الدول الكبرى المنتجة للنفط و هي "إيران" اتفاقا للكشف عن البترول بنظام المشاركة بالمناصفة (50%50% Fifty/Fifty).
و لكن الزمن تغير.. و انحسرت حركات التحرر الوطني, و استأسد الاستعمار في زمن العولمة و النظام الدولي الجديد.
يقول السنيور "كاجلياري":
"إن استقرار صناعة النفط في العالم, يتطلب التحكم الشامل و الكامل لأبعاد السوق النفطية و طرح التصورات الخلاقة لذلك. و هذا الاستقرار يأتي من اتساع حركة التجارة الدولية في الاحتياطي النفطي المدفون في باطن الأرض".
[لا تعليق! فالأمور تفسر نفسها بنفسها كما يقول المثل.]
و لكن لدينا المتسع للحديث عن القصة و كشف أبعادها و تفسير بعض جوانبها و إلقاء الضوء الساطع على تطوراتها.
لقد بدأت تلك اللعبة – شراء الاحتياطي النفطي المخزون في باطن الأرض – منذ عدة سنوات قريبة, و بهدوء و على نطاق ضيق و من خلال تعتيم إعلامي كامل, و بانتقاء مجموعة محددة من الدول المنتجة للنفط.
كان الاختيار – كما سنرى- محسوبا بدقة, فقد اختيرت مجموعة من الدول عليها مديونيات كبيرة للدول الغربية.
البداية مع دولة "نيجيريا" حيث قامت الهيئة النيجيرية الوطنية للنفط مع بداية العقد الأخير للقرن العشرين ببيع جزء من احتياطها النفطي المخزون في باطن الأرض بما يساوي 2.5 مليار دولار إلى ثلاث شركات بترولية غربية و هي:
أجيب الإيطالية Agip – شل الهولندية Shell – إلف أكيتان الفرنسية Elf Aquitaine.
و في فترة متزامنة قامت دولة أنجولا ببيع ما يوازي 15% من احتياطي حقولها النفطية إلى شركتين و هما:
شركة شيفرون الأمريكية Shevron – و ألف أكيتان الفرنسية.
و لم يقتصر الأمر على أفريقيا, فأنجولا و نيجيريا دول إفريقية.
و إنما كانت هناك دول أخرى في قارة أمريكا اللاتينية. فلقد باعت المكسيك من احتياطها النفطي ما يوازي بليون دولار لتسوية جزء من مديونياتها, و حذت حذوها كلاً من الإكوادور و كولومبيا.
و كان لافتا للنظر اهتمام الحكومة الأمريكية ذاتها بدعم الشركات البترولية الأمريكية التي عقدت النية على شراء الاحتياطي النفطي لبعض دول أمريكا اللاتينية فأعطت الحكومة الأمريكية الضوء الأخضر لبنك الاستيراد و التصدير الأمريكي لتقديم تمويل و ائتمان قدره 5.6 بليون دولار للحكومة المكسيكية لحثها على بيع جزء من احتياطها النفطي لشركات بترولية أمريكية المنشأ فقط.

إنها لعبة ممتعة للغرب, فشركات البترول الأمريكية تشتري نفط يمثل احتياطي من ثروة الدول النامية و مخصص للأجيال القادمة. و هذا النفط يشترى بسعر بخس و وفاءا لمديونيات المكسيك, و التي تقع في أحبولة أخرى عندما تحصل على تمويل جديد من بنك الاستيراد و التصدير أمريكي نحو مزيد من المديونية, إذا هي باعت جزء من احتياطها النفطي لشركات بترولية أمريكية المنشأ!
§        طب بكم يا ترى سعر برميل النفط المباع من الاحتياطي المخزون و المدفون في باطن الأرض؟
إن سعر شراء البرميل من النفط الاحتياطي يباع بحد أدنى خمس دولارات وحد أقصى عشرة دولارات, حسب درجة نقاء النفط الخام من الرصاص و درجة كثافته في الحقول.
و بدون حسابات كثيرة, أو بدون أي محاولة للحساب, فإن الشركة البترولية التي تشتري نفط مخزونا و لنقل بعشرة دولارات ثم تستخرجه في الوقت الذي تريده و لنقل عام 2006 و تبيعه بسعر 60 دولار للبرميل.. فهل ندرك كم حققته من مكسب و كم خسرت الدول المنتجة للنفط في المقابل؟
لقد أطلق على هذه النوعية من الصفقات اسم "ميجا – Mega Deals" و برعت فيها بعض البيوت المالية التي تعد على أصابع اليد الواحدة .. أهمها و أشهرها البيت المالي لعائلة "ريخمان Riechman" الكندية. و هو بيت مالي متخصص في العمليات الفريدة و الخاصة, و تحوطه الغوامض و تتصف إجراءاته بالسرية المطلقة, و عملاؤه يشترطون هذه الصفات فيه, و هم دائما من كبار العملاء, أثرياء و كبار رجال أعمال و أعلى المسئولين في الدول, و بشكل عام الصفوة.
و كان لافتا للنظر, أنه بعد حرب الخليج الأولى فقد تقدمت الاحتكارات البترولية الدولية بخطى ثابتة نحو منطقة  الشرق الأوسط, و وجهت رأس الحربة إلى الجزائر, حيث تقدمت شركة توتال الفرنسية Total, و شركة أجيب الإيطالية Agip  بعروض متكاملة و مستوفاة لشراء ما بين 20 إلى 25 بالمائة من الاحتياطي النفطي الجزائري, في مقابل سبعة بلايين دولار, و ذلك لتتمكن الحكومة الجزائرية من تسديد جزء من مديونياتها المتراكمة و التي وصلت إلى رقم 25 مليار دولار.
إن هناك الكثير من الأسرار التي تحوط مثل هذه الصفقات. و يتداخل السياسي مع الاقتصادي مع إستراتيجيات الدول الكبرى, مع الفساد الداخلي و تضخم المديونية العامة للدولة المعنية.
وقد وقعت دولة الجزائر فريسة لهذه اللعبة الخطرة و رهنت جزء مهم من إحتياطيها النفطي المخصص للأجيال القادمة. و سوف يزيد هذا الإجراء من أعباء الاقتصاد الجزائري لأن الأسعار التي بيع بها النفط لا تذكر أمام الأسعار الحالية للنفط الخام و التي تعدت حاجز الستين دولار و كان يمكن بواسطتها من معالجة مشكلات الاقتصاد و المديونية العالية عليه.
تطايرت أنباء و إشاعات حول مفاوضات سرية جرت خلال منتصف العقد الأخير من القرن الماضي مع إيران لشراء جزء من المخزون النفطي الموجود في باطن الأرض, و لكن تلك الإشاعات لم تتأكد أو لم تتحول بشكل ملموس إلى حقائق.. و لكنها توحي بأنه ما من دولة في الشرق الأوسط منتجة للنفط إلا و تعرضت لضغوط من الشركات البترولية الدولية للاتفاق على صفقات "الميجا".
و منذ عام 1995 من القرن الماضي, و الاحتكارات البترولية الدولية تعمل بشكل متناغم على هيئة فريق أوركسترالي للضغوط و التفاوض مع العديد من دول منطقة الشرق الأوسط المنتجة للنفط لـ "تسويق" صفقات "الميجا", و قد ساهمت مراكز المعلومات و الأبحاث في دفع هذا الاتجاه.
و قدمت الشركات البترولية الدولية عدة مقترحات:
§        تحويل عقود الامتياز للبحث و الكشف عن النفط إلى عقود لشراء الاحتياطي المخزون في باطن الأرض.
§   مقترح بتكوين لجنة دولية من ممثلي الشركات النفطية الدولية من جانب و من جانب آخر ممثلي لمجموعة من الهيئات النفطية الوطنية لدى الدول المنتجة للنفط, للتوصل إلى شكل نموذجي لعقود "تملك الأصول" و "شراء الاحتياطي النفطي".
لقد وصل "التحيز" إلى درجة مذهلة من إقناع الدول المنتجة للنفط إلى التفريط في ثروتها الوطنية بثمن بخس, مع ربط عملية الإقناع بالمساومة على المديونيات و الضغط بكل السبل لإبقاء سعر شراء برميل النفط في حدود التقديرات الغربية التي تتدنى بالسعر إلى أقل مستوى ممكن!
و يستحسن إعادة قراءة مقولة السنيور كاجلياري رئيس شركة إيني الإيطالية و التي ذكرناها آنفا- مرة أخرى قبل الانتقال إلى سيناريو كامل تم تطبيقه منذ ثلاث سنوات مع دولة غير بترولية و هي مصر.

-8-

حتى نهاية القرن الماضي, فإن الشركات البترولية الدولية و معها البيوت المالية المتخصصة في صفقات (ميجا) التي تشتري البترول المخزون في باطن الأرض, قد جعلت نطاق عملها, مجموعة الدول المنتجة للنفط و خاصة تلك الأعضاء في منظمة أوبك و من بينها الدول العربية و الدول الإسلامية.
و بدأ اتجاه جديد بعد أن رسخت هذه النوعية من الصفقات في التعاملات البترولية الدولية. فكان التحول إلى شراء النفط الاحتياطي الموجود في باطن الأرض من الدول التي تنتج كميات – نطلق عليها – عادية, تكفي الاحتياجات المحلية لمعامل التكرير و يتبقى فائض محدود للتصدير و للحصول على قدر من العملات الأجنبية.
و هذا الاتجاه الجديد يتعامل مع دول من المفترض أنها تقتر على نفسها في كل نقطة نفط موجود لديها بسبب محدودية الإنتاج و قصر عمر الاحتياطي الموجود في باطن الأرض. و في هذه الحالة تصبح عملية شراء الاحتياطي النفطي نوع من المقامرة بالكميات المخصصة للأجيال القادمة. فإذا كان الاحتياطي على سبيل المثال يكفي لمدة خمسة عشر سنة قادمة, فكيف يمكن رهن جزء منه و بسعر بخس لصالح الجيل الحالي, الذي يحل مشاكله على حساب من يأتي بعده.
و كانت (مصر) نموذجا لإحدى الدول التي تنتج كمية محدودة من النفط, فباعت جزء من إحتياطيها المخزون في باطن الأرض.
دارت مفاوضات سرية على مدى أشهر عام 2004 بين مسئولين كبار في وزارة البترول المصرية و الهيئة المصرية العامة للبترول, في القاهرة و في لندن مع مؤسستين ماليتين من كبريات المؤسسات العالمية في مجال المال و التمويل و الائتمان و هما:
-    مؤسسة مورجان إستانلي Morgan Stanley
-    مؤسسة ميريل لينش Mirrell Linch

و اعتمدت وزارة البترول المصرية على دعم مصرفي من بنكي مصر و الأهلي في المفاوضات المالية.
 و في نهاية المفاوضات و عند الشهر الأخير من عام 2004, زار المهندس/ إبراهيم صالح رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول آنذاك, العاصمة لندن, و وقع مبدئيا على اتفاق بيع جزء من الاحتياطي النفطي على النحو التالي:
-  تدفع مؤسستي مورجان إستانلي و ميريل لينش مبلغ مليار و نصف مليار دولار إلى الخزانة العامة المصرية في مقابل شراء جزء من الاحتياطي النفطي المصري.
-  تقوم الهيئة المصرية العامة للبترول بتسليم و ضمان تسليم 2,5 % من فائض الزيت الخام المصري المنتج و بعض مشتقاته من المنتجات البترولية.
-    مدة الصفقة 5 سنوات.
و عندما كشف مصدر بترولي – نظن أنه يمتلك سلطة قرار – عن هذه الصفقة ذاكراً التفاصيل التي ذكرناها آنفا, فإنه اعتبر الصفقة نتاج للفكر الاقتصادي لقطاع البترول في البحث عن موارد مالية جديدة و غير تقليدية للحكومة المصرية!
و قال المصدر: " سنحصل على قيمة الصفقة مقدما, و نحن نبيع من المنبع, و ليس لنا علاقة بطريقة إعادة جمع قيمة الصفقة بمعرفة المؤسستين الماليتين, سواء عبر سندات أو طرح أوراق مالية أخرى فهذا شأنها (؟) و لا علاقة لنا به نهائيا".
و من ثم تصل لعبة "التحيز" إلى ذروتها عندما يتصور الطرف الذي يمارس عليه التحيز بإنه جزء من اللعبة, فانتشار صفقات "الميجا" لبيع الاحتياطي النفطي المخزون في باطن الأرض, يتحول مع الوقت إلى أمر واقع, حتى أن الدول تقتنع بما هو ليس حقيقي – سواء عن عمد أو عن جهل – فتصبح الصفقة (نتاج لفكر اقتصادي غير تقليدي عن الجانب الذي يبيع الاحتياطي) بل و يعترف البائع بكل حسم بأنه لا يتدخل في الطريقة التي سيعاد بها بيع النفط مرة أخرى بواسطة المؤسسات المالية التي وقعت على اتفاقية الصفقة... فماذا يعني ذلك؟

          أولا: لا يوجد سعر متفق عليه إنما هناك كمية محددة من براميل النفط مقابل مبلغ مالي. و بذلك سيختلف سعر البرميل عند تسليمه عن وقت بيعه مرة أخرى.
و سيحصل حامل الورقة المالية أو السند المالي على الفارق بين السعرين.
          ثانيا: عدم وضوح الكيفية التي تم بها تقدير الاحتياطي النفطي المصري و على أي أسس, حتى يمكن بعد ذلك تحديد كمية الـ 2.5% من الاحتياطي النفطي التي سيتم تسليمها إلى المؤسستين الماليتين.
ثم تكشفت أبعاد أخرى و أمور أكثر تفصيلا, بعد عامين.
ففي شهر مارس 2006 زار المهندس/ إبراهيم صالح رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول و معه فريقه التفاوضي مدينة لندن للتوقيع على اتفاقية مع مؤسسة مورجان استانلي في مقرها بالعاصمة البريطانية لتقييم الأصول و الإقراض.
و تقضي الاتفاقية بإقراض الحكومة المصرية مبلغ المليار و نصف المليار دولار المتفق عليهم و يتم تسليمهم إلى وزارة المالية المصرية المشرفة على الخزانة العامة. أما الجديد الذي كشفت عنه الأنباء, دفع الجانب المصري فائدة قدرها 9%, و على أن يتم السداد بحصول مؤسسة مورجان استانلي على كامل إنتاج الشركة العامة للبترول من خام خليط رأس غارب يقدر بنحو 2 مليون طن زيت خام بالإضافة إلى إنتاج شركة جيسوم.
و كانت مؤسسة مورجان استانلي قد قدرت مديونية الهيئة المصرية العامة للبترول بنحو 4 مليار دولار, و ذلك قبل موافقتها.
إذن الصفقة في شكلها الجديد أضيف إليها الآتي:
-    عبء فائدة سنوية قدرها 9% يدفعها الجانب المصري.
-  قامت مؤسسة مورجان استانلي بتكليف بيت خبرة لتقدير احتياطيات البترول المصري, و لا شك أن الجانب المصري قد صادق على رقم الاحتياطي الذي تم التوصل إليه.
-    أن مديونية هيئة البترول المصرية تبلغ 4 مليار دولار وقت الصفقة.
و كل هذه العناصر تسمح بعملية "رهن" و "بيع" الاحتياطي الموجود في باطن الأرض و لعدة سنوات مقبلة.
و كان غرائب المصادفات أنه تزامن في ذلك التوقيت وجود ندوة عالمية عقدت في جامعة أسيوط, شارك فيها مجموعة كبيرة من العلماء و من بينهم الدكتور رشدي سعيد الملقب "أبو النيل" و أيضا شيخ و عمدة الجيولوجيين المصريين.
و هو عالم كبير مصداقيته مؤكدة بالنسبة للواقع الجيولوجي المصري.
ذكر الدكتور رشدي سعيد في محاضرته أمام فعاليات الندوة, أن الاحتياطي المصري من الزيت الخام يكاد يكفي بالكاد مدة ست سنوات, و أن حجم إنتاج البترول يقل سنة بعد أخرى نتيجة تراجع الاكتشافات البترولية الجديدة.
ما توصل إليه الدكتور رشدي سعيد, يمثل نتائج مزعجة. فهل كان تقدير مؤسسة مورجان إستانلي قريب أم بعيد عن ذلك؟
اعتمدت مؤسسة مورجان استانلي على تقديرات حذرة, لم تبعد كثيرا عن تقديرات الدكتور رشدي سعيد, و إن كانت أكثر تفاؤلا بحيث مدت الفترة الزمنية إلى إطار زمني ما بين 12 و 16 سنة.
و هكذا تمت الصفقة لبيع جزء من الاحتياطي المصري من البترول و جزء من المنتجات البترولية لمادة "النافتا Naphta" و هي منتج متميز عالي الجودة يستخدم في صناعة البتروكيماويات و تبيعه مصر كل عام بمزايدة سنوية بأعلى الأسعار.
و اتضح فيما بعد أن مدة الصفقة ليست خمس سنوات و إنما امتدت لتصبح ستة سنوات, و هي نموذج لشراء الاحتياطي المخزون في باطن الأرض من إحدى الدول المحدودة الإنتاج في البترول.

-9-

و لدينا مثال آخر له أهميته في العلاقات الدولية يشير لدور "التحيز" في إضعاف قدرة طرف أمام طرف آخر في النزاعات الدولية و خاصة في التفاوض نحو التسوية.
و هذا المثال توفر في اتفاقية كامب دافيد التي بموجبها تم التوصل لاتفاق سلام بين إسرائيل و مصر, فيما يخص الجانب البترولي.
كانت إسرائيل قد وضعت يدها على النفط المصري المستخرج من آبار سيناء و من منطقة خليج السويس, في أعقاب حرب 1967. و قامت إسرائيل بتشغيل هذه الآبار و الاستيلاء على إنتاجها اليومي من الزيت الخام مما يتعارض مع القانون الدولي الذي ينص على عدم جواز الاستيلاء على الموارد الطبيعية بسبب الحرب أو الاحتلال.
و قد استمرت إسرائيل في استنزاف آبار سيناء و خليج السويس دون أي مقابل حتى عام 1975 عندما تمت اتفاقية فك الاشتباك مع مصر و التي بموجبها أعيدت الآبار البترولية المصرية و كانت في حالة مؤسفة من الاستنزاف و الاستهلاك دون أي مراعاة لإجراءات الحفاظ و الصيانة لهذه الآبار.
و لكن بعد حرب 1967 أصبحت إسرائيل تعتمد على النفط المصري بالتوازي مع النفط الإيراني.
جاءت أحداث الثورة الإيرانية مثيرة لقلق قادة إسرائيل, فسقوط الشاه سيسبب خسارة كبيرة لإسرائيل و لواحد من أهم حلفائها في العالم, ثم إنه المورد الأساسي للبترول الذي تعتمد عليه في تموين مصافي التكرير لديها.
و بالفعل نجحت الثورة الإيرانية في إسقاط الشاه و تمزقت كل الروابط و العلاقات ما بين دولة إيران الإسلامية و الكيان الصهيوني.
و يذكر "موشي ديان" القائد العسكري الشهير في إسرائيل, في مذكراته, بأن الهاجس الأكبر لديه و لدى غيره من قادة الكيان الصهيوني, في أعقاب سقوط نظام الشاه في إيران, كان تعويض الإمدادات الإيرانية من النفط الخام. و من ثم أصبح من الضروري للغاية و كأولوية حياتية أن تحصل إسرائيل على كمية كبيرة من النفط الخام المصري.
انتهى نظام الشاه في عام 1978و كانت المفاوضات بين مصر و إسرائيل للتوصل لمعاهدة سلام هي الأخرى على أشدها طوال الأشهر الأولى لعام 1979.
و يحكي الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه "عواصف الحرب و عواصف السلام" الجزء الثاني من مجموعة "المفاوضات السرية بين العرب و إسرائيل", أنه في هذه الفترة بدأ قادة إسرائيل يطرحون موضوع البترول على مائدة التفاوض.
فلقد جاء إلى القاهرة وفد رسمي لمقابلة الدكتور مصطفى خليل رئيس الوزراء و وزير الخارجية المصري آنذاك. و كان الوفد الإسرائيلي برئاسة وزير الطاقة "إسحاق موداعي" و قد صحبه "عزرا وايزمان" الذي شارك بصفته مسئولا سياسيا عن اتفاقيات التطبيع بصفة عامة.
و يقول الأستاذ هيكل أن الاجتماع قد بدأ بقيام الوزير الإسرائيلي بتقديم طلبات للحكومة الإسرائيلية لشراء 2 مليون طن من النفط المصري الخام سنويا, بحيث تعويض ما كانت تحصل عليه إسرائيل من آبار سيناء أثناء فترة احتلالها, على أن يتم ذلك بأسعار تفضيلية و بصفة مستديمة.
و قد رفض ذلك الدكتور مصطفى خليل – رئيس الوزراء المصري لسببين:
-    السبب الأول, أنه يفقد مصر أسواقها التقليدية التي تتعامل معها على مدى طويل.
-  و السبب الثاني, أن وجود سعر تفضيلي سوف يؤثر على حصيلة إيرادات البترول بالسلب. و قد قدر الدكتور خليل الخسارة الناتجة  عن ذلك الوضع بما قيمته 800 مليون دولار سنويا بأسعار تلك الفترة.
و نضيف  على ذلك أنه من الخطورة إعطاء عميل واحد 2 مليون طن خام, حيث كان إنتاج مصر القابل للتصدير و وقتئذ 10 مليون طن في العام, و معنى ذلك أن عميل واحد فقط يحصل على عشرين بالمائة من ما تقوم الهيئة المصرية العامة للبترول بتصديره, في حين أن بقية العملاء يحصلون على جملة الثمانين بالمائة. و علينا أن نعرف أن وزارة البترول المصرية كانت تعتمد في إستراتيجيتها التسويقية على مبدأ "تنويع العملاء" بحيث لا تجد نفسها محاصرة بعدد قليل من الزبائن في سوق معقد مثل سوق البترول. و لذا كانت قائمة العملاء الذين يشترون البترول المصري كل عام لا تقل بأي حال من الأحوال عن ثلاثين عميل! بل إن هذه القائمة ذاتها.. كانت تتنوع هي الأخرى فتشمل معامل تكرير و شركات بترولية عالمية منتجة للنفط و هيئات بترولية حكومية و أخيرا شركات تعمل في مجال تجارة البترول و المشتقات البترولية.
و من ثم كان يصعب على رئيس الوزراء المصري المسئول أن يوافق على "كسر" الإستراتيجية التسويقية الموضوعة من قبل قطاع البترول و التي يتم تنفيذها على مدى الفترة الزمنية السابقة.
و لقد تشبث المفاوض المصري بموقفه في عدم إعطاء سعر تفضيلي للجانب الإسرائيلي لأن ذلك سيسفر عن ضررا فعليا بعملية تسويق البترول المصري.. و إن جاءت الموافقة على إعطاء إسرائيل الكمية التي طلبتها و هي 2 مليون طن خام سنويا. كما تبين فيما بعد عن تنفيذ هذا الاتفاق أنه "يتكرر سنويا" فيما يشبه الاستدامة.
لا شك أنه كانت للحكومة الأمريكية مساعدة كبيرة للجانب الإسرائيلي و في دعم موقفه التفاوضي و حث الطرفين للتوصل إلى اتفاق بترولي تحقيقا لهدفين:
          الهدف الأول, ضمان استمرار الإمدادات النفطية إلى إسرائيل, بعد عودة الحقول البترولية إلى مصر, و بعد سقوط نظام الشاه في إيران.
          و الهدف الثاني, دعم عملية التطبيع بين إسرائيل و مصر في المجال البترولي, تأكيدا لإستراتيجية التطبيع و التي تبدأ بالنفط كجزء أساسي من عملية التطبيع الاقتصادي و التي من شأنها بعد ذلك فتح الطريق أمام التطبيع في المجالات الأخرى الأصعب و من بينها على سبيل المثال.. التطبيع الثقافي.
و لو تمعنا في الهدفين سنجد أن كلاهما يحقق مصلحة إسرائيل و مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية كذلك. و بمعنى آخر نحن أمام مسألة "تحيز" شديدة التجلي و لإرغام الطرف العربي و هو مصر على الالتزام بكمية كبيرة من بترولها كبيرة من بترولها القابل للتصدير سنويا رغم ما لذلك الأمر من تعقيدات, منها على سبيل المثال ما تخوف منه الدكتور مصطفى خليل, حينما عبر عن محاذيره من عدم القدرة على الوفاء بالكميات التي تطلبها إسرائيل و تضغط الولايات المتحدة الأمريكية من وراء الستار لضمان تنفيذها.
فلقد ذكر الدكتور خليل أثناء المفاوضات, أن بعض الحقول البترولية المصرية قد تتعرض لمشكلات في الإنتاج من ضمنها التوقف لفترة عن العمل (Failure) و بالتالي قد يعوق ذلك وفاء مصر بالكميات التي تخضع لحالة الالتزام المستديم و هي الحالة التي تطبق على الاتفاق المصري/ الإسرائيلي.
و لكن إسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية صممتا على تنفيذ الاتفاق!
و بالرغم من هذا التحيز الظاهر و الذي يعيق تنفيذ الإستراتيجية التسويقية المصرية في مجال بيع البترول و المشتقات البترولية.. فإن تحيزا آخر قد ظهر عقب توقيع الاتفاق و بعد توقيع المعاهدة ذاتها للسلام بين مصر و إسرائيل.
كانت مفاجأة كبيرة لرئيس الوزراء المصري – د. خليل, أن يكتشف وجود رسائل من الولايات المتحدة الأمريكية تضمن من خلالها – أو بالأحرى تقدم الولايات المتحدة الأمريكية التزاما إلى الحكومة الإسرائيلية, بأن تمنح أي كميات من الزيت الخام الأمريكي المنتج من حقول ألسكا – Alaska  لإسرائيل في حالة ما إذا تقاعست الحكومة المصرية عن الوفاء ببعض الكميات أو كل الكميات التي تم الاتفاق على تسليمها لإسرائيل من النفط الخام المصري.
إنه في تقديرنا – تحيز سافر لطرف سبق أن أخذ كل ما يريده من كميات سنوية من النفط, و لكنه يأخذ في سابقة جديدة من نوعها, ضمانة من أكبر دولة في العالم بتعويضه عن أي حصص لا يتسلمها مهما كانت الظروف و الأسباب.
فهل تحصل الطرف الآخر و هو مصر على أي مميزات أو حوافز من الطرف الأمريكي يعادل "التحيز السافر" الذي ذكرناه؟
لا نظن.

-10-

هل أصبح التحيز أعلى مراحل الرأسمالية؟
إن الولايات المتحدة الأمريكية القطب الوحيد الذي يدير العالم حاليا و هو منفرد, كانت إستراتيجيته في مجال النفط خلال النصف الثاني من القرن العشرين تتمثل في الحصول على أفضل المواقع البترولية على اتساع الكرة الأرضية.
في تلك الفترة كان للخرائط الجغرافية دور مهم في تحديد تلك المواقع. و بعد الخريطة كانت تأتي أجهزة الاستخبارات و تتحرك القوات العسكرية و من خلفهم الشركات الاحتكارية الدولية في مجال النفط.. لوضع الأيدي حول "المربعات الدسمة" التي تحتوي على أكبر كمية من النفط الخام و أيضا التي تتسع لأكبر حجم من الاحتياطي المخزون في باطن الأرض.
و ليس ذلك فقط – إنما تلك المربعات التي يسهل شفط النفط فيها بسبب سهولة تواجده قرب سطح الأرض, مع رخص تكلفة الحفر و الكشف و الإنتاج ثم سهولة مد خطوط الأنابيب و توصيلها بموانئ التصدير.
هكذا كانت الصورة في النصف الثاني من القرن العشرين.
و قبل أن ينتهي القرن الماضي بعشر سنوات, حدثت حرب الخليج الأولى, و في نهايتها أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن قيام نظام دولي جديد.
أليس لافتا للنظر أن يكون إعلان هذا النظام بعد حرب أساسها السيطرة على النفط و ترتيب أوضاع نفطية جديدة في العالم؟
على أية حال فإنه نظام يعتمد على زعامة قطبية واحدة, و قد دشنت الولايات المتحدة الأمريكية معه مفهوم "العولمة" و "التجارة الحرة المفتوحة" و من ثم بدأت مرحلة جديدة لتسويق نموذجها التاريخي/ الثقافي متحدية في ذلك جميع الخرائط.
و نستطيع أن نطلق على العصر الحالي أنه عصر النفط بلا خرائط, لأن الملعب هو أرجاء العالم كله, و الهدف تحقيق السيولة الكاملة في تجارة النفط و الغاز الطبيعي, و إنما بشروط النظام الدولي الجديد و موافقة زعيمه الأوحد.

[لنتذكر حادثة مهمة للمقارنة المفيدة, و هي عدم تمكن شركة موانئ دبي من إدارة موانئ أمريكية رغم فوزها في المنافسة التي تمت لهذه العملية و رغم كفاءتها العالية في هذا المضمار, فلقد رفضت السلطات الفيدرالية الموافقة على ذلك ضاربة عرض الحائط بأسس و أهداف النظام الدولي الجديد!].
و في ظل الإدارة الأمريكية للنظام الدولي الجديد, فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد أصبح لها تصور و هيكل جديد داخل الحكومة الأمريكية لإدارة و تنظيم ملف الطاقة على مستوى العالم.
ففي الماضي القريب (منذ 10 أعوام على الأكثر) كان ملف الطاقة شأنا داخليا و جزءا من مسئوليات و سياسات وزارة الداخلية الأمريكية.. باعتبار أن استمرار تدفق الطاقة جزء من الأمن الداخلي للمجتمع الأمريكي, مثله مثل الدفاع الاجتماعي و الحد من الجريمة و صيانة المال العام.
إلا أن الوضع قد تغير – كما أسلفنا – و نقلت السلطات الأمريكية العليا, ملف الطاقة من مسئوليات وزارة الداخلية إلى جهاز جديد تماما, لأنه في ظل النظام الدولي الجديد, أصبح "البترول" شأنا أميركيا يخص نفوذها الدولي و قيادتها لأمن العالم.
جهاز جديد أطلق عليه مسمى "جهاز ديبلوماسية الطاقة" تابع للبيت الأبيض و يتلقى أوامره و يرفع تقاريره إلى الرئيس الأمريكي.
و مهمة هذا الجهاز تعزيز أمن الطاقة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية و حلفاءها الأعضاء في حلف الأطلنطي.. مع ضمان سيولة إمدادات النفط من جميع أنحاء الكرة الأرضية, مع التدخل وقت اللزوم لضمان هذا التدفق.
و بنظرة واحدة لتكوين هذا الجهاز الجديد, سنجد أنه يتكون من مجموعة متعاونة من الأجهزة و الكيانات الحكومية العليا في الإدارة الأمريكية.
فجهاز ديبلوماسية الطاقة يشمل:
-    وزارة الخارجية
-    وزارة الطاقة
-    وزارة الداخلية
-    وكالة الاستخبارات الأمريكية
-    مجلس الأمن القومي
و يتولى الإدارة العليا في الجهاز "مفوض" له حرية التحرك في جميع أنحاء العالم, و أن يتصل بمن يشاء في العالم الخارجي و يتدخل لدى الدول و الشركات و المؤسسات على مستوى العالم فيما يخص قضايا الطاقة و إمدادات النفط الخام!
لقد تدخل هذا "المفوض" في عملية إنشاء خط أنابيب يمتد 1700 كيلومتر من كازاخستان إلى البحر الأسود لتصدير النفط من الجمهوريات التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي سابقا.
و تدخل "المفوض" في إفريقيا لترتيب الإستراتيجية الأميركية النفطية لتنمية الصادرات الأفريقية البترولية إلى الولايات المتحدة الأمريكية. (خاصة من نيجيريا و أنجولا و الجابون).
و من مهام "المفوض" فتح  مناطق نفطية جديدة في أنحاء العالم أمام الشركات الأمريكية, و ذلك لمحاصرة نفوذ منظمة أوبك و ضرب التماسك الداخلي للمنظمة في محاولة لتفكيكها في النهاية, ليصبح النفط بلا خرائط محددة, إنما واحة مفتوحة على مستوى العالم كله.
في هذه الحالة, يظهر التحيز من جانب الولايات المتحدة الأمريكية في تدعيمها لمبدأ "السيطرة للأقوى" و سحب الكثير من الكروت التفاوضية من أيدي منتجي النفط, و نفي لمسألة العدالة في تحديد السعر, و تحويل توازن العرض و الطلب إلى خرافة, فالموقف الجديد يظهر تحيزات الإدارة الأمريكية لجانب الدول المستهلكة و للشركات البترولية الاحتكارية التي تنتج النفط أو تتولى التجارة فيه.
و لذلك نرى أن "التحيز" هو أعلى مراحل الاستعمار الحديث. فالتحيز طريق تحقيق السيطرة على مقدرات و إمكانيات و موارد الشعوب الأضعف, يضاف إلى ذلك تسويق النموذج الثقافي/التاريخي للاستعمار الحديث.
فكما أوردنا أن النفط الخام يتم تسعيره وفقا لمؤشر متحيز و هو خام "برنت" المنتج في بحر الشمال في أوروبا.
البورصات التي تتحكم في تداول غالبية النفط و المشتقات البترولية على مستوى العالم لا توجد إلا في لندن و نيويورك و سنغافورة و طوكيو, بينما منطقة الشرق الأوسط التي يوجد بها أكبر كمية من النفط المنتج و المباع في العالم, ناهيك عن 60% من الاحتياطي العالمي من النفط الخام, فلا توجد بها بورصة لمبيعات النفط و المنتجات البترولية. ( هناك أنباء عن إنشاء بورصة في دبي لتداول النفط على أن تكون فرع من بورصة "نيمكس Nymex" بنيويورك أيضاً!)
ثم أن التحيز كان ظاهرا في المماطلة و التسويف في جولات الحوار بين المنتجين و المستهلكين منذ عام 1973 و حتى الآن دون التوصل لأي نتائج ملموسة – ناهيك عن أخطر درجات "التحيز" من شراء الاحتياطي النفطي المدفون في باطن الأرض و الذي يعتبر ملكا للأجيال القادمة.. فيتم الضغط لشرائه بسلاح المديونية و من ثم يباع البرميل اليوم بسعر بخس ليباع بعد ذلك بأضعاف أضعافه لصالح المشتري و من يليه في سلسلة المضاربين..
و لا عزاء للشعوب التي ينتج النفط من أراضيها.






·  باحث في شئون الطاقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق