الخميس، 20 يونيو، 2013

مقاربة عربية في مركزية الثقافة في هوية ا لإنسان



مقاربة عربية  في مركزية  الثقافة  في هوية ا لإنسان
                                           د/ محمود الذوادي·
مقدمة في مفهوم ا لتحيز
 تعني كلمة التحيز في هذا النص قصور دراسة الباحثين لموا ضيع بحوثهم بطريقة موضوعية. أ ي فقد ا ن تبنيهم موقف ا لحياد الكامل إزاء الظوا هر المدروسة وفروعها. وهذا أمر ليس بالسهل كما أ كد ذلك عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في بداية النصف الأول من القرن الماضي.
 وأسباب التحيز عديدة منها الشخصي والجماعي وعجز بني البشر عن الإلمام بكل شيء الذي يؤثر في طبيعة تكوين المعرفة والعلم [ا لمسيري 1996 : 17 ـ 61 ] .
 من المسلم به أن التحيز لا يخدم مصالح مصداقية العلوم والمعا رف الإنسانية ومن ثم لا يعمل على تقد م  مسيرة العلوم في المجتمعات البشرية. ومن ثم فنحن نركز في هذا البحث على أسباب التحيز المعرفي في العلوم الاجتماعية على الخصوص. وبالتحديد فنحن ندعي أن علمي الأنثروبولوجيا والاجتماع الغربيين المعاصرين قد تحيزا ـ ابتداء من التعريف ـ كثيرا في دراستهما الثقافة كمفهوم وكظاهرة عرفتها وتعرفها كل المجموعات والمجتمعات البشرية وذلك لعديد الأسباب وفي طليعتها المنهجية الوضعية  Positivist  / الكمية المتبعة في دراسة ظاهرة الثقافة في المجتمعات البشرية التي لا تسمح لهم بالتعامل مع جوا نب غير مادية ومعالم أخرى للثقافة، كما سنرى في تحليلنا لما نسميه المعالم الخمسة للثقافة .

أ ولا : في جوهر الطبيعة الرموزية الثقافية للإنسان 
       تتمثل فكرتنا المطروحة هنا في أن "الإنسان كائن ثقافي بالطبع" قبل أ ن يكون اجتماعيا بالطبع. قد يبدو هذا القول للكثيرين مجرد طرح فلسفي بعيد كل البعد عن فكر العلم الحديث . ولكن ليس الأمر كذلك. فنحن نعتمد على منهجية ا لعلم ا لحديث لا ختبا ر مد ى صحة قولنا [الإنسا ن كا ئن ثقا في بالطبع ] . فنستعمل ، مثلا ، الملاحظة كإحدى أدوا ت ا لبحث ا لعلمي الرئيسية في ا لعصر ا لحديث لبيان وإ ثبا ت مركزية ما نسميه ا لرموز الثقافية/ الثقافة في هوية الجنس الجنس البشري. يتمثل مصطلح  منظومة الرموز الثقافية عندنا في العنا صر التالية : ا للغة ا لمنطوقة وا لمكتوبة وا لفكر والدين والمعرفة / العلم والقوانين والأساطير والقيم والمعايير الثقافية... فالجنس البشري ينفرد بكل تأكيد عن بقية الأجناس الأخرى بتلك ا لمنظومة الرموزية الثقا فية [الذوادي 2006 ، 2005 ، 1997 ] .

ثا نيا : تميز ا لجنس ا لبشري بخمس سما ت

لقد اهتدينا إلى صدارة ا لطبيعة الثقافية في هوية الإنسان وذلك بواسطة القيام بملاحظات رئيسية حول خمسة معالم ينفرد بها الجنس البشري عن غيره من الأجناس الحية الأخرى:
1-   يتصف النمو الجسمي (البيولجي الفيزيولجي) لأفراد الجنس البشري ببطء شديد مقارنة بسرعة النمو الجسدي الذي نجده عند بقية الكائنات. ويكفي ذكر مثالين فقط لشرح معنى البطء الكبير في النمو البيولوجي الفيزيولجي عند الإنسان. فمن نا حية ، تفيد الملاحظة أن ا لقد رة على ا لمشي عند أ غلبية ا لحيوا نا ت تتم في اليوم الأول أو في الأيام القليلة الأولى بعد ولادتها. أ ما عند بني ا لبشر فإ ن ا لقد رة على ا لمشي عند الأ طفا ل تتم عموما عند ما يبلغون حوا لي  سنة من ا لعمر. فا لفرق ا لزمني في عملية ا لمشي بين عالمي الحيوان والإنسا ن فرق كبير وكبير جد ا . ومن نا حية ثا نية ، نجد أيضا فرقا زمنيا كبيرا بينهما في البلوغ الجنسي عندهما. فمعظم الحيوانات تصبح قادرة على ا لإنجاب وا لولادة في ظرف شهور أو سنة أو سنتين. بينما ا لأ مر عند الجنس البشري يتطلب أ كثر من عشر سنوا ت.
 لقد كا تبنا ا لمجلة ا لعلمية ا لأ مريكية ا لمعروفة Scientific American سائلين عن تفسير عملية شدة بطء النمو الفيزيولجي البيولجي عند بني الإنسان، كما وصفناه في المثالين السابقين. كررنا إرسا ل سؤالنا للمسؤولين بالمجلة بواسطة ا لبريد ا لإلكتروني لأ كثر من عام كا مل . ولما قرروا ا لرد فإنهم لم يرسلوا لنا معطيا ت علمية بيولوجية وفيزيولجية تفسر تباطؤ ذلك النمو. بل اكتفوا بإسداء النصيحة قائلين: يمكن لك أن تبحث عن مبتغاك من الأجوبة الممكنة  في ا لموا قع ا لإلكترونية لعلم الأنثروبولجيا. وكا نت مرا سلة هذه المجلة في 19 أكتوبر 2005 . يوحي صمت ا لمجلة عن سؤالنا ا لمحدد وكأن علمي الفيزيولجيا والبيولوجيا لم يدرسا سبب البطء الشد يد في ا لنمو البيولوجي والفيزيولوجي عند الإنسان أو أنهما بحثا الموضوع لكنهما لم يجدا معطيات ملموسة تفسر هذه الظا هرة . ومن ثم جاءت نصيحة ا لمسؤولين في المجلة الأمريكية لنا بالاكتفاء بالاطلاع على ما يقوله علماء ا لأ نثروبولجيا بهذ ا ا لصد د .
        2- يتمتع أفراد الجنس البشري عموما بأمد حياة (سن) أطول من عمر معظم أفراد الأجناس الأخرى .فالإ حصائيا ت تشير إ لى فروق  هامة بين معد لا ت أعما ر ا لحيوا نا ت وعمر الإنسان. فا لسن الأ قصى عند الإنسان قد يصل إ لى 120 سنة أ و حتى أ كثر بقليل. أما معد لا ت سن معد لا ت أ عما ر بعض الحيوا نات فهي كالتا لي: الخيول 20 ، الأ سود 15 ،  النعا ج 12 ، الأرا نب 5. وبا لمقا رنة ، فإن معدل أمد حياة بني البشر يزيد بكثير عن معدلات أ عما ر أ جنا س ا لحيوا نا ت حتى قبل ثورة ا لعلوم ا لطبية في ا لعصر ا لحد يث.
 ومن اللافت للنظر بهذا الصدد أن عامة النا س لا يكا د ون يذ كرون شيئا في حياتهم اليومية عن تلك الفروق الوا رد ة في 1 و2 ناهيك عن محاولة تفسير سبب/ أسبا ب تلك الفروق بين عالمي الإنسا ن وا لحيوان . وكما رأ ينا في إ جا بة مجلة  Scientific American فإ نه يبدو كأن العلماء أ نفسهم ليس لهم معطيا ت علمية تفسر أ سبا ب تلك ا لفروق.
        3- أ ما على مستوى السلوك ، فينفرد الجنس البشري بلعب دور السيادة في هذا العالم/الكون بدون منافسة حقيقية له من طرف بقية الأجناس الأخرى. فرغم تفوق القوة العضلية ا لضخمة ا لتي تتصف بها ا لكثير من الحيوانات، فإن أفرا د الجنس البشري نجحوا و ينجحون بطرقهم و مهارا تهم الخا صة  في التغلب على تلك الحيوانات وقهرها وإ خضا عها لسيطرتهم. إ ن سيادة ا لجنس ا لبشري لا تقتصر على عا لم ا لحيوا ن بل تمتد إ لى عا لم ا لطبيعة هنا على ا لأ رض وفي عا لم ا لفضا ء ا لقريب و ا لبعيد . يؤ كد كل ذ لك أ ن الإ نسان هو فعلا ا لكا ئن ا لوحيد ا لمؤهل بكل مشر وعية لكي يكون خليفة الله في الأ رض، كما جا ء في القرآن ا لكريم [ وإ ذ قا ل ربك للملا ئكة إ ني جا عل في ا لأ رض خليفة : ا لبقرة 30 ] .
        4-يتميّز الجنس البشري بطريقة حاسمة عن الأجناس الأخرى بمنظومة ما سميناه في مطلع هذ ه ا لمقا لة بالرموز الثقافية : اللغة، الفكر ، الدين ، المعرفة/العلم، القوانين، الأساطير، القيم والمعايير الثقافية...ا لتي يحتضنها ا لمخ البشر ي. إ ن مصطلح ا لرموز ا لثقا فية هو مرادف لمفهوم الثقا فة Culture كما يستعمله علماء الأنثروبولجيا والاجتما ع على الخصوص. واخترنا مصطلح ا لرموز ا لثقا فية بد ل مصطلح ا لثقا فة لأ ن ا لتعريف ا لكلاسيكي للثقا فة لعا لم ا لأ نثروبولوجيا ا لبريطا ني إ د وا ر تيلور لا يذ كر علنا كلمة اللغة كعنصر من المنظومة ا لثقا فية نا هيك عن إعطائها ا لمكا نة ا لأ ولى فيها كما نفعل نحن . إ ذ عند ما تساءلنا عن أ هم ا لعنا صر في منظومة الرموز الثقافية، فإن الإجابة عندنا تقو ل إن ا للغة هي أ هم ا لرموز ا لثقا فية بسبب أ نه بد ون ا للغة ا لبشرية ينعد م وجود بقية ا لرموز ا لثقا فية / ا لثقا فة بمعنا ها ا لإ نسا ني ا لوا سع وا لمعقد . ومن ثم جا ء ت مشروعية قولنا  إن اللغة هي أ م ا لرموز ا لثقا فية ا لبشرية جميعا. فا للغة ا لمنطوقة وا لمكتوبة هي بكل تأ كيد ميزة كبرى للجنس ا لبشر ي وكذ لك ظا هرة ا لرموز ا لثقا فية / ا لثقا فة . فا لعلا قة إ ذ ن حميمة بين ا للغة ا لبشرية وا لثقا فة بمعناها الإنسا ني ا لرحب وا لفسيح. وبالتالي فلا غرابة أن لا يكون للأجناس ا لأ خرى ثقا فا ت با لمد لو ل ا لإ نسا ني وذ لك بسبب حرمانها من ملكة اللغة كما نجد ها لد ى بني ا لبشر. وفي ا لمقا بل ، فإ ن ا لتنوع ا لثقافي في القد يم والحد يث بين الشعوب والأ مم والقبا ئل والمجموعات الصغيرة هو في ا لمقام الأول نتيجة للاختلاف بينها في ا للغا ت [ Kivisto 2002  ].
وبعبا رة أ خرى فا للغا ت ا لبشرية هي أصل ظا هرة ا لتنوع ا لثقا في ا لذي تكثر المناداة بالمحا فظة عليه في عصر العولمة اليوم وقبل ذ لك بأربعة عشر قرنا كما ورد في القرآن الكريم [يا أ يها ا لنا س إ نا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إ ن أكرمكم عند ا لله أ تقا كم إ ن ا لله عليم خبير: ا لحجرا ت 12  ].
 يركز ا لعلم ا لحد يث على مد ى تميز ا لمخ ا لبشري عن نظرائه في عالم الحيوانات. فينظر إليه على أ نه أعقد ا لظوا هر جميعا في هذا العالم.  وللدقة يمكن القول بأ ن أ كثر ما يميز مخ ا لإ نسا ن هي منظومة ا لرموز الثقا فية، أي تلك العنا صر غير البيولوجية والفيزيولوجية والنورلجية [ا لعصبية] ا لمكونة لبنية المخ. إ نها تلك ا لعنا صر غير المادية في وعاء المخ البشري. وعند التسا ؤل عن وجود دراسات عديدة في ا لعصر الحديث تقارن عالم الحيوان بعالم الإ نسان على مستوى ا لرموز الثقافية، فإ ن نجد أن دراسة المقدرة اللغوية عند القردة تأتي في ا لطليعة. فا لبحوث ا لعلمية تفيد ا نعدام المقارنة بالنسبة للملكة اللغوية بين القرد ة والإنسان. فهي محدود ة جدا عند القرد ة، بحيث لا تتجاوز 300 كلمة. فالطفل يتعلم آلاف الكلمات في سن الثالثة ويدرك المفاهيم ا لمجرد ة مثل الحياة والشر والخير والأب والأم...كما أ نه ليس للقرد ة استعمال نحوي حقيقي للغة ولا استعمال للماضي والحا ضر. وإن القردة لا تعبر أبدا على التعجب والتسا ؤل ولا هي قادرة على سرد ا لقصص [ : 75-142 Dortier 2004 .
إ ن ا لتحمس ا لشد يد ا لذ ي د فع ا لبا حثا ت والباحثين لدراسة عالم القرد ة على ا لخصوص لم يؤد إلى التقليل في الهوة بين ا لجنس ا لبشري وجنس عا لم ا لقرد ة كما كا ن يسعى هؤلا ء إ لى إ ثبا ت صد قية ا لنظرية الداروينية التي تنتظر تقاربا وتشابها كبيرين بين عالمي ا لإنسان
وا لقرد ة. لكن جاءت ا لمعطيات لتخيب آمال أصحا ب ا لرؤية ا لداروينية .
فلا مقا رنة في ا لزا د ا للغوي بين ا لإنسا ن والقرد. فالكا ئن البشري متميز بكل المقاييس. فالقرد ة فاقد ة للمستوى ا لذهني وا لعقلي ا لمتقد م ا لذ ي يتصف به أ فرا د ا لجنس ا لبشري. ومن ثم يصعب جدا الحديث عن ظاهرة الثقافة ـ بمعناها الإنسا ني ـ عند الأجنا س الحية الأخرى.
            5-يختص أفراد الجنس البشري بهوية مزدوجة تتكوّن من الجانب الجسدي ، من ناحية، والجانب الرموزي الثقافي (المشار إليه أعلاه في 4 )، من ناحية ثانية. أى أنهم بالتعبير ا لديني أو الفلسفي جسم وروح. وبمصطلحنا الخا ص، فالجسم ذو وزن وحجم لأنه ينتمي إ لى عالم الماد ة. أ ما عا لم ا لرموز الثقا فية كما عرفنا ه فليس له وزن وحجم. إ نه جا نب غير ما د ي في ا لإ نسا ن. إنه عا لم اللامحسوس أو عالم الروحانيا ت ا لذ ي بوا سطته فقط استطا ع بنو البشر التفوق على بقية ا لأجنا س ا لأخرى وكسب رهان مقاليد السيادة والخلافة في هذا العالم / الكون. وبهذا التشخيص الواضح لازدواجية هوية الإنسان نضع حدا لغموض الجدل الفلسفي في هذا ا لموضوع. فروح الإنسان في منظورنا هي رموزه الثقا فية وجسمه هو العناصر العضوية المكونة لوجود ه البيولوجي وا لفيزيولوجي. إن تفضيل الأنبياء ورجا ل الدين والفلاسفة لروح الإنسا ن على جسد ه يتفق مع مفهومنا لمركزية الرموز الثقافية في هوية الإنسان، كما سوف نبين ذ لك  في هذ ه ا لمقا لة .
ثا لثا : هل من علا قة بين تلك ا لسما ت ؟
        إن السؤال المشروع الآن هو : هل من علاقة بين تلك المعالم الخمسة التي يتميّز بها الإنسان؟ هناك علاقة مباشرة بين المعلمين 1 و 2 . إذ أن النمو الجسمي البطيء عند أ فراد الجنس البشري يؤدي بالضرورة إلى حاجتهم إلى معدل سن أطول يمكنهم من تحقيق مراحل النمو والنضج المختلفة والمتعددة المستويات. فالعلاقة بين الاثنين هي إذن علاقة سببية.
أما الهوية المزدوجة التي يتصف بها الإنسان فإنها أيضا ذات علاقة مباشرة بالعنصر الجسدي (المعلم 1) للإنسان ، من جهة، والعنصر الرموزي الثقافي (المعلم 4)، من جهة أخرى. وبهذا الوضوح الملموس لم يبق مجا ل للشك في ازدواجية هوية الإنسا ن. وفي ذلك تعزيز للتصورات ا لد ينية وا لفلسفية حول جوهر ا لإ نسا ن. أي أن هذا الأخير ثنائي الهوية بالطبع.
        أ ما با لنسبة للبحث عن علاقة سيادة الجنس البشري في العالم/ ا لكون بالمعالم الأربعة الأخرى، فإن المعلمين 1 و 2 لا يؤهلانه، على مستوى القوة المادية، لكسب رهان السيادة على بقية الأجناس الحية . إذ الإنسان أضعف جسد يا من العديد من الكائنات الأخرى. ومن ثم يمكن الاستنتاج بأن سيادة الجنس البشري ذات علاقة قوية ومباشرة بالمعلمين 3 و 4: الهوية المزدوجة والرموز الثقافية . والعنصر المشترك بين هذين المعلمين هو منظومة الرموز الثقافية. و هكذ ا يتجلى الد ور المركزي والحاسم لمنظومة الرموز الثقافية في تمكين الإنسان وحده من السيادة في هذا العالم/الكون . إ ذ بدون ذلك ما كان للجنس البشري أ ن يتبوأ ذ لك ا لدور الرائد في هذ ا ا لعا لم / ا لكون . فا لجانب ا لكيفي [ ا لرموز الثقافية] هوا لذ ي وهب الإنسان التميز على بقية الكائنات الحية الأخرى. إن الرموز الثقا فية تسمح أيضا بتفسير المعلمين 1 و 2. ولا بد أ ن يفاجئ هذا الأمر الكثيرين ليس من ا لعامة فقط وإنما أيضا من الخاصة من العلماء وأهل ا لذ كر.
وفي غيا ب المعطيا ت العلمية ا لمفسرة لظاهرة تبا طئ ا لنمو البيوفيزيولوجي عند ا لإنسان ، كما يوحي بذ لك ما جا ء في رسا لة ا لمجلة ا لأمريكية المشا ر إ ليها سابقا، فإن ا لبا حث  الملتزم با لروح ا لعلمية وأخلاقيتها لا يسمح لنفسه أن لا يواصل مسيرة البحث في أسرار ظاهرة يقر بوجودها الجميع د ون اكتشا فهم الأ سبا ب. فهذا ا لبا حث  مطا لب أ ن يبدأ بطرح فرضية أ و فرضيا ت معقولة  كأ ول خطوة للمنهجية ا لعلمية ا لتي طالما تظفر بكسب رهان التفسير ا لعلمي ذ ي المصداقية العالية. نطرح هنا ا لفرضية القائلة بأ ن النمو الجسمي البطيء عند الإنسان يمكن إرجاعه إلى كون أن عملية النمو عنده تشمل جبهتين : الجبهة الجسمية والجبهة الرموزية الثقافية. وهذا خلافا للنمو الجسدي السريع عند الكائنات الأخرى بسبب فقدانها لمنظومة الرموز الثقافية بمعناها البشري ا لوا سع وا لمعقد . وبعبارة أخرى، فازدواجية الإنسان تتطلب جهدا مضاعفا  لكي تتم عملية النمو البشري على ا لجبهتين. وإذا أضفنا إ لى ذ لك أن الرموز الثقا فية هي بطبيعتها بطيئة النمو، فإن هذا يعني أنها تحتاج إلى جهد أ كثر من مضاعف من طا قة الكائن ا لبشري لكي يبلغ نموه ا لرموزي الثقا في أشد ه في زمن متأ خر من حياته. فبينما يؤكد علماء البيولوجيا والفيزيولوجيا بأن الإنسان يبلغ أوج نموه على المستوى ا لبيولوجي ا لفيزيولوجي في سن ا لخا مسة والعشرين [  Rischer , Easton 1992/ 423  ]، فإ ن نضجه ا لفكري وا لعلمي وا لد يني ـ كجزء من منظومة رموزه ا لثقا فية ـ لا يكا د يبدأ في الظهور مع بلوغ الإنسان خمسة وعشرين ربيعا. ولا يستطيع التعمق في تلك المجا لات إلا ابتداء من سن الأربعين. ففرضيتنا المطروحة هنا تفسر إذن بطء النمو البيولوجي والفيزيولوجي على النحو التالي: إن عملية النمو هذه تتباطأ كثيرا لأن النمو الرموزي الثقافي عند الإنسا ن يأخذ معظم جهوده في كا مل حيا ته تقريبا. ويعطي هذا الواقع مشروعية كبيرة لمقولتنا التي ترى أن الإنسان هو في المقام الأول كائن ثقافي بالطبع. ومن ثم، تصلح أ سس فرضيتنا لتفسير مشروعية ا نفرا د ا لكا ئن ا لبشري بطريقة شبه مطلقة بالمعلمين 1 و 2 .
ومما سبق ، يتضح بكثير من ا لشفا فية أ ن ا لرموز الثقا فية هي المحددة للأ ربع سما ت ا لتي ينفرد بها ا لجنس ا لبشري عن سوا ه من الأ جنا س الأخرى. وكما رأ ينا، فتأثير الرموز الثقافية الحاسم لا يقتصر على تمكين الإنسان وحده من لعب دور السيادة في ا لعا لم / ا لكون وتميزه بالازد واجية البيولوجية الفيزيولجية / الرموزية الثقا فية بل يتجاوز ذ لك إلى الطبيعة البطيئة لنمو ونضج جسم الإنسان، من ناحية ، وطول مدى حيا ة أفراد الجنس البشري، من ناحية أخرى، كما شرحنا ذ لك من قبل.
        يلخص الرسم التالي مركزية الرموز الثقافية في ذات الإنسان، فيعطي بذلك مشروعية قوية لفكرتنا المحورية في هذه الدراسة والمنادية بصوت عال: بأن الإنسان كائن رموزي ثقافي بالطبع.




4

 مركزية رموز الثقافية في هوية الإنسان
 
الإنسان مزدوج الطبيعة -5-                                          -3- سيادة الإنسان في
                                                                            العالم/الكون








 



جسم الإنسان بطيء النمو-1-                          3            -2- طول عمر الإنسان

يبرز هذا الرسم بكل شفافية الدور المركزي المؤثر الذ ي تعطيه ا لرموز الثقافية للإنسان على عد ة مستويا ت. فبمنظور الرموز الثقافية نتحاشى تيهان الجدل الفلسفي الذي خاض / يخوض فيه ا لفلاسفة في الحضارات البشرية منذ القد م ليثبتوا سيادة الإنسان. فاستعما ل مفهوم ا لرموز ا لثقا فية يجعل الأمر بسيطا للغاية با لنسبة  للبرهان على تجلي سيادة ا لإنسان في هذا العالم / الكون. وكذلك الأمر بالنسبة لازدواجية الكائن البشري المتمثلة في المستويين: البيولوجي الفيزيولوجي، من ناحية، والرموزي الثقافي، من نا حية أخرى .
وبهذا التحليل والشرح لمد ى مصداقية مركزية ا لرموز الثقافية في هوية الجنس البشري، يجوز القول بأننا بصد د تأ سيس نظرية ثقافية تسهل لنا فهم وتفسير ما له علاقة بما يميز الإنسان  والمجتمعات ا لبشرية. والنظرية هي مجموعة من ا لمفا هيم والأطروحات المتماسكة في ما بينها والتي تهدف إلى تفسير الظاهرة / ا لظواهر مثل نظريا ت ا لتنمية وصرا ع ا لطبقا ت والتحليل النفسي والسلوكية Behaviorism  [ Dortier 2004 / 812 , Turner 2001/1-17 ]. فما طرحناه وشرحناه من مفهومنا لكون ا لإنسان كائنا رموزيا ثقا فيا با لطبع وما لذ لك من تأ ثير على بيولوجيا وفيزيولوجيا جسد الإنسان، من ناحية، وسلوكه [سيادته في ا لعا لم/ا لكون] من نا حية أخرى يمثل تعريفا للنظرية كما ورد أ علا ه .  ولعله ليس منا لمبالغة القول بأنها نظرية رئيسية قادرة على المساهمة في إرساء أرضية صلبة لقيام علم الثقافة Cuturology  الذي يعمق فهمنا لمنظومة ا لرموز الثقافية بما فيها من أ سرار وألغاز وما لها من انعكاسات على سلوكا ت ا لأ فرا د وحركية ا لمجتمعات والحضا رات ا لبشرية [ White 1973 : 32 ].
وبصيا غة أ خرى ، فا لنظرية هي نسق من ا لأ فكا ر ا لقا د رة على تفسير مجموعة من الحقائق أو الظواهر[ Bothamley 1993 : vii  ] . وهذ ا ما نجد ه في فكرة مركزية ا لرموز الثقافية في هوية الجنس البشري القا درة على تفسير السمات الأربع المتنوعة والخاصة ا لتي يتميز بها أ فرا د جنس السلالة البشرية ، كما يبين ذ لك ا لرسم من جهة والشرح المرافق، من جهة ثا نية. ومما يزيد في تدعيم مصداقية النظريات التي يتوصل إ ليها الباحثون والعلماء هو وجود سند  معرفي/فكري يزكي ما ترتكز عليه تلك ا لنظريا ت.
 ومع ا لأسف فهذا ما لا  نجد ه في ا لمدارس الفكرية و النظريا ت الحديثة في ا لعلوم الإنسانية والاجتماعية. فالماركسية والبنيوية الوظيفية والتحليل ا لنفسي وا لتفا علية ا لرمزية Symbolic Intercation والمدرسة السلوكية Behaviorism  كلها ذات أطروحا ت معرفية/إيبستيمولوجية ورؤى فكرية لا تجعل الرموز الثقافية أ مرا مركزيا في هوية ا لجنس ا لبشري كما نفعل نحن في هذ ه ا لمقا لة. وحتى علم ا لإنثروبولجيا المعا صر ا لذ ي يركز على درا سة الثقا فة في المجتمعا ت ا لبشرية ، فإ نه لا ينظر إلى الإ نسا ن على أنه كائن رموزي ثقا في بالطبع ، كما نؤكد نحن هنا وفي كتاباتنا الأخرى [ا لذوادي 1997 ، 2002 ، 2005  Dhaouadi 2002, ] وهذا ما نود استكشافه الآن في الرؤية القرآنية لمكانة الرموز الثقافية في خريطة هوية الإنسان.
را بعا : ا لثقا فة في ميزا ن المنظور القرآ ني                                               
 نختار هنا الرؤية القرآنية للرموز الثقافية باعتبار أن القرآن هو المصدر الأول للثقافة الإسلامية العربية. فمن جهة، لا نجد كلمة ثقافة أو مشتقاتها في النص القرآني، ولكن نجد من جهة أخرى، النص القرآني حافلا بالكلمات التي  يتضمنها مصطلحنا لـ " الرموز الثقافية". فقد أ شار سد س الآيات القرآنية تقريبا إلى العلم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. كما أطنب القرآن في الحديث عن الأديان والعقائد في الأمم المختلفة وعبر الزمان والمكان المتباعدين. ومشهود للعديد من الآيات القرآنية التي تدعو الإنسان للتفكير والتدبر وتطالبه باستعمال العقل. أما اللغة فالقرآن يؤكد أنها ميزة الجنس البشري " خلق الإنسان علّمه البيان" [سورة الرحمن: 3،4]. وأن تعدد اللغات يمثل آية من آيات الله [ ومن آ يا ته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين / سورة الروم: 22] . كما دعا القرآن  بقوة إلى القيم السامية كالعدل والمساواة والتواضع والخشية من الله والتزوّد بالعلم والمعرفة ونادى بالمحافظة على التقاليد الصالحة وبالتخلي عن التقاليد الباطلة. واستعمل النص القرآني كلمة أساطير نفسها في انتقاده لموقف غير المؤمنين من الرسالات السماوية.
        وبعبارة أخرى، فالقرآن تحدث عن كل عناصر نظريتنا  للرموز الثقافية [اللغة والفكر والمعرفة /العلم والد ين والقيم والأعراف الثقافية والأساطير...] التي بها يتميّز الجنس البشري عن غيره من أجناس الكائنات الأخرى، كما أكدنا في هذه المقالة.
 والسؤال الإيبستيمولوجي الآن هو : ما هي طبيعة الرموز الثقافية من منظور الرؤية القرآنية؟                                                                   
يؤكد القرآن بكل شفافية  أن تميّز الإنسان في هذا الكون يعـود إلى أمر إلهي "و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" [ سورة ا لبقرة :30 ]. ترجع الآيات القرآنية أصول تميّز الجنس البشري إلى نفخ روح الله في الإنسان ( آدم ). جاء ذكر ذلك ثلاث مرات في القرآن: "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" [ سور الحجر:29، ا لسجد ة :9 ، ص:38]. فآيتا سورتي الحجر وص تشيران بوضوح إلى أن سبب سجود الملائكة لآدم ومن ثمّ خلافته لله في الأرض يعود إلى نفخ روح الله فيه دون سواه من الكائنات. فالإنسان هو إذن الكائن الوحيد الذي تلقى نفخة روح الله التي أعطته معالم التميّز والسيادة في هذا الكون.
        وهكذا يتجلى مما سبق من ا لتحليل ا لوضعي ا لميداني بأن تميّز الإنسان يعود، من ناحية، إلى منظومة الرموز الثقافية/ الثقافة باصطلاح العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة ويعود من وجهة النظر القرآنية إلى نفخة روح الله في الانسان، من ناحية أخرى. ومن ثمّ يمكن الاستنتاج بأن نفخة روح الله في آدم تتضمن في المقام الأول رصيد الرموز الثقافية الذي أهّل فى ا لوا قع والممارسة فى هذا العالم/الكون الجنس البشري وحده لخلافة الله في الأرض. فالرموز الثقافية هي إذن على المستوى الإيبستيمولوجي القرآ ني ذات طبيعية إلهية / ماورائية متعالية transcendental الصفات التي تجعلها تشبه الكائنات الماورائية.
        فالتحليل الموضوعي للنص القرآني بهذا الصدد يشير بكل وضوح إلى تفوق وسيادة جنس الانسان على بقية الاجناس الأخرى. فمن جهة، ترجع العلوم الاجتماعية الحديثة، مثل علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الانثروبولوجيا، تفوق الجنس البشري على بقية الأجناس الأخرى إلى تميز الانسان بمهارات عالم الرموز الثقافية/ ا لثقا فة.
 ومن جهة ثانية، يستوحى من النص القرآني بأن سيادة الانسان وخلافته في الكون  لله في صميم ذ ا ت  ترتبطان شديد الارتباط بنفخة روح الله في صميم ذات الانسان. وفي رأينا هناك انسجام كبير بين المنظورين. إذ إنه يمكن اعتبار أن الرؤية القرآنية تنظر إلى الرموز الثقافية على أنها جزء، على الأقل، من نفخة روح الله في الإنسان. ومن ثم يتفق المنظوران على الدور الحاسم الذي تلعبه الرموز الثقافية في تميز الجنس البشري وتفوقه على بقية الكائنات الحية الأخرى. ومع ذلك، فينتظر ربما أن يكون لنفخة روح الله في الذات الآدمية معنى أوسع من مجرد مفهوم الرموز الثقافية. أي أن نفخة روح الله تشمل أي شيء يميز تفوق وسيادة البشر عن غيرهم من الكائنات. إن الرسم أسفله يبين النقاط المشتركة بين عالم الرموز الثقافية ونفخة روح الله كعنصرين أ ساسيين لتميّز وتفوق الجنس البشري.
                           




                          مصــدر تفـوّق/تميّــز الإنســان   

        لقد أوضح تحليلنا المنهجي للطبيعة الشاملة لنفخة الروح الالهية أن هذه الأخيرة يجب أن تشمل من بين ما تشمل الرموز الثقافية. وبعبارة أخرى، فالرموز الثقافية يجب أن تكون العنصر المركزي في نفخة الروح الإلهية أو أن تكون الرموز الثقافية هي كلّ نفخة الروح الإلهية نفسها في ذات آدم. وبهذه الرؤية تصبح ماهية النفخة الروحية الإلهية أقل غموضا مما كانت هي عليه في تفسيرات المفسرين [ الرا زي، 1981: 185 ـ 186، القرطبي ، 1967 : 24 ـ 25، قطب ، 1985 : 137 ـ 139 ] . ويحسّن هذا الوضوح بكل تأكيد في إرساء فهم " ونفخت فيه من روحيأ فضل لمعنى" وإعطاء مصداقية للجا نب النظري للبحث العلمي في منظومة الرموز الثقافية وللجانب التطبيقي والمتمثل في دور الرموز الثقافية في تأهيل الجنس البشري وحده للخلافة في هذا العالم / الكون.
خامساً: المعالم الخمسة للرموز الثقافية
إن هاته ا لرؤية البديلة الجديدة للثقافة المطروحة هنا ليست بنت البارحة.
بدأ اهتمامنا بدارسة مفهوم الرموز الثقافية في بداية 1990. كان الأمر استجابة لرغبة ملحة عندنا يومئذ تطالبنا بالعثور على مرجعية رئيسية تكون ذات مصداقية عالية في فهم وتفسير سلوك الناس : أفراد وجماعات . فوجدنا أنفسنا نبحث عما يسميه عديد العلماء اليوم الرجوع إلى أساسيات الأشياء Return to Basics . فتجـلت لنـا بالملاحظة والتحليـل أن الرموز الثقافية /الثقافة تمثل أ ساس الأساسيات كفرضية بحث بالنسبة لمحاولة فهم وتفسير السلوك البشري . إذ إن ما نطلق عليه الرموز الثقافية /الثقافة /المنظومة الثقافية (اللغة والفكر والدين والمعرفة / العلم والقيم والأعراف الثقافية والقوانين والأساطير...) هي من جهة ، أكبـر صفة مميزة على الإطلاق للجنس البشري عن سواه من الأجناس الحية الأخرى، كما بينا. والرموز الثقافية هي، من جهة ثانية، العناصر الحاسمة التي أهلت الجنس البشري وحده للفوز بمقاليد السيادة والخلافة في هذا الكون. ومن هذه المعالم الأبجدية للرموز الثقافية ودورها في دنيا الإنسان تأتي المشروعية القوية لفرضية الرجوع إلى الرموز الثقافية باعتبارها أهم الأساسيات التي تحتاج إليها العلوم الإنسانية والاجتماعية في كسب رهان متين وأكثر مصداقية في فهم وتفسير السلوكات البشرية. ومتابعة منا في ا لحفر في جوهر وأعماق الرموز الثقافية استكشفنا ملامح أخرى يزيد فهمها مصداقية لمدى أهمية دورها في تفسير سلوكيات الأفرا د وحركية ا لمجتمعا ت ا لبشرية.
        وبالنظر المتعمق إلى جوهر طبيعة الرموز الثقافية عند الجنس البشري تبين أنها تتسم بسمات غير ما دية/ متعالية/ميتافيزيقية تجعلها تختلف عن صفات مكونات الجسم البشري وعالم المادة. فهوية الإنسان هي إذن هوية ثنائية : منظومة الرموز  الثقافية، من ناحية ،  والعناصر العضوية البيولوجية والفيزيولوجية، من ناحية أخرى ، كما نرى ذ لك في ا لرسم الأول في هذه المقالة. وتبقى الرموز الثقافية هي الطرف الأبرز والأكثر حسما في تحديد هوية الإنسان ومن ثم سلوكه بسبب مركزيتها في تلك ا لهوية . ولشرح ما نعنيه باللمسات المتعالية/الميتافيزيقية للرموز الثقافية ، نقتصر هنا على ذكر خمس منها نعتبرها رئيسية :
        1- ليس للرموز الثقافية وزن وحجم كما هو الأمر في المكونات البيولوجية الفيزيولوجية للكائنات الحية وعالم المادة الجامدة. إن فقدان الرموز الثقافية لعاملي الوزن والحجـم يبدو أنه الأساس في تأهل الرموز الثقافية للاتصاف بالأبعاد المتعالية ، الأمر الذي يجعل عالمها مختلفا عن كل من العناصر البيولوجية الفيزيولوجية وعالم العناصر المادية.
        2- تتمتع الرموز الثقافية بسهولة سرعة إنتقالها عبر المكان والزمان بسبب ما ورد في 1 . ينطبق هذا بصورة مجسمة كاملة على استعمال الفاكس اليوم . فما يرسل في لمح البصر بهذا الأخير من رسائل ووثائق كان يحتاج في الماضي القريب إلى أيام أو أسابيع أو شهور حتى يصل إلى المرسل اليه بسبب إرساله بالبريد الجوي أو البري أو البحري . فلماذا هذا الفرق المدهش بين الفاكس والبريد في سرعة وصول نفس الشيء المكتوب المرسل ؟ لأن الإرسال بالفاكس يلغي بكل بساطة صفتي الحجم والوزن من الشيء المرسل .
        يجوز أيضا تعميم قانون سهولة سرعة الإنتقال على كافة الرموز الثقافية الخالية من عاملي الحجم والوزن كالكلمة المنطوقة المرسلة عبر صوت الإنسان أو عبر الهاتف أو عبر المذياع أو التلفزيون أو أجهزة الإتصال الأخرى الحديثة . وينطبق ذلك أيضا على كل من الكلمة المكتوبة والمرسلة إلكترونيا بوا سطة الإنترنت وعلى سـرعة انتقال الصورة الحية أو الجامدة اليوم في لمح البصر عبر آلاف الأميال . ويرجع ذلك في المقام الأول إلى نزع عاملي الحجم والوزن منهما . فالكلمة المنطوقة والمرسلة مكتوبة على الإنترنت وصورة الفضائيات تفتقد كلها لعاملي الوزن والحجم.
        3- لا تتأثر الرموز الثقافية بعملية النقصان عندما نعطي منها للآخرين كما هو الأمر في عناصر عالم المادة . فإعطاء الآخرين خمسين دينارا من رأس مالنا وقنطارا من قمحنا وعمارة من عماراتنا ... كلها عمليات تنقص مما هو عندنا من ممتلكات مادية . أما إذا علّمنا (منحنا) الآخرين شيئا من معرفتنا وعلمنا وفكرنا وعقيدتنا وقيمنا الثقافية ولغتنا ... فإن ذلك لا ينقص شيئا من كل واحد من رموزنا الثقافية هذه .
        4- للرموز الثقافية قدرة كبيرة على البقاء طويلا عبر الزمان في المجتمعات البشرية إذ قد يصل مدى بقائها درجة الخلود. فاللغة ، وهي أم الرموز الثقافية ، لها قدرة فائقة على تخليد ما يكتب بها بغض النظر عن محتوى المكتوب  . فالفكر البشري لا يكتب له الاستمرار والخلود الكاملان دون أن تحتضن مضمونه اللغات المكتوبة . فما كان لفكر كل من إخناتون وسقراط وأرسطو وابن رشد والغزالي وابن خلدون وروسو وديكارت وهيوم وغيرهم من المفكرين والعلماء ... أن يتمتع بمدى حياة طويلة من البقاء بدون تسجيله في حروف وكلمات اللغات البشرية المتنوعة التي تؤهله لكسب رهان حتى الخلود . أما على مستوى الحفاظ وتخليد التراث الجماعي للمجموعات البشرية، فإن للغات دورا بارزا بهذا الشأن . فاللغات المكتوبة على الخصوص تمكن المجموعات البشرية من تسجيل ذاكرتها الجماعية والمحافظة عليها وتخليدها رغم اندثار وجودها العضوي والبيولوجي ككائنات حية ورغم تغييرها للمكان وعيش أجيالها المتلاحقة في عصور غير عصورها . فمحافظة لغة الضاد محافظة كاملة على النص القرآني خير مثال على مقدرة اللغة التخليدية بالنسبة لحماية الذاكرة  والتراث الجماعيين من واقع الفناء المتأثر كثيرا بعوامل الزمن والبيئة والوجود الجسمي العضوي البيولوجي لذات تلك المجموعات البشرية .
        ولا تقتصر هذه الأبعاد المتعالية/المتافيزيقية للغة المكتوبة فقط ، بل إن الاستعمال الشفوي للغة يقترن هو الآخر بدلالات متعالية/ميتافيزيقية . أ فلا يلجأ البشر من كل العقائد والديانات إلى استعمال الكلمة المنطوقة في تأملاتهم الكونية وتضرعاتهم وابتهالاتهم إلى آلهتهم أو إلى أي شيء آخر يعتقدون في أزليته أو قدسيته ؟ فبانفرادهم بنوعية اللغة البشرية عن بقية الكائنات الحية الأخرى يستطيع أفراد الجنس البشري أن يحرروا أنفسهم من العراقيل المادية لهذا العالم ويقيموا علاقات وروابط مع العالم المتعالي/الميتافيزيقي. فبهبة اللغة البشرية ينجح بنو البشر في فك حصار المشاغل الدنيوية والآنية . وهكذا يصبح لقاءهم بالبعد الميتافيزيقي في شتى مظاهره أمرا لا مفر منه ، فهم يرونه في أحلامهم ويحفل به خيالهم ويلتقون به عن قرب في تجاربهم الدينية.
        5- تملك الرموز الثقافية قوة هائلة تشحن الأفراد والمجموعات بطاقات كبيرة تمكن أصحابها من الانتصار على أكبر التحديات بكل أصنافها المتعددة . فعلى سبيل المثال، قد أثبتت قيم الحرية والعدالة والمساواة عبر التاريخ البشري الطويل على أنها رموز ثقافية قادرة على شحن الأفراد والمجموعات بطاقات هادرة جبارة تشبه إلى حد ما القوى الماورائية الصاعقة التي لا يستطيع اعتراض سبيلها أحد . وهذا ما يوحي به قول الشاعر العربي التونسي أبي القاسم الشابي :
                إذا الشعب يوما أراد الحياة        فلا بد أ ن يستجيب القدر
فمصدر إرادة الشعوب الحقة يكمن في عالم الرموز الثقافية . أي عندما يجمع الناس أمرهم للدفاع عن الحرية والمساواة والعدل وغيرها من القيم البشرية وعن حقهم في الاستقلال واحترام الذات يصبح رد فعلهم كرد فعل القدر الذي لا يبقي ولا يذر. وهذا ما يفسر لجوء الناس إلى الحديث عن المعجزات في بعض الأحداث الفردية أو الجماعية التي تدخل سجل التاريخ بالرغم من عدم توفر المعطيات المادية لذلك، إنها تجليات لأثر الرموز الثقافية الحاسم في ميلاد وتفعيل حركية السلوكات البشرية في المجتمعات والحضارات الإنسانية على مر العصور .
        يمثل هذا التحليل كشفا لمعالم خفية في صلب الرموز الثقافية لا تكاد تشير إليها ولو بالقليل العلوم الاجتماعية المعاصرة . إنه كشف يمكن الباحثين من قراءة جديدة معمقة لخفايا أبجدية عالم الثقافة ، وبالتالي يؤهلهم إلى فهم أفضل وأكمل لمنظومة الرموز الثقافية ، الأمر الذي يساعد على طرح تفسيرات أكثر مصداقية للعديد من الظواهر في المجتمعات البشرية.
سادسا: التطبيقات الميدانية للرموز الثقافية
        يساعد منظورنا للرموز الثقافية على طرح يتمتع بأكثر دقة في تحليل وفهم وتفسير العديد من  الظواهر والقضايا المتنوعة  ذات العلاقة بالمسألة الثقافية مثل مدى الحياة الأطول للإنسان  (الذي شرحنا من قبل أ سبابه ) و التبعية والغزو الثقافي والازدواجية اللغوية والثقافية وحوار/صراع الثقافات بين الأمم.وإذا نجح طرحنا ا للرموز الثقافية كفرضية بحث في العلوم الاجتماعية في إرساء فهم وتفسير ذوي مصداقية عالية بالنسبة لسلوك الأفراد وحركية المجتمعات البشرية فإنه يصبح مؤهلا لكي يتحول من مجرد فرضية بحث إلى نظرية . إذ "النظرية هي نسـق فكري مفسر مقام على فرضية ومدعم بمجموعة من الحقائق تعطى ، من ناحية ، النظريـة مضمونا إيجابيـا وتمنح ، من ناحية أخرى ، الفرضية مشروعية قوية "  . فدعنا الآن نقرأ ونحلل ونناقش من خلال إطارنا الفكري  للرموز الثقافية أربع قضايا تتجلى فيها معالم نظريتنا ا لبد يلة حول ا لثقا فة .

          1 مسأ لة التبعية في عا لم ا ليوم :
 مما لا ريب فيه أن الكتابات حول مسألة التبعية بين المجتمعات في القرن العشرين ركزت اهتمامها على خطر التبعية الاقتصادية وهمشت في المقابل خطر التبعية الثقافية على المجتمعات النامية. ويبرز هذا التوجه الفكري خاصة عند المفكرين الماركسيين في علمي الاقتصاد والاجتماع على الخصوص . وما مدرسة نظرية التبعية Dependency Theory التي نادى بها جوندر فرنك Gunder Frank وينادي بها أتباعه في أمريكا اللاتينية وغيرها من البلاد في العالم إلا أ شهر مثال للنظر إلى التبعية على أنها في المقام الأول قضية اقتصادية. أما نظرية الرموز الثقافية في هذه الدراسة فهي ترى أن تبعية مجتمعات العالم الثالث للمجتمعات الغربية على مستوى المنظومة الثقافية هي مسألة أكثر خطورة من التبعية الإقتصادية لأنها تبعية تضر  بمركزية [ ا لرموز الثقافية ] ما يملكه الجنس البشري وما يميزه عن سواه من الأجناس الأخرى ويعطيه السيادة عليها ، كما رأينا . فالتبعية الثقافية لمجتمع ما إلى مجتمع آخر هي تبعية لا تمس جوانب هامشية أو جانبية للمجتمع التابع، بل هي تبعية تهاجم جوهر/صلب كينونة المجتمع التابع والمتمثل في عناصر منظومته الثقافية . وإذا كانت هذه الأخيرة هي بيت القصيد في تحديد هوية الجنس البشري ، كما أكدنا على ذلك ، وبالتالي تحديد هوية المجتمعات البشرية المتنوعة الثقافات ، فإن تبعية البعض منها ثقافيا للآخر تعتبر مصابا جللا لأنها تضرب صميم أساسيات الركائز التي تقام عليها هوية الأفراد ومجتمعاتها ولأن مدة بقاء الرموز الثقافية للمستعمر القديم طويلة العمر في مجتمعات العالم الثالث التي عانت من الاحتلال الغربي. ومن ثم فنيلها للاستقلال اللغوي الثقافي الحق هو أصعب بكثير من كسبها للاستقلال من الإحتلال العسكري والهيمنة الإقتصادية.
تشير الملاحظات في دنيا التثاقف بين الأمم والمجتمعات بأن عنصري اللغة والدين يلعبان دورا حاسما في تحديد مـدى خطر التبعية الثقافية  . فتثاقف مجتمعات الوطن العربي مع الغرب في القرنين التاسع عشر والعشرين أفرز نوعين من التبعية الثقافية . فمن جهة ، نجح الاستعمار الفرنسي – المعروف بتركيزه على الجانب اللغوي الثقافي – في بث لغته وثقافتها في بلاد المغرب العربي (الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا) ليس فقط بين النخب وإنما أيضا بين عامة الناس . فأصبحت الفرنسية ليست لغة أغلبية المؤسسات فحسب لهذه المجتمعات في ظل الاحتلال الفرنسي بل أيضا لغة العديد من المؤسسات الوطنية لنفس هذه المجتمعات لفترة ما بعد الاستقلال . ونظرا لأن اللغة هي أم الرموز الثقافية جميعا، فإنه يجوز وصف التبعية الثقافية لمجتمعات المغرب العربي الأربعة لفرنسا بأنها تبعية خطيرة لأنها تحرم اللغات الوطنية (العربية والأمازيغية ...) من النمو والاستقلال الكاملين . ولا يقتصر بالتأكيد خطر التبعية الثقافية على مجرد فقدان اللغة/اللغات الوطنية للنمو والاستقلال وإنما يمس أيضا قضايا الشعور بالاغتراب الثقافي والتذبذب على مستوى الهوية الثقافية عند الأفراد ومجتمعاتهم. ومن جهة أخرى، اهتم الاستعمار الإنجليزي أ قل بجوانب الاستعمار اللغوي الثقافي لبلاد المشرق العربي التي سقطت تحت هيمنته ، فلم يبلغ تعلم وانتشار واستعمال اللغة الإنجليزية في مجتمعات المشرق العربي الدرجة التي بلغتها اللغة الفرنسية على مستويات عديدة – كما رأينا – في مجتمعات المغرب العربي . وكمؤشر ذي دلالة بالغة على الفرق في درجة التبعية الثقافية التي تعرضت لها هاتان المنطقتان من العالم العربي هو الحضور البارز والمتواصل لما يسمى بظاهرة الكتّاب الفرنكوفونيين المغاربيين Les écrivains francophones maghrébins والغياب شبه الكامل لمثل هذه الظاهرة باللغة الإنجليزية بين الكتّاب المشرقيين الذين احتلت بريطانيا بلادهم . أي أن اللغة العربية المكتوبة واللهجات العربية المتعددة القليلة الاستعمال للكلمات الإنجليزية حافظت على هيمنتها في الاستعمال في مؤسسات تلك المجتمعات المشرقية وفي التواصل بين أفرادها في الحياة اليومية . إن هذا الواقع الاستعمالي الواسع كتابة وحديثا للغة العربية المكتوبة وللهجات العربية يعطي شرعية للقول بأن التبعية الثقافية لمجتمعات المشرق العربي هي أقل حدة وخطورة من تلك التي تعيشها مجتمعات المغرب العربي . أو ليست اللغة هي أم الرموز الثقافية جميعا التي يصون استعمالها الواسع وقوته في مجتمعها من مغبة السقوط في التبعية اللغوية الثقافية الخطيرة والطويلة البقاء للأمم صاحبة الهيمنة والتأثير العولمي .
2- الغزو اللغوي الثقافي في ميزان الرموز الثقافية
        وفي ضوء ما سبق يسهل فهم مشروعية ومصداقية قولنا "إن الغزو اللغوي الثقافي هو أخطر أنواع الغزو جميعا"  . فالهجوم الشامل على المنظومة الثقافية لشعب ما وإضعافها أو نسف أ سسها هو أخطر ما يصيبه لأنه يضرب الأركان الأساسية الأولى لكيان المجتمع البشري والتي بدونها تضعف قدرته على التماسك ناهيك عن المقاومة ويصعب عليه ويطول بالتأكيد التحرر اللغوي الثقافي ، وذلك حتى في غياب الآخر الغازي  ، إذ الرموز الثقافية للغازي ذات أمد بقاء طويل ، من جهة ، وذات حضور شبه ميتافزيقي ، من جهة أخرى، في المجتمعات المتأثرة كثيرا على الخصوص بالانتشار الوا سع لتلك الرموز الثقافية . أي أن الحضور المادي ، مثلا ، للمستعمل الفرنسي في مجتمعات المغرب العربي لم يعد ضروريا لاستمرار تأثير اللغة الفرنسية وثقافتها في تلك المجتمعات . إذ تنوب عنه النخب السياسية والفكرية والشرائح الاجتماعية المتعلمة التي لا تزال يهيمن عليها مركب سمو اللغة الفرنسية وثقافتها بعد حوالي نصف قرن من الاستقلال.
        ينطبق هذا كثيرا على حال المجتمع التونسي الحديث. فالنخب السياسية والفكرية والمسؤولون ذوو المراكز الحساسة وأغلبية الشرائح الاجتماعية المتعلمة لفترة ما بعد ما بعد الاستقلال هي فئات يغلب عليها التعاطف مع لغة وثقافة وإيديولوجيا المستعمر الفرنسي أو الغرب عموما أكثر من تعاطفها مع اللغة العربية وثقافتها ورؤيتها للحياة ، وهذا ما أطلقنا عليه مفهوم/ ظاهرة التخلف الآخر  . يعزز هذا القول ملاحظتان رئيسيتان :
 (1)غياب شبه كامل منذ الاستقلال – 1956 – لمصطلح التحرر/الإستقلال اللغوي الثقافي من قاموس السياسيين ونقاش المفكرين والعلماء والمسؤولين التونسيين وحديث معظم الفئات التونسية الأخرى . وفي المقابل يحتفل التونسيون سنويا  بثلاثة أعياد وطنية: عيد الاستقلال السيا سي في 20 مارس وعيد الجلاء العسكري في 15 أكتوبر والفلاحي للاستعمار الفرنسي من الأراضي التونسية في 12 ما يو . أ ما الجلاء اللغوي الثقافي فلا يكاد يذكر ناهيك عن المناداة به بصوت عال خاصة من طرف النخب وأصحاب القرار . وبعبارة أخرى ، فوعي المجتمع التونسي الحديث بمسألة التحرّر اللغوي الثقافي يتراوح بين مستوى ضعيف جدا وبين العماء الجماعي المطلق.
(2)غياب كامل في هذا المجتمع في فترة ما بعد الاستقلال لحملات وطنية توعوية لصالح اللغة العربية (اللغة الوطنية) . يقع هذا الصمت الكامل والحال أن علاقة التونسيين ا لمتعلمين بلغتهم الوطنية ليست بخير بعد  أ كثر من نصف قرن من الاستقلال [ ا لذ وا د ي 2005 ] . ففي أحسن الأحوال لا يستعملونها بالكامل شفويا أو كتابيا ، ولا يحتجون أو يعارضون استعمال لغة أجنبية بينهم ولا يبدون اعتزازا باللغة العربية أو غيرة عليها، ولا يوجد لديهم شعور عفوي قوي إزاء أولوية استعمال لغتهم الوطنية بينهم، ولا حس لمراقبة استعمال الكلمات والجمل الفرنسية . وأخيرا فالتونسيون المتعلمون اليوم يندر أن يعرّفوا بتلقائية هويتهم بلغتهم الوطنية (اللغة العربية)، كما يفعل مثلا ، الألمان والإيطاليون والفرنسيون والأسبان .
        تفيد كل تلك المؤشرات اليوم إلى وجود موقف attitude جماعي سلبي لدى الأغلبية الساحقة من التونسيين المتعلمين بالنسبة لعلاقتهم مع اللغة الغربية ، لغتهم الوطنية ، ويعود ذلك إلى عاملين أساسيين مترابطين ، يتمثل الأول في تأثير الاستعمار الفرنسي على إقصاء اللغة العربية قدر المستطاع من الاستعمال في المجتمع التونسي وتعويضها باللغة الفرنسية ثم غرس عقلية الاحتقار للغة العربية بين التونسيين المتعلمين وغير المتعلمين . أما العامل الثاني الحاسم فيمثله بالتأكيد التونسيون مزدوجو اللغة والثقافة أو المفرنسون الذين أخذوا زمام الأمور في تسيير شؤون البلاد بعد الاستقلال  . ونظرا لتعاطفهم الكبير ، عن وعي أو عن غير وعي ، مع لغة المستعمر وثقافته ، كما أ شرنا ، فإن أغلبيتهم لم تستطع التحرر من مركب الاستعمار اللغوي الثقافي بحيث تصبح متحمسة وقادرة على إعطاء الأولوية للغة الوطنية وثقافتها، ومن ثمّ إنصاف اللغة العربية وثقافتها وذلك بتمكينها عبر سلسلة من الإصلاحات اللغوي والثقافية والنفسية من كسب رهان عقول التونسيين وعطف قلوبهم . وبعبارة عالم الاجتماع الفرنسي الراحل بيار بورديو Pierre Bourdieu فإن الموقف التحقيري الذي تلقاه اللغة العربية بين المتعلمين التونسين اليوم هو إنعكاس في المقام الأول لموقف النخب والمسؤولين ونظام التعليم والمجتمع بصفة عامة من اللغة العربية . إ نه عبارة عن عملية إعادة إنتاج La Reproduction. ويمكن تفسير ذلك انطلاقا من خلفية ا لقيا د ة ا لسياسية ا لتونسية لما بعد     الاستقلال. فالسلطة السياسية بقيادة الرئيس الحبيب بورقيبة  ما بين 1956 و1987 شد د ت ، من جهة، على أهمية الإستقلال من الاحتلال الفرنسي على المستويات ا لمذكورة سابقا: السياسية والعسكرية والفلاحية وقللت ، من جهة ثانية ، من أهمية ا لاستقلال / التحرر اللغوي والثقافي من الإستعمار الفرنسي. ويمكن القدح في هذا التوجه للقيادة السياسية التونسية على مستويين:
1ـ تشكو تلك القيا د ة السياسية من قصور في ا لرؤية لمعنى ا لاستقلال والتحرر الكاملين  من الهيمنة الاستعمارية الفرنسية. فهذه الأخيرة كانت ظاهرة شاملة بالمجتمع التونسي: الاحتلال السياسي والعسكري والفلاحي واللغوي الثقا في. أي أن الاستعمار الفرنسي للبلاد التونسية كان ذا رؤوس متعد د ة ومتشا بكة. ومن ثم يتضح قصور رؤية القيادة السياسية التونسية التي همشت الاستقلال اللغوي الثقافي من فرنسا في تصورها للتحرر والانعتاق من الاستعمار الفرنسي ذ ي الرؤوس المتعددة، كما رأينا. ويجوز ا لقول بهذا الصدد إن القيادة التونسية في العهد البورقيبي على الخصوص كا نت تعتبر الاستعمار اللغوي ا لثقا في ا لفرنسي عنصرا إيجابيا للمجتمع التونسي. ويتنا سق هذا مع ا لقا نون ا لفرنسي الصادر في 23 فبرا ير 2005 ا لذ ي يعلن عن ا لد ور ا لإ يجا بي  le role positif  للإ ستعما ر [ Ramonet 2006 ] . وهوأ مر يفسر سبب ا لإ حتفا ء ا لكبير ا لذ ي توليه فرنسا ا ليوم لبورقيبة د ون سوا ه من زعما ء ا لمغرب
 ا لعربي أ مثا ل محمد ا لخا مس وهوا ري بومد ين .
2 ـ يتنا قض موقف ا لقيا د ة ا لتونسية من ا لاستعما ر اللغوي الثقافي الفرنسي مع مقولة نظريتنا للرموز الثقافية المبينة أعلاه. فهذه النظرية تعطي ، من ناحية ، مركزية قصوى للغة في منظومة ا لرموز الثقافية للشعوب والمجتمعات ، إ ذ ا للغة هي أ م الرموز الثقافية جميعا، كما شرحنا ذلك شرحا وافيا في هذه المقالة وفي غيرها من مؤلفاتنا [الذوادي 2006 ، 2005 ، 2002  Dhaouadi 1996 ,  ] . أ ي أ ن عدم التحرر اللغوي من لغة ا لمستعمر لا يعمل فقط على استمرا ر التبعية اللغوية لفرنسا بل يساعد أيضا على استمرا ر تبعية ثقافية تونسية شاملة لفرنسا.
ومن ناحية ثانية، فمنظور ا لقيا د ة ا لسياسية ا لتونسية يتجاهل ما تؤكده مقولة نظريتنا في أن الهيمنة اللغوية ا لثقافية على الشعوب والمجتمعات هي أ خطر أ نوا ع ا لهيمنا ت جميعا لأنها تمس وتها جم منظوما ت رموزها الثقافية التي تمثل مركز الثقل في هوياتها الجماعية ، كما بينا ذ لك على ا لخصوص في ا لرسم ا لأ ول لهذ ه ا لدرا سة .
        3- الازدواجية اللغوية والثقافية في ضوء الرموز الثقافية
          أما الازدواجية اللغوية والثقافية فينظر إليها في العديد من المجتمعات المتخلفة على أنها عنصر أساسي لنجاح عملية التنمية . ومن ثم يرى المسؤولون في هذه المجتمعات وجوب تبني نظم التعليم عندهم سياسات تكوين أجيال مزدوجة اللغة والثقافة. والمجتمع التونسي أبرز مثال على ذ لك ، كما رأ ينا.
 فعلى مستوى أول ليست هناك علاقة ضرورية بين كسب رهان التنمية ، من ناحية ، والإزدواجية اللغوية والثقافية، من ناحية أخرى. إن إنجاز المجتمع الياباني منذ الحرب العالمية الثانية لمستوى عال من التنمية والتحديث خير عينة على ذلك.
        وعلى مستوى ثان، فمن السذاجة الاعتقاد بأن في الازدواجية اللغوية والثقافية بكل أصنافها خيرا كبيرا كما ترى الأغلبية من النخب وأصحاب القرار والرأي العام في عدد كبير من المجتمعات المتخلفة . فنظريتنا  للرموز الثقافية تحذر بكل شدة، مثلا، من مخاطر الازدواجية اللغوية الثقافية التي تكون فيها اللغة الأجنبية وثقافتها صاحبتي المكانة الأولى في نفوس وعقول وسلوكات مواطني ومؤسسات المجتمعات النامية ، وهذا ما هو موجود في عدد كبير من هذه المجتمعات. إذ أن هذا الصنف من الإزدواجية اللغوية والثقافية يهدد أم الرموز الثقافية للمجتمع النامي ألا وهي اللغة/اللغات الوطنية ومنظومتها الثقافية . وفي المقابل ترحب رؤيتنا للرموز الثقافية بالإزدواجية اللغوية والثقافية التي تحافظ فيها اللغة الوطنية وثقافتها على الأولوية والصدارة في قلوب وعقول وسلوكات مواطني ومؤسسات المجتمعات النامية ، كما هو الأمر في المجتمعات المتقدمة . أي أن تعلم اللغة/اللغات الأجنبية وثقافتها في هذه المجتمعات يمثل فقط وسيلة انفتاح على الآخر لا يربك ولا ينسف، من جهة ،مناعة اللغة الوطنية وثقافتها لدى الأفراد والجماعات والمؤسسات في المجتمع الكبير، ولا يخلق من جهة ثانية ، أعراض مركب النقص والتحقير للذات بين المواطنين.ففي هذه الظروف فقط ترى نظريتنا للرموز الثقافية بأنه يمكن اعتبار الإرث ا للغوي الثقافي الاستعماري غنيمة للمجتمعات النامية المستقلة.
        4- نظريتنا و حوا ر وصدام الثقافات
        نفضل هنا استعمال كلمة "الثقافات" بدل "الحضارات" في تحليل مسألة الحوار أو الصدام بين الأمم والمجتمعات. إذ أن الثقافات هي المؤسسة للحضارات وتجلياتها بما فيها القدرة على الحوار والصدام مع "الآخر" .
        ما من شك أن قضية حوار/صدام الثقافات هي اليوم موضوع الساعة . تساعد نظريتنا  للرموز الثقافية على المساهمة في فهم وتفسير حيثيات هذا الموضوع . يسهل الاشتراك أو التشابه في منظومة الرموز الثقافية بين الأمم والمجتمعات والجماعات على التواصل والحوار بينها. فالاشتراك أو التشابه بين تلك التجمعات البشرية في الرموز الثقافية (مركز ثقل الجنس البشري) يعزز بالتأكيد من الاستعداد والتحمس والقدرة على الحوار والتفاعل على المستويين الفردي والجماعي بين تلك التجمعات. واللغة أم الرموز الثقافية جميعا هي أهم عناصر المنظومة الثقافية لفتح أبواب الحوار والتواصل بين الأفراد والمجموعات البشرية . ومن ثم يمكن القول بأن حـوار الثقافات بين العالم الإسلامي، من ناحية، والعالم الغربي، من ناحية أخرى، يتطلب في المقام الأول من الطرفين معرفة لغات بعضهم البعض. وهذا ما هو مفقود عند الطرف الغربي نخبويا وشعبيا . وينطبق هذا أكثر على المجتمع الأمريكي ليس في فقدانه لمعرفة لغات العالم الإسلامي فحسب بل أيضا في عدم معرفته للغات الأجنبية بصفة عامة. وعلى العكس من ذلك، فإن لنخب العالم الإسلامي معرفة واسعة ومتمكـنة بلغات المجتمعات الغربية المتقدمة وفي طليعتها اللغتان الإنجليزية والفرنسية. وبازدياد نسبة التمدرس منذ استقلال المجتمعات الإسلامية فان انتشار تعلم إحدى تلك اللغتين أو هما معا وغيرهما من اللغات الغربية كالألمانية والإسبانية والروسية ... أ صبح واقعا اجتماعيا شعبيا لأغلبية فئات تلك المجتمعات. إن هذا الواقع اللغوي الشعبي يهيئ بالضرورة المجتمعات الإسلامية ويعزز عندها هاجس التفتح والحوار مع المجتمعات الغربية وخاصة الأكثر تقدما. أما المجتمعات الغربية المتقدمة فليس لها ما يحفزها على نطاق شعبي واسع على تعلم ولو لغة واحدة من لغا ت العالم الإسلامي [العربية والفارسية والتركية والأردية]. فالعالم الإسلامي عالم متخلف لا يجذب الغربيين لتعلم لغاته . ويقتصر الأمر في أغلب الأحيان على تعلم بعض لغات العالم الإسلامي لعدد محدود جدا من الأفراد من العلماء والمستشرقين والدبلوماسيين ورجال الأعمال والاستخبارات .
        وفي ضوء هذه المعطيات ، فإنه لا يمكن الحديث عن المساواة في رغبة الطرفين الغربي والإسلامي على الحوار . فالهيمنة الغربية الحالية وتاريخ الغرب الاستعماري للشعوب الإسلامية وجهل سواد المجتمعات الغربية لإحدى لغات العالم الإسلامي الكبرى على الأقل يضعف كثيرا من استعداد وقدرة تلك المجتمعات على الحوار التلقائي والمتحمس والواعد مع المجتمعات الإسلامية.
        ومن ثم فالمجتمعات الغربية الحديثة هي أقل استعدادا ومقدرة لغويا وثقافيا على الدخول في حوار ثقافي واسع ومثمر مع المجتمعات العربية والإسلامية . وفي ظل ظروف الجهل المتفشي في العالم الغربي بلغات وثقافات العالم العربي والإسلامي ومن ثم بمنظومات ثقا فا ته ا لمتنوعة وا لمتعد د ة ، فإن الطرف الغربي هو الأكثر ا ستعدادا وترشحا للدخول في صدا م مع العالم العربي الإسلامي. ومما يزيد الطين بلة في صدام الثقافات هو  أن هيمنة الغرب العالمية ومصالحه الكبيرة والمتنوعة في العالم العربي والإسلامي تشجع الغرب أكثر على الهجوم على العالم العربي والإسلامي بدلا من الحوار معه . إن السياسة الخارجية الأمريكية الصدامية لإدارة بوش الصغير مع العالم العربي والإسلامي اليوم خير مثال ميداني تتجلى فيه مشروعية تأهل أمريكا القوة الأعظم للصدام مع العالم العربي والإسلامي . وتأتي المنظومة الثقافية لإدارة بوش في المقام الأول كعامل حاسم في صدام هذه الإدارة ليس مع العالم العربي الإسلامي فحسب بل مع المجموعة الدولية قاطبة.
        كما أن الحديث عن علاقة العرب المسلمين بالغرب المسيحي يحتاج إلى الإشارة إلى الخلفية التاريخية التي ربطت بينهما. فمن جهة ، لقد غزى العرب المسلمون ما يسمى اليوم إسبانيا والبرتغال حيث أقاموا حكمهم وهيمنتهم لقرون عديدة. وحاولوا التوسع أكثر في أوروبا . ولاشك أن المخيال الغربي (منظومته الثقافية) أصبح منذ ذلك التاريخ متوجسا وخائفا وعدائيا للعرب المسلمين . إذ هم القوة الوحيدة في العالم التي هددتهم في عقر دارهم.
        ومن جهة ثانية ، فقد هزم العرب المسلمون في الأندلس وطردوا منها شرّ طرد فسجلوا في مؤلفاتهم هيامهم بالأندلس ولوعتهم عليها وغضبهم على ما تعرضوا له على أيدي المنتصرين الأسبان المسيحيين . فولّد عندهم مخيالا حاقد ا على الإسبان وعلى الغرب بصفة عامة نتيجة للحروب الصليبية والإستعمار الغربي لهم في العصور اللاحقة والحديثة .
        إن المنظومة ا لرموزية الثقافية السلبية إزاء "الآخر" عند مخيالي الطرفين (الغرب والعرب المسلمين) مرشحة بكل قوة لا لتستمر لقرون عديدة فقط بل ربما  إلى أجل غير مسمى. إذ الرموز الثقافية ذا ت مدى حياة طويل قد يصل إلى الأبدية ، كما أكدنا في تحليلنا للمعا لم الخمسة للرموز ا لثقافية.
        لا تسمح المعطيات المبينة أعلاه بالتفاؤل للحديث عن توفر الشروط اللازمة لحوار حقيقي متكافئ فعلا بين الغرب والعالم العربي الإسلامي إذ الطرف الغربي هو الأقل تأهلا اليوم للدخول بطيب نية ونزاهة وتحمس  في مثل ذلك الحوار .


               ا لمرا جع باللغة العربية والأجنبية

ـ أ بو عبد ا لله القرطبي ، [ 1967]  ا لجا مع لأحكام القرآن، القاهرة، دار الكتا ب ا لعربي للنشر.
ا لذوادي ، محمود [ 2006 ] ا لثقافة بين تأصيل ا لرؤية ا لإسلامية و اغترا ب منظور ا لعلوم ا لإجتماعية ، بيرو ت ، دار الكتاب الجديد.
ـ // // // [ 2005 ] في أ بجدية الرموز الثقافية، الآداب، 6/7 .
ـ // // // [ 2002 ] ا لتخلف ا لآخر: عولمة أ زمة ا لهويا ت ا لثقا فية في ا لوطن ا لعربي وا لعا لم ا لثا لث ، تونس ، ا لأطلسية للنشر.
ـ // // // [ 1997 ] في ا لد لا لا ت ا لميتا فيزيقية للرموز ا لثقا فية ، عا لم ا لفكر ، ا لسنة 25 ، ا لعد د 3 ينا ير/ ما رس.
ـ فخر ا لد ين ا لرا زي [ 1967 ] تفسير ا لقرآ ن  ، بيروت ، د ا ر ا لفكر ، ا لمجلد 10 .
ـ سيد  قطب [ 1985] فى ظلا ل ا لقرآ ن ، بيروت ، د ا ر ا لشروق .
ـ ا لمسيري عبد ا لوها ب [ 1996 ] إ شكا لية ا لتحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد /محور ا لعلوم ا لاجتماعية، ا لمعهد العالمي للفكر الاسلامي ـ هيرندن ـ فيرجينيا / ا لولايات ا لمتحد ة ا لأ مريكية .









                    

 -Bothamley , J.(1993) Dictionary of Theories , London ,Gale Research International Ltd .
-Dhaouadi , M (2002) Globalization of the Other Underdevelopment : Third World Cultural Identities , Kuala Lumpur , AS Noordeen.
-Dhaouadi , M (1996) Toward Islamic Sociology of Cultural Symbols , Kuala Lumpur , AS Noordeen.
- Dortier, J-F.(2004) Lhomme cet étrange animal , Auxerre Cedex , Editions Sciences Humaines. 
-Kivisto P (2002 ) Multiculturalism in A Global Society , Oxford , Blackwell Publishing
-Rischer , C. , Easton , T (1992) Focus on Human Biology, New York , Harper Collins Publishers.
Ramonet , I (2006)  Malade la France ? Le Monde diplomatique , vol 53 , no.625 , avril.
-Turner , J (2001) Handbook of Sociological Theory , New York , Kluwer Academic / Plenum Publishers.
White , L.,Dillingham , B ( 1973) The Concept of Culture , Edina , MN / USA , Alpha Editions.
.




· قسم علم الاجتماع/جامعة تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق