الخميس، 20 يونيو، 2013

مفهوم القوة بين فجوات علم العلاقات الدولية وتوجهات وتطورات في علم اللغويات حالة نموذج لغويات التفاوض والتواصل عبر الثقافات



مفهوم القوة بين فجوات علم العلاقات الدولية
وتوجهات وتطورات في علم اللغويات
حالة نموذج لغويات التفاوض والتواصل عبر الثقافات
د. حسن محمد وجيه·
أولاً: عناصر الدراسة وأقسامها
تنقسم هذه الدراسة إلى أربعة أقسام – يوضح القسم الأول وجود فجوة على خريطة البحث الأمبريقي الحالية في علم العلاقات الدولية وأهمية وجوب التعامل مع هذه الفجوة وارتباط ذلك الوثيق برؤية لفلسفة علم العلاقات الدولية .  ويستعرض القسم الثاني بايجاز البحث الأمبريقي في علم اللغويات والتعرف على رؤية الباحثين في علم اللغويات وترشيح آخر تطورات تلك النوعية من البحث – والمتمثلة في نموذج لغويات التفاوض والتواصل عبر الثقافات – لملء الفراغ المشار إليه في خريطة أبحاث علم العلاقات الدولية.
وبناء على ذلك يقدم القسم الثالث نموذجا لتحليل ديناميكيات مطارحات القدرة في المفاوضات السياسية الدولية مع التركيز على الأسئلة الخاصة بكيفية جمع البيانات (Data) واجراءات تحليلها ووحدات التحليل الأساسية والحاجة الى مثل هذا النموذج الذي يقدم أول محاولة للربط بين مفاهيم مدرسة تحليل المطارحات
(Discourse Analysis) بعلم اللغويات من ناحية ومفاهيم القدرة في العلوم السياسية وعلم العلاقات الدولية من الناحية الأخرى ثم يقدم القسم الرابع الخاتمة ويحدد كذلك مجالات استخدام النموذج المقترح.
القسم الأول: فجوات البحث الحالية في علم العلاقات الدولية والمقصود بالمنهج اللغوي في تحليل المطارحات السياسية طبقا لهذه الدراسة؟ ومدى الحاجة إليه على المستوى الأمبريقي وارتباط ذلك بفلسفة العلم

إننا إذا ما بحثنا في تعريفات علم العلاقات الدولية لوجدنا أن من أهم الكلمات التي يتم تداولها في معظم التعريفات الخاصة بهذا العلم ومفاهيمه الأساسية هي كلمات التفاعلات (Interactions) وانماط التفاعلات (Patterns of Interactions) الخ (أنظر على سبيل المثال) هولستي Holsti 1988 ، آرون Aron 1966 ، ودويتش Duetsch 1978[1] ، فالعلاقات الدولية في واقعها الحقيقي ما هي إلا سوى تفاعلات بين الدول على كافة المستويات .. واللغة في هذا السياق هي وسيلة التفكير والتخطيط والتنفيذ المتعلق بتلك التفاعلات وسياقاتها المختلفة ومع ذلك فلقد كان من التحيز – غير المشعور - دائما النظر إلى أمر اللغة على أنها أداة أوتوماتيكية ولم يتطرق إليها البحث بالتعمق المطلوب الذي يواكب دورها المركزي والتقعيدات المصاحبة للأداء اللغوي في سياق هذه التفاعلات الدولية وهذا يمثل فجوة بحثية على خريطة أبحاث كل من العلوم السياسية وعلم العلاقات الدولية حيث لا يوجد سوى أعمال قليلة جدا من قبل علماء السياسة التي تناولت أمر علاقة اللغة بالممارسة السياسية ومن أمثلة هذه الأعمال كتاب مايكل شابيرو (Shapiro) "اللغة والفهم السياسي" 1981 وأيدلمان (Edelman) ومجموعة كتبه السياسة كأفعال ترميزية 1971 ، اللغة السياسية : الكلمات التي تنجع والسياسات التي تفشل 1977 ومن أحدث أعماله (وقت كتابة الأطروحة) في هذا الصدد : العلاقة بين اللغة السياسية والسياسة الحقيقية 1985 [2]. إن هذه الأعمال والتي تعبر عن توجهات علماء السياسة في هذا الصدد نزعت في استعراضها وتطرقها لموضوع تحليل اللغة في السياق السياسي الى الجانب التنظيري ولم تعالج الموضوع امبريقيا .. كذلك ركزت هذه الدراسات على دور محدود للغة في السياق السياسي وعلى مناقشة الأمثلة اللغوية التي لم تتعد مستوى الكلمات والتعبيرات (Word & Phrasal levels) وبالتالي يمكننا ان نصف معالجة علماء السياسة لهذا الموضوع بأنها معالجة استاتيكية ، افتقدت منظور التفاعل اللغوي الفكري التفاوضي كعملية ديناميكية (Process) والجدير بالذكر في هذا السياق أيضا ما عرف بمدرسة تحليل الخطاب السياسي وأهم أعلام هذه المدرسة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو 1967 (Michael Facueoult) ورورتي 1967(Rorty)[3] الذين يقترحون دراسة الايدولوجية من خلال تحليل الخطاب السياسي . وفي العالم العربي نجد أن أهم الأعمال التي مثلت هذه المدرسة كتب الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري تحليل الخطاب العربي المعاصر (1985) ، وتكون العقل العربي (1984) ، وبنية العقل العربي (1986)[4].
إلا أن هذه المدرسة هي الأخرى في واقعها مدرسة فلسفية تتخد من علم الفلسفة منطلقها الأساسي للنظر الى دور اللغة في سياق النصوص السياسية وهي بعيدة كل البعد عن البحث الامبريقي . ولقد وصف السيد يس كتابات الجابري كأحد الممثلين لهذه الدراسة في سياق تعرضه لها بالتحليل في مقالته "بحثا عن هوية جديدة للعلوم الاجتماعية في الوطن العربي – الخطاب والأصولية المنهجية والاستراتيجية" قائلاً:
"ان الجابري حين درس الخطاب العربي المعاصر قد ركز انتباهه على التناقضات بين الخطابات المختلفة ونادرا ما أشار إلى الممارسة وكان اهتمامه بمقياس عدم التناسق الداخلي أكثر من اهتمامه بتقويم التجربة المعاشة .. وأن الجدل بين الفكر والواقع والذي يعد أساسيا في علم اجتماع المعرفة ، يغيب كلية عن تحليلاته" (السيد يسين 1986:400)[5]
ان ما نستخلصه مما ذكرنا يقودنا إلى القول بأن أمر التحليل اللغوي في السياق السياسي على مستوى العالم الغربي والعالم العربي، لا يزال يكتنفه القصور الشديد، كذلك فإن التحليل اللغوي في سياق التفاعلات الدولية والمستمد من البحث الامبريقي المستمد من دراسات ومفاهيم مدارس تحليل ديناميكيات أساليب التناول والتفاعلات طبقا لعلم اللغويات الحديث يعد أمر غير موجود ويمثل فجوة كبيرة وواضحة بجداول أبحاث العلاقات الدولية. إن أهمية الاستعانة بمثل هذه النوعية من التحليل تكمن في معالجتها لأمر التفاعل الديناميكي داخل الثقافة الواحدة وعبر الثقافات مما يؤهل استخدامها في تحليل جلسات المفاوضات والمواجهات الإعلامية من مناظرات وحملات دعاية أو حملات المعلومات والحملات المضادة إلى غير ذلك من أمور إدارة الصراع ومحاولات حله أو تعقيده والتي تتسم بتركيبة ديناميكية معقدة.
إن أهمية وجوب استخدام المنهج اللغوي – المعبر عنه هنا بنموذج لغويات التفاوض (Linguistics of Negotiation) طبقا لهذه الدراسة لتحليل ديناميكيات التفاعلات يستمد شرعية خاصة من خلال آراء العديد من علماء السياسة والعلاقات الدولية من ذوي الحساسية الخاصة لمركزية اللغة في سياق التحليل السياسي وكذلك من خلال ارتباط ذلك بأمور حيوية تتعلق بفلسفة العلوم السياسية وعلم العلاقات الدولية وهنا تجدر بنا الإشارة إلى مقولات لبعض الباحثين البارزين حيث يقول أونف (Onef) في مقالته "ما بعد العلاقات الدولية" (1987) ما يلي:
"انه من ضمن ما رفضه بعض المنظرين الاجتماعيين تلك المدرسة السائدة المسماة بالمدرسة الوضعية – الموضوعية (positivist objectivist) ويصرون على استبدالها بعكسها أي بما يسمى بـ "الدور اللغوي" أو "المرحلة اللغوية" (Linguistic turn) (ذلك التعبير الفلسفي الذي شاع من خلال كتابات رورتي "Rorty" (1967) . فان ما يسمى بالدور أو المرحلة اللغوية حين يتم تكوينة على نحو علمي دقيق كما هو الحال فيما يتعلق بالمدرسة الوضعية الموضوعية كمدرسة مخالفة في تكوينها ، فانه سيتم استبدال العلاقات بالأشياء .. أي الكلمات بدلا من الأشياء .. وبالطبع فإن الكلمات ما هي إلا أشياء ولكن النقطة هي أن الكلمات لا معنى أو مضمون لها دون علاقاتها بالكلمات الأخرى. ان الأمر الذي نعلمه هو أن العلاقات ذاتها متداخلة بصورة معقدة .. وليست الأشياء". (أونف 1987 : 3)[6]

ويقول ادوارد عاذار في مقالته بعنوان "الصراع وبنك البيانات المعروف بمشروع كوبداب" والتي يعرض فيها دراساته الكمية لتحليل الأحداث (Events Analysis) كميا:
"ان أحد الأبعاد التي يهتم بها علماء العلاقات الدولية هي تنمية وتطوير نظرية أساسية للغة السياسية ويتضمن ذلك سلوك التحدث وغيره من الأساليب الأخرى .. فكما تبنى النظريات في مجال الاقتصاد على أساس تبادل العملات .. فإن هذه النظرية للتفاعل السياسي من خلال اللغة ستكون مبنية على تبادل الرموز السياسية. ان تحقيق وجود مثل هذه النظرية يتخلله القيام بمهام أكثر تعقيدا من النظرية الاقتصادية .. حيث يؤكد على ان اللغة السياسية أو قواعد هذه الرموز لهي أكثر تعقيدا من عملية تدفق وتبادل العملات والبضائع.." (عاذار Azar 1980 : 144)
نقد عالم السياسة ونيستين لتقصير المتخصصين في علم اللغويات
ويقر وينستين (Weinstein) في كتابه لغة المواطنة والتبعات السياسية لاختيارات اللغة (1983) بأهمية ان يتنبه الباحثين في علم اللغويات إلى دراسة اللغة في السياق السياسي فيقول:
"ان المناقشات الدائرة حول نظام المعلومات الدولي تعالج الرسائل دون أن تتعمق في الوسيلة الناقلة لهذه المعلومات وهي اللغة .. وفي مجال العلوم السياسية قام كارل دويتش (1982) بمحاولة لربط السياسة بالاتصال وجعل هذا الأمر محل اهتمامه السياسي .. ومع ذلك فان أمر معالجة اللغة علميا وبقدر من التعمق لم يتعد سوى جزء بسيط جدا من عمله .. ولكن بالقدر الكافي الذي يحرك الآخرين لأخذ هذه المهمة على عاتقهم لدراسة اللغة السياسية. وينتقد دويتش الباحثين وخاصة المتخصصين بعلم اللغويات بالتقاعس عن أداء هذه المهمة مشيرا إلى ان اهتمام الباحثين اللغويين مازال مقتصرا على نواحي خاصة بعلم اللغويات فقط مثل القواعد والصوتيات والوحدات الأساسية والمستويات المختلفة للغة في حد ذاتها .. ويحثهم على تناول أمر اللغة السياسية بالدراسة" (وينستين 1983 : 190)[7]



انتقادات بافتقاد المنظور اللغوي للعلاقات الدولية وهيمنة نظرية المباريات

وفي بحث غير منشور – يهدف إلى تقييم دراسة أساليب المفاوضات الدولية الحالية يقول ديفيد بيل (Bell):
"إن المفاوضات من أكثر العمليات الذهنية تعقيدا .. وتحليل ما يحدث في المفاوضات يتضمن وجوب الانتباه للغة وكذلك لنواحي الاتصال المتعددة الأخرى .. ومع ذلك فإننا نجد عددا صغيرا من نظريات المفاوضات يتعامل مع ذلك الأمر .. والحقيقة أن معظم الأبحاث الموجودة مشتقة من المدارس النظرية التي تخلو من أمر اللغة كعلم .. والاهتمام بهذه الزاوية .. ونجد أن نظريات المفاوضات
الحالية هي نظريات ترجع في أساسها
إلى علم الرياضيات وخاصة لنظريات المباراة
(Game Theory)" (بيل 1988 :2)[8]
ان ما ذكرناه من مقولات ليوضح الحاجة الماسة إلى استخدام المنهج اللغوي الحديث في تحليل عملية التفاوض المركبة وفي المطارحات والخطابات السياسية ، وهو الأمر الذي سوف نعرض له تفصيلا في القسمين الثاني والثالث من هذه الدراسة.

القسم الثاني: استعراض لتطورات وتوجهات البحث الامبريقي في علم اللغويات

لا شك ان هناك العديد من المسميات المتعلقة بمفاهيم البحث الامبريقي والتي تحتاج إلى توضيح حيث ان هذه المسميات في كثير من الأحيان تكون موضع اختلاف بين الباحثين سواء في علوم اللغويات أو العلوم السياسية والعلوم الاجتماعية الأخرى أو محل خلاف بين الباحثين في أحد هذه المجالات.
ولقد وجد الباحث أهمية توضيح المقصود بهذه المسميات من خلال محاولة وضعها في الشكل التالي رقم (1) والذي سوف يتم شرح مكوناته بقدر من التفصيل.
وفيما يلي وصف لعناصر الشكل رقم (1)
شكل رقم (1) مصطلحات المدارس الأساسية في علم اللغويات واستراتيجيات البحث الامبريقي
مدارس علم اللغويات الأساسية
وحدات التحليل الأساسية
استراتيجيات البحث التي واكبت تطور الدراسات في علم اللغويات
استراتيجيات البحث الامبريقي بصفة عامة
التركيبية
Structuralism
 
التاريخية
Historicism
 
1920
:
1960
 
المورفيمات والفونيمات والكلمات وشبه الجمل والجمل
Morphomes, Phonemes, Phrase & Sentence Levels
الاستقراء
Induction
(تطبيق نظرية معينة على واقع معين)
الامبريقية الاستدلالية
Deductive Empiricism


Type III
Type II
Type I
نظرية مبنية على الحدس
نموذج نظري
نظرية امبريقية

 
وترتبط كل من هذه الاستراتيجيات اعلاه مفهومي الاستكشاف والتحقق Discoevery & Verification أو بهما معا كما سيلي تفصيل ذلك
 
الامبريقية الأولية
Raw Empiricism
 
الامبريقية الاستقرائية
Inductive Empiricism
 
التوليدية
Generativism
1960
:
1970
التركيبات النحوية
Syntactic Structures
الاستدلال
Deduction
(التحرك من وجهة نظرية إلى وجهة نظرية أخرى)
البراجماتية
Pragmaticism
ما بعد 1970
مستوى المطارحة بأكملها
Discourse Level

إستراتيجية البحث الدائري
Abduction

 
 



التحرك من محاولة استكشاف وفهم واقع اشكالي معين بالاستعانة بنظرية أو نموذج ما أو الحدس دون الارتباط المسبق بأي من هذه الأدوات ويكون ذلك من خلال الاستغراق في معالجة البيانات ثم ملاحظة الأنماط المتسقة ثم التنظير ثم العودة لمزيد من البيانات

دراسات العلاقات التبادلية Correlative Studies (المنقولة عن العلوم الطبيعية)

دراسات النماذج التفاعلية Interactionist Models
(المتمخضة من الدراسات اللغوية)







* بينما تعني نظرية البراجماتية الفلسفية في العلوم السياسية بتفسير الفكر السياسي بمقتضى قدر قيمة بقائه. وهي في عموميتها أي منهج يركز على أي شيء ممكن عمله في العالم الحقيقي الطبيعي وليس على صعيد المثالية ، فان هذه النظرية طبقا لعلم اللغويات تعني دراسة اللغة من منظور المستخدم لها والقيود التي يواجهها عند استخدام اللغة أثناء التفاعل الاجتماعي وكذلك دراسة التأثير الذي قد تحدثه الاستخدامات اللغوية على الآخرين أثناء عملية الاتصال. وهناك العديد من الدراسات في علم اللغويات الاجتماعي والسيكولوجي Sociolinguistics & Psycholinguistics والتي تمت في إطار هذه النظرية.

(أ) المدرسة التاريخية (Historicism):
وهذه المدرسة تمثل أولى مراحل دراسة ظاهر اللغة بطريقة علمية ، ولقد مهدت هذه المدرسة لظهور المدرسة الثانية التركيبية (Structuralism) وكان من رواد المدرسة التاريخية عالم اللغويات أوتو جيسبرسن (Otto Jaspersen) الذي ذكر في كتابه الهام اللغة ، طبيعتها ، تطورها وأصلها (1922)[9] ان الصفة الرئيسية المميزة للغة كظاهرة هي الصفة التاريخية وهذه الصفة تمكن الباحث من تعقب تاريخ اللغات ليوضح أسباب وعوامل استمرارها ، تطورها أو انقطاعها وموتها وكذلك تأثيراتها المتبادلة مع اللغات الأخرى . وهذا التوجه يتيح لنا تفسير لماذا اللغة هي كما هي عليه الآن؟
(ب) المدرسة التركيبية (Structuralism):
جاءت هذه المدرسة للوجود كرد فعل للمدرسة التاريخية وكان من روادها بلومفيلد (Blomfield) ودي سوسير (de Saussure) وهؤلاء الذين ذهبوا إلى القول بأن وصف اللغة ليس من الضرورة ان يكون تاريخيا (Diachronic) رأسيا انما يجب وأن يكون وصفها في الأساس حالي (متزامن) Synchronic (عرضيا) وهنا يكون الوصف تركيبي structural قبل ان يكون سببي (causal) كما في المدرسة التاريخية. وهذه المدرسة تعني بالوصف التركيبي للغة ما وعلاقة ذلك بمفاهيم العالمية والخصوصية الثقافية (Universalism & Relativism).
هذا ولا تلغي هذه المدرسة صلاحية المدرسة التاريخية التي ما زالت قائمة إلى الآن فيما يعرف بفرع علم اللغويات التاريخية Historical Linguistics (لمزيد من التفاصيل أنظر ليونز Lyons ، 1981)[10].
ولقد تأثرت هذه المدرسة (التركيبية) بالمدرسة السلوكية (Behevioral school) وركزت في معرض تطورها على التوجه الكمي الاستقرائي (quantative inductive approach) الذي يبدأ بملاحظة وتحليل البيانات (Data) ثم تكوين الافتراضية فالنظرية .. وكان ذلك بتحليل كم كبير من البيانات وعلى مستوى وحدات لغوية أساسية صغيرة مثل الفونيمات (Phonemes) (أصغر وحدة صوتية). والمورفيمات (Morphemes) (أصغر وحدة صرفية) كذلك شهد المجال أسلوبا يماثل الأساليب المنتهجة في العلوم الطبيعية من خلال الدراسات الكمية الإحصائية وكتابة القوانين والمعادلات وما إلى ذلك. وشاعت في ذلك الوقت دراسات مقارنات الأنظمة النحوية والصوتية للغات العالم المختلفة بغرض تعلم اللغات واتقانها في أسرع وقت خاصة اثناء فترة الحرب العالمية الثانية. ولمزيد من التفاصيل بخصوص دراسات التحليل المقارن (Contrastive analysis) أنظر لادو (Lado) (1957 ، 1964)[11] – لقد كان مفهوم الباحثين في علم اللغويات في هذه الفترة يذهب إلى مساواة مفهوم الامبريقية (Empricism) بمفهوم العلم (Science) من منطلق أن الحقائق المحسوسة والملموسة والمرئية من خلال تحليل البيانات هي فقط التي تمثل المنهج العلمي لدراسة اللغة إلى ان قدم نوم تشومسكي في مستهل الستينيات تفنيدا لهذه المدرسة (التركيبية) السائدة وقدم نظريته الخاصة والتي عرفت بالنظرية النحوية التوليدية التحويلية عام 1965 (Transformational Generative Syntax)[12].
(جـ) المدرسة التوليدية (Generativisim or innatism):
لقد أحدث نظرية تشومسكي في عالم اللغويات تغييرا جذريا تجاه البحث الامبريقي فنظريته استدلالية (Deductive) بدلا من أن تكن استقرائية (Inductive) كسابقتها وهذا يفيد بأن الافتراضات والنظريات ليس من الشرط ان تكون نتيجة تحليل البيانات ولكن من خيال العالم ثم تأتي بعد ذلك اختبارات هذه الافتراضات والنظريات. فمدرسة تشومسكي تذهب إلى القول بأن البدء بتحليل كم كبير من البيانات كما في الطريقة الاستقرائية ليس هو الأمر الذي يجعل المجال علميا أم لا (sine qua non) وبذلك فإنه في الوقت الذي يدعونا فيه التوجه الامبريقي إلى ان آراءنا قد تكون خاطئة وليس علينا إلا ان نثبتها بالدليل .. أي نبدأ من منطلق التعبير الذي يقول "قد أكون مخطئا
(I may be wrong)" فان المذهب العقلاني (أو مذهب المنطق المقبول
Mentalism or Rationalism) الذي عبرت عنه مدرسة نوم تشومسكي فهو يبدأ بالتعبير القائل "أنا أعرف الحقيقة" (I know the truth) حيث انه لا توجد في بعض الظواهر اللغوية تلك النوعية التي يقال عنها "أنها ملموسة" وتتعلق بعمليات ذهنية معقدة تسبب عملية الإنتاج اللغوي.
ولقد سادت مدرسة نوم تشومسكي إلى أواخر الستينيات وأحدثت جدلا كبيرا ولكنها في نفس الوقت أحدثت ثورة في علم اللغويات وأوضحت بشكل اتسم بالتعقيد والدقة العلمية العلاقة بين النطاق الإدراكي واللغة وذهبت إلى القول بأن دراسة اللغة هي دراسة العقل الإنساني ، ولمزيد من التفاصيل راجع كتاب تشومسكي "العقل واللغة" (1968)[13] ولقد كان من أهم ما تركته نظرية تشومسكي من أمور حيوية لم يوضحها البحث "الأمبريقي" الذي كان سائدا قبلها الآتي:
‌أ-     إن للغة أكثر من مستوى تركيبي وأن هناك مستوى سطحي
(Surface Structure) وآخر عميق (Deep Structure) وان العلاقة بين المستويين تتسم بدرجات مختلفة من التعقيد ولقد أوضحت النظرية قواعد الربط بين المستويين بدقة وصرامة علمية كبيرة.
‌ب-       إن هناك قواعد للتحويل من تركيب لآخر.
‌ج-    إن معرفة القواعد تختلف عن عملية استخدامها وهذا ما أوضحته النظرية من خلال تعبيري "الكفاءة" و "الأداء" (Competence & Performance) وان اهتمام البحث اللغوي يجب ان يركز فقط على الكفاءة لوضع تصور علمي مثالي يصف أنظمة القواعد على مستوى لغات العالم (الأمر الذي كان محل نقد شديد من قبل المدرسة الرئيسية الثالثة التي سوف يلي ذكرها والتي تركز على مفهوم "الأداء" (Performance) في المقام الأول).
‌د-           إن الإنتاج اللغوي والإبداعية (Creativity) في استخدامات اللغة تحكمه قواعد أوضحتها النظرية.
لقد كان لهذه النظرية آثاراً كبيرة على فكر الباحثين اللغويين إلى الآن وتمخضت عنها نظريات أخرى  ولكنها ظلت تحت اطارها العام. كذلك فلقد تأثرت بهذه النظرية عدة أنظمة أكاديمية أخرى على سبيل المثال مجال "الذكاء الصناعي"
(Artificial Intelligence) في علم الكمبيوتر ، وكذلك تأثرت بهذه النظرية الدراسات المتمخضة عن العلم التكاملي المعروف بعلم اللغويات السيكولوجية (Psycholinguistics) خاصة تلك الدراسات التي ركزت على موضوع اكتساب اللغة
(Language Acquisition) .
ثم جاءت الفترة الرئيسية الثالثة ، والتي نحن بصددها الآن في تطور المنهجية في علم اللغويات لتشهد توجهاً مضاداً ينتقل بعلم اللغويات من الإطار الذي وضعه تشومسكي والذي يركز في تحليلاته على التركيبات النحوية أساسا (Syntactic Structures) ومن منطلق "استدلالي" إلى إطار معالجة مستويات أكبر تعالج مستويات اللغة الكامنة والظاهرة والمختلفة معا من تركيبات معاني (Semantic Level) وتركيبات نحوية (Syntactic Level) وتركيبات فونولوجية (صوتية وظيفية من نبرات صوت الى آخره) (Phonological Level) منتقلة بذلك نحو معالجة أكبر في نطاق معالجاتها تصل الى مستوى المطارحة بالكامل (Discourse Level) ، من هنا اختلف تحليل المطارحات (Discourse Analysis) عن تحليل المضمون (Content Analysis) الذي يعالج "المحتوى الظاهر للاتصال فقط من خلال وصفه وصفا موضوعيا منتظما وكميا" (برلسون 1952)[14].
وكان هذا معناه التعامل مع وحدات لغوية أكبر من الجمل والفقرات . ولقد شاهد علم اللغويات دراسات تراكمية كبيرة منذ السبعينات إلى الآن في أطر هذه المدرسة الرئيسية الثالثة والتي قد يطلق عليها المدرسة البرجماتية (Pragmaticisim) كذلك ظلت إلى الآن توجهات المدرستين السابقتين قائمة. ولقد بدأت تظهر توجهات مختلفة في إطار المدرسة الثالثة إلا أن هذه التوجهات قد أجمعت على نقد المدرستين السابقتين وكان من أعلام هذه المدرسة الثالثة والتي اهتمت بتحليل واقع المطارحات وليام لابف (Labov) روجر شاي (Shuy) ، كمبرز (Gumperz) ، شيف (Chafe) ، وتنين (Tannen) .
ولقد جمعت هذه المدرسة بين الإستراتيجية الاستقرائية والاستدلالية
(Induction & Deduction) فيما عرف بالإستراتيجية الدائرية
(Abduction Approach).
ومنطلق بدء البحث طبقا لهذا المنهج هو تجنب الأمثلة الموضوعة أو المتصورة وهو ما قد يسمى بأمثلة الكرسي الهزاز (Rocking Chair Examples) فعلى سبيل المثال بدأ لابف وفانشيل (Labov & Fanshel) (1977) ، بتحليل وحدات "أثر أفعال القول" (Speech Acts) في سياق المقابلات العلاجية (Therapeutic Interviews) بين الأطباء والمرضى ، وكانت نتائج هذا التحليل هامة فيما يتعلق بتركيبة ووظائف "أثر أفعال القول" وطرق تحليل هذه الوحدات والسبب يرجع الى تحليل هذه الوحدات في سياق طبيعي وحقيقي وليس من خلال الأمثلة المتصورة . فلم يبدأ لابف وفانشيل (على سبيل المثال) بفكرة ان معلوماتنا عن نظرية "أثر أفعال القول
(Speech Act Theory) قد تتقدم من خلال فحص وتحليل الاستخدام الحقيقي (الطبيعي) للغة ولكنهما قد بدءا بالمشكلة الخاصة بكيفية إسهام عملية التحليل اللغوي في فهم أعمق لطبية المقابلة العلاجية بين الأطباء والمرضى . إن هذا التوجه
الدائري
(Abduction) لقريب الصلة بمفهوم التركيبية الاجتماعية
(Social Constructivism) الذي يستند بدوره على أن الأشياء (Objects) لا توجد فقط في العقل (Innatism) أو في العالم (Empiricism) ولكنها على العكس من ذلك تتكون من خلال الأفعال المتعمدة للوعي . أي ان العملية تراكمية وهي لا تتركز في الفرد كما كان شائعا ولكن هذه العملية تتركز في تركيبة التفاعل الاجتماعي اساسا والتي يجب أن يدرس من خلال تفاعل الناس وليس من خلال الأمثلة المتصورة من عقل الإنسان (أنظر توميك وشاي ، 1987 Tomic & Shuy ، وميهان 1982 Mehane)[15].
إن من أهم منطلقات هذه المدرسة إذا هو المحاولة العملية لملاحظة وتحليل ظواهر الأداء اللغوي في السياقات المختلفة دون الارتباط المسبق بنظرية أو طريقة تحليل بعينها خاصة تلك الأساليب المستمدة من العلوم الطبيعية كما هو سائد في الكثير من دراسات العلوم الاجتماعية بما فيها اللغويات في مدارسه السابقة وذلك من منطلق أن البحث العلمي وعملية التنظير الخاصة بالعلوم الاجتماعية وعلى وجه الخصوص المتعلقة بتحليل الأداء الغوي تحتاج إلى السيطرة على عوامل أصعب وأعقد من العوامل التي تتم السيطرة عليها معمليا في العلوم الطبيعية وكذلك الوضع فيما يتعلق بإيجاد فهم أعمق لإشكاليات الواقع.
فعلى سبيل المثال نجحت دراسة مقاييس العلاقة (Correlative Studies) في بعض السياقات وفشلت في الكشف عن طبيعة الظاهرة محل الدراسة في سياقات أخرى فدراسات مقاييس العلاقة المنقولة عن العلوم الطبيعية هي تلك الدراسات الي يمكن من خلالها قياس درجة العلاقة بين متغيرين بمعامل الارتباط الذي يرمز له برمز وتعطى له قيمة رياضية تبين درجة هذه العلاقة ويكون موجبا بين متغيرين
(Dependent & Independent Variables) بمعنى انه اذا تغير أحدهما في اتجاه معين يتغير الآخر في نفس الاتجاه مثلا.
لقد كان من بين الذين استخدموا هذه النوعية من الدراسات الامبريقية بنجاح كبير في علم اللغويات الاجتماعي (Sociolinguistics) وليم لابف لتحديد العلاقة بين المتحدثين وأعمارهم وأوضاعهم الاجتماعية وذكائهم واختلاف أساليب تناولهم في أدائهم اللغوي والتي لم تكن واضحة بطريقة علمية من قبل والتي كان من آثارها إعادة تقييم نظرية عالم الاجتماع (Bernstein) المعروفة بنظرية "العجز الاجتماعي" Deficit theory والتي كان لها صدى وأثر كبير في إيقاظ الآمال في أمريكا وأوروبا في حل مشاكل الصراع الاجتماعي بين الطبقات من خلال تدخل الدولة في عمليات التعايش الاجتماعي (Socialization) لتحويل الفقراء إلى متعلمين يعتمد عليهم لمواكبة تحول الاقتصاد من اليد العاملة إلى الاعتماد على الخدمات وبالتالي على الأداء اللغوي إلى حد بعيد والتي أنفقت الولايات المتحدة أموالا طائلة عليها في عهد الرئيس كينيدي في الستينيات.
إلا أن مدرسة تحليل المطارحات في الوقت الحالي تنتقد إساءة تطبيق هذه النوعية من الدراسات القياسية التي أصبحت تزامن مفهوم البحث الامبريقي لدى الكثير من الباحثين وقدمت البديل الذي عرف بالنماذج التفاعلية (Interactionist Models) (أنظر Gumperz  1970 ، 1977) وديتمار (Dittmar 1976)[16].
وكان ذلك من منطلق نواحي القصور الناتجة من استخدام الدراسات القياسية التي لا تقدم تفسيرا دقيقا لأسباب اختلاف السلوكيات اللغوية حيث أنها لا تشرح لماذا تختلف سلوكيات أسباب التناول اللغوية من مجتمع لآخر ، كذلك فان دراسات القياس (Correlative Studies) لا تمكننا من فهم المعايير الاجتماعية والقواعد الخفية التي تنظم عمليات السلوك اللغوي أثناء التفاعل بين الأفراد او تفسير إدراك هؤلاء الأفراد لطبيعة العلاقات الاجتماعية المختلفة.
ومن ثم انصرف العديد من الباحثين إلى انتهاج منهج النماذج التفاعلية وتراكمت الدراسات في هذا الإتجاه بعلم اللغة الاجتماعي . انظر على سبيل المثال (Cumperz 1977) ، (Tannen 1984 , 1986)[17] وكذلك تستخدم هذه النماذج في دراسات تحليل المطارحات القضائية . أنظر على سبيل المثال :
 (Shuy 1981 , 1987) ، [18](Walker 1987) .
وقبل ان تنتقل هذه الدراسة الى جزئها الثالث نستعرض هنا الجزء الأخير من الشكل رقم (1) الخاص بالمفاهيم الخاصة بالبحث الامبريقي والمتداولة في العلوم السياسية والعلوم الاجتماعية الأخرى مثل الامبريقية الاستدلالية ، والامبريقية الأولية ، والأمبريقية الاستقرائية كما تفهم من بيرلسون وجاري Berlson & Gary 1964 ، وفليرون 1969[19].
أ- الأمبريقية الاستدلالية Deductive Empiricisim:
وهذه الاستراتيجية عبارة عن مجموعة من الافتراضيات المستمدة من مجموعة متداخلة من النظريات . وعند التحقق من هذه الافتراضيات يتم التحقق من تلك النظريات التي استمدت منها (وبايجاز فالأمر يتلخص من الحركة من تبني موقف نظري ما الى تبني موقف نظري آخر).
وهي ثلاثة أنواع:
النوع الأول: نظرية امبريقية (Empiricial theory) (تستخدم في سياق الاستكشاف والتحقق).
النوع الثاني: نموذج نظري (Theoretical Model) مثل نظرية (Game Theory) المباراة.
النوع الثالث: نظرية مستقاة بطريقة أو بأخرى من الحدس والتصور البديهي.
والنوع الثاني والثالث يستخدمان في سياق الاستكشاف فقط مثلهما في ذلك مثل "الأمبريقية الأولية" التالي ذكرناها.
ب- الأمبريقية الأولية (Raw Empricism):
وتستخدم هذه الإستراتيجية في البحث الذي لا يوجد له سوى القليل جدا من الأدبيات وكذلك الافتراضيات القليلة الخاصة بموضوع البحث.
ويتعامل الباحث في هذا السياق (The raw empiricist) مع البيانات (data) دون أن يتعامل بعمق مع عملية تكوين افتراضيات من الممكن التحقق منها عن طريق استدلالها من مجموعة النظريات الصغيرة (Theorems) أو الفروض النظرية المتداخلة (interrelated postulates) ولكن على العكس من ذلك فانه "يغرق نفسه في البيانات" أي يتعامل معها بالطريقة التي يريدها وبكثافة ليحدد ما هي خطوط الاتساق(Regularities) التي سوف تظهر من جراء هذا النشاط ليرى ما هي التعميمات التي من الممكن تكوينها عقب ذلك . وتستخدم هذه الإستراتيجية في محال الاستكشاف فقط.
ج- الاستراتيجية الامبريقية الاستقرائي Inductive Empiricism
وهذه الإستراتيجية تحتل الموقع الوسط بين الإستراتيجيتين السابقتين وعادة ما تستخدم في الأبحاث التي تتعرض لوجود نظريات متصارعة والغرض منها هو اختبار نصوص من هذه النظريات عن طريق تحليل البيانات (Data) والوصول إلى بيان متسق بشأن نقاط التصارع لمحاولة الاستفادة من هذه النظريات بطريقة متسقة ودون تناقض وتستخدم هذه الإستراتيجية في مجال التحقق فقط (Verification).
وقرار الباحث لاستخدام أي إستراتيجية من الاستراتيجيات السابقة الذكر مرهون باعتبار مشكلة البحث وتوافر الأدبيات والأبحاث السابقة فيما يتعلق بموضوع البحث من عدم توافرها وكذلك بتوافر من عدمها ولمزيد من التفاصيل انظر فليرون Fleron  1969 وبيرلسون وجاري Berlson & Gary (1964)[20].

القسم الثالث: النموذج المقترح لتحليل ديناميكيات مطارحات "القدرة" في المفاوضات السياسية (نموذج لغويات التفاوض والتواصل عبر الثقافات)

كيف تم بناء هذا النموذج؟ ولماذا؟
الهدف من بناء النموذج النظري المقترح هو تحليل لديناميكيات "القدرة" (Power) في المفاوضات السياسية الدولية وتقديم تصنيفا تحليليا لها (Taxonomic Analysis) ، ولقد تبنى الباحث ما يلي من خطوات:
1-      توظيف إستراتيجية الامبريقية الاستدلالية (Deductive Empiricism) وهي الخاصة بالتنقل من موقف نظري إلى أخر .. (أي النظر إلى مفهوم القدرة من منظوري علمي اللغويات والعلوم السياسية بدلا من مجال واحد منهما بعينه فقط وما تبع ذلك من إجراءات).
2-      تبنى الباحث إستراتيجية الامبريقية الأولية Raw Empiricism في تعامله مع ملف البيانات الذي كونه بغرض استكشاف وفهم طبيعة ديناميكيات واستراتيجيات القدرة في التفاوض مستعينا في ذلك بالنظريات والأدوات المناسبة للتعامل مع البيانات لتكوين افتراضيات البحث.
3-      تبنى بعد ذلك الباحث الإستراتيجية الامبريقية الاستقرائية Inductive Empiricism لتحليل البيانات مرة أخرى واستخدام بيانات إضافية أخرى من بنك البيانات للتحقق من الافتراضيات وكذلك لحل أي تناقض يبدو بين المكونات النظرية التي استخدمت في البحث.
ان انتهاج هذه الاستراتيجيات بهدف فهم طبيعة موضوع البحث والتحقق من نتائجه والتنقل من الاستدلال للاستقراء في شكل دائري هو ما اصطلح على تسميته في أخر تطورات علم اللغويات بإستراتيجية البحث الدائرية Abduction... هي التي أسس لها علماء اللغويات المعنيين بتحليل المطارحات (Discourse Analysis) خاصة في مجال اللغويات القضائية ومن أبرزهم روجر شاي[21].
وقد استند نموذج التحليل إلى افتراضيتين أساسيتين:
1-      افتراضية تكاملية/تمازجية تنص على أن الباحثين يستطيعون تقديم فهم أعمق وأفضل لمفهوم "القدرة" (Power) كمفهوم ديناميكي واستكشاف سمات وديناميكيات المطارحات/الخطابات والتفاعلات المصاحبة لها والمتعلقة كلها مفهوم القدرة في سياق المفاوضات السياسية الدولية من خلال تحليل هذا المفهوم من منظور علم اللغويات – العلوم السياسية – وعلم العلاقات الدولية.
2-      افتراضية لغوية خاصة بتحليل المطارحات Discourse Analysis تنص على وجود علاقة تداخلية بين المفاهيم اللغوية التالية:
‌أ-        أثر فعل القول (Speech Act) من زاوية الأثر التواصلي
 المتعارف عليه والمراد إيصاله لمستقبل الرسائل
(Illocutionary Force of Utterances) ومن زاوية الأثر الفعلي الذي أحدث فعل القول على المستقبل له (Perlocutionary Effect).
‌ب-      مفهوم "التحركات" (Moves) الإستراتيجية منها والتكتيكية ، مع توضيح نطاقها وأنواعها في العمليات التفاوضية.
‌ج-       مفهوم "الموضوع" (Topic) من زاوية جدول الموضوعات
(Topic Agenda) والموضوعات الناتجة والمتمخضة عن التفاعلات (Interactional Topics) , وهجرة المصطلحات ذات الدلالة الخاصة عن مفهوم "الموضوع التفاوضى"
وتنص هذه الافتراضية اللغوية على أن هذه المفاهيم الثلاثة بالأبعاد المشار إليها ترتبط ارتباطا وثيقا ببعضها البعض وتمثل ما أسماه الباحث بـ"عنقود التفاوض اللغوي" (Linguistic Negotiational Cluster) والذي يتيح النظر إلى تلك العناصر المشار إليها آنفا مجتمعة للوصول إلى ترجمة أو قراءة متسقة وراسخة لكيفية استخدام هذه العناصر من قبل المفاوضين لتحقيق الأهداف التعاونية المختلفة مثل : التعهد والالتزام (Commitment) – إيجاد البدائل(Alternatives)  – أو سد الطريق إليها (Blocking) ، تحقيق التوازن (Equilibrium) – التأجيل (Stalling) – التفكير والصمت وما بين الأقواس (Silence & Bracketing) والتهميش .. إلى أخره من مفاهيم تفاوضية كثيرة .. كذلك فإن البحث يوضح أن عناصر هذا "العنقود" تمثل كل منها وسيلة للتأكد من صلاحية تحليل كل عنصر من العناصر على حدة
(Verification Devices) .
3-      إن هناك خصائص عالمية في استراتيجيات التفاوض وأخرى مرتبطة بالخصوصية الثقافية... إن استخدامها قد يؤثر سلبا أو إيجابا على المفاوض الآخر وكذلك يؤثر على ناتج العملية التفاوضية.
وصف النموذج المقترح: المكون النظري للنموذج:
يوضح الشكل التالي رقم (2) وصف للمكون النظري حيث يتم تحليل مفهوم القوة/القدرة (Power) من منظور علم اللغويات وعلم العلاقات الدولية والعلوم السياسية وتقديم تعريف عملي إجراءي له "Operational Definition" ويستمد هذا التعريف عناصره من التعريفات الشائعة في علم اللغويات لمفهوم "كفاءة التواصل" ،
(Communicative Competence) والذي تم ربطه بتعريف دول "Dahl" الشائع لمفهوم القدرة في العلوم السياسية ، وهو قدرة الطرف "المفاوض" (أ) أن يحقق أهدافه التفاوضية من خلال تعامله مع الطرف "المفاوض" (ب) (أنظر دول 80 : 1969) بالتركيز على فهم ديناميكيات القوة في عملية التفاوض المستمد من تحليل ملف بيانات هذه الدراسة وتسكين محتويات ذلك التحليل في التعريف المقدم.

شكل رقم (2) : عناصر نموذج لغويات التفاوض الخاص بدراسة مفهوم القوة
 












وصف مكون تحليل البيانات ويرتبط مكون تحليل البيانات بالمكون النظري لتوضيح علاقة التنظير بتحليل البيانات مجيئه وذهابا كما يوضح ذلك الشكل رقم (3).
شكل رقم (3): مكون التعامل مع البيانات بالنموذج المقدم DATA Component
 











وفيما يتعلق بمكون البيانات نلقى بالضوء على:
·                    وصف للبيانات والصعوبات التي قابلت الباحث ..
·                    الإجراءات ووحدات التحليل الأساسية.
Ÿ وصف البيانات والصعوبات التي قابلت الباحث وكيف تم تذليلها:
رأى الباحث أهمية تحليل ديناميكيات مطارحات القدرة من خلال تحليل مواقف تفاوضية وفي إدارة أزمات مثلت أداء المفاوضين الذين أثرت استراتيجيات تفاوضهم على مصائر اتجاهات أهم الصراعات التي شهدها العالم منذ الخمسينيات إلى يومنا هذا (مثل السادات ، كيسنجر ، نيكسون ، عبد الناصر ، الجنرال جياب الفيتنامي ، رونالد ريجان ، جيمي كارتر.. الخ) كذلك اشتمل بنك البيانات الخاص بهذا البحث على شخصيات إعلامية دولية بارزة مثل تيد كوبل "Ted Koppel" معد ومقدم البرنامج الإخباري الليلي بمحطة ABC بالتليفزيون الأمريكي والذي يقوم فيه بإدارة اللقاء مع الشخصيات السياسية العالمية .. جين كيركبتريك Jean Kirkpatrick أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورجتاون وسفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة لوقت طويل . والمذيع الأمريكي سام دونالدسون (Sam Donaldson) والمذيعة الأمريكية بابراوالترز
(Barbra Walters) والصحفية الايطالية فلاشي (Fallaci) – الكاتب والصحفي العربي محمد حسنين هيكل – وشخصيات رسمية إعلامية وأكاديمية أمريكية ومصرية عديدة. لقد كان من الصعوبة البالغة بطبيعة الحال الحصول على نصوص المواقف التفاوضية كلها من خلال تسجيلات حية كما هي العادة في أبحاث مدارس المطارحات بعلم اللغويات حيث يتمكن الباحثون عادة من الحصول على تلك التسجيلات الحية (Naturally occurring Data) في تحليلاتهم للمطارحات القضائية ومطارحات الأطباء والمرضى والأساتذة والطلاب ، والمحادثات في السياق الاجتماعي العادي بين الأطراف المختلفة .. وربما لهذا السبب لم توجد بعد دراسات من علم اللغويات تعالج أمر المطارحات السياسية وتدشين وترسيخ مجال تكاملي تحت مسمى اللغويات السياسية كما حدث في العلوم اللغوية التمازجية الأخرى. ولكن بسبب اهتمام الباحث بهذا الموضوع فلقد رأى أن يقدم ما أسماه ببيانات المسار الثاني
(Track Two Diplomacy Data) والتي عرفها بأنها تتصف بكونها قد سبق الإعداد لها بصورة أو بأخرى .. أي إنها ليست تسجيلات حية بالمعنى الذي يقصده الباحثون في علم اللغويات – حيث ثبت من منظور علم اللغويات الاجتماعية أهمية البيانات التلقائية وتوافق الخبراء على التركيز عليها فقط - ولكنها عبارة عن مواقف تفاوضية من خلال البرامج الإذاعية السياسية مثل المقابلات (Interviews) وتلك المسجلة في كتب السيرة الذاتية (Autobiographical Discourse) والخطابات (Speeches) والندوات السياسية (Symposia) . ولقد وجد الباحث أن هذه النوعية من البيانات مناسبة هى الأخرى وإلى أبعد حد لدراسة موضوع البحث ، حيث أوضع بعد تحليلها أنها تتصف بالسمات التالية:
·    إنها كلها تمثل وسائل يمكن من خلالها تحديد استراتيجيات المتفاوضين كذلك فإنها تعبر عن قناة حقيقية يستخدمها القائمون على إدارة الصراعات.
·    إن المقابلات في تركيبها ومعظم أحوالها قد تصل في سياقات بعينها إلى مستوى التسجيلات الحية بالمعنى الذي يقصده الباحثون في علم اللغويات وكذلك الأمر في الندوات.. حتى إذا كان هناك من يوصف هذه المقابلات والندوات بأنها ليست بتلقائية ومعدة سلفا .. فهذا يمثل مادة مهمة ذات طبيعة مختلفة لتحليل المواقف التفاوضية السياسية أو إدارة الأزمات.
·    أن المواقف التفاوضية كما هي موجودة في كتب السيرة الذاتية (Autobiographical Discourse) تمثل نوعية خاصة ومهمة من البيانات الغنية للغاية للتحليل وللتعرف على الاستراتيجيات التفاوضية المختلفة, فهنا يسجل مفاوض ما رؤيته لموقف تفاوضي ما وكذلك رؤية الآخرين لنفس الموقف كما رآها هو, وفي هذا مادة ثرية لاستكشاف إدراك المفاوض لذاته وإدراكه أو عدم إدراكه الجيد للمفاوضين الآخرين وللموقف (Perception & Misperception) .. فكثيرا جدا ما يقدم المفاوضون نص لما حدث ومن غير المعروف أن يكون هذا النص مسجل لديهم أم هو مكتوب من الذاكرة.. ولكن في كلتا الحالتين فالمادة خصبة لتحليلها خاصة إذا ما تمت مقارنة نصوص نفس المواقف التفاوضية من خلال ما ذكره أكثر من مفاوض اشتركوا في نفس المفاوضات الحقيقية وقاموا بتسجيلها في كتب لهم. على سبيل المثال لا الحصر انظر إلى كتب السيرة الذاتية لما حدث في أزمة أكتوبر 1973 لتجد أن معظم من اشتركوا في إدارة الصراع في ذلك الوقت قد سجلوه في سيرهم الذاتية (أنظر السادات 1977 ، كيسنجر 1982 ، إسماعيل فهمي 1985) . وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
ولقد تم تحليل المواقف التفاوضية التالية من بنك البيانات الخاصة بهذا البحث:
·   مواقف تفاوضية من كتب السيرة الذاتية (السادات 1977 ، كيسنجر 1982 ، إسماعيل فهمي 1985).
· مواقف تفاوضية من المقابلات (تيد كوبل ، فلاشي ، ولترز ، دونالدسون) مع الشخصيات الآتية : مناحم بيجين ، السادات ، جين كيرك باتريك ، آيات الله الخميني ، الجنرال جياب ، رونالد ريجان ، جيمي كارتر .. الخ.
· مواقف تفاوضية من وثائق على سبيل المثال (نص الإنذار النهائي لمصر عام 1956 وخطاب عبد الناصر من الأزهر للرد عليه) في سياق نصوص أخرى كما تم الاستعانة بنصوص ووثائق أخرى خاصة بأزمة أكتوبر /رمضان 1973 مع التركيز على نصوص التهديد الأمريكي المغلف والصريح في أزمة أكتوبر/رمضان 73.
·   وقائع تحقيق سياسي أمام المدعى العام الاشتراكي (محمد حسنين هيكل) 1983.
·   بيانات مسجلة (تسجيل حي لندوات على مستوى الحوار الأكاديمي ، كبيانات تدعيميه) (Backup data).
ولقد وَّحد بين هذه النوعيات من البيانات هو تعريف الموقف التفاوضي
(Negotiating Situation) على أنه ذلك الموقف الذي يبدأ فيه تفاعل طرفان "أو أكثر" وتتصارع فيه قائمة الموضوعات (Topic agenda) الخاصة بهما "بهم" ومحاولة كل طرف تحقيق أغراضه من عملية التفاوض.
ولقد استعرضنا في ذلك البحث المواقف التفاوضية التي حدثت أثناء احتدام الأزمات والأخرى التي حدثت في أوقات غير أوقات الأزمات.
وفيما يلي الشكل التالي رقم (4) الذي يوضح منظومة المفاهيم النظرية المتعلقة بمفهوم "بيانات ودبلوماسية المسار الثاني"
مسميات/ مستويات مفهوم دبلوماسية المسار الثاني
نوع المباراة
نوع ا لتفاوض
نوع السيناريو
اللاعب
الوسائل
من الممكن وأن نرصد عدة مسميات بل ومستويات تندرج في إطار ممارسة دبلوماسية المسار الثاني ومنها المسميات التالية:
1- ما سمي بالدبلوماسية الشعبية
Public Diplomacy
2- دبلوماسية الدعاية
Propaganda Diplomacy
3-الدبلوماسية غير الرسمية
Short Sleeve Diplomacy
6- دبلوماسية البارجة
Gunboat Diplomacy
(حين تستخدم المناورات والتحركات العسكرية لتشكيل ذهنية طرف ما نحو هدف ما.
- مباراة غير صفرية
(Win-Win)
- مباراة صفرية
(Zero-Sum Game)
- مباراة تحالف
Alliance Game
- مباراة تنازع
Adversary Game
- مباراة القائد
Leader Game
(بخصوص تفصيلات عن هذه المباراة راجع المرجع رقم (9) بالهوامش)
- تفاوض الاستكشاف.
- تفاوض الابتكار.
- تفاوض التطبيع.
- تفاوض إعادة الهيكلة.
تفاوض التأثيرات الجانبية.
(بخصوص تفصيلات عن أنواع التفاوض الرئيسية وغيرها
- سيناريو قصير المدى.
- سيناريو بعيد المدى.
- معياري أو استهدافي Normative
- استطلاعي
Exploratory
- حدس
Intuitive
ما بين الاستطلاع أو الاستهداف (سيناريو الانسياق الكلية)
(Feedback Models)
-الدبلوماسي.
- الإعلامي
- الداعية.
- المثقف.
- مراكز البحث الأكاديمية.
- الجمعيات الأهلية NGO
إلخ
- الكتب
- الصحف
- البرامج التلفزيونية
- المقابلات الإعلامية
- تقارير وأخبار وكالات  الأنباء
- تفاعلات المؤتمرات
- عقد الندوات
- الأفلام الوثائقية الموجهة
- نشرات الجمعيات ذات الاهتمام الخاص
- الانترنت
nn الإجراءات ووحدات التحليل الأساسية:
·         تحديد وتعريف النمط الرئيسي لنوعية ديناميكيات "القدرة" في الموقف التفاوضي محل الدراسة.
·    عرض الخلفية الخاصة بهذا الموقف التفاوضي وذلك من خلال
توضيح السياق الفعلي للتفاوض والسياق المباشر الذي نخضعه
للتحليل
(Prior & Current Contexts)
·         تقديم نص الموقف التفاوضي من واقع البيانات.
·    تقديم تحليل للموقف التفاوضي من الناحيتين الوظيفية (functional) والتركيبية (structural) وذلك بتحليل: التحركات (Move Analysis) ، الموضوعات (Topic Analysis) ، أثر أفعال القول (Speech Act Analysis) ، الأدوات النحوية والدلالية (Semantic & Syntactic Devices).
·        تحليل الموقف التفاوضي ذاته مرة أخرى من منظور معايير الاتصال عبر الثقافات Cross Cultural communication (or Ethno linguistics).
وذلك بهدف تحديد مصادر وأسباب سوء التفاهم (ان وجد) أثناء الأداء اللغوي التفاوضي والذي قد ينتج بسبب استخدام تركيبات لغوية ثقافية خاصة قد لا يفهما بدقة الطرف الأخر المختلف في ثقافته.

القسم الرابع: الخاتمة ومجالات استخدام النموذج المقترح

كشفت هذه الدراسة عن تحيزات على عدة مستويات فيما يتعلق بنظرية القوة في العلاقات الدولية وفيما يتعلق بالقصور الذي استمت به التوجهات الأحادية في كل من علوم اللغويات والعلوم السياسية والعلاقات الدولية كما أكدت هذه الدراسة على أهمية وجوب التوجه نحو الأبحاث التكاملية الرأسية المتعمقة (Vertical Interdisciplinary Studies) للتحليل الأدق ومتعدد الزوايا والأبعاد لظواهر السلوك الإنساني التفاوضي المعقدة بطبيعتها ، وكان المثال العملي المشار إليه في هذه الدراسة هو تحليل لديناميكيات "القوة" Power في المفاوضات السياسية الدولية من خلال رؤية مستمدة من أخر تطورات علم اللغويات لطبيعة البحث الامبريقي ومن خلال تحليل أكثر من 30 موقفا تفاوضيا. كذلك قدم الباحث نوعية من البيانات التي يسهل الحصول عليها والتي أطلق عليا تعبير بيانات المسار الثاني. وأوضح الباحث أيضا طريقة من الطرق التي يمكن بها معالجة البيانات للوصول إلى فهم لاستراتيجيات "القوة/القدرة" في الأداء اللغوي التفاوضي وتصنيفا تحليليا لها طبقا للنموذج المقترح. ولقد أدى تحليل البيانات إلى إعادة تقييم تصنيفات تحركات المفاوضات (Bargaining moves) الشائعة الاستخدام في أدبيات العلوم السياسية وعلم العلاقات الدولية حيث أوضح أوجه الخلل والقصور بهذه التصنيفات التي اتسمت باستاتيكية تبتعد بها عن فهم التفاعل بديناميكيته المركبة والتي حاولنا التعامل معها من خلال نموذج لغويات التفاوض التكاملي وتقديم تصنيف أكثر اقترابا وتوصيفا للواقع التفاعلي المعقد بطبيعته.

ثانياً: التجربة البحثية الذاتية الشخصية ومشكلة التحيز في حقل الدراسة المقدمة

أولاً أود أن أعبر عن سعادتي البالغة بتقديم هذه الدراسة وبمحاولة الإجابة عن الأسئلة التي وضعها مفكرنا الكبير أ.د. عبد الوهاب المسيري للتعامل مع موضوع التحيز في المدارس البحثية وبما أورده من الزوايا المحورية المتعلقة بهذا الموضوع المركب والحيوي. ومن الافتراضات (Assumptions) التي جذبت انتباهي في الفكرة والرؤية التي طرحها أ. د. عبد الوهاب المسيري ما توقعه بأن تكون الأبحاث المقدمة هي خلاصة تجربة (ومعاناة) كل باحث في تخصصه من باب أن ذلك يفتح باب الاجتهاد بخصوص العلوم الحديثة ونماذجها المعرفية وتأصيلها والتعرف على خبرات الإسهام في تعميق الرؤى البحثية والمبتكرة وليست الناقلة أو مجرد المطبقة لنظريات أو نماذج هنا وهناك وضعت وتطورت في سياقها الغربي أساسا . من هنا استهل برصد "طبيعة السياق الذي دفعني للخوض في الحديث عن الدراسة المقدمة والتي كانت أطروحتي للدكتوراه والتي اكتسبتها بمجهود تكاملي ورأسي "Vertical Interdisciplinarity" أي بعد الخوض (رأسيا) في ثلاثة علوم هي علم اللغويات (Linguistics) والعلوم السياسية والعلاقات الدولية ، وكانت أول محاولة للربط التمازجي بين هذه العلوم على المستوى الدولي. وكان ذلك بعد الحصول على ماجستير الآداب (M.A) في اللغويات التطبيقية من جامعة تكساس (أوستن) عام 1981 والثانية ماجستير علوم (M.S) في علوم اللغويات النظرية من جامعة جورجتاون 1985 ثم الدكتوراه في عام 1989 من نفس الجامعة من خلال برنامج تكاملي Interdisciplinary Program.
خمسة أنواع من التحديات "المعاناة" في التعامل مع مستويات متعددة من "التحيزات"
المعاناة #1 : الفجوة المعرفية بخصوص (موضوع الرسالة)
لقد كان الموضوع البحثي الذي كان موضع اهتمامي من قبل ابتعاثي للحصول على الدكتوراه والذي كنت قد سجلته في كلية اللغات بجامعة الأزهر بعد حصولي على الماجستير من جامعة تكساس وهو "تحليل الخطاب السياسي لكل من السادات وجيمي كارتر ومناحم بيجين" وكان تحت إشراف أستاذي الفاضل الذي أدين له بكل العرفان والتقدير والمودة وهو أ.د. عبد الرحمن محسن أبو سعدة والذي كان لتشجيعه ومتابعته لي – ولكل الزملاء كذلك ، حتى بعد أن سافرت للحصول على الدكتوراه من خارج مصر - أكبر الأثر والدعم المعنوي الكبير لي . فبعد الحصول على بعثة الدكتوراه بجامعة جورجتاون في عام 1983 ، وبعد الخوض في عينات من تلك الخطابات وجدت أن الذي استرعى اهتمامي الأكبر هو مفهوم "القوة" "القدرة" Power ومحاولة فهم أعماقه ,آلياته وكان الدافع الشخصي والسؤال الملح غير المباشر في ذهني – والذي يدور في ذهن كل غيور على حاضر ومستقبل هذه الأمة- هو: ما السبيل لأن نكون "أقوياء" فالعالم لا يحترم إلا القوة .. وفي الأثر الشريف يقول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف .. وفي كل خير" من هنا كان اهتمامي بمحاولة فهم آليات القوة/القدرة (Power) خاصة في عمليات التفاوض وإدارة الأزمات وكيف يكتسبها هذا المفاوض أو ذاك وكيف يوظفها وما تعريفها العلمي الدقيق ... وما علاقاتها بالثقافة والكثير من الأسئلة المماثلة التي أخذت تلح عليَّ حينذاك ، لكن كان اهتمام معظم علماء اللغويات – وبالتالي المجال كله – قاصراً على موضوعات ذات طبيعة مختلفة. فلقد كان مجال دراسة اللغويات قاصرا أساسا على التنظير الكمي في الشكل اللغوي Linguistic Forms (بأشكالها المختلفة) حيث شاعت دراسات عن قواعد وصوتيات اللغات ودراسات مقارنة مهمة بين اللغات (Contrastive Analyses) أو دراسات لتحليل الأخطاء (Error Analyses) أو دراسات في كيفية اكتساب اللغة Lang. Acquisition أو دراسات سمات اللهجات (Dialectology) أو دراسة تاريخ اللغات (Historical Linguistics) .. ولقد كنت على درجة كبيرة من الإعجاب بالمنهجيات الصارمة والكمية التي كانت تسيطر على دراسة علم اللغويات الحديث وخاصة ما أورده عالم اللغويات الأشهر نوم تشومسكي (Noam Chomsky) الذي يعد كذلك من أهم مفكري هذا العصر الذي كانت دراساته ونظرياته لدراسة ظاهرة اللغة المعقدة على مستوى الجملة (Sentence level) وتجزئتها – تتسم بالتعقيد والتعمق الكبير .. حيث كانت دراساته حاسوبية ورياضية لفهم الظاهرة اللغوية والعمليات الذهنية المركبة المتعلقة بمفهوم الكفاءة (Competence) والأداء Performance – ولكن على مستوى الجملة – فقط وليس على مستوى المطارحات والخطابات وتداخلاتها وديناميكياتها (Discourse levels) .. ولقد أسهمت نظريات تشومسكي بشكل رئيسي في مجال ما يسمى اليوم بمجال الذكاء الصناعي Artificial Intelligence من خلال دراساته المركبة عن العقل واللغة
(Language & the Mind) والتي ساهمت في تأسيس منهجيات علمية ارتفعت بعلم اللغويات وبمستويات التنظير التي طرحها لدرجة أثارت اهتمامات الكثير من الباحثين من التخصصات المختلفة ، ليس فقط من باحثي العلوم الاجتماعية ولكن من باحثي العلوم البحتة (Hard Sciences) كالفيزياء والرياضيات وغيرهم من المعنيين بالمنهجيات العلمية الصارمة .. لاشك أن لتشومسكي تأثير بالغ ولقد استفاد من منهجيته وفكره كل من تخصص في علوم اللغويات على تنوعاتها ، وحتى وبعد أن تعرضت نظرياته لمرحلة النقد والتشريح الشديد من جمهور كبير من علماء اللغويات لأسباب يطول الخوض العلمي – المغدق في التخصصية – فيها ، إلا أن تأثير تشومسكي البالغ تمثل في إثارة اكبر حجم من المناقشات العلمية حول نظرياته وتوجهاته من داخل علوم اللغويات وحتى من خارجها كما ذكرنا[22].
عموما ... النقطة الرئيسية هنا أن التعامل مع خطابات وأنماط الحوار والتفاوض فيما يتعلق بأسئلة القوة/القدرة (Power) خاصة في مجال تحليل المفاوضات السياسية الدولية لم تكن على الأجندة البحثية لعلماء اللغويات وبالتالي لمجال اللغويات ككل وحتى أواخر الثمانينيات. هذا في الوقت الذي يعتبر مفهوم القوة Power على أهم أجندات البحث في مجالي العلاقات الدولية والعلوم السياسية من هنا كان قراري هو الانشغال بكل ما يكتب أو يعرف عن هذا المفهوم – وكان قراري بالتالي – هو الحصول على تخصص آخر ""Second Concentration في العلاقات الدولية والعلوم السياسية لكي أتفرغ لما يحدث في هذا المجال فيكون نموذج التحليل رأسيا متعمقا(Vertical Interdisciplinarity) حتى يكون التكامل عميقا وعضويا وملتئماً – مهما كلفني الأمر – من مشقة ومعاناة وكلفة كبيرة .. ولقد كان ذلك بفضل من الله وتوفيقه.
المعاناة #2: عدم توافق الموضوع مع "الأجندة السائدة في علم اللغويات حينذاك ومن ثم "قبول الموضوع ولكن بتحفظ وعلامات استفهام كان من المتعين التعامل المنهجي معها."
لم يهتم بعض من الأساتذة في قسم اللغويات بالمسعى الذي رأيته وأبدو تحفظهم .. في حين أبدى عدد أخر اهتمامهم بهذا المسعى المستجد وخاصة أستاذي الذي أصبح مشرفاً وهو د. روجر شاي (Roger Shuy) .. الذي كان مهتما ومعنيا للغاية بدراسة مفهوم القوة/القدرة Power ولكن في سياقها القانوني والقضائي والجنائي أساسا – وهذا سياق له خصوصيته – يعتبر د. شاي من القلائل من الخبراء في هذا المجال التكاملي الحديث – الذي نحتاج إلى ان يكون له نصيب من الاهتمام في جامعاتنا التي لا تزال تعاني وبشدة من افتقاد كافة البرامج التكاملية الحديثة
(Interdisciplinary Programs) – ويعتبر د. روجر شاي ممن يعدون على أصابع اليد الواحدة في مجال اللغويات القضائية (Legal Linguistics) .. وهو من نوعية الأساتذة الكبار الذين أكن لهم عميق الاحترام والتقدير كما أدين لهم بالعرفان خاصة وانه غير "مسيّس" وكان معبرا عن الاحترام الشديد للخصوصية الثقافية ولكل ما يؤسس للغة العدل والمنطق والمنهجية بل كان حرا في فكره ومنتقدا لأي سياسات خاطئة أو غير أخلاقية فيما كان يدور على الساحة الأمريكية الداخلية أو الدولية ، ولكن مع اهتمامه الكبير وتشجيعه لي كان يؤكد انه لا يشرف أو يضيع وقته – حسب قوله – "إلا على الموضوعات التي تمثل تحديا جديدا وجديا" ، وكان تحفظه الوحيد يتمثل في أن هناك "شبه إقرار علمي جماعي توافقي" بين علماء المجال على أن تحليل المادة Data التي تمكن من الوصول إلى فهم الظواهر التفاعلية بدقة وتعمق من الطريق إلى التنظير الأكثر دقة في مجال اللغويات – على اتساعه – لابد وان تكون مادة تلقائية طبيعية (Naturally Occurring Data) كالتي كان يُحصل عليها من تسجيل التفاعلات التلقائية في المحاكم أو في شرائط مسجلة لحوارات تلقائية في الفصل الدراسي أو في حوارات الأطباء والمرضى .. الخ وحيث أن حصولنا على تفاعلات المفاوضات الدولية "التلقائية" بهذا المعنى للتعرف على حقيقة ما كان يحدث في أروقتها دون تدخلات "فلتريه" من أي نوع ليس متيسراً ، وصعباً للغاية ، ولذلك لم يهتم احد بتدشين وتعميق مجال "اللغويات السياسية" (Political Linguistics) ليأخذ نفس الاهتمام من البحث مثله في ذلك مثل كافة الأفرع الأخرى كالعلوم التمازجية/التكاملية الممتدة على غرار "اللغويات الاجتماعية" (Socio-Linguistics) و"اللغويات القضائية"
(Legal Linguistics) و"اللغويات العرقية" (Ethno-linguistics) و "اللغويات العلاجية" (Therapeutic-Linguistics) و "اللغويات التعليمية"
(Educational-Linguistics) و"اللغويات الحاسوبية"
(Computational- Linguistics) .. إلخ.
المعاناة #3: الخاصة بإدارة عمليات التفهم والتوافق وعبور الفجوة المعرفية والجزر المنعزلة بين "اللغويات والعلوم السياسية والعلاقات الدولية".
بعد الاستغراق المتعمق في أدبيات كل من علم اللغويات والعلوم السياسية والعلاقات الدولية فيما يتعلق بمفهوم "القوة" وتحديات البحث الذي قررت المضي فيه, توصلت إلى قناعة قوية بأن لدي الجديد على مستوى توصيف وتوظيف ما أسميته "ببيانات المسار الدبلوماسي الثاني" (Track 2 Diplomacy Data) التي يمكنني الاعتماد عليها وتوصيف سماتها الخاصة (Distinctive Features) والتي يمكنني الدفاع عن أهميتها المستحقة من الناحية المنهجية حيث أنها لا تقل عن "البيانات التلقائية" التي استقر توافق علماء اللغويات عليها ، و توصلت كذلك إلى وضع يدي على فجوات واضحة في دراسة مفهوم "القوة" في مجالي العلوم السياسية والعلاقات الدولية ، وفيما يتعلق بطبيعة تصنيف التحركات التفاوضية كما ورد في الأدبيات الكلاسيكية في إدارة الأزمات لسنيدر وديزينج وما نقل عنهما فيما يتعلق بذلك التصنيف في أدبيات أخرى. هذا بعد أن تولدت لدي قناعات (معرفية) منتقدة لما يمثل نوع من الخلل المنهجي والمعرفي لمفاهيم في أهم أدبيات مفهوم القوة وما يتعلق بها من الأدبيات الخارجة من رحم النظرية الواقعية (The Realist School) .. لقد كنت على قناعة بأن تدشين نموذج لغويات التفاوض (Negotiational Linguistics Model) الذي أقدمه يمثل أرضية تكاملية جديدة غير مسبوقة في الأدبيات السابقة ، ومن شأنه ملئ فجوة بحثية كانت واضحة لي وحددت لها عدة أبعاد بعضها ينتمي لعلم اللغويات وبعضها الآخر ينتمي لعلم العلاقات الدولية والعلوم السياسية ولنظرية القوة المركزية والمبنية على اعتبار "فوضوي" يحتاج إلى "التدخل السيد الأعلى المهيمن" ولقد جسدت تلك النظرية تحيزا علميا كان لابد من تفنيده وانتقاده من خلال تقديم أدوات تحليلية أكثر صرامة وتكاملية لفهم وتحليل مفهوم القوة/القدرة في المفاوضات السياسية الدولية .. ولكن وبعد أن شرعت في تحويل ما سبق إلى واقع أكاديمي ملموس ومكتوب كانت هناك معاناة تتمثل في صعوبات الخطاب عبر أصحاب التخصصات المختلفة ، وتحديدا بين الباحث وكل من رئيس قسم اللغويات (المشرف الأول) روجر شاي من ناحية وأستاذ العلاقات الدولية الشهير د. مايكل هدسون (المشرف الثاني) حيث تكررت الاجتماعات واللقاءات لتدارس الحجج المطروحة – خاصة التقنية منها – عبر هذه التخصصات والتوجهات المعرفية المختلفة وكان ذلك أمراً طبيعياً ولكن تخللته معاناة ومجهود "تفاوضي شاق" لإدارة "التنازع و الاختلاف" في قضايا بعينها.
المعاناة #4: الخوض في أشكال من التحيز الصارخ والتمركز الأحادي في كثير من أدبيات البحث الغربي المهيمن والمنتشر بخصوص صراعات منطقتنا وثقافتنا والذي يعتمد على معلومات ناقصة Missing Information ومعلومات خاطئة (قد لا تكون مقصودة) Misinformation أو معلومات مغلوطة (قد تكون متعمدة) Disinformation.
كانت هذه النوعية من المعاناة – مضافة إلى ما سبق- من أهم الدوافع التي دفعتني دفعا لتناول موضوع "القوة" Power بتعقيداته في العملية التفاوضية ، ولقد انعم الله سبحانه وتعالي عليَّ بنعم كثيرة – فحمدا لله – ومنها إنني على سبيل المثال قمت بترجمة وتلخيص عدد كبير من أدبيات أزمة حرب أكتوبر/رمضان قبل فترة الابتعاث للولايات المتحدة (قبل حصولي على الماجستير) وكانت لقادة وخبراء عسكريين ودبلوماسيين دوليين من أصحاب العقول المنصفة في عالمنا وكنت فخورا سعيدا بما أتعرف عليه حينذاك لما فيه من إنصاف كبير لقواتنا الباسلة وللشعب المصري العربي عندما تتفجر طاقات العطاء والإبداع لديه ، هذه الطاقات هي التي أسست لمنظومة القيم التي كنا نتحرك في إطارها وهي التي حققت الانتصار وأرست ما يمكننا تسميته بقيم "حرب أكتوبر/رمضان 73" مما جعل منها انجازا حقيقيا ونبراسا لكل شعب مصر وللأمة العربية ..فعندما ذهبت للولايات المتحدة بتلك الخلفية المعرفية واطلعت على الكتب الأكثر شيوعا وانتشارا والتي تدرس في معظم أقسام العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعات الأمريكية ، وجدت ان هذه الأدبيات تنقل معلومات ناقصة وخاطئة ومغلوطة في كثير من الأحيان . خاصة فيما تعلق بأزمة حرب أكتوبر/رمضان التي ذهبت بعضها إلى حد الزعم الباطل  "بأن إسرائيل هي التي انتصرت في معارك تلك الحرب .. وبإجحاف مبالغ فيه[23]... بإختصار وجدت صورا صارخة على صعيديّ "المعلومات الخاطئة والناقصة والمغلوطة" وهنا كان السؤال التالي الذي تبلور أمامي وهو: " هل تزييف حقائق الصراع ، خاصة فيما يتعلق بحرب أكتوبر/رمضان 73 ، جاء من دافع تجريدنا من أي احساس بالقوة وترسيخ صورة الفشل ومنعنا من استخدام نتائج "تلك الحرب كأداة من أدوات الردع؟! .. هل هذا الحجم من التزييف يدخل في إطار استراتيجيات "السيد الأعلى المهيمن" المخضع للجميع والقائم بدور الاقناع التسلطي للآخرين بأن "يسمعوا الكلام فقط"؟!
1-  كل عناصر ذلك السؤال أعلاه كانت ترتبط لدي بترسيخ صورة من صور نظريات مدرسة الواقعية/القوة (Power Politics Theories) المبنية على فكر توماس هوبز Thomas Hobbs وهانز مورجينثاو  Hans Morgenthau[24]ولكن بتوصيفات خاصة في سياقنا هذا ، أى مع السياق العام للنظرية المقرة بالنظر إلى العلاقات الدولية من منظور الفوضى (Anarchy) بمعنى انه وفي غياب "سيد أعلى مهيمن" ، فإن على الدول وخاصة "دولة السيد الأعلى" "العظمى" أن تعد العدة للدفاع عن نفسها داخل الدولة وخارجها بكل الطرق وإلا فإن البديل هو الفوضى وهذا حق قد يراد به باطل, وربما ألف باطل!! خاصة إذا تولدت لدى هذا "السيد الأعلى"  قناعة مفادها استمرار وجود حالة الحرب بمعناها الواسع والمستمر حيث يكون استخدام القوة مبررا تماما لأن القوة هي وسيلة الدفاع ووسيلة تحقيق الأهداف السياسية وأنها (أي القوة) هي الحكم النهائي حتى لفض المنازعات وإلى أخر ما تطرحه وتؤسس له هذه النظريات على اختلاف توجهاتها وأشكالها. وما نظريات صدام الحضارات وكذلك نظرية المحافظين الجدد[25] اليوم في الولايات المتحدة إلا صورة صارخة لأحدث طراز أو شكل من أشكال نظريات القوة المفرطة .. الخطورة التي رأيتها هي الهيمنة الكبيرة لهذه النوعية من النظريات التي يمكننا رؤية صورة أخرى من صورها من خلال أعمال عالم السلوكيات المعروفF. B. Skinner حيث تتوافق "نظرية القوة للسيد الأعلى المهيمن" مع نظرية القوة والقهر ولكن طبقا لفهم سكينر في الفصل الدراسي "أي" في المدرسة والجامعة كذلك .. وخطورة نظريات Skinner تتمثل في تطبيقها مجتمعيا كما نجد ذلك في كتابه بعنوان "بعيدا عن الحرية والكرامة الإنسانية" (Beyond Freedom & Dignity)[26] والذي قدم فيه دراسات منصبة على هندسة السيطرة وأدواتها (Control Techniques). إن خطورة طرح سكينر لا تقل عن خطورة مدارس القوة (الواقعية) ، لأنه أثر بالفعل على التوجهات العملية التعليمية عبر العالم والتي لم نتخلص منها في واقعنا الثقافي بينما تخلصت كثير من نظم العالم المتقدم منها، وكأن لنا التكنولوجيات المتخلفة والأطعمة الأقل جودة أو الفاسدة والأسلحة الأقل تطورا وكذلك نظريات التعليم والتعلم البائدة ، هذا رغم ظهور المدارس التي انتقدت نظريات سكينر وأجهزت عليها منذ عشرات السنين ، ومن أهمها النظرية التوليدية لتشومسكي (Generative Theory) . أعود مرة أخرى للبحث في سؤال التزييف الذي وضعته أمامي - واستدعى كل ما سبق حيث كان لدى قناعة قوية وهدف واضح بأن أكشف عن ذلك الزيف سواء في أطروحتي أو في سياق آخر ...وحيث أن التركيز والهدف الأساسي في الأطروحة كان منصبا على تقديم نموذج نظري لا علاقة له ببيانات بعينها إلا اننى استطعت الموائمة بين الهدفين في ذلك البحث من خلال استحضار بيانات ووثائق مدعمة وفيما يلى صورة صارخة لاخنزال حقائق الأداء العربى فى أزمة كأزمة 1956.
الشكل رقم 1 : اختزال الأداء العربي في أزمة 1956 من خلال كاريكاتير في كتاب كارل براون                                                                                   
ولقد لاحظت ما يلي خاصة في تلك الأدبيات التي عالجت "أزمة أكتوبر/رمضان" وأزمة السويس 1956:
1-  إن الكثير من تلك الأدبيات الغربية يبتعد عن الحقائق المؤكدة التي حدثت على أرض الواقع (ولكن لابد من الاعتراف أن من ضمن بل ومن أهم أسباب ذلك الزيف قد تمثل في عدم وجود "الأرشيف المعلوماتى العربي" وعدم وصوله للباحث الغربي في حين وجود ووصول الأرشيف المعلوماتي الإسرائيلي للباحثين الغربيين)[27].
2- إن الكثير من الأدبيات يتسم بمركزية الباحث الغربي والرؤية الغربية المتمركزة على ذاتها وهو الأمر الذي يمثل تحيزا واضحا.. ويعود هذا الأمر أساسا بسبب غياب الباحث العربي وغياب التفنيد المنهجي على الصعيد الأكاديمي العربي والدولي لتلك الرؤى التي تحكم الرؤية المركزية الغربية[28]. وفيما يلي مثالا صارخا لهذا التمركز والتحيز والأحادية الغربية في تناول أزماتنا والمتسقة مع مبدأ "التشويه والتزييف" بهدف ترسيخ "الفشل لدينا وبالتالي تحقيق الخضوع "للسيد الأعلى..."                                                              
المشكلة تكمن كذلك في وقوع عدد لا بأس به من الباحثين العرب في فخ التطبيق الأعمى لنظريات القوة القاصرة والوقوع كذلك في فخ "قبول التزييف" و"منطق السيد الأعلى" ومفرداته وتعبيراته على غرار لمقولة يكررونها دائماً مثل "السياسة هي فن الممكن" والمشكلة التي نراها تكمن في وقوع مثل هؤلاء الباحثين في تقبل "ذلك الممكن" المحدد سلفاً وتبريره ، المشكلة أنه وفى تفاعلات بعينها لا يتخطى ما ورد في الكاريكاتير السابق بصورة أو بأخرى وهذا دون أن يكون هناك طرح لسؤال آخر كالسؤال التالي: "كيف يمكننا توسيع نطاق ذلك "الممكن"؟ وكيف نخرج عن هذا "الممكن" إلى "ممكن" أخر يحقق أجندتنا الإستراتيجية وحقوقنا المشروعة؟. لقد تعاملت الأطروحة مع ما سبق بتقديم بيانات ووثائق مظهرة لمنظور عربي بحثي مفتقد يفند التزييف القائم من خلال التناول المنهجي لمفهوم  وديناميكيات القوة/القدرة وارتباط ذلك بديناميكيات وأطر مفهوم الثقافة (Culture) وذلك في إطار معادلة للقوة يمكن إثباتها تاريخيا, ومفادها الأخذ بالأسباب المنطقية والحسابية مع تحفيز وتفعيل قيم ثقافية تاريخية لها بعدها التعبوي المرتبط بأعماق الهوية والبقاء ولا ينكر إمكانية تفعيلها في لحظات بعينها إلا أصحاب "نظرية السيد الأعلى", فهذه القيم كانت وراء انتصار أكتوبر/رمضان 1973. وكانت المقاومة الوطنية اللبنانية في الحرب اللبنانية الإسرائيلية الأخيرة خير شاهد على ذلك. (1)
كان كل ما سبق يدور بذهني عند كتابة الأطروحة وتبني الموقف المنتقد لنظريات القوة الأحادية التوجه والمفرطة من أجل الهيمنة بما في ذلك "قوة" تزييف الحقائق والتحليلات المبتعدة عن الصرامة العلمية والمنهجية (خاصة فيما يتعلق بالأبحاث التي تعلقت بتحليل أزمات دولية تخص منطقتنا وثقافتنا واتسمت بتبسيط واختزال مُخِل ، من هنا كانت الأسئلة التالية التي تصديت للإجابة عنها من خلال نموذج لغويات التفاوض في إطار السعي لفهم مفهوم القوة:
1-  ماذا عن المعنى الأكثر اتساعا لمفهوم "القوة/القدرة" (Power) بعيدا عن اختصاره واختزاله في "القوة المادية" أو العسكرية Aggregate resources فقط ؟[29].. أي كيف حدثت مفاوضات وإدارة صراعات غير متكافئة – وتحقق فيها عدم رجوح كفة "الطرف الممتلك لمصادر أكبر من القوة المادية" كما في حالة مفاوضات أمريكا مع بنما وكما في الحالة الفيتنامية ، وكما في حالة الانتصار المصري في حرب 73 والنجاح في إدارة أزمة 1956 وكلها حالات تناولتها الأطروحة (1989) بالتفاصيل. وفيما يتعلق بالسؤال السابق أوضحت الأطروحة معادلة تفاعلية تمثلت أركانها في الآتي: "كيف أن رفض اليأس واستنهاض قوة التصميم والإصرار والإرادة (Power of Commitment) وأشكالها ("كقوة المشروعية" و"الحقوق" و"الملاذ الأخير للبقاء") في لحظات بعينها تعد من أهم أدوات التفاوض لإعادة هيكلة الموقف التفاوضي برمته
(Negotiation for Redistribution) وتعد لذلك من اكبر مصادر القوة في تاريخ كل الأمم التي أرادت تحقيق أجندتها والأخذ بالأسباب معاً بعيدا عن مجرد الحماسة الجوفاء والرعونة العاطفية أو الحسابات الخاطئة والمدمرة + تحييد نواحي القوة المادية لدى الخصم وعدم تمكين الخصم من توجيها بكل طاقاتها كلما أمكن ذلك بالإضافة إلى التعامل مع نقاط ضعف الخصم وتعظيم الاستفادة من أخطائه + السرعة في الاستفادة من قوة سياق بعينه (Power of the specific context) وما يستتبع ذلك من إدارة مباريات التحالف (Alliance Games) وإدارة الوساطات (Mediation Processes) وإدارة الأجندات المتنازعة (Adversative Games). لقد جسدت تفاعلات الأزمة الفيتنامية الأمريكية وأزمة 73 و 56 أركان تلك المعادلة أوضحتها بحجج لها ما يدعمها من واقع التفاعلات الحية...
2-  ماذا عن مستويات القوة المتعلقة بالتعامل مع التهديدات وأنواعها (Threats) في حالات التفاوض غير المتكافئة؟ وكيف أدارها المفاوضون في الأزمات المذكورة وغيرها من مواقف من واقع بيانات الدراسة والتفاعلات التي تضمنتها هذه التهديدات؟
3-  ماذا عن مصادر سوء التفاهم "غير المشعور" الناتج بسبب اختلاف القيم الثقافية في عملية التفاوض؟ وهنا نفتح المناقشة حول مدارس تحليل عمليات التواصل عبر الثقافات Cross-Cultural Communication وما تثيره من تحيزات. (وهو موضوع يحتاج إلى دراسة أخرى قدمتها في سياق أخر[30]).
كان ما سبق أمثلة نوضحها بشكل أكبر في أقسام الدراسة الأربع التالية التي توضح كذلك الفجوة البحثية فيما يتعلق بالبحث الأمبريقي[31] عبر العلوم الاجتماعية.
المعاناة #5 وهي ما يمكن عنونته بما يلي:
"معاداة الدراسات التكاملية" أو "معاناة" الحسبة الأكاديمية والإدارية المتعسفة"... وإطلالة على حالة تفاعلية أسميتها في ملفات ذاكرتي "بحالة سيادة المستشار الثقافي!!..."
من الممكن الحديث عن طبيعة هذه المعاناة على المستويين الشخصي و الموضوعي, وهى تعالج قضية عامة ذات علاقة بتقييم الأداء الدبلوماسي والمهني والثقافي للبعض من أعضاء بعثاتنا في الخارج من ناحية وموضوع ما أسميته "بمعاداة التكاملية" Anti-Interdisciplinarity وذلك من باب طرافة التخفيف من وضع ثقافي أو أكاديمي مؤسف .. ولإعطاء القارئ الكريم خلفية عن هذه المعاناة # 5 وهى الأكبر أقول بأنني قد تعاملت عن قرب مع مستشارنا الثقافي الأسبق – والذي كان متخصصا في الإحصاء – وذلك في فترة لابتعاثي بحكم إنني كنت قد انتخبت رئيسا للوحدة رقم (26) لاتحاد الدارسين المصريين في أمريكا وكندا والذي كان يضم في عضويته ما يقرب من ثلاثة آلاف مبعوث في أمريكا وكندا ، وكانت هذه الوحدة من أكثر وحدات الاتحاد نشاطاً.. وكنا فخورين بأننا نتداول رئاسة الوحدة بشكل دوري ومنتظم وكنا سعداء بترسيخ نظام تداولي على نطاقنا الصغير.. وكنا نقوم بنشاط في جامعات العاصمة الأمريكية والتي كانت كلها داخلة – بطبيعة تكوينها الأكاديمي – في "كونسورتيوم" يسمح للطلاب في أي جامعة بحضور كورس أو اثنين في جامعة أخرى وتحسب ساعاته وكأن الدارس في جامعته تماما .. كنا سعداء بهذه الأجواء الأكاديمية المنفتحة والمرسخة لنظام البرامج الدراسية التكاملية إلى أبعد حد "Interdisciplinary Program" وكنا نناقش كل قضايانا في هذه الأجواء بروح جماعية طيبة وكنا نطالب المسئولين ومنهم مستشارنا الثقافي بتحسين أوضع المبعوثين – لأنها كانت من أتعس ما يكون – وكنا نحاوره من حيث نظام التأمينات والحد الأدنى من المعيشة المعقولة والى ذلك من أوضاع المبتعث السيئة للغاية, خاصة بخصوص ما كان يتقاضاه المبعوث المبتعث من الجامعات المصرية ولا يتيح له الحد الأدنى من المعيشة اللائقة خاصة في ظل وجود إجحاف كبير وخاصة أن المبعوثين من جهات مصرية أخرى كانوا في وضع لا يمكن مقارنته بالمبعوث الجامعي الذي كان عليه ولابد أن يعمل لاستكمال مهمته .. ولكن لا شأن لسيادة المستشار بهذه "الفجوة" وغير المبررة أو العادلة بين أبناء الوطن الواحد ، ولكن مكمن الشكوى شبه الجماعية و بغض النظر عن موضوع الحوار أو التفاوض كانت بخصوص الأسلوب التسلطي والرؤية الاطلاقية الأحادية التي تراعى سياق الموقف الحقيقي أو متطلباته والتي كانت موضع الاستغراب الشديد لأي محلل موضوعي –خاصة- إذا كان ذلك أسلوب "سيادة أي مستشار ثقافي" ومن أهم التفاعلات الداعية للدهشة والاستغراب ما حدث في أواخر مدة سيادته حينما أدار حوارا مع بعض أعضاء حركة مدنية من السود الأمريكيين الذي بادروا بحوار مع سيادته بخصوص ما أسموه "بالتراث الأسود للفراعنة "Black Heritage .. فتحول الحوار إلى مشكلة عبر ثقافية وتلامست مع مفاهيم العنصرية وقرارات أصدرتها الأمم المتحدة في هذا الصدد سالفاً...لقد كان لي أن أتأمل مثل هذا الحوار ويطول شرح الأمر لتفصيل ما حدث ولكنه اثبت أن هناك مشكلة في الأداء الدبلوماسي الثقافي لسيادة المستشار واستدعى الأمر تدخل سفيرنا أ. عبد الرؤوف الريدي في ذلك الوقت لتهدئة ذلك الحوار الذي انتقل إلى صفحات الواشنطن بوست وبأسلوب ليس في صالحنا نهائيا وكان من الممكن تجنب كل ما حدث من توتر شديد حينذاك بدلا من أن ينتهى بنهاية خدمة سيادته .. أما ما يخصني من معاناة فهناك موقفان ليس بحكم أنهما معي شخصيا ولكن أود سردهما لأنهما يتعلقان بقضايا عامة تتعلق بالفجوة الإدارية والأكاديمية التي لا نزال نعيش وقائعها بصور شتى.
التفاعل الأول: وهو كان عن مسألة "الحسبة" الأكاديمية الجائرة ولغة "الأثر الرجعي المتعسفة" والشائعة في تفاعلاتنا الثقافية.
فعندما وصلت إلى واشنطن العاصمة في أول أيام الابتعاث استدعاني "سيادة المستشار الثقافي" ودار مضمون الحوار التالي:
المستشار الثقافي: أين نتيجة امتحانات التأهيلي للدكتوراه "Qualifying Exam"؟!
إجابة: هذا بعد الانتهاء من الكورسات الأساسية (Core Courses) في التخصص الأساسي .. وهنا كانت المفاجأة
إستعجب سيادة المستشار قائلاً: ولكنك هنا منذ أكثر من سنتين؟ ..
فقلت: أكيد سيادتك "في حاجة غلط" جواز سفري يقول أنني هنا منذ شهر على الأكثر كان ذلك في خريف 1983.."
أكد سيادة المستشار قائلا: "ملفك بيقول انك هنا منذ أكثر من سنتين؟!
ثم تبين لي ان إدارة البعثات قد حسبت سنتين الماجستير ضمن سنوات بعثة الدكتوراه "بأثر رجعي"!!
إنها لغة الأثر الرجعي في واقعنا الثقافي الذي يندر أن يوجد مثيلها في العالم.. حيث أن الماجستير التي قد حصلت عليها من جامعة تكساس في الفترة من 1979 : 1981 قد أضيفت بأثر رجعي لسنوات بعثة الدكتوراه والتي تستغرق في المتوسط من خمس إلى ست سنوات للحصول على الدكتوراه على الأقل ، نظرا لأن الجامعة تطلب امتحان يسمى بالإمتحان التأهيلي (Qualifying Exam) في الكورسات الرئيسية – (Core Courses) ثم تطلب من الطالب بعد ذلك اختباراً أخراً يسمى "بالامتحان الشامل" (Comprehensive) وذلك بعد فترة من الامتحان الأول ويكون هذا الاختبار في مقرر رئيسي (Major) ومقررين فرعيين (Minors) أو تخصص ثانوي (Second Concentration).
التفاعل رقم #2:
عندما بدأت في حضور كورسات في العلوم السياسية والعلاقات الدولية وهذا من صميم حقي في النظام الأكاديمي الأمريكي أو أي نظام أكاديمي متقدم والتي كانت ضرورية لبرنامجي العلمي, استدعاني سيادة المستشار الثقافي متسائلا: إما ان تدرس لغويات أو تدرس العلوم السياسية؟ أما الاثنين فلماذا؟ وما هذا؟ وكيف؟! وإلى ما ذلك من تراث اللغة الاحتجاجية الفوقية "فهذا الذي كنت بصدده من منطق تلك اللغة – من باب تضييع الوقت وإهداره" و "الخلط في الأمور" و "التحول عن الهدف" و "الحيدة عن التخصص"!!، وبعد شرح طويل لم يقتنع سيادته فموضوع الدراسات البينية التكاملية (Interdisciplinary Programs) غير وارد أصلا لدينا ثقافيا، لكن المأساة كلها أن يحدثنا بذلك مستشارنا الثقافي في عقر دار الدراسات التكاملية البينية ومع الأسف وحتى اليوم وبعد كل هذه السنوات الطويلة يبدو أن سيادته لم يكن متفردا, ففكر الدراسات التكاملية لا يزال غائبا تماما فى بنية جامعاتنا وحياتنا الأكاديمية وهنا سارع سيادته بإرسال خطاب لأستاذي المشرف في الجامعة د. شاى (وكان خطاباً عجيباً).. ويبدو أنه قد ظن أن الأستاذ المشرف، "يعمل" كموظف عنده بالمكتب.. فتحدث بلغة حادة شديدة ، تتسم بمسحة من ثقافة التسلط وثقافة عقلية المؤامرة طالبا من "الأستاذ" كتابة تقرير عني (هذا دون علمي نهائيا بذلك) (حينذاك) وكان بالخطاب مسحة من لغة الاحتجاج على سماح الجامعة لى بدراسة "تخصصين"!! أو بمعنى آخر "تخصص آخر"!!... لا يراه المستشار ضروريا على الإطلاق وهنا استدعاني أستاذي بالجامعة د. روجر شاى في مكتبه وطلب مني أن أقدم له قراءة تحليلية عبر ثقافية لنص الخطاب ليفهمه بدقة رغم انه كان مكتوباً بانجليزية سليمة واعتبرت ذلك اختبارا .. ، خاصة وأنني أدركت أن الأستاذ قد بدت عليه ملامح الغضب المكبوت من الأسلوب التهجمي الشديد الذي اتسم به خطاب "سيادة المستشار"..
فقدمت له التحليل الآتي قائلاً:
1-  إن خطاب "مستشارنا الثقافي" يتسم مع الأسف بلغة تسلطية فوقية حادة –وهذه طبيعته الخاصة معنا وفى سياقات أخرى ولكنها غير مبررة في كل الأحوال.
2-  انه خطاب (سري) لا يتسم بالشفافية.. فمن المفترض أن أكون على علم به .. ولذلك قلت لأستاذي هذا مؤسف حقا خاصة وأنني قد شرحت كل شيء للمستشار من قبل فما الدافع الحقيقي لديه؟ وقلت لأستاذي المشرف أن يكون حرا تماما فى أن يوجه أي رد يراه هو مناسبا على أن يذكر مشكورا تعبير "CC" أي نسخة مرسلة إلى المبعوث حتى يكون لي لقاء "مبرر" مع سيادته بناءً على ما ورد في ذلك الخطاب العجيب!.
3-  المعاناة العميقة أن هذا الخطاب كان بمثابة "تجريدي" من أي نوع من "الاحتضان" و"التبني" من أقرب جهة مسئولة من المبعوثين خارج الوطن وأشعرني ذلك "بعدم الأمان الحقيقي" ..." بعد حصولي على نسخة من خطاب الأستاذ المشرف الذي رد على لغة التسلط الأجوف "بلغة هي الأخرى" قوية ما كنت أتمنى نهائيا أن توجه من أستاذ أمريكي إلى مستشارنا الثقافي، فكل الأطراف كانت ليست بحاجة إلى ذلك على الإطلاق.. لقد كان هذا التبادل أو التراشق "اللاتفاوضي" المحزن بين المشرف وبين المستشار الثقافي ذو أثر سلبي للغاية مع كل الأسف ، خاصة بعد أن أخذت خطاب المشرف وذهبت به لمستشارنا الثقافي لمواجهته لكي أضع حد لهذا التوتر الذي ما كان ينبغي لمستشارنا الثقافي أن يكون الطرف الأساسي والمتسبب فيه وكان ذلك اللقاء بالفعل لقاء مواجهة مطلوبة اتسمت بتوجيه العتاب المهذب إلى سيادة المستشار وانتهت بأن حول المستشار الملف كله لإدارة الجامعة .. في مصر ليكون لها الرأى الأخير –على حد قوله- و حولت الجامعة الملف إلى القسم وهنا وصل الأمر لأستاذي د. محسن أبو سعدة الذي كنت أظنه خارج الوطن.. ولكن حكى لي أ. د. مصطفى عبد الشافي وكيل الكلية عند عودتي من الولايات المتحدة موقف د. محسن النبيل .. فلقد اطّلع على كل الأوراق والخطابات وعلم منها حقيقة ما كان يجري .. يقول لي د. عبد الشافي :
"إن الدكتور محسن .. تحدث بأسف بالغ عن سوء الفهم الشديد لدى المستشار الثقافي وأخذ يرد بكل صرامة ووضوح على ما ورد من استفسارات المستشار التي وصلت للجامعة في شكل لغة "لا توحي بالخير" ووافقت الكلية على مد أخر لبعثتي بناءً على خطاب د. محسن أبو سعدة ...لقد كان موقفاً نبيلاً ككل مواقف د. محسن أبو سعده ليس معي فقط بل مع كل الزملاء من أبنائه الذين يقدرون له كل مواقفه وهكذا يكون "الأستاذ" دائما قولا وفعلا..
بالرغم من هذا التأييد الذي – أشكر الله عليه – إلا أن "المفاجأة" كانت وصول رسالة بعد ذلك تقول بأنني أنهيت الأربع سنوات المسموحة للدكتواره حيث تم خصم سنتي الماجستير تعسفا وبأثر رجعي كما ذكرت .. ووصلني "إنذار نهائي".. تماما كالذي كنت أقوم بتحليله في أزمة السويس 1956 في أطروحتي والذي سمي في أدبياتنا العربية "بالإنذار الثلاثي".. كان الإنذار لي في كلمتين .. إما العودة إلى الوطن في خلال ستة أشهر من تاريخه وإما الفصل من الجامعة..
المعاناة هنا تمثلت في الآتي .. ان هذا كان قرارا جائراً. لأن منحة الماجستير التي حصلت عليها وكانت من 1979-1981 كانت تحت مسمى "منح السلام" ، فكانت أول دفعة من مائة منحة تقدم لها أكثر من خمسة ألاف دارس في مصر من جميع التخصصات ، وتشرفت بأنني حصلت عليها في مسابقة أجرتها هيئة فولبرايت واجتزت في تلك المسابقة عدة اختبارات "كالتويفل" و"الأليجو" ومن خلال "مقابلات" تمت بين هيئة فولبرايت (الأمريكية – المصرية) وهيئة اختبار ضمت بعض رؤساء الجامعات المصرية حينذاك .. ولذلك أقول بأنني قد حصلت على تلك المنحة بجهد مستحق وعدت بعد الانتهاء من الحصول على الماجستير ، والتزمت بالعودة رغم ان كثيرين لم يعودوا نهائيا .. وسجلت فور عودتي لرسالة الدكتوراه مع أستاذي الفاضل د. محسن أبو سعدة وكنت حقا لا أفكر في العودة للولايات المتحدة في ذلك الوقت مكتفيا بذلك – لأسباب عديدة حينذاك – ولكن وبعد عام ونصف ، قرر د. مصطفى كمال حلمي وزير التعليم العالي في ذلك الوقت ، تكريم المائة الأوائل في اختبارات منح السلام من الذين عادوا للوطن وقرر منحهم فترة ابتعاث أخرى بما توفر من منح أخرى نظرا لتفوقهم (ولعدم اهدار المنح الدراسية).. أي أن منحة الماجستير كانت قد انتهت تماما كملف.. ولكن تم حسابها لاحقا وبأثر رجعي – لا أعرف أي سبب له – ضمن سنوات الدكتوراه والمشكلة ان الدراسة في جامعة جورجتاون طويلة بطبيعتها وتأخذ من خمس إلى ست سنوات فأكثر للحصول على الدكتوراة.
القرار برفض الإنذار الجائر!
كان القرار الطبيعي والمنطقي ألا أبالي بهذا "الإنذار" الغريب والمبنى على اعتبارات جائرة ، بل كان عليَّ أن أنسى أو أتناسى كل ما حمله ذلك الإنذار من "إرهاق بالنسبة لى" للتفرغ والتركيز ثانية لإنهاء مشروعي البحثي الذي قررت ألا أحيد عنه .. لأنه في جوهره ضد التسلط ونظرياته وأشكاله المتعددة المستويات .. وبعد فترة ليست بطويلة جاءت برقية للمكتب الثقافي تقول "بأنه قد تم فصل "سيادته" من الجامعة"!!.. فأكملت ولمدة سنتين على حسابي متحملا بذلك تكاليف باهظة بعضها جاء من عملي كاستشاري في مشروعات في مجال ترجمة العقود القانونية بالبنك الدولي وبعضها من تدريس كورسات في الجامعة وبعضها الثالث من أسرتي التي كانت تدعمني معنويا وماديا إلى أقصى طاقة ممكنة إلى أن انتهيت وعدت للوطن بحمد الله ورعايته حيث .. أخذ وقت إعادة تعييني مرة أخرى سنة كاملة من البيروقراطية المتسلطة وربما كان ذلك نوعا من الاحتفاء الذي يليق بعودتي "الميمونة" إلى أرض الوطن الغالي .. وكان لي كما نصحني البعض أن ارفع قضية في مجلس الدولة للتعويض عن كل ما أنفقته من مصاريف كما كان يصرف لكل مبعوث , كما فعل البعض في حالات مشابهة.. ولكن القضية كانت ستكون ضد جامعتي .. التي أكن لها كل الاحترام والعرفان حيث أن لها قيمة نفسية خاصة جدا عندي .. رغم كل شيء .. فلم أفعل .. وكان كرم الله ونعمه كبيرة على في كل هذه المراحل من مراحل المعاناة الخمسة التي أرى إنها كانت "نعمة" ، ودافع تحفيز وإصرار , فكان فضل الله عظيما ونسأله تعالى دوام الفضل والنعم.
ثالثاً: إسهامات ذلك البحث والتوصيات المقدمة من خلاله
أ- على صعيد الأبحاث التكاملية (Interdisciplinary) والوضع الراهن في جامعاتنا المصرية والعربية:
يؤكد هذا البحث على ان المسعى والتوجه التكاملي Interdisciplinary Approach .. بين العلوم عموما في كل التخصصات سواء كان ذلك على مستوى العلوم الطبيعية أو الاجتماعية هو مسعى مستقبلي أكيد ولا غنى عنه على مستوى البحث والدراسة والتدريب في كل جامعات العالم المتقدم ولكن جامعاتنا تفتقد تماما إلى هذه النوعية من الدراسات الحديثة ويرجع ذلك إلى سبب وجود خلل كبير في بنيتها التي لا تزال تؤكد على الأحادية والتلقين وعتاقة المناهج العلمية ..

توصية خاصة للجامعات المصرية
للتعامل مع "صدمة المستقبل"
(أو المعاناة #6)

بعد سنوات طويلة مرت على تقديم ذلك النموذج التكاملي أخفقت مع الأسف كل النداءات ونداءات مماثلة من علماء كبار مثل الراحل العظيم د. أحمد مستجير وكثير من أساتذتنا الكبار بإدخال النظام التعليمي التكاملي الحديث إلى نظامنا الجامعي – ضمن منظومة متكاملة - لنلحق بركاب الـ 500 جامعة التي لم ندرج في إطارها مع كل الأسف, إلا أن الرد على أكثر من مذكرة رسمية للمعنيين والمسئولين تمثلت في رد مفحم من "الصمت". الذي لا يعارض ولا يمانع ولا يوافق وهذا "الصمت الرهيب" لا يزال من أسس التفاعل السلبي الذي يعمق من واقع الفجوة الإدارية الأكاديمية القابعة على "نفس الجامعات المصرية" إلى اليوم... . لقد كتب عالم المستقبليات المعروف توفلر كتابا اهتم به العالم المعنى بقضايا التقدم وكان عنوانه "صدمة المستقبل" وكان يتحدث فيه عن أشياء يبدو أنها لا تعنينا في شيء من حيث الإيقاع السريع ومتطلبات التجديد والتحديث الذي ستفرضه علينا متطلبات المستقبل وطبيعة المنافسة الدولية ولكن بعد مضى أكثر من عشرين عاما على كارثة اعتراض مستشارنا الثقافي على برنامجي التكاملي في منتصف الثمانينات...وبعد ان تم الرد المفحم "بالصمت" على مذكرات رسمية قدمتها لإدراج هذه البرامج التكاملية فوجئت بصدمة أخرى من صدمات المستقبل وذلك عندما طالبت بعض الجامعات في واقعنا الثقافي بتوحيد المناهج في جامعاتنا المصرية. ولا أعرف ماذا أقول عن هذا النوع الغريب من "التوحيد", فالتوحيد الوحيد الذي نعرفه هو "لا اله إلا الله" ولكن لعلى أستمر دون يأس وبعد "لا حول ولا قوة إلا بالله" [32]فأرصد بعض المقولات – على سبيل المثال لا الحصر – التالية للتذكير "بأصوات العلماء" في هذا العالم عن حتمية البرامج الأكاديمية التكاملية (والمضادة لفكر توحيد المناهج)حيث يقول فريدل: Freedle فيما يخص اللغويات مثلاً:
"إن الفهم الحقيقي والمتعمق لأي ظاهرة من ظواهر التواصل والتفاعل لن تتحقق في وجود هيمنة نظم البنية التعليمية أو البحثية الأحادية النظم المنعزلة / أو المنفصلة (Separate Disciplines)"
ويضيف فريدل قائلاً:
"إن تاريخ البحث في علوم اللغويات وفي دراسة الخطاب تفيد بأننا قد وصلنا اليوم إلى قناعة مفادها ان فهم أي خطاب من حيث تركيبه (Structure) أو وظيفته (Function) ، لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال النظرة من منظور منهجي متعدد الزوايا والنظم (Multidisciplinary perspective)"
ويقول عالمي السياسة والعلاقات الدولية أولسون Olson وأونف Onuf:
"إنه من الصحيح ان ما يجوز انتقاده في علم العلاقات الدولية كمجال معرفي ينطبق بدرجة أو بأخرى على مجالات العلوم الإنسانية الأخرى .. وهذا الانتقاد يتجسد في افتقاد المنهجية التكاملية Interdisciplinary Research Method ،ولكن المشكلة ان فهم العلاقات الدولية لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال هذا السعي التكاملي ، .. من هنا كان ولابد ان نؤكد في هذا البحث على أهمية إحداث وتفعيل ذلك التوجه التكاملي حتى نستفيد وإسهامات العلوم الاجتماعية الأخرى"
وفي سياق أخر يتحدث أونف عن تقاعس علماء اللغويات وعن أهمية أن يقدموا تحليلاً لغوياً من المنظور الحديث للعلم وللعلاقات الدولية مؤكدا على أهمية أن يتم تدشين ما أسماه "بالدور اللغوي" و مرحلة التحليل اللغوي الحديث "Linguistic Turn"  لفهم العلاقات الدولية المركبة فهما أكثر تعمقا كما أوضحنا فيما سبق.
ب - على صعيد الإسهام النظري:
1-  أسهمت  الدراسة في الاقتراب العلمي من مفهوم "القوة" وقدمت محاولة لفهمه بصورة أعمق من خلال منظور تكاملي مع تقديم تفنيدا لأنماط البحث والنظريات التقليدية التي استمت بالتحيز المنهجي الأحادي وضرورة الانتباه إلى فكر "نظرية الفوضى" ونظرية "السيد الأعلى" في العلاقات الدولية –من باب الاجتهاد في التعامل مع هذا الفكر الذي سيجعل البشرية تحفر قبرها إذا استمر سيل نظريات الصدام والاستخدام المفرط للقوة الذي تزداد ملامحه اتضاحا...
2-  نحتت هذه الدراسة أرضية مشتركة بين علم اللغويات والعلوم السياسية والعلاقات الدولية وذلك بتدشين ما أسماه الباحث بمجال "لغويات التفاوض والتواصل عبر الثقافات" بما يساهم في فهم أعمق لظاهرة التفاوض وإدارة الأزمات وكذلك للفهم المنهجي لحالات عديدة من سوء التفاهم التي لا تزال عالية التكرار دون وجود متدربين من الدبلوماسيين في هذا المجال الحديث لتحديدها وتجنبها ولقد آن الأوان لكن ننظر إليها من خلال "مكون معايير فهم أوجه الخلافات بين الثقافات (Cross-Cultural Communication Benchmarks) التي تضمنها النموذج المقدم ، والذي قام الباحث على مدى السنوات التالية للأطروحة بتطويره من خلال الاشتباك الايجابي مع ملفات عديدة  في أبحاث أخرى عديدة...
3-  قدم النموذج المقدم في تلك الأطروحة تفنيدا لنماذج من أهم الأدبيات الكلاسيكية في العلوم السياسية والعلاقات الدولية كأعمال Snyder, Deising و Radford .. من حيث تصنيف هذه الأدبيات لمفهوم التحركات التفاوضية Bargaining Moves والتي تعتبر "اللغة مجرد أداه" فقط وأوضح استحالة مواكبة أو موائمة هذه التصنيفات مع ما يحدث في التعقيدات المركبة للتفاعلات الدولية وتفاعلات المفاوضين وقدم الباحث من خلال النموذج المقدم في الأطروحة تصنيف أكثر تعقيدا وتفصيلا في محاولة للحاق بـ وموائمة أقرب لتعقيدات التفاعل التفاوضي..
فيما يتعلق بالاسهام في علم اللغويات خاصة:
§ أظهر هذا البحث أهمية الانتقال لمرحلة التنظير على مستوى الخطاب في المجال السياسي والدبلوماسي وقدم نموذجا لتحليل الخطاب منتقداً لأساليب تحليل المحتوى التقليدية وتحليل الخطاب/المطارحات وهو ما أوضحه الباحث تحت باب الفرق بين هذين المصطلحين (في هذه الدراسة) بين تعبيري Content Analysis و Discourse Analysis.
§ قدم الباحث للمعنيين بعلوم اللغويات نموذجا تحليلا للمواقف التفاوضية يربط بين "أفعال القول" Speech Acts. على مستوى المرسل والمستقبل والرسالة  وبين مفهوم التحركات في التفاوض Moves ومفهوم تحليل الموضوع
Topic Analysis.
§ أوضح هذا البحث كيف أن عملية "اختيار الفاعل السياسي" لأنواع اللغة على أشكالها لا تكون اختيارات لغوية عفوية بل قد تكون اختيارات للتعبير عن إستراتيجيات رئيسية من استراتيجيات الحوار أو الخطاب الذي يتبناها هذا المفاوض أو ذاك ولقد قدمت الأطروحة أمثلة تفصيلية في هذا الصدد خاصة من الحوارات المركبة (Reconstructed Speeches) بين السادات وهنري كيسنجر على وجه الخصوص وذات الدلالة الخاصة.
ج- مجالات استخدام النموذج:
ذكرنا في نهاية الأطروحة (عام 1989) ما يلي:
1-  من الممكن تطبيق هذا النموذج لتحليل ديناميكيات "القدرة" في سياق التفاعلات في مجالات المطارحات القانونية والتجارية والاجتماعية. والافتراضية المبدئية التي تحتاج إلى اختبار في هذا السياق هي أن ما تم استعراضه في إطار التفاعل السياسي يمثل حالة توضيحية لنوعية المفاوضات الأخرى ، وان هناك وعلى المستوى العميق للتفاعلات (Deep Structures) تماثل كبير في استراتيجيات التفاوض بين هذه السياقات المختلفة.
2-  استخدام النموذج المقترح للفصل بين رؤية وإدراك بعض المفاوضين أو المحللين لصراع ما وحقيقة ما حدث بالفعل ، وكان هذا ما قدمنا منه صورة في دراسة تالية نشرت في عام 1994 بعنوان "مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي" ونشرته عالم المعرفة (الكتاب 190 لعام 1994 ، بالكويت)...
3-  استخلصنا من نموذج لغويات التفاوض لتحليل مطارحات القدرة فى المفاوضات السياسية نماذج نظرية أخرى Theoretical Models خرجت من رحم النموذج الذي قدمناه في الأطروحة وهذه النماذج كلها من شأنها ترسيخ وتعميق مجال لغويات التفاوض والتواصل عبر الثقافات من خلال تحليل ملفات تفاعلية ذات طبيعة خاصة (تحتاج إلى المرونة والتطوير النظري المستمر) وهذا ما قدمناه فى العديد من الأبحاث الأخرى التى تلت هذه الأطروحة
وفيما يلي الهيكل العام الذي نطبقه لإحداث التراكم العلمي والمنهجي تحت المسمى العلمي التكاملي الذي أسميناه بمجال "لغويات التفاوض والحوار عبر الثقافات":

الشكل #5 هيكل مرن لإستيعاب تطورات نموذج/مجال لغويات التفاوض والتواصل عبر الثقافات


 























وضعنا النموذج في الشكل #5 السابق موضع التنفيذ والتفعيل من خلال العديد من الدراسات والأبحاث الأخرى التي قدمناها على مدى السنوات السابقة .. . والهدف الأساسي من وراء النموذج وما تمخض عنه من نماذج تالية هو التأكيد على أن ثقافة التفاوض الايجابي المبنية على استيعاب المفاهيم التقنية والمنهجية في واقعنا الثقافي والمرتبطة بالقواعد المقصدية والأخلاقية والإنسانية وتعميق ذلك هو السبيل لحل المنازعات وإدارة الاختلافات بطرق فعالة وهو السبيل لبناء قوة تواصلية وهى القوة بمعناها الواسع...والله ولى التوفيق وهو وحده المستعان.
تمت هذه الدراسة بحمد الله



















قائمة المراجع

* Al-Gabry, Muhammed Abed. Contemporary Arab Political Speech: An Analytical and Critical Study (In Arabic). Dar Al-Taliah: Beirut, Lebanon October, 1985.
* Al-Gabry, Muhammed Abed. The Formation of the Arab Mind. (Part I & II). Center for the Studies of Arab Unity : Beirut, 1984 and 1986.
* Aron, Raymond. Peace and War : A theory of International of Relations, Doubleday : Garden City, NY, 1966.
* Azar, Edward. "The Conflict & Peace Data Bank (OPDAB) Project", Journal of Conflict Resolution, Vol. 24 No. 1, March, pp. 143-52, 1980.
* Bell, David, "International Negotiations and Political Linguistics", Unpublished Paper York University, Political Science : Ontario, Canada, 1988.
* Berelson, B., Content Analysis in Communication Research, Free press 1952.
* Berelson Bernard & Gary A. Steiner, Human Behaviour : An Inventory of Scientific Findings (New York : Harcourt, Brace and World, 1964.
* Bernstein, B. "Language and Social Class. In Brit. J. Social. H, 27L6, 1960.
* Chomsky, Noam. Aspects of a Theory of Syntax, MIT Press: Cambridge, Mass, 1965.
* Chomsky, Noam., Language and the Mind, Harcourt, Brace & World, Inc., 1968.
* Dahl, R. A. "The Concept of Power" in Political Power : A Reader in Theory and Research (R. Bell, D.V. Edwards & R.H. Wanger, Eds)., The Free Press Orig. New York, 1969.
* Deutch, Karl W. Nationalism and Social Communication : An Inquiry into Foundations of Nationality, 2nd Ed., MIT: Cambridge MA., 1966.
* Deutsch, Karl W., The Analysis of International Relations, Prentice-Hall, Inc : New Jersay, 1978.
* Fleron, Fredric, Communist Studies & The Social Sciences, Rand MCN. Nally & Company, M Chicago, 1969.
* Dittmar, Norber. A Critical Survey of Sociolinguistics Theory and Application Translated from German by Peter, S. and Pieter, et al., Nortin's Press : New York, 1976.
* Foucault Michael, "Politics and the study of Discourse", Ideology and Consciousness, pp. 7-26, 1978.
* Gumpers, John "Sociocultural Knowledge in Conversational Inference", From Muriel Saville-Troike, ed., Georgetown University Round Table on Languages and Linguistics, Georgetown University Press : Washington, D.C., 1977.
* Gumpers, John, "Verbal Stragtegies in Multilingual Communications. 1970", (In Alatis 1970 : Report of the 20th Annual Table Meeting on Linguistics and Languages Studies Monograph Series on Languages and Linguistics 22. Washington, D.C.
* Hassan M. Wageih H. "A Linguistics Analysis of Mechanisms Underlying Power in International Political Negotiations". A Dissertation, Georgetown University Washington, D.C. 1989.
* Holsti, K.J. International Politics : A Framework for Analysis, (1st Edition, 1966) Prentice Hall : New Jersey, 1988 edition.
* Jesperson, Otto, Language : Its Nature, Development and Origin. London : Allen & Unwin, 1922.
* Labov William and Fanshel, David. Therapeutic Discourse, New York: Academic Press. 1977.
* Lado, Robert. Linguistics Across Cultures  :Applied Linguistics for Language Teachers. Ann Arbor: University of Michigan Press, 1957.
* Lado, Robert, "How to test cross Cultural Understanding" in Robert Lado, Language Testing, London : Longmons, Green, 1961, New York McGraw-Hill, 1964, pp. 275-89.
* Lakoff, Robin, "Persuasive Discourse and Ordinary Conversation with Examples from Advertising" in, D. Tannen's Analyzing Discourse Text and Talk, Georgetown University Round Table on Languages and Linguistics, Georgetown University Press : Washington, D.C. 1981.
* Lyons, John Language & Linguistics, Cambridge University Press, 1981.
* Mehan, Hugh. "Social Constructivism in Paychology & Sociology" Soclologie et societies Ino. 2, 77-96-1982.
* Onuf, Nicholas. "After International  Relations : The Constitution of Discipilines and their Worlds", A Paper Presented at American Political Science Association, Chicago, Illinois, Sept., 1987.
* Rorty, Richard. The Linguistic Turn : Recent Essays on Philosophical Method, University of Chicago Press : Chicago, 1967.
* Shuy, roger W. "Conversational Power in FBI Convert Tape Recordings", In Power Through Discourse, Leah Kedar, ed., 1987.
* Shuy, roger W. Topic as the Unit of Analysis in a Criminal Law Case, in Analyzing Discourse : Text and Talk, ed. D. Tannen, Georgetown University Press : Washington, D.C., 1981.
* Tannen, Deborah. "The Pragmatics of Cross-Cultural Communication, "Applied Linguistics, Vol. 5, No. 3, 1984.
* Tannen, Deborah, That's Not What I Mean : William Morrow & Co., Inc.: New York, 1986.
* Tomic Olea & Shuy, Roger, The Relation of Theoretical & Applied Linguistics Plenum Press. New York, 1987.
* Walker, Anne G. "Linguistic Manipulation, Power, and the legal setting", Jorum, Georgetown Graduate Review, Vol. 1, No. 1, Spring, 1984 (Also in Kedar's ed., 1987)
* Weinstein, Brain. The Civic Tongue: Political Consequences of Language Choices, Longman : London, 1983.
* Yassin, El Sayed. "In Search of a New Identify of the Social Sciences in the Arab World: Discourse, Paradigm, and Strategy" in The Next Arab Decade: Alternative Futures, ed. By H. Sharbi (English Version), Westview Press : Colorado, 1988 (Arabic Version issued in 1986).
ملاحق الدراسة
الملحق #1: بعض المقالات والمقابلات المشار اليها


· كلية اللغات والترجمة – جامعة الأزهر.
[1] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة.
[2] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[3] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[4] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[5] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[6] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[7] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[8] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[9] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[10] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[11] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[12] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[13] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[14] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[15] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[16] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[17] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[18] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[19] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[20] راجع قائمة المراجع في نهاية الدراسة
[21] تضمنت الأطروحة (1989) مدللة على طبيعة مجال اللغويات القضائية وأضيف هنا هذا المرجع المهم والحديث (نسبيا) وهو من أهم المراجع المتداولة في هذا المجال:
Shuy, W. Roger, Language Crimes: The User and Abuse of Language Evidence in the Courtroom. Blackwell 1993.
* راجع كذلك بملاحق الدراسة مقال لكاتب السطور بعنوان "جرائم اللغة وإدارة كارثة الطائرة المصرية"  بتاريخ 24/11/1999 بجريدة الأهرام , كتبه فور إسقاط الطائرة المصرية المدنية قرب السواحل الأمريكية والذي يشير من خلاله لطبيعة مفهوم "جرائم اللغة" وعملية التحليل اللغوي في سياق تلك الأحداث.
[22] سنوضح بعض من هذه المناقشات عند عرضنا لتطورات علم اللغويات من خلال أساليب البحث الأمبريقي فيما يلي من هذه الدراسة ولكن نؤكد ان هناك تفاصيل كثيرة يمكن الحصول عليها بخصوص ما أثارته ابحاث ونظريات تشومسكي داخل علوم اللغويات ويمكن الاشارة لطبيعة هذه المناقشات كذلك من خلال حوار لكاتب السطور مع نوم تشومسكي والذي نشرته أخبار الأدب في .. مرفق نسخة منه في ملاحق الدراسة الملحق رقم (1).
[23] تناولت هذا الأمر بالتفصيل في سياقات عديدة بحثية واعلامية ومنها على سبيل المثال لا الحصر البحث التالي: مستقبل الصراع العربي الاسرائيلي ، المجلة العربية للدراسات الدولية خريف 1989.
مرفق في ملاحق الدراسة الملحق #2 بعض من المقالات المتعلقة لهذا الأمر.
[24] راجع لمزيد من التفاصيل:
"Morgenthau, Hans, Politics amony nations: the struggle for power & peace, 5th ed., sefred A. k'nort: New York, 1973 (iam; 1948).
[25] راجع مقالا يوضح حالة الانتقاء المنهجي والاخلاقي الحاد لنظريات القوة طبقا للمحافظين الجدد (الملحق #2)
[26] راجع مقالين عن التسلط في المناهج الدراسية وأصوله في (الملحق #2)
[27] جاء ذلك في الحوار مع تشومسكي الذي أجراه الباحث والمشار اليه سابقا – خاصة بعد اختلاف في وجهات نظر بعينها. (مشار إليها في الحوار المنشور)
[28] الصورة منشورة في كتاب مهم لكارل براون وهو يعكس تلك المركزية الغربية الاستعلائية التي لا ترى في جانب الإدارة المصرية الناجحة لأزمة السويس 56 أي دور سوى الحظ والهزال.. راجع مقالا تحليليا عن هذا الموضوع الملحق #2,  ...وراجع فى هذا الصدد أيضا مقالا متميزا للسفير عبد الروؤف الريدى فى الأهرام  بعنوان "المعركة الدبلوماسية بحرب السويس " 23/12/2006 يوضح  فيها كيف كان الأداء الدبلوماسى المصرى فى أزمة 1965 متميزا.
[29] راجع لمزيد من التفاصيل مقالا للكاتب بتاريخ 2/11/2006 فى جريدة الأهرام بعنوان "رؤية غربية لنتائج الحرب اللبنانية  الاسرائيلية!"
[30] لكاتب السطور دراسة باللغة الإنجليزية بعنوان: Evaluating Egyptian MIBA Students Perceptions of the Existing Gaps in Cross0Cultural Communication Benchmarks. The International Conference on Integrating EFL Skills "Learning& Standards: The Challenges of Change." A.U.C., Cairo, 22nd-24th of Jan. 2006.

[31] نقوم في هذه الدراسة بما يمسى في أدبيات البحث العلمي "بإعادة تناول بحث سابق" (Revisiting) من اجل إحداث التراكم والإضافة .. وكان هذا البحث والذي قدمه كاتب هذه السطور بعنوان "البحث الأمبريقي فجوات في علم العلاقات الدولية وتوجهات علم اللغويات "البحث الأمبريقي في الدراسات السياسية ، مركز البحوث والدراسات السياسية كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، مركز البحوث ، تحرير د. ودود بدران 1991"
[32] -

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق