الخميس، 10 يناير، 2013

النظرة الاجتماعية في القرآن الكريم

بسم الله الرحمن الرحيم النظرة الاجتماعية في القرآن الكريم تأليف: بروفيسور/زكريا بشير امام،1998م، الخرطوم الطابعون: مؤسسة التربية للطباعة والنشر متى يصبح المجتمع إسلاميا: قلنا إن المجتمع الإسلامي يخرج إلى الوجود نتيجة للتخطيط الذي يجعل منه تجسيداً لمعاني ومقاصد وتعاليم الإسلام فإذا انصبغ المجتمع بتلك المعاني والمقاصد، صار مجتمعاً إسلامياً. ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) فما هى الخصائص والصفات التي ينبغي للمجتمع أن يكتسبها حتى يصبح أن نطلق عليه اسم الإسلام؟ لاشك أن تلك الخصائص إنما هى خصائص الإسلام وخصائص الهدى القرآني والهدى المحمدى ومهما نصبغ أي مجتمع بتلك الخصائص حق علينا أن نطلق عليه اسم الإسلام ولا يكتسب المجتمع خصائص الإسلام إلا بالإعداد والتطبيع والتخطيط وبذل الجهد المستمر. (1) على مستوى الفرد حتى يكسب الشخصية الإسلامية. (2) وعلى مستوى الجماعات والكيانات الاجتماعية والقطاعات الطلابية والشبابية والمرأة والمهنيين حتى تصبح تلك الجماعات منطبعة بأخلاق الإسلام ومنفعلة بفكره وأدبه ورسالته. (3) وعلى مستوى الدولة حتى تكون كلمة الله هى العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. (4) على مستوى الإنسانية جمعاء، حتى تكون علاقات الدول قائمة على العدل والسلام وتبادل المصالح وحرية الإنسان وكفالة حقوقه الأساسية. خصائص المجتمع الإسلامي: لا يكون المجتمع إسلامياً إلا إذا انطبع الهدى القرآني وانطبع بصبغة الإسلام كأمة ولنذكر هنا بعض خصائص الهدى القرآني – على سبيل الحصر- حتى نكون معايير نحكم بها على المجتمعات هل هى إسلامية أم لا؟ الربانية: من خصائص الهدى القرآني أنه من عند الله وليس من وضع البشر. قال تعالى: (( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً..)) قال تعالى: (( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك..)) (( يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه .. )) (( هل أتي على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً)) من أجل ذلك لابد من جعل التخطيط الاجتماعي الأساس المهم لكل تخطيط المجال السياسي والاقتصادي. التخطيط الاجتماعي إلى التخطيط الاقتصادي: كيف يصبح المجتمع إسلامياً: قلنا إن المجتمع الإسلامي يخرج إلى الوجود نتيجة للتخطيط الذي يجعل منه سيداً لمعاني ومقاصد وتعاليم الإسلام فإذا انصبغ المجتمع بتلك المعاني والمقاصد صار مجتمعاً إسلامياً. ( صبغة الله ومن احسن من الله صبغة) فما هى الخصائص والصفات التي ينبغي المجتمع أن يكتسبها حتى يصح أن نطلق عليه اسم الإسلام؟ لا شك إن تلك الخصائص إنما هى خصائص الإسلام وخصائص الهدى القرآني والهدى المحمدى مهما نصبغ أي مجتمع بتلك الخصائص حق علينا أن نطلق عليه اسم الإسلام ولا تسب المجتمع خصائص الاسلام إلا بالإعداد والتطبيع والتخطيط وبذل الجهد المستمر. (5) على مستوى الفرد حتى يكسب الشخصية الإسلامية. (6) وعلى مستوى الجماعات والكيانات الاجتماعية والقطاعات الطلابية والشبابية والمرأة والمهنيين حتى تصبح تلك الجماعات منطبعة بأخلاق الإسلام ومنفعلة بفكره وأدبه ورسالته. (7) وعلى مستوى الدولة حتى تكون كلمة الله هى العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. (8) على مستوى الإنسانية جمعاء، حتى تكون علاقات الدول قائمة على العدل والسلام وتبادل المصالح وحرية الإنسان وكفالة حقوقه الأساسية. خصائص المجتمع الإسلامي: لا يكون المجتمع إسلامياً إلا إذا انطبع الهدى القرآني وانطبع بصبغة الإسلام كأمة ولنذكر هنا بعض خصائص الهدى القرآني – على سبيل الحصر- حتى نكون معايير نحكم بها على المجتمعات هل هى إسلامية أم لا؟ الربانية: من خصائص الهدى القرآني أنه من عند الله وليس من وضع البشر. قال تعالى: (( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً..)) فلا يكون المجتمع إسلامياً إذا لم يستلهم القرآن في كل نظمه ومؤسساته وأعرافه وتقاليده، وعلامة استلهام المجتمع للقرآن أن يكون مجتمعاً منسجماً متسقاً لا يعرف النزاعات أو الصراعات أو التناقضات الفردية أو الطبقية. بل يكون مجتمعاً متماسكاً متحد القبلة والأهداف، لا يعرف الانقسام أو الضعف بل يكون كالبنيان المرصوص قوة وتماسكاً ووحدة. العرفان والتنوير: وبما أن الإسلام جاء هادياً شاملاً لكل شئ، فلا مجال للجهل أو التخبط في مجتمع الإسلام. فهو مجتمع الهداية والتنوير والعرفان فالعلاقات كلها مقننة في شريعة الإسلام على مستوى الفرد أو الجماعة أو الدولة ولم يترك شئ للصدفة أو العشوائية فلا عذر لأحد في اتباع الهدى أو الغرض أو الجهالة والضلال. قال تعالى: (( ويوم نبعث في كل أمه شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)). (النحل:89). فالإسلام يمتاز بأنه شريعة كاملة وهدى شامل مفصل وهو يهدى إلى الحق وإلى صراط مستقيم، فلا عذر لأحد إذا تجاهل الهدى ولم يأخذ العلم ولم يسع للإلمام بالقانون فيما يليه ويتصل به من أحوال وأوضاع. قال تعالى: (( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)). وقال تعالى:(( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه فى الكتاب أولئك يلعنهم اللاعنون)). وقال (ص) ( تعلموا العلم من المهد إلى اللحد). التوازن والوسيطة: ولا يكون المجتمع إسلامياً إلا إذا كانت الوسيطة والتوازن صفة بارزة فيه فلا إفراط ولا تفريط في حقوق الفرد أو الجماعة أو الدولة، ولا تعرف أمة الإسلام الشطط أو التطرف في جانب من جوانب الحياة على حساب جانب آخر. بل تزن كل أمورها بميزان العقل والشريعة فلا مصالح متضاربة ولا طبقات متحاربة. بل يعيش الناس كلهم بهدى القرآن أخوة في الله ربهم واحد وقبلتهم واحدة وخلقهم واحد وفكرهم واحد وآمالهم وأهدافهم واحدة فكل شئ يتحد في نسق واحد. فالدنيا والآخرة والفرد والمجتمع والمادة والروح والحرية والمسؤولية والحكام والمحكومين والفقراء والأغنياء والخاصة والعامة. كل ذلك يتحد في نسق واحد وكيان واحد متجه إلى الله. الواقعية والعملية: القرآن جاء ليهدي سبل السلام ويصلح لهم دنياهم التى فيها معاشهم وآخرتهم التى اليها معادهم: (( فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)) (آل عمران:185). المجتمع الإسلامي مجتمع جاد،مجتمع عامل، يسعى نحو غاياته بالجهد والكد والكدح. قال تعالى: (( يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه)) ( الإنشقاق:6) فلا إيمان لمن لا عمل له ولا فائدة من علم لا يقود إلى عمل صالح. فخلافة الله في الأرض لا تحقق من دون عمل صالح ولا تكون كلمة الله هى العليا، بلا جهاد وكفاح وكد وسعى. العقل والعلم: ومجتمع الإسلام هو مجتمع العلم والإيمان ومجتمع العقل والمنطق والبرهان: فلا يقوم على الظن أو الجهالة أو التحريض أو الأسطورة. ولا يعتمد المجتمع الإسلامي على التمنيات الباطلة. ولكنه مؤسس على الإحساس والعمل المتقن. قال تعالى(( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربي وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون))(النحل:90). ولكى يقوم المجتمع الإسلامي بواجب خلافة الله في الأرض ولكي يقوم بوظيفة الشهادة على الناس وأن يكون المجتمع الأحسن والأول والأخير، فلا بد له من الأخذ بأسباب القوة والتمكين ولا يكون التمكين بغير الأخذ بالأسباب. قال تعالى: (( وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً..)) (البقرة:42). وقال تعالى: (( كنتم خير أمة أخرجت للناس)) وقال تعالى: (( وقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)). قال تعالى: (( ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً إنا مكنا له في الأرض وأتيناه من كل شئ سببا فأتبع سببا)) (الكهف:83،84). ولا يكون تمكين في الأرض إلا بالعلم والأخذ بأسباب الكون العلمية والعملية وأسباب القوة في الصناعة والزراعة والتقنية. التجدد والنمو: فالمجتمع الإسلامي مجتمع متجدد نامٍ في كل أبعاد الحياة: نام في القوى البشرية وفي القوة الإنتاجية والاجتماعية والاقتصادية مما يحقق له النمو والازدهار الاقتصادي والإنساني، لأنه مجتمع يقوم على العدل والعمل والإيمان والبطش من أجل تفجير طاقات الإنسان في كل مجال خير وايجابي والدين ثابت في أصوله ولكنه متجدد في فروعه وفي تطبيقاته العملية. وبما أن رسالة سيدنا محمد (ص) الرسالة الخاتمة، فان الله يبعث على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها وأوضاعها جميعاً الرسالية: ومجتمع الإسلام مجتمع ذو رسالة خالدة تسعى إلى نشر الخير والهدى على البشر كافة. قال تعالى: (( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً)) (سبأ:28). الإنسانية والمثل العليا: ومجتمع الإسلام هو مجتمع الرحمة والتكافل والمواساة. تحكمه القيم العليا وتوجهه الاخلاق وقيم الخير والرحمة. من هنا لا يمكن أن يسمح لقوى السوق والاعتبارات الربحية المالية أن توجه الحياة فيه ولا يسمح لقيم الاحتكار والجشع والأنانية أن تسود فيه. من هنا جاءت نداءات القرآن الكثيرة تدعو إلى الرحمة باليتيم والحض على إطعام المسكين. قال تعالى: (( كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين)) (الفجر:17،18). وقال تعالى: (( أرأيت الذي يكذب بالدين ، فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين)). إن هذه هى بعض خصائص المجتمع الإسلامي. وهو بكل تأكيد مجتمع فريد متميز ولا يمكن أن يوصف بأنه مجتمع إشتراكي أو رأسمالي. فهو من بعد ذلك مجتمع موجه تحكمه مبادئ إسلامية ودينية سامية بما يحقق الخير والحق والعدل. ولا يمكن أن يوصف بأنه مجتمع حر بمعنى أن يكون له الخيرة من أمره فأوضاعه الاجتماعية موجهة ومخططة وكذلك أوضاعه الاقتصادية . الفصل السادس أسس الاجتماع الإسلامي قلنا إن القرآن الكيرم حرك النفوس والقلوب من أعماقها بالترغيب والترهيب وبإثارة العقل والوجدان وتحريك الرغبات والأبدان حتى استجابت تلك النفوس إلى داعية الخير والحق. وكانت تلك الاستجابة كاملة جياشة. ولذلك أثمرت حياة ونماء ودولة راشدة. ثم حضارة كونية زاهية فاضت بالخير والبركة والحب والرحمة على جنات الكون من أقصاه إلى أقصاه. من أسس الاجتماع الإسلامي: ونريد اليوم أن ننظر كيف أسس هؤلاء الأفراد من المسلمين الأوائل الذين استجابوا لله وللرسول – أول مجتمع في الأرض قام على هدى القرآن وعبر عن قيمه ومعانيه السامية الراقية. ولا شك أن البحث عن إجابة لهذا السؤال يقودنا إلى مجتمع الرسول (ص) في المدينة فننظر كيف أسس الرسول (ص) ذلك المجتمع وكيف غير حياة العرب المسلمين من الجاهلية إلى الإسلام ومن البداوة إلى الحضارة ومن الضعف والهوان إلى القوة والعزة ومن الفقر والجوع إلى الغنى والوفرة. تأسيس المسجد: كان المسجد أول مؤسسة دينية واجتماعية أسسها الرسول (ص) عندما هبط إلى المدينة مهاجراً وشارك بنفسه الكريمة في نفر هائل من المؤمنين في عمارة ذلك المسجد الأول من مساجد الإسلام. ولا شك أن هذا يعكس أولويات صحيحة لمجتمع يقوم على تعاليم مقدسة من وحي السماء، فلا بناء ولا عمل بلا هداية وبلا تعليم، وكان المسجد هو المؤسسة التى يقوم بالتربية والتعليم. ومن هنا أخذت التربية والتعليم مكانتها الصحيحة في مجتمع يقوم على العلم ويؤسس على الإيمان مجتمع يقوم على القراءة والكتابة من أول وهلة ( أقرأ بأسم ربك الذي خلق) ( أقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم). القراءة والقلم والقراءة والكتابة والاستيعاب لما جاء به الوحى من السماء ونشر ذلك الوحى هى أولوية قصوى لكل دولة تقوم على هداية القرآن وهى الأولوية المطلقة لكل مجتمع يؤسس على دعوة الإسلام فالتعاليم القرآنية هى الأساس الأول لأي مجتمع إسلامي والمسجد هو المكان والبيئة الصالحة لغرس تلك التعاليم في النفوس والوجدان ونشر الوعي وبث النور القادم من أعالي السموات من نور الأنوار والذي هو نور السموات والأرض نور محض ونور مطلق. نور على نور وهذا النور عندما يقع على الأرض فهو يقع في المساجد وفي قلوب المؤمنين الذين يتواجدزن في تلك المساجد فتستقبله قلوبهم ونفوسهم فتصلي بذلك وتنغمس فيه بالكلية فتعيش تلك المعاني القرآنية السامية في النفوس والأذهان وتسيطر في سويداء القلوب. قال تعالى: (( لله نور والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم)). (( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب )) فنور الله يسطع أول ما في المساجد تلك البيوت الكريمة التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. المساجد محطات تلفازية نورانية: سبه الإمام الغزالي ( أبو حامد المتوفي 505هـ) المساجد بالمحطات النورانية ( وفي تقريب لهذا المعنى يقول شبهها بمحطات تلفازية نورانية) فأهل السماء الملأ الأعلى عندما ينظران إلى الأرض يشاهدون أول ما يشاهدون هذه المحطات النورانية التي هي بالنسبة لهم وكأنها أجهزة التلفاز بالنسبة لنا يشاهدون من يتواجد بتلك المحطات ويظهرون على إشعاع النور الإلهي الذي يتوجه أو شئ إلى المساجد عندما يهبط إلى الأرض. فيستغفرون الله لهم ويسترحمونه ويستنصرونه للذين يعمرون تلك المساجد فيصيبهم النور الإلهي دعوات الملائكة المقربين ذكر ذلك الإمام الغزالى في تلك الآيات من سورتي النور أعلاه. وجعل الإمام الغزالي. ألا وهو كتابة الموسوم ( مشكاة الأنوار)) فالمسجد أولاً والمسجد خيراً ويمثل المسجد في الحياة المؤمنين وفي اجتماعهم منزلة فريدة: (أ‌) فهو المحراب الذي يعبدون الله في رحابه ويذكرونه ويسبحونه بالغدو والآصال ويدعون الله فيه ويتضرعون إليه في السراء يشكرون نعمة الله وفي الضراء يطلبون عون الله وإغاثته وفي الكروب والحروب يدعونه يبتغون الوسيلة إليه أن يدافع عنهم وأن ينصرهم على عدوهم المتربص بهم. (ب‌) والمسجد ثانياً هو المعهد وهو الجامعة التى يتعلمون فيها التعاليم القرآنية السماوية فتلين قلوبهم وجلودهم بذكر الله وتطمئن تلك النفوس وتهدأ تلك القلوب وتسيطر سواء السبيل وتستبين الصراط المستقيم الذي يؤدى إلى الخير والرحمة والبشر. قال تعالى: (( فأما من أعطى وأتقي وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى)). (ج) والمسجد ثالثاً: هو البيئة الصالحة التي تتربي فيها النفوس وتتهذب فيها الحواس والخلاف وتتآلف فيها النفوس ويتآخى الأفراد والجماعات وتقوى فيها أواصر القربي والتعارف والتراحم. (د) والمسجد رابعاً: هو الملتقي الفكري والروحي والثقافي والاجتماعي. (هـ) والمسجد خامساً: هو المجلس الإسلامي للشورى وتبادل الآراء والخبرات. (و) والمسجد سادساً: هو المقر الرئيسي للسلطة الإسلامية حيث استقبال الوفود والسفراء ولا مانع من توزيع هذه السلطات في الدولة الإسلامية الحديثة ولكن يظل المسجد هو ذلك المكان المركزي الذي يمثل القلب في الاجتماع الإسلامي. مجتمع المواخاة والتكامل والمواساة: أسس الرسول (ص) المجتمع الإسلامي الأول عن الحب والمواخاة الكاملة لكل المنسوبين والمقيمين في ذلك المجتمع من غير المسلمين. فقد كان المجتمع الإسلامي الأول تعددياً أعراق متعددة وأجناس وثقافات واديان ( يهود+ نصارى+ صهاينة+ مشركين من عبدة الأوثان). وكانت المودة والتراحم هي القاعدة الأولى في ذلك: قال تعالى:(( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من ديارهم أن تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين)) ( الممتحنة:8). وقال تعالى: معلقاً عن الحب والمودة التى كانت بين الأنصار واليهود في المدينة في بداية الأمر: (( ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله)). وفي أول يوم هبط فيه الرسول (ص) إلى المدينة كانت خطبته الأولى عميقة بليغة: ( يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصِلوا الأرحام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام) ولحكمة بالغة ظل الرسول (ص) يردد هذه الخطبة مرات ومرات في أيامه الأولى في المدينة وهو يؤسس المجتمع الإسلامي لأول مرة في التاريخ. (أ‌) إفشاء السلام رمز للوئام والمحبة والسلام الاجتماعي بين الناس. (ب‌) إطعام الطعام له سر عظيم في إشاعة الود والتكافل والمواساة بين الناس والاشتراك في الطعام يرمز إلى اشتراك المؤمنين والمواطنين في الخير والثروة في الاجتماع الإسلامي وتحريم الاحتكار في شتى صوره احتكار الطعام أو احتكار المال أو احتكار السلطة واحتكار العلم بل لابد من اشتراك المؤمنين في كل ذلك. حتى لا تكون تلك المقدرات والقيم دولة بين فئة قليلة من الناس. (ج) وصلة الأرحام بالنفس والمال ترمز إلى أهمية التكافل والتضامن والمواساة في مجتمع الإسلام وكذلك اشتراك الناس في الخير وإشاعته على أوسع نطاق. (د) والصلاة في جوف الليل يرمز إلى مركز الجذب في الاجتماع الإسلامي ألا وهو حب الله ومخافته وتقواه. (( يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار)). الأمن والدفاع في دولة الإسلام: كان الرسول (ص) يدرك من أول يوم أن مؤسسات الجاهلية سوف تتحرش بالدولة الوليدة، فلا بد من إعداد العدة للدفاع عنها ولتأمينها! وتحسباً للهجمات الحتمية التى تشنها القوى المعادية للإسلام، وللكيان الإسلامي الوليد، لا لسبب سوى أنه النقيض لقوى الشر والعدوان ولمصالح قوى البغي والاستكبار ولا يمكن لتلك القوى أن تسكت عن ارتفاع رايات الحق والعدالة لأن ذلك يسبب استفزازاً صارخاً لها!! فلابد إذن من إعداد العدة لمعارك آتية. ولقد نوه القرآن بتلك الحتميات.. حتميات الصراع بين الإسلام والكيانات بين الإسلام والكيانات التي مثل قوى البغي والاستكبار.. فكانت دعوة القرآن للمؤمنين لليقظة القصوى والحذر عدم الركون إلى الدعة والخمول والغفلة. قال تعالى :(( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون)) (الأنفال:60). هذه الآية الكريمة دستور كامل في حد ذاتها فلا سبيل إلى السلامة ولا طريق الى الإسلام من غير قوة وجاءت الإشارة إلى القوة مهملة من دون تعريف لتدل على أن القوة المطلوبة هى القوة الشاملة في كل مجال من مجالات الحياة تلك المجالات التى لا تتكون القوة العسكرية بمعزل عنها. فلا قوة للدفاع من دون الصناعات العسكرية ولا قوة للدفاع من دون القوة العملية والمنهجية ولا قوة لكل ذلك من دون قوة الإيمان والفداء والتضحية بكل شئ بالرخيص والغالي بالنفس والنفيس ولا يأتى كل ذلك من دون المال والقدرة والرغبة في بذل المال في سبيل الله وفي سبيل إعلاء كلمة الله، ولذلك جاء ذيل الآية الكريمة أعلاه يدعو إلى بذل المال في سبيل الدفاع عن دولة الإيمان والعقيدة والعدالة. والإشارة واضحة جداً إن الدفاع يكلف مالاً كثيراً. ولكنه مال يبذل في مكانه وفي موضعه وأن الله تعهده بتعويض كل إنفاق في سبيل الدفاع عن دولة الإسلام والذود عن كيان الدين أن الدفاع في الإسلام يأخذ أولوية عظمى ولذلك فإن الصرف على الدفاع في سبيل الله تأمين دولة الإسلام يأخذ أولوية كبرى ذلك أنه إذا اخترقت الدولة الإسلامية عسكرياً وأمنياً، فإن ذلك يهدد كل شئ. يهدد سلامة الدين نفسه ويهدد سلامة الكيان الذي أسس على تقوى الله من أول يوم وفي سبيل الخير والحق والعدل – كما يهدد النفس والمال والعرض ومن العقل أن ننفق شئياً من أموالنا في سبيل الحفاظ على المال وعلى المقدرات العليا كالنفس والعرض والوطن ولذلك لم يكن من قبيل الصدفة إن اهتم الإسلام بأوضاع المجاهدين والمرابطين في الثغور والغزاة في سبيل الله. ولقد شرع الدين كثيراً من القوانين في سبيل تحفيز الجند جند الله والوطن بالترغيب والترهيب بالوعد والوعيد وبالمال والغنائم والفئ والأنفال حتى ينشط الناس للدفاع عن ديرة الإسلام فحض الإسلام على جزالة العطاء للغزاة في سبيل الله لأنه من دون هؤلاء يسود الباطل وتضيع الحقوق كلها ويسود سفله الناس وجهالهم: قال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا إن فكرة الغنائم لم تفقد معانيها السامية في تحفيز الناس للنهوض إلى مناجزة الباطل. ومن السهل إعطاؤها مضموناً معاصراً ولكن للأسف الشديد يرى المرء كثيراً من التهاون في اتخاذ معان حديثة ومعاصرة لتك المفاهيم الإسلامية وتكون النتيجة وبالاً على المجتمع الإسلامي فكم من شهدائنا في القوات المسلحة الباسلة ومن ضروبوا أروع وأسمى معاني الشجاعة والتضحية والفداء لا يجدون في كثير من الأحيان سوى الإهمال والضياع فيذهبون شهداء ولمن اسماءهم لا تجد من يسجل لها ذكراً في الخالدين ولا قصصهم تروى للأجيال ولا أسرهم تجد ما تستحق من رعاية بعد ذهابهم وكان أكثر الأسماء التى ضربت أروع أنواع معاني الشجاعة والتضحية والفداء لم تجد شيئاً من الأوسمة أو الترقيات المناسبة. وكل ذلك ينعكس سلباً على الروح المعنوية لجنودنا وهم يقاتلون في الأحراش عدوا ماكراً مدعوما من كل قوى الشر والعدوان. لقد كان الرسول (ص) شديد الاهتمام بالمقاتلين وكان يزور أهليهم وذويهم ويقفدهم شخصياً ويسهر على إكرامهم وتكريمهم ولقد كان الاهتمام بالدفاع كبير جداً في القرآن الكريم وما قصة الثلاث الذين تخلفوا عن الرسول (ص) في معركة واحدة هى معركة تبوك إلا دليل حاسم على الأهمية القصوى التي يوليها القرآن لمسألة الدفاع عن المجتمع الإسلامي وضرورة مناجذة أهل البغي والعدوان بالقوة لأن القوة هي اللغة الوحيدة التي يعرفونها ولأن القوة هى الرادع الحقيقي لأهل البغي والاستكبار الذين لا تنفع معهم لغة العقل أو المنطق!. قال تعالى: (( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين)) (التوبة:14). وكان من اهتمام القرآن الكريم بمسألة الدفاع عن الكيان الإسلامي، إن بين أنه من علامات الصدق في الإيمان ومن سمات الولاء لله ولرسوله ولجماعة المؤمنين الأخذ بأسباب القوة في كل من مجالات الحياة. وأن الذي لا يعد ألواناً من أسباب القوة لا يكون صالحاً في إعلان النوايا بالخروج للجهاد في سبيل الله. قال تعالى: (( ولو ارادو الخروج لا عدو له عدة ولكن كره الله إنبعاثهم فثبطهم وقبل اقعدوا مع القاعدين))(التوبة:46). إن الدفاع عن مقدرات الوطن الإسلامي فرض كفاية على المسلمين في الظروف العادية. ولكنه فرض عين في ظروف النفير والأزمات وإذا تعرض الوطن الإسلامي للغزو من قوى الباطل يصبح الجهاد فرض عين وعلى كل مسلم قادر على حمل السلاح. وكذلك الحال إذا استنفر الحاكم المسلم جماهير المسلمين لابد من الخروج في سبيل الله، والاستجابة لأمر الله. قال تعالى:(( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم وأعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون)) (الأنفال:24). أن تحمل تبعات الدفاع عن الوطن الإسلامي هى من واجبات أفراد الشعب المسلم كله وأن المجتمع كله يتولى مهمة الدفاع واتخاذ كافة التدابير المالية والإدارية والتعبوية التي تؤدى تلك المهمة. ولذلك انفق سيدنا عثمان رضى الله عنه كل ماله في سبيل الله وكذلك فعل سيدنا أبوبكر وبذل سيدنا عمر قصارى جهده وكذلك عبدالرحمن بن عوف وكذلك بقية الصحابة ولقد كان أولئك النفر الكريم يدركون انهم في الواقع يصرفون أموالهم وأمنهم وأعراضهم وكافة مقدراتهم. تصور واسع للدفاع والأمن: ولا شك أن تصور المسلمين الأوائل للدفاع والأمن كان واسعاً وكان يشمل جوانب من جميع الأحلاف وتحييد الأعداء وبذر الشقاق والاختلاف بينهم وتأليف قلوبهم بالمال وبالكلمة الطيبة وبالعدل والإنصاف والابتعاد كل الابتعاد عن الاستفزاز والتعالي والاستعلاء وكذلك كان المسلمون يجمعون المعلومات والأخبار عن العدو. وينتهزون كل فرصة لتدميره إذا رفض الصلح والتسامح والتفاوض ومن ذلك اتباع أسلوب (الهجوم خير وسيلة للدفاع) وتوجيه الضريبة الأولى للعدو والتحرك في سرية والسير ليلاً والكمون نهاراً وبث العيون واكتساب المتعاونين وأساليب كثيرة جداُ منها العمل الدعائى والحرب النفسية ومنها تدريب المقاتل المسلم تدريباً رفيعاً. ورفع كفاءته القتالية إلى أبعد درجة. ومن وسائل الأمن التحرك الخارجي والإلامي وإصلاح الجبهة الداخلية، والبعد عن ما يفرق وحدة المسلمين. لأن العدو إنما يتربص الثغرات فإذا وجد تعارضاً للصف المسلم فإنه يستغل ذلك ( انظر مسألة كعب بن مالك وكيف حاول القيصر أن يستميله وان يجنده في المخابرات الرومية). والدفاع الإسلامى دفاع شعبي، والأمن الإسلامي هو أمن المجتمع أولاً وأمن لله ولرسوله. الدولة الإسلامية ليست ثكنة عسكرية ولا دولة بوليسية: وبالرغم مما قلنا أعلاه من اهتمام الرسول (ص) بمشاكل الأمن والدفاع إلى أقصى درجة وكيف أنه كان دائماً يوجه الضربة الأولى لعدوه ولا يتلقاها أبداً، بالرغم من كل ذلك لم يكن المجتمع الإسلامي ثكنة عسكرية ولا الدولة الإسلامية دولة بوليسية. بل كانت دولة تخضع للقانون ولحكم القانون. انظر كيف تراجع عمر عن اقتحام دار أحد الأنصار في المدينة وعندما احتج الأنصاري على سور عمر للحائط. (( وأتو البيوت من أبوابها)) وكيف تحاكم أمير المؤمنين على بن أبي طالب مع خصمه اليهودي أمام القاضي شريح. الدولة الإسلامية دولة شعبية: وكانت الدولة الإسلامية دولة شعبية من الناس وإلى الناس وتحكم من أجل مصلحة الناس فلا تعالى ولا حجاب كبير وكان البدوى يقف على مجلس الرسول (ص) فيقول: ( أيكم محمد !!) لأن الرسول (ص) لم يكن يتميز عن أصحابه في مجلس أو في زى أو في إشارة ولم يكن هنالك فاصل يذكر بين المسلمين حكاماً ومحكومين. ولم تكن علاقة الرسول (ص) بالمسلمين علاقة السيد والمسود بل كانت علاقة الود والإخاء والرحمة وكان الرسول (ص) ينادى أصحابه بيا أخواني ويا أصحابي ولم يكن أبداً يناديهم بيا أتباعي بل كان يناديهم بأحب الأسماء إليهم، ويخلع عليهم الألقاب والأوسمة ما يؤلف قلوبهم ويعيد الثقة فيهم ويعزز جوانب الخير والقوة والإيجابية في نفوسهم. (( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر)) (( واخفض جناجك لمن اتبعك من المؤمنين)) (الشهراء:215). فلم تكن دولة الإسلام دولة استبدادية أو كسروية أو قيصرية لذلك لم تكن دولة الإسلام دولة ديناستية ( حكم الأسرة الواحدة) ولم تكن دولة الخلافة الراشدة أموية ولا عباسية ولكنها دولة الشعب المؤمن ودولة جماعة المؤمنين. الولاء في الدولة الإسلامية لله ورسوله وللوطن: الولاء لله ولرسوله وللوطن: قلنا إن الدولة الإسلامية دولة شعبية تنبثق من الجماعة المسلمة باختيارها ورضاها وتمثلها أصدق تمثيل وتعمل من أجل تلك الجامعة وبمشاركة كاملة منها، إرضاء لله ولرسوله وإعلاء لقيم الجماعة والوطن. ولقد انعكس كل ذلك في دستور مكتوب وربما هو الأول من نوعه شمولاً ووضوحاً ودقة في تحديد المعاني الدستورية عرف ذلك الدستور ( بصحيفة المدينة) وجاء فيه من المعاني ما جعل دولة الإسلام الأولى في المدينة نموذجاً للدولة الدستورية التي تنتظم فيها كافة العلاقات والاختصاصات بموجب القانون الواضح الجلي: - فالسلطة العليا في يد الرسول (ص) بوصفه نبياً وحاكماً في التشريع الذي هو من الوحي. - وفي الحكم والتنفيذ. - وفي القضاء. - وفي قيادة الجيش. - وفي التعليم والإرشاد. - وفي قيادة العمل السياسي والتعبوي ورسم العلاقات الدولية. - والجماعة تشارك في كل ذلك بالشورى والمناصحة والمظاهرة والموازرة فكان الصديق وزيراً أولاً وعمر وزيراً ثانياً رضى الله عنهما وكان هنالك عدد من الوزراء والفعاليات التنفيذية والسياسية والتعليمية – والولاء والسمع والطاعة لله ولرسوله ولجماعة المؤمنين ومن عاهدهم من غير المسلمين – خاصة اليهود فالكل ينتمون إلى الوطن الإسلامي طالما أبقوا على عهدهم لله وللرسول ولم ينقصوهم شيئاً فالاختلاف في العقيدة لا يمنع الموالاة في الوطن بحسب منطوق الدستور (صحيفة المدينة). فالدولة الإسلامية دولة متعددة الأعراق والثقافات والأديان من أول يوم ودع ألف زهرة تتفتح لم تكن الدولة الإسلامية آحادية الانتماء والولاء ولكنه التعدد الثقافي والجهوى والمحلى فكان للأوس حكومة محلية وكذلك للخزرج، وكذلك اليهود وكذلك يهود بني قينقاع ويهود بنى النضير ويهود بني قريظة وكان دستور المدينة دستوراً محلياً فدرالياً ( لو صح التعبير). أما الذين لم يهاجروا، فلا يتمتعون بمزايا المواطنة في الدولة الإسلامية، برغم إسلامهم فالولاء للوطن ركيزة أساسية في الولاء للدولة الإسلامية. قال تعالى:(( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير))(الأنفال:72). آية عظيمة، هذه الآية التي يمكن أن تصلح دستوراً لمعرفة من سماهم ابن خلدون( أهل الشوكة) أي الطبقة الحاكمة في الدولة الإسلامية تحدد هذه الآية صفة هؤلاء ( أهل الدولة والشوكة في الإسلام) هم من ينطبق فيهم الشروط التالية: (أ‌) أهل السابقة في الإسلام من المؤمنين. (ب‌) أهل الهجرة في الإسلام. (ت‌) أهل الجهاد في الإسلام بأموالهم وأنفسهم. (ث‌) الأنصار الذين آووا ونصروا من أول يوم وجاهدوا في الله حق جهاده. (( أولئك بعضهم أولياء بعض)) أما المؤمنون الذين تخلفوا عن الهجرة في مكة فبرغم صدق أيمانهم إلا أنهم لبسوا من أهل الشوكة في الدولة الإسلامية ولا يعتد بهم ولا يلتفت إليهم إلا إذا تعرضوا للفتنة والاعتداء وكانت الدولة الإسلامية قادرة على الانتصار لهم والدفاع عنهم بشرط ألا يكون المعتدى عليهم من الذين بينهم وبين المسلمين ميثاق أو حلف سياسي في هذه الحالة الأخيرة ليسر على الدولة الإسلامية التزام في الدفاع عن المسلمين الذين لم يهاجروا. ولذلك كان يتخذ تلك المعايير دستورااً في تفعيل الصف الإسلامي وفي اتخاذ التدابير الإدارية والمراسمية يقدم فيه من يقدم في الدولة ويؤخر من تؤخر. - فالرجل وسابقته في الإسلام - والرجل وجهاده في الإسلام .. أي شهود المعارك والغزوات. - والرجل وكسبه في مناصرة المشروع الإسلامي ( الذين آووا ونصروا)) وكان يقول:( والله لا أساوى من قاتل رسول الله ( من الطلقاء) بمن قاتل معه من أول يوم) من النمو الاجتماعي والنمو الاقتصادي: العلاقة بين التنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية: (التعليم والتربية أولاً) لا شك إن تنمية الإنسان هي أساس كل تنمية أما الإنسان مثلاً هو الذي يصنع المال في الأساس وليس العكس. من هنا كانت النظرية الاجتماعية – في القرآن الكريم – تتوجه إلى تنمية وتزكية الإنسان لأنه العنصر الأساسي في كل تنمية وفي كل نفير. قال تعالى:(( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) (الرعد:11). وقال تعالى:(( ذلك بأن الله لم يك مغيراً أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) ( الأنفال :53). من هنا كانت البداية في كل نهضة وفي كل حضارة تبدأ من التعليم والتربية تغير قناعات الناس ونفوسهم نحو الأحسن والأفضل نحو العمل والبذل والعطاء والبروالإحسان. قال تعالى: (( فأما ما أعطى واتقي وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى)) وما من حضارة قامت في التاريخ إلا أسست على تعاليم الأنبياء والمصلحين والفلاسفة. ولقد ظل الرسول الكريم (ص) على مدى ثلاثة عشر عاماً عاكفاً على تعليم وتربية أصحابه في مكة في أكاديمية الأرقم بن أبي الأرقم – حتى رسخت التعاليم الإسلامية والقيم الأخلاقية الفاضلة في نفوسهم وحتى تمكن من تزكية تلك النفوس فأخلصت الولاء وأحسنت العمل. وكانت أمثلة فريدة للتجرد والتضحية والفداء وهذه هى الجماعة التى قام على أكتافها المشروع الإسلامي الأول، إذن فالنمو البشري والنمو في القوى البشرية للمجتمع والنمو الاجتماعي والاقتصادي إنما هو نتيجة للنمو النفسى والعقلي والوجداني. قال تعالى:(( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض)) (الأعراف:96) وقال تعالى: (( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب)) (الطلاق:2،3). خاتمة: فى القول المأثور الذى نسب إلى سيدنا على بن أبي طالب كرم الله وجهه (( ولو كان الفقر رجلاً لقتلته)) ولا يقتل الفقر إلا بالعمل المشروع الجاد لدرء الفقر ومن الكوارث التى تحل بالإنسان والفقر لا يصلح للمؤمن أبداً ولذلك جاء التكلب العزيز يدعو المسلم للعمل من أجل الكسب المشروع. وعد ذلك عباده جليلة من العبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى الله طالما كانت النوايا إسلامية التوجه. وطالما أريد بالمال إعلاء قيم الدين والعزة والكرامة للمؤمن. ولذلك قال (ص) ( نعم المال الصالح في يد الرجل الصالح). الفصل السابع التخطيط الاجتماعي في الإسلام القرآن ومفهوم التخطيط الإجتماعي: المجتمع الإسلامي مجتمع تحكمه مبادئ هادية في الفكر والعقيدة وفي الوجدان والشعور، كما توجهه مبادئ حاكمة في مجال السلوك والأخلاق. من هنا فإن فكرة التخطيط الإجتماعي أو ما يسمى بالهندسة الاجتماعية فكرة لها أصل قرآني واضح وجلي فالله سبحانه وتعالى لم يترك الناس هملاً بلا هداية والرسول الكريم (ص) لم ينتقل إلى الرفقي الأعلى إلا بعد أن بين للناس ما أنزل إليهم من الهدى ودين الحق. في كل مجالات الفكر والشعور وكل نواحي السلوك والعمل، وأتم الله نعمته على رسوله الكريم (ص) والمؤمنين وأكمل الدين. قال تعالى:(( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا)) (المائدة:3) وقال (ص) (( تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يضل عنها إلا هالك)). قيام حضارة إسلامية عالمية ونظام عالمي يقوم على العدل والإنصاف وعلى السلام الاجتماعي والاعتراف بثقافات الآخرين وبتميزهم الثقافي والديني والعرقي. وسائل التخطيط الإجتماعي: ينبغي استغلال كافة أجهزة التعليم والتربية والاعلام والتوجيه في سبيل إنفاذ خطط واستراتيجية التخطيط الاجتماعي . ذلك لأن التخطيط الاجتماعي هو أساس كل تغيير. قال تعالى:(( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (الرعد:11) الجامعات ودورها في التغيير الاجتماعي: لابد للجامعات أن تلعب دوراً كبيراً في إنجاز خطط وبرامج التخطيط الاجتماعي الإسلامي ولابد للجامعات ذات التوجه الإسلامي المتخصص أن تلعب دوراً كبيراً ومؤثراً في هذا الصدد. ولكى تتمكن كل الجامعات من إحداث التغيير الاجتماعي المنشود لابد من تطوير وتعديل مناهجها حتى تحقق الغاية المطلوبة. ولابد لها من الخروج من النمطية التقليدية الموروثة من العهود الفائتة. ولابد لها من الأخذ بالمناهج الحديثة ودراسة القرآن والفكر الإسلامي في إطار مقارن ومع اصطحاب واعٍ ومتجدد للعلوم الحديثة وللفكر الغربي أخذاً للجديد وتغييراً للباطل وأعداداً للدعاة لمواجهة الحضارة الغربية في تفاعل إيجابي يأخذ الحق لا يهمه من إي إناء خرج. وكذلك لابد للإعلام من الدخول في معركة التعبير الاجتماعي إذا اراد المسلمون أن يصبح لهم دولة عظمى في خمسين سنة وكل ذلك يتطلب فهماً متسقاً بين كافة أجهزة الدولة. ولابد أن يقوم المشروفون على تنفيذ الإستراتيجية القومية الشاملة للدولة من تحقيق الاستخدام الأمثل لموارد الدولة ومؤسساتها في سبيل إحداث النهضة المنشودة فالإنسان هو أساس كل تغيير وكل تقدم ومن أجل ذلك كان الخطاب القرآني متوجهاً إلى الإنسان في المقام الأول. الإعلام ودوره في التغيير الاجتماعي: أصبح الإعلام اليوم يؤدى دوراً خطيراً في تشكيل الرأي العام، كما أصبح وسيلة خطيرة جداً من وسائل التغيير الاجتماعي بل أصبح أداة وسلاحاً ماضياً فتاكاً في الصراع بين الحضارات والثقافات التى تتنافس على تشكيل الفضاء الثقافي والعلمي. والغرب اليوم يمتلك الأداة الإعلامية الفتاكة ويسعي من خلالها إلى جعل العولمة أمراً واقعاً. العولمة التى لا تعترف إلا بمركزية القيم الحضارية الغربية والتى تنطوى اليوم على آحادية ثقافية لا تعرف سوى الهيمنة وسحق حقوق الآخرين في الذاتية الحضارية وفي التنوع الثقافي والاجتماعي!!! إن الإعلام هو الذي يشكل المجال السياسي خصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يلعب الإعلام بوسائله المختلفة دوراً رئيسياً في تحديد معركة الرئاسة الأمريكية وفي تحديد من الذي يفوز بمنصب رئيس الولايات الأمريكية المتحدة. كما أن الإعلام هو الذى يحدد من الذى ينتخب إلى عضوية الكونغرس الأمريكي. إن الإعلام في السودان لا يلعب سوى دور محدد وهامشى في تحقيق مهام وأهداف التغير الاجتماعي، لأن الناس تعودت ومنذ الاستقلال أن المهمة الأساسية للإعلام بوسائله المختلفة- هى مهمة التسلية والترفيه وتزجية أوقات الفراغ ونشر ألوان من الموسيقي والغناء أما المواطن وتعليمه وتبصريه بالواجبات الوطنية وتعبيته ليعلب دوره الضرورى في تحقيق المصالح الوطنية العليا وعن الدفاع عن مقدرات الوطن وتحقيق التنمية الاجتماعية الشاملة والنهوض بدوره كخليفة لله في الأرض تسعى إلى إعمارها واستقلال جيرانها لمصلحة الناس فهذا ما لا يهتم به الإعلام اليوم في السودان وفي البلاد الأفريقية قاطبة الإعلام في الغرب يلعب دوراً مختلفاً جداً ويوظف بكل ذكاء لتحقيق أهداف معينة يراد للمواطن أن يساهم فيها ويخدمها أو ينخرط فيها خصوصاً في ظروف الحرب والأزمات وأن المعروف أن مجموعات الضغط في الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة اللوبى الصهيوني تستخدم الإعلام اسخداماً ذكياً جداً لتحقيق أهداف الصهاينة الإعلامية الرامية إلى الهيمنة على العالم وعلى منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص. إن الإعلام إلى جانب التسلية والترفيه ينبغي أن يلعب دوراً أساسياً في التنمية الثقافية والعلمية والحضارية، كما ينبغى له أن يلعب دوراً متعاظماً في تحقيق التنمية الاجتماعية الشاملة والمقصود بالتنمية الاجتماعية الشاملة هى تحقيق النمو والكفاية في كل مجالات الحياة النافعة، حتى تفى بحاجات الإنسان الضرورية والكمالية، المادية والفكرية والروحية بدءاً بالتربية والتعليم ومروراً بتحقيق مجتمع التكافل والتراحم وتحقيق الكفاية والتنمية الاقتصادية ووصولاً إلى نظام سياسي تكون فيه الكلمة العليا لله رب العالمين وتمكن فيه قيم العدل والمساواة والحرية والإخاء والسلام! النت وكبيديا الأمة في اللغة تعني الجيل والجنس من كل حي١. وردت كلمة الأمة في القرآن والسنة للدلالة على جميع المسلمين في كل مكان أو زمان٢. قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا البقرة:١٤٣. ولفظ الأمة قد يطلق ويراد به الجماعة، وقد يراد به الدين والملة كقوله تعالى: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ الزخرف:٢٢ . وقد يطلق ويراد به الذي يُقتدى به في الخير٣، قال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّة النحل:١٢٠. وقد يطلق لفظ الأمة ويراد به جميع المسلمين في وقت معين٤، كما في قوله : "ستكون هنات، وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان"٥. الوحدة الثالثة النظام الإجتماعى 1_ إلماعة عاجلة 2_ مكونات النظام الإجتماعى أ_ المعايير الإجتماعية ب_ القيم الإجتماعية ج_ القوانين د_ التعليم الدينية 3_ آليات النظام الإجتماعي أ _ 1/ التنشئة الأسرية أ_ 2/ الجماعة الضاغطة أ_ 3/ المناسبات والأماكن المقدسة أ_ 4/ الحسد والعين أ_ 5/ الأمثال والقوال المآثورة ب_ آليات الضبط الرسمية ب_1/ التنظيمات العقابية ب_2/ الإلزام القسري ب_3/ الأجهزة التصويرية والتسجيلية ج_ آليات ضبطية مشتركة ج_1/ السخرية ج_2/ إطلاق الشائعات ج_3/ الفضيحة النظام الإجتماعي 1_ إلماعة عاجلة يمكن تحديد النظام الإجتماعى : على أنه مجموعة معايير وقيم وقواعد وقوانين إجتماعية مستخرجة من ثقافة وتجارب المجتمع ، تعمل على تماثل الأفراد لها وربطهم بكيانات الهيكل افجتماعى بوساطة آليات الضبطية . ( تنشئة أسرية ، وطقوس شعائرية ، وعقوبات ، ومكافئات ، وجماعة الضغط والرأى العام ). يشير هذا التحديد الى عدم وجود مجتمع إنسانى خال من النظام الإجتماعى أو هيكل إجتماعى فاقد النظام لإنه ( أى النظام ) يعكس أنسة المجتمع وتمدنه وحيويته النابضة ، التى تتزايد مع تطور الحياة الإجتماعية ، إذ أنه يتغير مع تغيير المجتمع ، ويتشعب مع تشعب مناح الحياه ، وتشطر فئات المجتمع وتخمر فكره . بتعبير أخر ، إنه مرآة التطور الإجتماعى والفكرى ، فإذا كان المجتمع بدائيآ فان نظامه الاجتماعى يكون بدائياً ، وإذا كان متحضراً فإن نظامه يكون متحضراً ، وإ1ا كان متحضراً تكنولوجياً فان نظامه يخدم الكيان التقنى . هذا من جانب ومن جانب أخر ، فان النظام الإجتماعى يهف الحفاظ على الكيانات السياسية والإقتصادية الاسرية والدينية والثقافية من خلال مؤسسة الفرد _ الآدمى فى أسرته ومدرسته وجماعته وتنظيمه وموسسته ( كيانات هيكلية ) . أخلص الى القول ، بأن وظيقة النظام الاجتماعى هى ما يلى :_ _ مؤسسة الفرد وصقل رغائبه ودوافعه لجعلها مؤنسه ، لكى تربطه بمجتمعه من خلال مكونات كياناته ( جماعات وتنظيمات ومؤسسات ) . _ الحفاظ على ترابط الكيانات بعضها ببعض وبالكيان فى ذات الوقت . _ حماية الفرد والمجتمع من الإنحرافات والجنوح والشذوذ عن المعايير والقواعد الإجتماعية السائدة . بعد هذه الالماعه العاجله أذهب الأن لتوضيح موضوعيين أساسيين فى النظام اجتماعى ما يلى :_ 1_ مكونات النظام المتمثلة فى : أ_ المعايير الاجتماعية ب_ التعاليم الدينية 2_ آليات النظام الضبطية المتمثلة فى : أ_ التنشئة الأسرية ب_ الجماعة الضاغطة ج_ التنظيمات العقابية ( المقيدة والحجزية ) د_ المناسبات والاماكن المقدسة ه_ الحسد او العين و_ السخرية ز_ الفضيحة ر_ إطلاق الشائعات ك_ الإلزام القسرى ولكى تبقى الكيانات ( الانساق ) الاجتماعية محافظه على قوامها وترابط مفاصلها يتوجب عليها ان تمتلك آليات ضبطية تمثل منظمات لمكونات الكيانات ( جماعات وتنظيمات ومؤسسات ) تساعدها على ممارسة وظائفها ، وإستمرار وجودها داخل الهيكل ( البناء) الاجتماعى . وبالوقت ذاته تقوم بتوجيه عناصر المجتمع (الآدميين_الإفراد _الاشخاص) نحو التماثل مع احد مكونات النظام . وهذا هو جوهر وظيفة آليات ضبطه . بيد انه إذا حصل ضعف أو تلكؤ فى هذه الوظيفة فإن ذلك يعنى وهنأ فى الآليات الضبطية فيما يخص توجيه الافراد نحو تماثلهم مع مكونات النظام . اى عدم تمكنها من القيام بوظيفتها على الوجه المطلوب فلا يبقى لها أثرحيوي داخل النظام . وقد يتأتى بطء او تلكؤ عناصرالمجتمع فى تماثلهم مع معاير النظام من تخلف الأخيرة (معايير النظام فى خدمة عناصر المجتمع أو عدم قدرتها على مساعدتهم ، لايتساوقون مع أنظمتهم ، أو أنها لاتمثل مستواهم الثقافى ، بل الأدنى منه ، فلا تشبع طموحاتهم ، فتقيدها وتحجمها . وهذا بدوره يدفعهم لهجرها والابتعاد عنها ، فيغدوا منحرفون عنها ، ومتخالفين معها ، فتحصل خلخله ضبطية بين عناصر المجتمع ومكونات النظام ( معايير وقيم وقانون ) اي يحصل عدم امتثال الآدميين لمعايير نظامهم . وإزاء هذا الاعتلال الضبطى فإن الآليات الضبطية تبيت غير قادرة على توجيه كونه آليات معوقه أو معرقلة للتطورات الثقافية التى يطمح إليها ابناء المجتمع ،الأمر الذى يؤدى الى عدم التزامهم بتوقعات أدوارهم المحددة لهم سلفاً من قبل مكونات النظام ، فيحصل صراع بين عناصر المجتمع ومكونات النظام ، فيقود ذلك الى تبدل فى اتجاه استخدام الآليات الضبطية من الجزاءات السلبية الى الايجابية بعد ان يتغير رموز النظام فيبدأ عناصر المجتمع بوضوح توقعات دورية جديدة تخدم طموحاتهم وأهدافهم المتنامية ، لكى يبنوا أسساً لنظام جديد تتساوق مع متطلبات الحياة العصرية المتطورة ، وبذا تصبح أليات النظام الضبطية منظمات مختلفة أوجامده يسخر منها الجيل الجديد ، فتدخل الى المتحف الإجتماعى لتوضع على رفوفه أو خزاناته كأحجار اجتماعية تمثل خبرة اجتماعية سيئة سادة ثم بادت . نستنتج مما تقدم أن آليات النظام الضبطية تتطلب امتلاك تعليمات وأوامر وقواعد متفتحه ولينة لكى تخدم عناصر المجتمع وتحقيق أهدافهم وآمالهم ، وتنظيم حياتهم الاجتماعية ، ولا تخدم رموز النظام وسطوتهم وهيبتهم ، لان النظام لايحيا الا لوجود الإفراد ، ولا برموزه وإن دواهم بقاء النظام فى كيانات الهيكل الاجتماعى يعود بالأساس لخدمة إنسانية الإنسان لا لخدمة أنانية شاغلي الموقع الهرمية العليا ، لذا علينا ألا نمنح الثقة المطلقة لمكونات النظام بل للتطورات الثقافية التى تخدم مستقبل عناصر المجتمع (الآدميين )وتنظيم حياتهم على شكل كيانات هيكلية ، متطورة مع العصر الحديث . أكتفى بهذا القدر من التوضيحات الأساسية والتهيدية وابدأ بشرح مكونات النظام ، أبدأها ب : _ أ / المعايير اللإجتماعية تتباين تصرفات أفراد المجتمعات الأنسانية فى موقف واحد فى حالة إجتماعية . أى إن الفعل الاجتماعى الواحد يتباين قيام الأفراد به من مجتمع الى آخر . الذى يجعل تفسيره وتبريره مختلفين ايضاً ، مما يجعل نظرة الآدميين فى مجتمع معين الى نفس الفعل الإجتماعى الذى يقومون به تختلف عن نظرة أفراد مجتمع آخر .ومن الطبيعى فإن مثل هذه التباينات فى التفسير والتبرير والرؤية للفعل الإجتماعى ترجع الى المعايير الاجتماعية السائدة فى كل مجتمع المختلفة باختلافها فى غرسها ونماها والتزام بها أفراد المجتمع أنفسهم . أسباب مقاييش السلوك للآدميين سواء كانوا الأسوياء أو المنحرفين ،ولأن المعايير الاجتماعية تجعل من سلوك الناس تصرفاً منمطاً يشترك فيه معظم أفراد المجتمع ويتماثلون مع قواعده ومحدداته ويشعرون بتماسكهم وتضامنهم الإحتماعى وبابنتمائهم الى مجتمعهم الخاص أو العام . وبالوقت ذاته لكى يميزوا مجتمعهم عن باقى المجتمعات الأخرى . فمثلاً من آداب طعام حفلات الولائم فى المحتمع العربى هى ان يعتذر الضيف عماَ يقدم له من طعام اكثر من مرة قبل ان يتناوله على ان يكرر ويلح على ضيفه فى أن يتناول ما قدم له من طعام ، الى أن يقبله . مثل هذا الاعتذار يعنى عدم اشتهاء تناول الطعام فى المجتمع الامريكى مثلاً . مفارقة أخرى تخص مجال المحادثة بين الأدميين ففى المجتمع الصينى عندما يعلوا صوت المتكلم فى حديثه مع زميله يعنى انه فى حالة غضب واستياء ، وأنه يعبر عن غضبه باعلاء صوتة على صوت المتحدث معه وأنه فقد السيطرة على نفسه أثناء المحادثة الكلامية ، لكن هذا التصرف لا يعنى نفس المعنى عند الامريكي عندما يتحدث مع زميله بل يعنى انه يؤكد على نقطة مهمة أو موضوع اساسى فى حديثه . مفارقة ثالثة توضح تباين تفسير السلوك الاجتماعى بسبب اختلاف مقاييس المعايير الاجتماعية هوالاختلاف الحاصل بين المتحدثين فى مجتمع امريكا اللاتينية حيث يقفون وجها لوجه وقريبين جداً من بعض يتكلمون بصوت عال ، بينما يكون العكس عند أبناء المجتمع الانكلوسكسون حيث تكون المسافة بين المتحدثين غير قريبة ولا يعلوا صوت أحدهم على الأخر مثل هذه الاختلافات والتباينات فى الفعل الاجتماعى يرجعها دارسوا المجتمع الى مقاييس المعايير الاجتماعية فى كل مجتمع والتى تكونم بالأساس متباينة أيضاً من مجتمع إلى آخر . هذا جانب ، ومن جانب آخر فان علماء الاجتماع استعملوا المعايير الاجتماعية كمقياس لدراسة درجة تماثل الآدمى مع مجتمعه وانتمائه له ، وانجرافه عنه ، لذلك هناك مصطلحات اجتماعية رديفة ، او تقابل المعايير الإجتماعية متكررة فى أدبيات علم الاجتماع : مثل الاتساق ، والمماثله ، والقبول ، والموافقه ، والتقييم ، والتوقعات ، والعقوبات . وبالوقت ذاته يستدل علماء الاجتماع على سبب سلوكى اجتماعى معين اذا توصلوا الى معرفة المعيار الاجتماعى الذى يتحكم بهذا السبب . فمثلاً يمكن الاستدلال على إقبال الآدميين ( ذكوراً واناثاً ) على الزواج عندما يصلون الإدميين لزواجهم . أى أصبح هذا المعيار سبباً لسلوك اجتماعى قائم فى المجتمع . أو يمكن الاستدلال لمعرفة الششهر المفضل للزواج فى المجتمع او الذى يجلب لهم السعد أو الرفاهية أكثر من غيره من أشهر السنة إذ تكون بعض المقاييس المعيارية للسعادة قدد ورثها المجتمع فى أجياله السالفه للتبرك أو للتفاؤل به لكن هذا المقياس المعيارى لا يكون هكذا مع المجتمعات الإنسانية كافة ففى المجتمع الأمريكى على سبيل المثال يفضل آدميو الزواج فى شهر حزيراتن ليس تبركاً أو تفاؤلاً به بل لأن هذا الشهر يمثل أول شهر من فصل الصيف الذى يأخذ فيه معظم الأمريكان عطلتهم الموسمية أو السنوية ولأنهم يحصلون على عوائد من ضريبة الدخل التى دفعوها للدولة فترجع لهم كمية لابأس من المال على ألا ننسى أن هناك معايير إجتماعية عامة للمجتمع العام وبالوقت ذاته هناك معايير شرائيحية جذئية خاصة بكل شريحة إجتماعية أو بكل جماعة اجتماعية قد تختلف مع المعايير العامة وقد تلتقى معها فالمعايير الزمر الرياضية غير معايير العصابات الإجرامية ، الأخيرة تختلف مع معايير المجتمع العام وهكذا فلا توجد معايير عامة ومطلقة لكل شرائح المجتمع بل هناك الخاصة والجزئية أى هناك معايير جاصة بكل كيان هيكلى . إذ هناك المعايير الإقتصادية التى تختلف عن المعايير السياسية والدينية وهكذا . فضلاً عما تقدم ، فإن معظم المعايير الإجتماعية هى من النوع الوجوبى والإلزامى ممثله إحدى وسائل الضبط الإجتماعية من أجل جعل الآدمى منضبطاف مع الهيئة الإجتماعية ( تسمى فى بعض الأحيان عرفاً احتماعياً لايمكن الخروج منه ) لكن مع ذلك وفهناك معايير إجتماعية لاتمثل الإلزام . والوجوب فى ممارستها كالطرق الشعبية ( أساليب وطرق الاكل والشرب واللبس ) بل النسبية فى الممارسة والتطبيق والتماثل المعيارى ، لأنها بدائل للتماثل معها ، مثل عدم الزام الفتاة على لبس تنورة طويلة أو قصيرة . او متوسطة الطول ، فطول التنورة يشير الى معيار زوقى بينما لبس الفتاة للتنورة يعد ومعياراً إلزامياً وجوبيا ً او دفع ضريبة الدم ( الخدمة العسكرية ) تعد معياراً وطنياً رسمياً إلزامياً لكن الخدمة فى نوع الصنف العسكرى ( مشاة أو مدفعية أو طيران أو بحرية ) يخضع للمعيار الذاتى ( أى هماك بدائل يختار الآدمى إحداها ) أو زوج الآدمى فى المجتمع العربى الذى يفضل الزواج من القارب لكن فى ذات الوقت منح المجتمع العربى بديلاً إلى ذلك بالزواج من الغرباء ولم يلزم أ يجبر العربى على الزواج من الأقارب . نستنتج مما تقدم أن وظائف المعايير الإجتماعية يمكن تلخيصها بما يلى : _ 1_اجتماعية فى المجتمعات الإنسانية كافة تنظم علائق الآدميين الإجتماعية والجنسية حول الزواج والطلاق والخطوبة وتربية الأبناء . وبالوقت ذاته تحدد العقوبات ألإجتماعية على المخالفين لها . 2_ وضع حدود واضحة متميزة بين السلوك السوى والمنحرف لكى تخطط مسيرة الآدمى داخل مجتمعه دون مواجهة مشكلات إجتماعية . 3-مساعدة النظام الاجتماعى فى تحقيق وجوده داخل المجتمع . ضمن خلال تعلم الآدمى رموز النظام وإلتزامه بها ، فإن ذلك يساعده على إحترام النظام والتقيد به والمحافظه عليه وبهذا السياق ينتظم سلوكه . أما كيف تنشأ المعايير الإجتماعيم فانها ترجع الى عملية التفاعل الرمزى بين آدمى الجماعة الإجتماعية الواحدة من أجل تنميط سلوكهم اليومى الخاص بجماعتهم ومجتمعهم . وهذا بدوره يخلق التوقعات لكل سلوك يبلوره تفاعلهم المستمر ويخدم مكانتهم الإجتماعية داخل جماعتهم ، وإن الآدمى الذى لايحقق توقعات جماعته فى مايخص أنماط سلوكها ، فإنه يُعد فى نظر جماعته غير متماثل مع معاييرها ومنحرفا عنها، فتهبط مكانته داخل جماعته وبذا يعتبر التماثل مع معايير الجماعة مقياساً مرجعياً يقاس فيه درجة إنتماء الآدمى الى جماعته ودرجة تماثله مع معاييره . وعند هذا التحديد تحضر امامى ثلاثة نماذج فى آدمى الجماعة :ألأول يكون متماثلاً مع معايير جماعته والثانى غير متمناثلاً معها ( أى منحرفاً عنها ومخالفاً لها ) والثالث مستقل :إنه لا يعترض على مقاييس جماعته لكنه لا يلتزم بها ويتعامل معها حسب رغائبه ( إنه يشبه المخالف لكنه غير معتمد بذلك ) . ونجد من المفيد الاشارة فى هذا المقام الى رأى إميل دور كهايم الذى حددها على أنها مقاييس سلوك وفكر ومشاعر الآدمى مترجمة فلا سلوكه الظاهرى الذى يخضع للملاحظة ، بينما حددها وليم كراهام سمنر على أنها مقاييس تقاليدية وأدبية يخضع الآدمى لها ، بيد أن خضوعه لهما لايكون واحداً . إن تكون الاولى ملزمه . أى إذا خرج عنها فإنه يحصل على عقوبة اجتماعية قاسية لانها تحدد علائقه الإجتماعية الجوهرية فى الزواج والطلاق والتنشئة الاسرية وقد تصل إلى درجة المحرمات ، بينما لاتكون الثانية ملزمه لانها تتعلق باداب الطعام واللباس . فالمعايير إذن تتضمن اللزوميات والوجوبيات والعدميات تقوم بتوجيه سلوك الآدمى فى الملبس والمأكل والتفاعل والتعامل مع الأخرين . هاك مثال على ذلك : فى المجتمع اليابانى يتماثل الفرد بشكل صارم مع معايير مجتمعه خوفاً من النبذ . حياته الخاصه لكى لاينبذ اجتماعياً ، وبالوقت ذاته ولد عنده عدم الإصرار لخصوصية على حقوقه أو المطالبة بالتغيير . وهذا يدل على إحترام المجتمع اليابانى لخصوصية أفراده هذا الالتزام الصارم بالمعايير الاجتماعية اليابانية وبالأنظمة الطقوصية والشعائر والتقاليد وطاعتهم العمياء لقادة المجتمع برزت بشكل جلي فى فترة المرض الطويل للامبراطور الراحل هيرو هيثو ، التى امتدت منذ ان لزم فراش المرض في ايلول 1988م لوم يبرحه حتى وفاته فى السابع من كانون الثاني 1989م ثم إلى يوم دفنه في احتفال أسطورى مهيب . وخلال تلك الفترة الغى اليابانيون او أجلو الكثير من مناسباتهم السارة كالأعراس وحفلات الزواج والمباراة الرياضية الإجتماعية والمهنية والنقابية احتراماً لأسرة الامبراطورية . وكانت مبالغة واضحة الحزن حيث اختفت هدايا المناسبات والأعياد من اماكنها التقليدية فى المحلات والاسواق المركزية . وفى هذا الخصوص قال الكاتب اليابانى لومو كويا مازاكى " هذا الالتزام النمطى بمعايير المجتمع اليابانى جعلت اليابانيين يخافون من الوقت خارج الحشد حيث لايوجد اليوم الا قليل جداً من الراغبين فى الدفاع عن فكرة غير مألوفة ، اوالسير على إيقاع مخالف ، فخشية اليابانيين من الاستقلالية فى الرأى أو لموقف نابغة اساساً من خشيتهم من نبذ الاخرين لهم " . ونجد من الضرورى أن نطرح فى هذا القسم سؤالاً مفاده : لماذا يتماثل بعض الناس من المعايير ويخالفها بعضهم الآخر تحت نفس الظروف ؟ من أجل الاجابة على هذا السؤال هناك أكثر من متغير دوراً مهماً في تماثل الآدميين ، أو عدم تماثلهم للمعايير ، وهى مايلى :_ 1_ المصالح الذاتية :_ يخضع هذا المتغير لإحتمالات الناس لدرجة اللذة والمكسب ، أو الالم والحرمان من امثالهم لمعيار معين ، أو عدم امتثالهم لمعيار معين ، أو عدم امتثالهم له . اذ ان قبل امتثالهم له نجدهم يبحثون عن درجة انتفاعهم المادى والمعنوى من تماثلهم للمعيار ودرجة خسرانهم او فقدانهم _ مادياً ومعنوياً _ من عدم تماثلهم من ثم يتخذون موقفاً متماثلاً معه ، حيث حيث يضعون فى حساباتهم الحصول على درجة عالية من المنافع والمكاسب المادية والمعنوية من التزامهم به ، وما هى العقوبة والحرمان المادى والمعنوى من التزامهم به ؟ وفى هذا المقام يستطيع المجتمع أن يقلل من عدم النحرفين عن معاييره بوساطو وضع عقوبات احتماعية للمنحرفين عليها او الذين يتماثلون معها وهذا بدوره يقلل من عدم المنحرفين داخل المجتمع . 2_يلتزم بأقيسه المعيار ويتماثل مع وجوبياته فيستجيب وبذا عندها تكون المعايير الاجتماعية هدفها المحافظة على تماسك وتضامن الآدمى مع مجتمعه وادراكه لهذه الميزه فان تحفيزه لها يكون كبيراً واستجابته لها تكون اكيدة . 3_ الكيان ( النسق ) الاجتماعى : اذ يساعد الكيان الاجتماعى التقليدى على إلزام الآدمى بمعاييره بينما لا يساعد الكيان الاجتماعى الحضرى على الزام الآدمى بمعاييره بسبب الاعتبار الاجتماعى العالى الذى يقدمه الكيان التقليدى للأدمى الملتزم بمعاييره ، على العكس الكيان الحضرى _ الصناعى الذى يمنح اعتباراً اجتماعياً عالياً للآدميين الذين يلتزمون بمعاييرهم الاجتماعية ، لذلك نجد معدلات الانحراف فى المدينة اكثر بكثير من الريف . 4_ مضمون المعيار الاجتماعى : كلما كان مضمون المعيار الاجتماعى وجدانياً ومترسخاً فى ضمير المجتمع فإن الآدمى يخضع له بشكل طوعى ، ولا يفكر بالخروج عنه . وكلما كان عاكساً للظواهر الهامشية والثانوية فإن الآدمى لا يعير أهمية للالتزام به فيخرج عنه بسهوله ولا يشعر بالذنب عند خروجه عنه . 5_ تنشئة إجتماعية ناقصة : أى عدم إهتمام الأسرة بتنشئة أبنائها على معايير مجتمعها ، أو أنها تهمل تعاليمهم إياها أو تغذيهم بمعايير إجتماعية متزمتة أى متحلله غير ملتزمه ، الأمر الذى يجعل ضمير الآدمى الإجتماعية بعيداً عن ضوابط وسائل الضبط الإجتماعى السائدة فى المجتمع وبالتالى لا يشعر بالذنب أو الخجل أو القلق عندما يخالف المعايير الاجتماعية . 6_ الصورة الذاتية من ضمير الآدمى : أى صورة الآدمى عن ذاته أو نفسه كما يراها الأخرون الذين يحيطون به ، وما يصفونه أو ينعتونه . والتى تمثل يلوكه فى نظرهم فيتعاملون معه من خلال هذا النعت او الصفه او الوصمه .هذه الصورة يرسمها أصدقاء أو زملاء او خصوم الآدمى ويرجونها فيما بينهم أو داخل المجتمع تعبيراً عن صفاته السلوكية ، التى يحملها . وغالباً ما تكون مخالفة لقواعد واقسية المعايير الاجتماعية السائدة فى مجتمعهم ، فيتفاعلون معه (سلباً او ايجابياً) من خلال هذه الصورة التى رسموها له ، ولونها بألوانهم ،مع تكرار تفاعلهم يبدأ الآدمى بتعامله معهم من خلال تلك الصورة التي لم يرسمها هو بنفسه ، بل المحيطون به ، هذه الحالة نجدها . 7_ تأثيرات الجماعات الاجتماعية : التى تشير الى تماثل الآدمى مع معايير الجماعة الاجتماعية التى ينتمى إليها . فإذا كانت عالية أو مرموقة . زاد تماثله معها والعكس صحيح . تحصل مثل هذه الحالة فى الفرق الرياضية ( فريق كرة القدم والسلة والطائرة وما شابه ) مفضلاً عن تأثير الضغوط الخارجية للجماعة . فإنها تريد من تماثل أعضائها لمعاييرها لكن اذا كانت الجماعة مستقلة فإن تماثل أعضائها مع معاييرها فإنه يكون ضعيفاً ، وكلما زادت منافسة أعضاء الجماعة الواحدة من أجل خدمة اهداف جماعتهم زاد تماثلهم لمعاييرها ، كلما زادت محن ومشكلات الجماعة زاد تماثل أعضائها مع معاييرها . وما دمنا بخصوص التماثل مع المعايير الاجتماعية فإن الطرح يكون منسجماً مع عمل ديفيد ريسمان فى ( الجمهور المنعزل ) الذى كشف فيه عن موضوع التماثل المعيارى عند عند أفراد المجتمع المتحول من المرحلة التقليدية الى الحديثة التى تضعف فيها المعايير التقليدية وتتقوى فيها قوانين وتعليمات المنظمات والمؤسسات الرسمية ، أى تتغير وسائل الضبط الاجتماعى من العرفية الى الرسمية ، إذ يجعل الآدمى فى المجتمع المتحول الى المرحلة الحديثة من المرحلة التقليدية يسلك إحدى السبل الاجتماعية فى تماثله مع المعايير الاجتماعية وهى ما يأتي:_ 1_ السبيل التقليدى : يتصف الآدمى فى المجتمع التقليدى بأنه خاضع فى سلوكه وتفكيره الاجتماعى لما يرسمه له الاباء والاجداد والمعمرون والشيوخ والاعيان فى مجتمعه ، واذ خرج عن ذلك فإنه يحصل على اعتبار اجتماعى واطئ . وقد يصيبه الخزى والعار فى أعين أو نظر ابناء مجتمعه . لان احكام واقسية اعيان مجتمعه تنبع من معايير مجتمعه ، ولأنهم يمثلون رموزاً مرموقة فى مجتمعه . 2_ السبيل الداخلى ( الجوانى ) يتبع الآدمى _ فى هذا المسلك _ ماغرس ونمى فى ضميره الاجتماعى عن طريق أسرته ومدرسته وتعاليمه الدينية من أخلاق وتعاليم تربوية ودينية ، التى تكون بمثابة ادوات لحفظ توازنه النفسى ، ومنظمات لسلوكه اليومى أمام آدميى مجتمعه . لذلك إذا حاول الخروج عن هذه الأدوات والمنظمات السلوكية فإنه سوف يكون قلقاً ويشعر بالذنب وتأنيب الضمير . 3_ السبيل المتجه نحو الاخريين المحيطين بالآدمي : الذى يسود أبناء المنطقة الوسطى فى المجتمع الحديث إذا أن المجتمع فى هذه الطبقة يحاول أن يتماثل مع توقعات الآخرين المحيطين به ، وليس المعمرين ، أو اعيان المجتمع . أو العار او الخزى بل يحصل عنده القلق وعدم الارتياح الذي هو أقل درجة من الشعور بالخزي ؛ لذلك يكون الىدمى فى هذه الطبقة وفى المجتمع تعاونياً مع الاخرين واجابياً وسمحاً مع الناس . ثمة نقطة تستوجب التنويه عنها فى هذا المقام وهى أنه فى الجائز ان تقدم المعايير الاجتماعية للآدميين مقياساً او مفايساً متضاربة تجعل عندهم بعض القلق أو عدم الارتياح النفسى . فمثلاً تعلم الاسرة الامريكية فتياتها بان العلاقات الجنسية بعد الزواج امر مسين ولايقبله المجتمع وبالوقت ذاته تعلمها بأن العلاقات الجنسية مقبولة ضمن العلاقات العاطفية بين الحبيبين . ومن الطبيعى أن ترتبط مثل هذه التعليمات المعيارية داخل السرة الامريكية مكافئات للواتي يلتزمن بها . وعقوبات إجتماعية للواتى يخرجن عنها . وهذا بدوره يخلق تصارعاً إجتماعياً عند الفتيات . وفى مجتمعنا العربى هناك تنازع معيارى أيضاً عند الشابات وهو أن إقامة علاقات عاطفية سواء كانت قبل الزواج أو بعده أمر مرفوض ومشين ويجلب الخزى والعار للفتاة ولأهلها . ولكننا فى نفس الوقت نجد ان معظم الغناء العربى يتغنى بالحب والحبيب والغزل بالفتاة وإنوثتها وجمالها ، الأمر الذى يشجع ويحفز _ بشكل غير مباشر _ الشابه . أو يخضعها بالتاثر بمؤثرات الغناء من خلال سماعها من جهاز المذياع لها ، أو مشاهدتها على شاشة التلفاز او السينما ، علماً بان هذين الجهازين هما الوسياتان اللتان تنفس منهما الفتاة فى تسليتها وقضاء وقت فراغها فى معظم الأحيان . مثل هذه الحالة المعيارية تخلق نوعاً من الحيرة والإرتباك فى سلوك الفتاة العاطفى ، لأن المجتمع يمنع الحب ، وبالوقت ذاته يشجع الفن الغنائى على الحب والغزل فى الحياة وهى ( الفتاة ) تعيش وسطها الذى ينتهى بالتالى الى سيطرة احد المؤثرين عليها وعادة يتحدد بدرجة عمق تنشئها القيمة . اي إذا كانت أسرتها غارسه فى ذاتها الاجتماعية التقليدية ، فان حصانتها ضد التأثيرات االغنائية الخاصة بالحب والغزل تكون قوية والعكس صحيح . 2_ / القيم الإجتماعية : تمثل المعايير سبلاً لتحقيق الأهداف ( القيم ) تظهر أهمية القيم الاجتماعية فى تنظيم آدمى المجتمع من خلال تنسيق سلوكهم اليومى حسب مقتضيات مصلحة المجتمع الآدمييو يستطيعون اختيار شركاء حياتهم الزوجية ، او التصويت فى عملية انتخابات لاختيار مرشحهم السياسى ، وتكون لهم بعض الحرية فى اختيار اعمالهم مغالهم المهنية والحرفية . ففى المجتمع الامريكى _ على سبيل المثال _ لا نتوقع من ان يقوم احد أبويه باختيار شريك حياته ولا نتوقع أيضاً ان يسكن الابناء زواجهم مع أسرهم لأن ثقافتهم الاجتماعية لاتسمح بذلك ولأن أسرهم لا تمثل الممتدة الكبيرة كما هو سائد فى بعض المجتمعات الاخرى ، بل نتوقع أن يقوم باختيار شؤيك حياته ، ويسكن فى بيت مستقل بعيداً عن أسرته الاصلية ، وهذا قيمة اجتماعية خاصة بالآدمى وبالأسرة . كون القيم الاجتماعية مقبولة من قبل الآدمى لأنها مكتسبه من خلال الجماعة ينتمى إليها ويتفاعل معها . لذلك نجده يرضى بها بكمها وبعدالتها ، لذا تكون أحد مفاصل الضبط الاجتماعى التي تحدد وتقنن سلوك الآدمى وبالوقت ذاته القيم بتوحيد سلوك أدمى الجماعة وتعاقب الآدميين الذين يخالفونها ، أو تكون عن تعاليمها . فاذا كانت القيم مستترة فى دخلية الآدمي أو فى ضميره ، فأنه بعد الإرتياح والقلق عند مخالفته لها . وهذه المشاعر تستطيع تنظيم سلوكه يتناسب مع مجريات الحياة الإجتماعية ونواميسها . ومن أجل توضيح قوة القيم فى إظهار التماسك الاجتماعى نورد المثال الاتى : إذ شارك الآدميون قيم خصتهم فإنهم سوف يكونون قريبين بعضهم من بعض فى تفاعلاتهم وعلائقهم ، بالوقت ذاته لديهم مشاعر إيجابية حول انفسهم قد تدوم لفترة زمنية طويلة . الواقع إن التضامن والتماسك الاجتماعى يحدد ويعرف من خلال القيم العامة تشترك فيها اعضاء الجماعة . يمكن النظر الى القيم على انها متغيرات مستقلة ومعتمدة ومتداخلة . مثال على ذلك يمكن رؤية القيم على انها مكتسبه من خلال التفاعل الحاصل بين الادميين أو بين المعلمين أو الاصدقاء ، واستناداً الى الباحث كرستنسن فإن الاسرة هامة جداً كوكالة تمأسسية تقوم به يمومة عمل القيم . وذلك عندما تنقله من جيل لأخر وبالوقت ذاتع تربط الآدمى بمجتمعه عبر الذمن وترققي مستوى تفاعله مع الأخرين . واذا قامت التنشئة الاجتماعية بغرس القيم فإن هناك احتمالاً كبيراً على إستمرار وجودها وهذا يتم من خلال الأسرة والمدرسة والزمر الصداقية . وهنا تبرز ومواقف خاصة ومشاعر محددة . وفى هذا المعنى تساعد القيم الآدميين فى نموذج واحد من السلوك . وأن قيماً مختلفة تقود الى سلوكيات متباينة بسبب القيم الاجتماعية داخل المجتمع . وإننا نتوقع أن الأنماط الاجتماعية مختلفة أيضاً ، وكذا السلوك والموقف مستقل تقود القيم أو تؤدى الى نمط اختيار شريك معين ، الذى بدوره يبلغ بلوغاً معيناً من الأسر ونموذجاً خاصاً من التنشئة الاجتماعية لابنائها ، وتحدد نوعاً معيناً من السلطة الابوية داخل الأسرة . وإذا كان الحب رومانسياً بين أفراد الأسرة أكثر من العلاقة الزوجية فان ذلك يعنى يسمح للآدميين باختيار شركائهم بأنفسهم وليس من طريق الأهل والأقارب ، وذلك يعنى ان القيم التقليدية الخاصة بأختيار شريك الحياة لها درجة عالية من الإعتبار الإجتماعى داخل المجتمع ، واذا كانت السلطة الاسرية من النوع التقليدى أى لها قيمة عالية اكثر من السلطة الديمقراطية فان الأبويين يكون لهما سيطرة كاملة ( تقريباً) على أبنائهم ، وبذا تكون الاسرة منظمة بشكل حاد وممكن بحيث يكون الأب مالكاً للسلطة ، ومن بعده الأم ويصبح الابناء فاقدى النفوذ بعد اسرهم . اذا كانت القيم سبباً فانها تحتم وتحدد شؤيك الحياة للشخص الذى يحبه اذا كانت القيم الاجتماعية كمتغير وسيط فانها تؤثر على السلوك بشكل غير مباشر فقط . أى بعد تأثير المتغير المستقل . ففى بعض الاوقات ينظر الآدميين الى بيئتهم التى تحيط بها لا بمنظارؤ قيمخى ملون ، فيحدد , هذا المنظار _ إدراكهم وتفسيرهم للحالات القائمة فى بيئتهم . مثال على ذلك ، قد يقبل الادمى ابتكاراً تقنياً جديداً على فكرة مبتكرة جديدة اذا فسرها وإدراكها من خلال مصالحه وقيمه فانه يرفض التقنية الجديدة او الفكرة الجديدة وقد تتدخل القيمة فى طرح اوفرز تأثيراً سلبياً على ابنائهم اذا كان النموذج التقليدى للأسرة يتمتع بقيمة عالية ، بينما يكون عمل الم خارج منزلها أثراً ايجابياً اذا كانت اخلاقية العمل تتمتع بقيمة عالية . إذا نظرنا الى القيم كجزء من الهيكل (البناء ) الاجتماعى فان هذه النظرة تمثل متغيراً مستقلاً ، لأنه يسبب سلوكاً معيناً يؤدى الى احداث تغيير فى اجزاء اخرى من الهيكل الاجتماعى . ثمة موضوع يساعدنا على استدلال القيم من السلوك الاجتماعى القيم السلبية الثلالث من حياة وتاريخ الشعوب لذلك يمكن استدلال القيم من سلوك الناس على الرغم من معرفة الباحثين الاجتماعيين بانه لايمكن معرفة ودراسة السلوك الاجتماعى من غير القيم ، لأن هناك مؤثرات تعمل على صياغتها وتشكيلها ، فالأمم تدرك أن السلام والدفاع من الوطن لايحصل إلا من خلال قساوة وضراوة الحرب . وغن أقليات المجتمع تدرك قيمة التعليم عالية جداً أكثر من الاغلبية بسبب فقرهم وبؤسهم الامرالذى يدفعهم الى اكتساب مستويات تعليمية متقدمة أو عالية او دقيقة . وان الاغلبية السكانية يستخدمون القوة لابقاء الاقلية على ماهم عليه من بؤس وشقاء وفقر . مثل هذه الحالات الاجتماعية تشجع الباحثين على إستخدام القيم الإجتماعية لمعرفة سلوك الناس . ومن أجل معرفة القيم الديمقراطية يستطيع الباحث دراسة سلوك الناخبين فى الإنتخابات لمعرفة مدى فاعلية تلك القيم وأثرها على سلوك الناخبين وقد تأتي هذه الاستدلال عن طريق الملاحظة بالمعايشة أو المقابلة او الاستبيان فى حالة معرفة الآدميين القراءة والكتابة أو معرفة او دراسة ثقافة المجتمع او الثقافة الفرعية للجماعات الاجتماعية من اجل الاستدلال سلوكية الناس . من الدراسات الاجتماعية المعروفة فى إستدلال القيم من السلوك الاجتماعى هي دراسة سيمور لبست عام 1968م حول اختلاف قيم مجتمع الولايات المتحدة الامريكية عن قيم المجتمع الكندى من خلال ملاحظاته حول اختلاف سلوكها ، وكانت أولها اختلاف فى قيمة المساواة الاجتماعية أو العدل الاجتماعى والتقاليد ، والتفرد بغض النظر عن التشابه الاقتصادي او السياسي بينها ، اذ انها من المجتمعات المتحضرة بشكل عال وتصنيعها متقدم جداً ويتمتعان باستقرار سياسي بيد ان كندا تضع فى الاحتساب العالى الصفوة المختارة ( سراة المجتمع ) بينما تؤكد الولايات المتحدة بشكل جلى على المساواة الاجتماعية . ويرى لبست ان هذا الاختلاف هو بالدرجة لا بالنوع ، لأن البلدين يؤكدان على المساواة وعلى قادة المجتمع الى درجة عالية ، وان الاختلاف الجوهرى بين قيمتها فقط . لكن الباحث سان فورد يؤكد على التعليم العالى حيث وجد خريجى الكليات والجامعات فى كندا يمثلون صفوة المجتمع الذين يمثلون الفئة العمرية ما بين 20 _ 24 من الشباب ويمثلون 30% ، بينما يمثلون فى الولايات المتحدة 9% عام 1960 م فى حيث تمثل صفوة المجتمع الكندى قبل عام 1960 م من اعضاء الاحزاب والكنائس . فا فلاختلاف هنا يكون بين الشباب والمتقدمين بالسن وبين الطلبة والدارسين . لكن لبست يدعي بان الكنديين تقليديون محافظون اكثر من الامريكان وهذه الصفات تشجع الآدميين على جلب احترام متميز وكبير ويعززه القانونية والسلطه العامة . فاصبحت التقاليد والمحافظة قيمة اجتماعية نذ قيمة عالية . حصل رجل الشرطة على تقويم اجتماعى عالٍ ايضاً ، هذا بدوره عدل من معدل الجرائم فى المجتمع الكندى ، وقلل أيضاً من عدد المحامين والقضاة لنا ما قورن عددهم بعدد أو حجم المجتمع الكندى . أما قيمة الفرادنية فان معيارها عال فى المجتمع الأمريكى اكثر منها فى المجتمع الطندى ، اذ انعكست هذه القيمة بشكل واضح فى تنفيذ المشاريع الاقتصادية والإدارية ، بينما تؤكد كندا على المشاريع التى تجلب الرخاء والهناء والرفاهية الجمعية فى مجتمعها اكثر من امريكا ، مثال على ذلك الرعاية الطبية ، ومساعدة الاسرة الممتدة ، والاشراف على المشاريع الصناعية الكبيرة والعملاقة ، إذ ان امريكا تؤكد على الاكتفاء الذاتى الأمر الذى يدفعها نحو الإستثمارات الفردية لكى لا تدفع تأمينات وضمانات للآدميين بل تتركه لهم . يرى لبست أن هذه الاختلافات القيمية بين كندا وامريكا يرجع الى المساواة مقابل الصفوة والتقاليد مقابل التحرر من التقاليد مقابل التحرر من التقاليد والفردانية مقابل القيم الجمعية وجميع ذلك يرجع الى عوامل تأريخية المتضمنة مايلى : 1_ النزوع الثورى فى الولايات المتحدة وطبيعة التطويق الثورى فى كندا . 2_ خوف الكنديين من سيطرة الأمريكان واستيلائهم على خيراتهم . 3_ قوة الاخلاق البروتستانتية فى امريكا تشجع العمل الجاد والمتراسل والتنسيق الذاتى والمبادراة الذاتية والفردية . 4_ تأكيد الدين فى امريكا على المساواة والانجاز الفردى . 5_ الرباط القوى بين الكنيسة والدولة فى كندا . 6_ قيام الإستثمارات الامريكية على القانون ، بينما تقوم الاستثمارات الكندية على العزيمة الفردية أو القرار الفردى . إن تنمية المشاريع الاستثمارات قامت على المبادرات الفردية المتصفة بالعزيمة والمخاطرة والمجازفة فى كندا ، بينما قامت فى امريكا فى ظل تطبيق القانون . هذه المراحل التاريخية _ فى نظر لبست _ التى عاشها المجتمعين ( الامريكى والكندى ) اختلافاتهم فى القيم الاجتماعية والسياسية الاجتماعية تجاه الجماعات الأعراق بأن يتكلموا فى ثقافة واحدة وكاملة . على نقيض ذلك تؤكد كندا على النموذج الفسيفسائى الذى يسمح لكل عرق وقومية بالتعبير عن حقوق الفردية والجمعية . هذا من جانب ومن جانب آخر يمكن احتساب القيم الاجتماعية متغيراً متداخلاً بين السبب والنتيجة لأن التغير الذى حصل ( فى المجتمع الامريكى والكندى ) نقل المصنع الصغير ( البيتي) المختص بانتاج سلعة واحده الى نسق انتاجى كبير استخدام نظام تقسيم عمل مركب . وهذا بدوره عمل على تغيير القيم منالقيم التقليدية الى المتمدنة والمتحضرة الامر الذى أدى الى1 تحول فى نمط السلوك الاجتماعى وهذا ما حصل فى حجم الاسرة ( الذى تقلص) وازدادت سرعة الحراك الاجتماعى وارتفع معدل الهجرة الدخلية ( داخل البلد الواحد ) ونمت الحركة العمالية . وللمزيد من المعلومات عن اهمية القيم الاجتماعية فى المجتمع نطرح علاقتها بالخصوبة الجنسية اذ للقيم تأثير بالغ من الخصوبة الجنسية ، ومعدل الوفيات والهجرة ، على الرغم من التطور والتكنلوجى والطبي الذى اخفض معدل الوفيات لكن الناس ما زالوا يهاجرون من مدينة الى أخرى من أجل تحسين ظروف معيشتهم ، أو أن حجم الأسرة يشجع على تكوين عدد كبير من الأبناء . وهذا بدوره يزيد من درجة الخصوبة . فالقيم التقليدية تشجع زيادة الإنجاب ( قيمة اجتماعية ) أكثر من القيم العصرية الحضرية . إذ أن الاولى تشجع الاسرة بأن تزيد من حجمها والثانية تشجع على تغيير حجم الاسرة عما تقدم فإن القيم الاجتماعية فى المجتمع الصناعى أو الحضرى تشجع وتنشط الحراك الاجتماعي العمودى الذى يتطلب حجم أسرة صغيرة لكى لايعيق حركتها على السلم الاقتصادى . ولأن السلع المادية ومستوى العيش العالى لا يشجع على زيادة حجم الاسرة أيضاً ولان قيم المنافسة فى المجتمع الحضرى يتطلب الانجاز والتقدم المهنى والتقنى واثقافى ، لذا فإن حجم الاسرة الكبير يعيق تقدمها الى الاعلى وإن الأبناء فى الأسرة غير الريفية يتطاب منهم التعليم ،وهذه كلفة إقتصادية إستهلاكية وليس إنتاجية وان صحتهم ورفاهيته تحتاج الى صرفيات مالية عالية . هذا من جانب ومن جانب أخر . فإن الوظائف والمهن الحضرية تتطلب الإنتقال من مكان جغرافى إلى أخر ومن مدينو إلى اخرى ، الامر الذى يتطلب جهداً كبيراً وإحتساب الذمن بدقة ، وهذا بدوره يتطلب تصغير حجم الأسرة ؛ لأن تربية الاطفال الصغار يتطلب تحت هذه الظروف عناية صحية وتربوية فائقة وحريصة ، وهذا يتطلب أيضاً الأسر ذات الدخل الدخل الواطئ بيئة أو ابطا من الاسر ذات الدخل الإقتصادى العالى . فى الواقع تؤثر القيم الإجتماعية على ثلالث متغيرات في هذه الحالة وهي :_ 1_ تعريض الأفراد إلي العلاقات الجنسية . 2_ الكشف او التعرض الافراد لضرورات العقم ، أو ضبط النسل أو منع الحمل . 3_ الكشف أو التعرض للولادة . وهنا تكون القيمة بمثابة متغير مستقل او متداخل يربط بين هذه الفقرات الثلاث . فقد تكون القيم الاجتماعية ذات اثر مباشر فى الخصوبة الجنسية الاسرية أو العفة قبل الزواج والعزوبية . وكل ذلك يؤثر على معدل الخصوبة . فالعفة تمنع الإتصال الجنسى الابعد الزواج ، وتتطلب افخلاص والوفاء للشريك ، وتمنع الاتصال الجنسى مع الآخرين ، والعزوبية تمنع الاتصال الجنسى كلياً . والإستقلال الاقتصادى للمتزوج حديثاً ( كقيمة اجتماعية ) قد يؤخر الإنجاب والتأخير فى سن الزواج يقلل من الخصوبة ، لأن الاتصال الجنسى يكون ضعيفاً بينما القيم الدينية تزيد من الخصوبة الجنسية . 1_ج / القوانين لا يقتصر القانون على الأحكام التي يضعها المشرع أو القواعد الخلقية بل يشمل العادات الجمعية والأعراف الاجتماعي وتوزيع الفرص عل الناس بشكل عادل والتوفيق بين المصالح المتنازع عليها بين الأفراد والجماعات ، وهذا يعنى انه يتصف بالتكيف للتطورات الاجتماعية والمرونة فى مواجهة الاحداث الاجتماعية والصلابة والصرامة أمام الإنحرافات السلوكية الخارجه عن فقراته المكونه له . بهذا الصدد يرى " إميل دور كهايم " على أنه رمز مرئى يشير إلى التضمن الإجتماعى . ولا يمكن ان تستمر حياة المجتمع دون وجود قانون يضع الحدود ويرسم العلاقات ، ويحدد جميع المتغيرات الضرورية للتضامن الاجتماعى . بينما وضع " نيقولا تيماشيف " ( منظر أمريكى حديث ) معادلة قانونية تتضمن الاخلاقيات والقوة ، لكن ليس ليس معنى ذلك ان هاتين الظاهرتين لا بد أن توجد معاً فى كل زمان وكل مكان ، بل يمكن أن توجد كل منهما على حده فمن الممكن ان نجد مجتمعاً الالزامى دون وجود العنصر الاخلاقى وكل ظاهرة من تلك الظاهرتين تعتمد على ظاهرة أخرى أولية ، فالأخلاقيات تقوم على أساس الاقتناع الجماعى ، أما القوة فهى تشكل بناء القوة يكون نسقاً من قواعد السلوك الإنسانى فى المجتمع وهو القانون . يتميز القانون الناضج فى نظر يتما شيف الخصائص الاتية :_ 1_ أن السلطة تحتكر الجزاءات القانونية بطريقة تسلسلية 2_ تمايز الجزاءات وتنوعها 3_ خضوع الجزاء البدائى العقابى لعمليات التحول السريع 4_ إضافة صور جديدة الي الممارسة البدائية للجزاء . بينما يرى " بيترم سروكن " ( عالم اجتماع روسى الأصل ) أن وجود الدولة يدل على وجود القانون ، وأنه بدون المعايير القانونية لايمكن أن توجد الدولة ، معنى ذلك ان وجود القنون سابق على وجود الدولة ، ومن ثم لايمكن تفسير القانون عن طريق القول بانه يرجع الى قوة ملزمة تفرضها الدولة . فى حين عرفه جيرفينش ( فرنسي) على أنه محاولة لتحقيق العداة فى محيط اجتماعى معين . معنى ذلك ان القانون اعتمد فى بداية تكوينه على التعاليم الدينية والأعراف الاجتماعية لكى يقيم العدالة بين الناس ، ويحقق التضامن الإجتماعى داخل المجتمع ، لذلك نجد الدولة تقف موقف الداعم له بوساطة استخدام القوة والالزام فى تطبيقه وتنفيذه ، فالقانون إذن أداة ضبطية أخلاقية وامرية ( الزامية ) بالوقت ذاته . وأجد من المفيد ان الفت إنتباه القارئ في هذا المقام الى تميز رينيه هوبير بين القاعدة القانونية والقاعدة الاخلاقية ، إذ إن الاولى لا تظهر إلا بظهور قوة سياسية يكون هدفها الاساسى تثبيت العرف بقواعد ثابته مدونه على شكل لوائح وأحكام مدعمة بجزاءات محددة ، إلا أن هذه الصفات لا تظهر فى القاعدة الاخلاقية التي لا يلتزم الافراد جميعاً باتباعها ، كما ان الخروج عليها لا يستوجب توقيع عقوبات محددة . ولا تعني هاتان الصفتان ، صفة الالزام وصفة التنظيم اللتان تتصف بهما الظاهرة القانونية أن الدولة هي التى تخلق القانون ، لأن ينبع من مصدر اكثر عمقاً وهو العقلية الجمعية وحين تتكون الدولة فى مرحلة متأخرة تضفى عليه طابع التقنين والتنظيم . وإذا رجعنا الى التاريخ البشرية نجد ان القانون قد نشأ من المرحلة الدينية _ تتكفل باداء الدين المطلوب من أحد أعضائها ، وكانت تدفع دية السجين من الغرامة التى يحكم بها على من يتخطئ نطاق القانون ، بل إذا أصبح واحاأ من اعضائها قاضياً قام كل فرد من الاسرة بدفع نصيب من المال لمواجهة اعباء تلك الوظيفه السامية ، ويصحب المتهم الى المحكمه جميع افراد اسرته . توضح هذه المسألة ان القانون يخلق نوعاً من التضامن الإجتماعى والوحدة الإجتماعية . ثم جاء " السحر " كحلقة وسيطة مر بها القانون فى تطوره من المظر الدينى الجماعى الى المظر المدنى الفردى . إذ كان السحر أول مظهر لتثبيت شخصية الفرد بعد أن كان يفنى فى سبيل الجماعة البدائية . وكانت أول محاولة جريمة لتحدى سلطان الالهة وإثبات قوة الفرد ، اذ كانت شعائر السحر تقام لتحويل الشعائر الدينية من غرضها الاجتماعى لتحقيق رغبة فردية ، أو معتقد شخصى وهذا يدعونا للقول : إن فكرة القانون الفردى قد نبعت من النشاط السحرى ثم بدأ التحول عن نطاق الدين يظهر حين أخذ الناس يلجأون الى السحر للاستدلال على سارق ، أو لكتابة حجاب يحميهم من خطر أحد الاشرار ، كما كان السحرة بتعاويذهم يصبون اللعنة على المتهم ، ويتوعدونه بسوء المصير . أما الحلقة الثانية فى تطور القانون نحو المظهر الفردى فقد تمثلت فى تطور النشاط الإقتصادى . إذ إن ازدياد حركة التبادل بعد تخطى مرحلة الاكتفاء الذاتي للأسرة أو للقبيلة ادى الى ظهور فكرة الالتزام ، والى التعاقد بين الافراد ، والى نظام الودائع بل الى نظام الدفع المؤجل . وكان من نتيجة هذا التحول من الشكل الدينى الجماعى الى الشكل المدنى الفردى أن أصبح القانون اكثر مرونة واقل صرامة . فلم يعد يقوم على تلك الصيغ الجامدة التي ما كان احد يجسر على مناقشتها . وبعد أن إعترف له بالطابع الانسانى ليصبح قابلاً للتهذيب والتعديل : فكلما إن أرادة الناس فى المجتمع هى التي صنعته . فكذلك تستطيع هذه الارادة ممثلة فى الهيئة التشريعية أن تعد له لصالح المجتمع وليكون اكثر تمشياً مع ما يطرأ على المجتمع من تغيرات ثقافية واقتصادية . كما ان القانون فى تحوله الى المنظهر الفردي الى المظهر الإنساني اصبح يحترم لروحه ومعانيه لا لنصوصه . فقد كانت قيمة القانون البدائى فى الكلمات التى يصيغ فيها ، ولم يكن أحد يهتم بالبحث عن المبادئى الخلقية التي ينطوى عليها كان الناس يلتزمون به لأنه صيغة مقدسة لا لشعورهم بأنه يحقق العدالة . وهذا التحول من ( الشكل ) الى ( الروح ) جعل للنية والقصد وزناً فى تقدير المسؤلية والعقوبة . حراف وعقابه فإنه ينطوى بالضرورة على مركز من شأنها التحرى عن المنحرفين حكم عليها وعقابهم ، وكلما زادت قواعد القانون دقة زادت ضرورة التخصص لمواجهة كل أنواع الانحراف والمنحرفين . ولما كان القانون يتضمن العقوبات ، يكون عاملاً مانعاً عن الانحراف وله فاعلية فى ظل اربعة شروط هى :_ _ أن يكون العقاب قاسياً بدرجة كافية ليعيد التوازن بهدف الوصول الى الإمتثال . _ أن يكون مباشر وفورياً بدرجة كافية ليربط فى الاذهان العلاقة الوثيقة بين العقاب والانحراف . _ أن يكون واحداً نسبياً ، بمعنى أن يطبق على جميع الاشخاص الذين يرتكبون إنحرافاً معيناً . _ أن يكون مؤكداً وموثوقاً به لتصبح للشروط الاخرى فاعلية محققة . ولما كانت هذه الشروط متساندة فإن تطبيقها يتوقف على اعتبارات متعددة يتعلق بينها بالقيم ، فإنه من الصعب أن تحدد الفاعلية النسبية لأى منها أو إمكان تطبيقها مريعاً الى اقصى درجة من درجات الكفاية . د/ العاليم الدينية تتصل التعاليم الدينية بواجبات الخضوع والطاعة والتوفير لكبار السن التي مهدت ريق لدوام بقاء المعتقدات الدينية ، وقد تقوت القواعد الدينية بجزاءتها فوق بيعة فيما يخص السلوك الاجتماعى أى انها فوق الاجتماعى لأنها تفرض جزاءات اجتماعية : مثل الخوف من غضب الله ، او عقوبات يصطلي بها لامء بعد الموت من نار جهنم ، أو الإحساس بان يكون الادمى ( على غير وفاق مع الله ) اذا عصى كامه . بالمثل فانه كل امر او نهى يعتبر جزءاً من قاعدة دينية سلوكية اذا صدر سلطة تقوم على اسس دينية مثل شراح العقائد واولياء الله . فضلاً عن ذلك فإن الدين يعنى الآدميين بتحديد علاقته بباقه الآدميين ، ولكن من حيث أن جزاء هذا التعيين او الخروج عليه لا يعد وأن يكون جزاء فوق _ اجتماعى مبارة أخرى إن القواعد الدينية للسلوك هى دينية وليست خلفية ، والدين يعتبر وسيلة لبلوغ الغاية الإلهية . وأن المعايير الدينية تعنى بالموضوع الاجتماعى عناية بطريقة غير مباشرة ، وأن قاعدة السلوك المنبثقة عن عقيدة دينية تعبر عن الدين . وينظر لهذه القوى باعتبار انها رحيمة او غير رحيمة ، أو غير مكترثة إطلاقاً بالانسانية . وفى الواقع غالباً ماتبرز قواعد السلوك الدينى كوسائل فعالة للضبط الاجتماعى للمحافظة على المصالح المتعلقة بالنظام العام مما قد يصيبه من عمليات التغير المطرد . ثمة أجد ضرورة طرحها في هذا المقام مفادها ان التعاليم الدينية فى المجتمع الغربي الحديث _ فى نظر بول لاندس _ تجد احياناً بعض الصعوبات فى أن تفرض نفوذها على الفرد ، وذلك نظراً لان هناك تنظيمات أخرى متعددة تقوم بنفس المهمة ولا تستخدم الباعث الدينى المباشر فالعمل الاجتماعى مثلاً تطور الى درجة كبيرة فى تلك المجتمعات واصبح يقوم بخدمات عديدة ، من أجل هذا ، فاننا لا نجد إهتماماً شديداً من جانب الناس للاشتراك فى منظمات أو هيئات دينية لكى يصبحوا اعضاء صالحين فى المجتمع واشخاصاً على خلق . بعبارة اخرى : ان انها لم تعد هى النظام الاساسى في حياة الانسان ، وانما هناك نظم اخرى علمانية تمثل مركز الأولوية كالنظام التربوى والاقتصادي ، وحتى الترفيهي أصبح يحتل وقتاً كبيراً من حياة الانسان . 3_ آليات النظام الاجتماعي من الموضوعات الاساسية والجوهرية في دراسة هذا النظام الاجتماعي هى آليات ضبطيه لأنها تمثل العصب الرئيسي فى جسم المجتمع ( هيكل المجتمع ) بسبب كونها تعمل على ربط عناصر المجتمع ( الآدميين ) به بشكل منضبط بضوابه الرسمية والعرفية ، وربط كيانات المجتمع بهيكله . وعلى هذا الاساس فان اى خلل أو تخلل إجتماعى يرجع بالدرجة الأولى الى نوع وطبيعة الضبوابط السائدة فى المجتمع ، والى وسائل تطبيقها ، والى المسؤلين على طرق ومواقع تطبيقها . فالرشوة والمحسوبية والفساد الادارى والتحايل على تطبيق المعايير الاجتماعية والقواعد القانونية ماهى سوى إفرازات يطرحها النظام الاجتماعى المريض الذى يرجع سبب مرضه الى أحد الجراثيم الاجتماعية العالقة فى جسم المجتمع منها مايلى : أ_ عدم مسايرة مكونات النظام للمرحلة التطورية التي يمر بها المجتمع . واسعة من التصرف الواحد ، لكى لاتقننهم فتجعل رؤاهم صعبة او ضيقة تبنى إرتباطاً بنوع معين فى المجتمع يمنحهم الأمن والحماية والاستقرار الاجتماعى وتفكيرهم ازاء الاحداث الاجتماعية الرتيبه او المحتملة . تكون آليات النظام ذات فائدة ايجابية للاشخاص اكثر من كونها سلبية نتائج وظائفها الضبطية والتقويمية أكثر جدوى من تقيداتها للحرية الذاتيه ، وقد تغيرة الرؤية التى سأطرحها حول الضوابط صورة محافظة عن علاقة الآدمي لمجتمعه ، لكن واقع الحال يعني أن محتوياتها ( الصورة ) تمثل الحيوية والتميز لخصوصية بحيث لا تخضع دائماً للتبيع والاكتساب الجمعي او المقرر سلفاً . عن التطور والانماء من أجل الوصول الى غايات أفضل لتعطى روحاً جديدة ، عصرية لقنوات كيانات الهيكل الاجتماعى ولتجعل _ ايضاً _ حياة الشخص العصرى ممكنه ضمن مداياتها واطرحها ، وبالآن ذاته تحافظ على وجودها بين القطاع الخاص وفى المجتمع ، ولتبقى تحيا حياة متطورة . مجرد مقدمة توضيحية للاطرادات الضبطية لسلوك الاشخاص فى كيانات المجتمع ( جماعات او تنظيمات او مؤسسات ) ، انتقل الآن الى توضيح الصنفين من الاتى :_ الآليات العرفية أقصد بها مجموعة وسائل ضبطية يستخدمها النظام الاجتماعى لإلزام خاص على الامتثال لمكوناته . وهي ما يلي :_ التنشئة الاسرية أولى الآليات الضبطية فى الاسرة ، إذ يقوم الابوان والأقارب بتنفيذ تعاليمها التى تنطوي على تأنيسه وتطبيعه وتجبيله على ماهو متفق عليه ساعياً من مسموحات وممنوعات عن طريق الترغيب والترهيب والعقوبه والمكافئة لأجل جعله إنساناً يعيش وسط أسرته ومجتمعه ، وتسهل تماثله مع المعايير والقيم سائدة فى المجتمع عندما يخرج من الاسرة الى الجماعات الاجتماعية التى تعيش المنزل ( الحى والمدرسة والملعب والمكتب والمهنى والمعمل والشركة وما شابه ) . وضعيات اجتماعية متباينة تساعده فيما بعد لأن يتكلف مع المحيطين به فضلاً عن فتح القنوات الدراكية له لكى يرى العالم حسب مايراه المجتمع . جميع هذه الممارسات التي يقوم بها الابوان تعمل على رعرعة الذات الاجتماعية مع قدراته وطموحاته وبالان ذاته تعزز ممارسات آلية الضبط الاسرية داخل النظام الاجتماعى الذى سوف يخدم الهيكل ( البناء ) الاجتماعى فيما بعد وعلى المدى البعيد . وفى الواقع تعتبر التنشئة الاسرية عن عملية اكتسابية تأخذ طيلة حياة الفرد فى الحياة الاجتماعية وليست لفترة قصيرة من الزمن ، أو مرحلة عمرية واحدة . فهي تبدأمن يوم ميلاده وتنتهى بوفاته . ولا تمثل التنشئة مرحلة واحدة بل عدة مراحل وتأخذ مسارات عديدة . فهناك مسار عمرى حيث تنقسم هذه العملية الى مراحل عمرية معينة تبدأ من مرحلة الرضاعة وتمر بمرحلة الطفولة ، وتنتقل الى مرحلة الشباب ، وتذهب بعدها الى مرحلة النضج ، وتصل بعد ذلك الى مرحلة الكهولة التي تمثل المحطة الأخيرة . وهناك مسار ثان هو المسار الجنسي أى تقسيم التنشئة حسب جنس الانسان . أى هناك تنشئة خاصة بالاناث ، وأخرى بالذكور . وتوجد ثلاث وظائف رئيسية لعملية التنشئة : الأولى تأنيس الاعضاء الجدد الذين يأتون الى المجتمع عن طريق الولادة او الهجرة . والثانية تكييف الآدمي الموجود حالياً حسبنظم وكيانات المجتمع ، والثالثه ربط الفرد بجماعة معينة أو المجتمع العام . ثم إن التنشئة تعمل على إعادة تكامل الشخص مع خيراته السابقة . فهى تربط وتجمع بين الخبرات السابقة والمواقف الجديدة التي يواجهها الانسان بأسلوب منسق ومتنجانس دون إحداث خلل او تباين فى عملية توفيقية مع كيانات المجتمع . فهى تعمل إذا على ربط الخبرات القديمة في ضوء الخبرات الجديدة التي يحملها الانسان او التي يواجهها ، وتعمل أيضاً على تحويل جسم الإنسان العضوي الى كائن اجتماعي مؤنس من خلال تعليمه رموز ذلك المجتمع ، لأن جسم الإنسان يحمل طاقات غريزية تتأثر بالرموز المحيطة بها المتضمنة طاقات حضارية خاصة بمجتمعها . فالطاقات الحيوية في جسم الإنسان +الطاقات الحضرية الرمزية = الطاقات الإجتماعية . فضلاً عما تقدم فالتنشئة تقوم على تماثل الشخص مع الأخرين من اجل تأنيسه اجتماعياً . أى تقوم بتنضيج الآدمى اجتماعياً . فهى ترى الانسان عبارة عن قطعة اسفنج ( ان جاز التعبير ) بامتصاص كل ما يأتى اليه من المجتمع وانتخابية مرتبطه بقابلية الادمى على الإكتساب ولنوع السلوك الاجتماعى الذى يتعرض له أو يواجهه ، فلا تحصل عملية التنشئة بشكل مباشر وسريع . فالشخص الناضج يفكر قبل ان يكتسب الشئ الخبرات السابقة التي تؤثر على التفاعل الحالى . أما فى حالة تنشئة الطفل في مرحلة عمرية مبكره ( كمرحلة الرضاعة مثلاً ) فانه يكتسب الرموز المحلية من خلال رموز أخرى مساعدة على توضيحها ، ولا يعير اهمية للوقت أو للجيز المجالى في تفاعله مع الأخرين ، ولا يأخذ بنظر الاعتبار وجود الاخرين أو رأيهم أو حكمهم ، لأنه لا يدرك هذه الاشياء في هذه المرحلة والمشكلة التي يواجهها الطفل هى عدم قدرته على الكلام في هذه المرحلة لذلك يكون تعبيره على غريزة للتأثير على الاخرين . بعدها يمر بمرحلة استخدام خبراته السابقة للتعبير عن الاشياء التى يحتاجها مع إستخدام بعض الاشارات والايماءات للتأثير على الاخرين ، وقد يكتسب عبارات معينة من الأخرين إلا أنه لا يستطيع ان يستخدمها فى تركيبها الصحيح . بعد ذلك يبدأ بأدراك ما يفعله الأخرون فيقلدهم فى حركاتهم ، وتكون استجابته للرموز مرتبطة ادراكه بان الأخرين يستجيبون للرموز وإدراكه بأنهم يستجيبون له ككينونة وبعدها يقوم الطفل بتشكيل رموز خاصة به يقوم بتركيبها واعطائها معانى خاصة بها ، ويصبح عنصراً فعالاً في عملية التفاعل الاجتماعي ، ويتعلم ايضاً تماثل نفسه مع الأخرين عندما يأخذ بنظر اعتباراتهم . بعدها ينتقل الى مرحلة الشباب . وعند انتقال الانسان من كل مرحلة تحصل عملية إعادة تنشئة مرة ثانية من جديد خاصة وهى ترك أنماط سلوكية خاصة بالمرحلة السابقة ، واكتسابه انماط سلوكية جديدة خاصة بالمرحلة الجديدة . وتحصل عملية إعادة التنشئة ايضاً عند المهاجرين من مجتمع الى أخر . أ_ 2/ الجماعة الضاغطة تمارس الجماعة الإجتماعية ضغوطها عندما لا يتماثل أعضاؤها مهعا أو لا يلتزمون بشروط عضويتهم . حيث يتطلب تماثل عضوها الإذعان لمعاييرها او قواعدها ، لكي يخضع لتوجيهاتها وارشادها من أجل خدمة اعضائها المنتمين لها ، فالعضو هنا يتجنب النظر الساخطه من اعضاء جماعته له ، أو يخشى نفرتهم منه ، أو لومهم ، أو نقدهم له ، فلا يريد اجماعهم السلبي عليه ، وازاء هذا الشعور والادراك الذاتي عند الفرد يضطر ( طواعية او خشية ) الى الإبضياع أو الإذعان بضغوط الجماعة المعنوية ، فهي اذن آلية الزامية معنوية تملكها الجماعة التي تتمتع بحيوية مادية أو معنوية ، وذات فاعلية ناشطة في محيط الشخص وإذا عقدنا مقارنة بين هذه الآلية وآليات الجزاء العرفي الاخرى فاننا نجد أن الاولى تشبه الثانية من حيث اسبقيتها في الجهاز التقويمى والضبطي ، بيد أنها تشبهها من حيث قوة ضبطها وتقويمها للشخص . أقول : إن الجماعة الاجتماعية الضاغطة تستخدم وسائلها الآلية ( اللوم أو النظرة الساخطة او النقد او النفرة الجماعية ) على أعضائها من اجل المحافظة على تماسكها وتحقيق أهدافها وممارسة نفوذها الداخلي والخارجي . فالعضو الجديد هو الذي يخضع لضغوط جماعته . وغير الجيد هو الذي لا يلتزم بها ، أو من يخرج عليها أو على بعضها . أ_3/ المناسبات والأماكن المقدسة غالباً ما تستخدم الممارسات الطقسية فى مناسبات الزواج والميلاد والوفاة ، والمناسبات الدينية في المجتمعات الحديثة ، أو انتقال الشخص من مرحلة المراهقة الى مرحلة الشباب فى بعض المجتمعات البدائية تصاحب بممارسة طقوس وشعائر دينية لإزالة ( الشخص ) التوترات والقلق عنه من أجل تعزيز الثقة بالنفس عنه ، واكتساب المكانه الاجتماعية الجديدة المتناسبة مع مرحلته العمرية الجديدة ، مثل هذه المناسبات تجعل من سلوكيات الاشخاص الذين يلتزمون بشعائر ومعتقدات وقواعد مقدسة تعكس معتقدات الدين السائد في المجتمع ، وان الخروج عنها يعنى الانحراف عن أصولها ، بينما يعنى الالتزام بها الانضباط الديني والقيمى ، فهى اذن آلية ضبطية دينية معنوية تخضع لزمان معين ، ومكان معين ، إذ لا يلتزمون بها دائماً وابداً ، بل في اوقات محدودة وأماكن مشخصه . فمولد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وعيد الاضحى ، والفطر وشهر رمضان والاشهر الحرم تمثل مناسبات إسلامية مقدسة يلتزم المسلم بقواعدها وشعائرها الدينية ، أى يقوم بضبط سلوكه حسب اصولها ونواميسها وسننها ، وإن الخروج عنها يعني عدم انضباط المسلم بتعاليم دينه والحالة مشابهه عند اليهودي والمسيحي وباقي الأديان ( السماوية والارضية مثل البوذية والهندوسية ) أما الاماكن المقدسة مثل أضرحة الانبياء ، ومزارات الأولياء والمدن المقدسة ، مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف ، أو بيوت العبادة مثل الجوامع والكنائس والهياكل والمعابد الهندسية والبوذية ، جميع هذه الاماكن المقدسة تلزم الافراد الذين يدينون بدينها الى احترام طقوسها وعتقداتها ومراسيمها وشعائرها . أ_ 4/ الحسد أو العين تشترك المجتمعات القديمة والحديثة بهذه الآلية الضبطية العرفية ، لكن الاختلاف بينهما بالدرجة لا بالنوع . فالمجتمعات الحديثة يقل فيها اعتقاد الناس بآلية الحسد أو ضربة العين ، بينما يذداد ضبط هذه الآلية فى المجتمعات التقليدية والتراثية والريفية إذ يعتقد البعض من الناس في هذه المجتمعات بان كلام الناس ( اللغط) حول ميزة منها أو الفاقدين لها ، فتثير حواسهم ( البصرية أو السمعية ) فيتكلمون عنها ، أما غيرة أو جسداً أو ثرثرة ، فإذا حدث وأن أصيب صاحب الميزة الايجابية ( مادية أو معنوية ) بضرر مادي أو إيذاء معنوي ، فإنه غالباً ما يوعز ذلك الضرر الى الحسد الاخرين ( الفاقدين لها او حتى المالكين مثلها لكنهم يحسدون الاخرين بطبعهم او بعاداتهم ) لذلك يقوم بحجب عنهم تلك الميوة أو يقلل من اضرارها أمامهم خوفاً على نفسه وحفاظاً على ما يملك او يستعمل " حرز"او " حبات " مصنوعة من الفسيفساء أو من الحجر النادر لطرد أعين الحساد . هذه الآلية الضبطية تفعل فعلها القوي بين الآدميين والعوام اكثر من الناضجين ، وبين النساء اكثر من الرجال وبين الاحداث اكثر من المتعلمين والمناضجين ، وبين حديثي الغنى والنعمه اكثر من المتعرعرعين فيها وذلك لكونهم يميلون للتفكير غير العقلاني في تحليل مفردات الحياة الاجتماعية وتعليلاتهم الغيبية في المشكلات التي تتطلب التحليل العميق والدراية العلمية . فهي اذن ( الحسد أو العين ) آلية ضبطية عرفية تسود الكيانات الهيكلية الاجتماعية غير الرسمية . أ_5/ الأمثال والأقوال المأثورة تحتفظ الامثال الحكمه العملية ويمكن اقتباسها للحد من التغيرات الفردية عن رأى مخالف أو مغاير . كذلك فإن الأمثال أداة هامة للسيطرة على الرأى والسلوك . والمثل صورة لغوية انقرض استعمالها في الثقافة الحديثة في الدول المتحضرة ، فالحديث العادي ، والادب السائد في هذه الدول لا يذكر الا القليل من الاقتباس او الاشارة الى الامثال ، اللهم الا في المناطق النائية حيث توجد جماعات قديمة يحتفظ المثل فيها بقوته القديمة كأداة تعليم وسيطرة . والواقع ان كل مثل شعبي يبدوا جميلاً في نظر حشد من الناس ، لكنه في ثقافة استغنت عن الامثال الى حد كبير قد يدعوا اقتباس مثل واحد الى سخرية عجيبة توجه الى التباين الثقافي . للمثل فى الغالب خواص فى تركيبة الصور المركزه _ على تفاصيل معينة . زد على ذلك انه في الفترات التي توجد فيها درجة عالية من الاجماع في الاحكام الاجتماعية يبدو المثل في نظر الجماهير على أنه تعبير عن حكمة عميقة ، خاصة أن الأنواع المحددة من الامثال التي تستعمل في حديث كل يوم إنما تكشف عن توترات الصراع في العملية الاجتماعية ، والمشكلات التي تعترض الحياة اليومية . ولا يبدوا أن المثل يشكل صفة مميزة للثقافة المعقدة إذا كانت خاضعة لظروف تغير سريع في المعتقدات التي تتناول العلاقات الاجتماعية وما وراء الطبيعة . فالصور الموجودة يندر استعمالها ، كما أن قادة الادب والسياسة والاقتصاد لا يبتدعون صوراً جديدة . لكن الكلمات الشائعة التداول هي التي تشكل العبارات السائدة كما ان تنوع الاحكام الاجتماعية المتضاربة يضع صورة لغوية مختلفة ليست أقل جزماً ، ولكنها أقصر حياة وبقاء ، وتصبح الجمل المأخوذة من الاغاني الشعبية والعبارات الدارجة والملاحظات او الاجابات البارعة ، وهذه كلها تصبح هي السائدة في عملية الاتصال . تستخدم هذه الآلية في المجتمعات العريقة في ثقافاتها مثل المجتمعات الهندية والصينية واليونانية والعربية . اذ يستخدمها الفرد في هذه المجتمعات كأطار مرجعي لتحديد سلوكه وتوجيهيه نحو خبرة إجتماعية جاهزة يلتزم الشخص بحكمتها ودلالتها وقراراتها ، لأنها نبعت من طرق عيش اسلافه واجداده . وعن هذا المعتقد يضحى جزء من سلوك الانسان المعاصر في تلك المجتمعات خاضعاً لضوابط عرفية أفرادها الاموات كنتاج اجتماعى متضمن الخبرة الناجحة والمبرهنة ، لذلك يمثل لها الانسان بقناعة ورضا ، بعيداً عن الجزاءات والعقوبات السلبية . ب_ آليات الضبط الرسمية التي تعني مجموعة وسائل ضبطية مكتوبة تستخدم في المؤسسات والتنظيمات والجماعات الرسمية لإلزام اعضائها على الامتثال لقواعدها واهدافها وقوانينها المعلنة والظاهرة . مثل : ب_ 1/ التنظيمات العقابية ( المقيدة أو الحاجزة ) عندما تفشل آليات المجتمع المعنوية _ العرفية قي ضبط مستشفى الأمراض العقلية والعصبية ، والمعتقل ، أو عندما تستفيد الآليات الأخرى كافة فاعلياتها ومفعولها . إذ أن حجز المنحرف أو إقامته كنزيل في مستشفي الأمراض العقلية او العصبية ما هو سوى اعتراف صريح بعجز آليات النظام الاجتماعي الاخرى بتقويم المنحرف وارشاده نحو المعايير والقواعد السليمة والسوية فهي اذن تعد المحطة الأخيرة في علاج الانحراف وبالأن ذاته تعتبر اقسي انواع الجزاءات الرسمية والسلبية . في الواقع ، إن هذه الآلية عقابية اكثر من كونها ضبطية ، وتقويمية اكثر من كونها تأنيسية ، حيث تعيد تنشئة المنحرف ( في بعض الأحيان ) لكي يكون فرداً مؤنساً صالحاً ونافعاً لمجتمعه ، لذا تعد هذه الآلية عاملاً في تقليل معدل الانحراف مستقبلاً وتعد كذلك آلية وقائية لحماية الآخرين من خطورة المنحرفين وايذاءهم لهم . ب_ 2/ الالزام القسري مثل العقوبات الجسدية التي تمارسها التنظيمات العقابية التي عادة ما تعتمد على هذه الآلية عندما تفشل آليات الضبط النظمية وتمارس لفترة قصيرة من الزمن . لكن اذا طال استخدامها أو بولغ في الاعتماد عليها ، فإن سوف تواجه مقاومة مضادة مشابهه بالقوة والعنف . ان سياق الحديث عن وسائل الضبط الرسمية لا يأخذ الجانب العقابي او السلبي فقط ، بل ويشمل أساليب متنوعة تضم المكافئات والعقوبات : مثل الجوائز ، والانواط ، والمنح الدراسية ، والمالية ومحفزات العمل ، والعشاء التكريمى ( اي حفلة عشاء على شرف احد المتفوقين او المتميزين ) والترقيات المهنية ، جميع ذلك يمثل الجزاءات الرسمية الايجابية بينما تمثل الغرامات المالية والحجز العقابي في السجن أو القامة الجبرية الملزمة في مكان معين ، أو إنزال رتبة عسكرية أو أكاديمية أو إدارية من الجزاءات الرسمية السلبية . ومن نافلة القول بأن الجزاءات سواء كانت أو إيجابية ، فإنها تستخدم من أجل المحافظة على النظام لخدمة كيانات الهيكل ( البناء ) الاجتماعي . ففي المجتمعات غير المستقرة ( سياسياً ) والنظم الديكتاتورية ونظام الحرب الواحد ( الشمولية ) يكون فيها الجيش والشرطة والسجن أقوى آليات الضبط الرسمية ، اذ تمارس الجزاءات الرسمية السلبية بشكل متطرف وعنيف ، وذلك خوفاً على معوقها المتسلط ، ورغبة منها في البقاء على قمة هرم السلطة الى الأبد . بينما في المجتمعات المتطورة والمتقدمة اصلاحى ، وليس بشكل قمعي أو تصفوي . ب_3/ الأجهزة التصويرية والتسجيلية تستخدم المجتمعات الصناعية والمتقدمة تكنلوجياً آلات تصويرية _ تلفزيونية لتصوير المخالفين والخارجين عن قوانين الكيانات الاقتصادية والسياسية والتجارية والصناعية ، فقد وضعت الشركات والمعامل والمصانع والبنوك وبيوت المال والفنادق الكبيرة والشهيرة ومحطات القطارات الدولية والمطارات والمستشفيات والاسواق التجارية ، عدسات تصوير تلفزيونية ( وفديو ) في مداخل بناياتها ودهاليزها ومكاتبها الرئيسية نظراً لأهميتها ولما تحتوى عليه من أموال او وثائق او نفائس أو أشخاص مهمين في مجال عملهم . هذه الأجهزة وضعت اغرض مراقبة المجرمين واللصوص والخارجين عن القانون ، فهي إذن وسائل مساعدة لضبط القانون في المجتمهات الصناعية والمتقدمة تكنولوجياً لأن الاجهزة البشرية ( الامنية ) لا تكفي لمراقبة تطبيق القانون في كافة الاماكن والمناسبات . فضلاً عن ذلك فإن هناك أجهزة رادار توضع على الطرق الخارجية بين المدن لمراقبة المخالفين لقوانين السير من قبل سائقي العربات والشاحنات تساعد الشرطة على تطبيق قانون السير وضبط المخالفين له : وهناك أيضاً أجهزة مختبرية لمعرفة سائقي العربات المخمورين ، وهناك كذلك اجهزة اختيارية يستخدمها رجال المصارف والبنوك للكشف عن الأوراق المالية المزيفة ، ويستخدمها رجال الجمارك والأمن أجهزة كاشفة تساعدهم في البحث عن المخدرات والاسلحة التي يقوم بتهريبها الخارجين عن القانونفي المطارات الدولية والاقليمية ، وغيرها من المخترعات التكنولوجية الحديثة : مثل بنك المعلومات عن العصبات الإجرامية المنظمه والمجرمين الخطرين ، إذ تجمع المعلومات عنهم وتخزن على شكل افلام وصور ووثائق . مثل هذه الابتكارات الفنية والعلمية استخدمت كوسائل حديثة لضبط سلوك الناس وكألية مساعدة في تطبيق القوانين في الكليانات التجارية والصناعية والسياسية والاجتماعية ، لم تكن معروفة أو مستخدمة من قبل نصف قرن . ج_ آليات ضبطية مشتركة قد تأخذ الجانب الرسمي والعرفي لكي تلزم الاشخاص بالامتثال إلى المعايير والقيم الاجتماعية السائدة في المجتمع او تخضع الاشخاص بالالتزام بقفرات القانون المرعي للبلد منها ما يلي : _ 1/ السخرية آلية رمزية تستخدم الالفاظ وحركات الوجه ، أو اقسامه للتعبير عن الاستهزاء او ستهجان او السخرية عن السلوكيات غير المألوفة او الخارجة عن معايير النظام الاجتماعي . وعادة تأخذ صورة التعبير العلني أمام الناس ؛ لذلك تكون فعالة في سبطها ، وإن خضوع الناس لها يتوقف على انفتاح مجتمعهم ، ومستوى ثقافاتهم وفكرهم ، فكلما كان مجتمعهم مفتوحاً ومستوى افراده عالياً في ثقافته فان آلية سخرية تكون ضعيفة والعكس صحيح . أى إذغ كان المجتمع تقاليدياً _ ريفياً مستوى ثقافة افراده سطحية أو أولية فإن فاعلية هذه الآلة تكون قوية وناشطه في تقويم وضبط سلوك كل من يخرج عن كل ماهو مألوف او عن قواعد ومعايير النظام الاجتماعي . _2/ إطلاق الشائعات إنها الثرثرة التي لا حدود لها ، وتاخذ صورة الغيبة والاساءة والتجريح والمبالغة في سلوك الانسان لذلك يخشي الافراد إطلاق الشائعات عليهم ، ويذداد هذا الخوف ما ارتفعت مكانة الفرد الاجتماعية ويقلل كلما كانت مكانته ( الفرد ) الاجتماعية موطئة وتنشر الشائعات بين الاميين أكثر من المثقفين ، وبين النساء أكثر من الرجال ، الازمات اكثر من الازمة الطبيعية وفي الحروب اكثر من حالة السلام ، وفي مجتمعات التقاليدية اكثر من المتحضرة والمتمدنة . _ 3/ الفضيحة يقول احمد ابو زيد عن هذه الآلية الضبطية : إنها فعالة للعقوبة على افعال التي لا يعرض لها المجتمع جزاءاً ملائماً والتي لا يمكن فيها _ في الوقت ذاته _ إصلاح ما فسد إذ إن الفضيحة تختلف عن الثرثرة والغيبة وإطلاق الشائعات أن غرضها الأول ليس تغير طريقة السلوك وانما عزل الشخص تماماً وايلامه تضع الحدود التي لا يمكن الخروج عنها بينما الثرثرة والغيبة والشائعات والسخرية تعتبر كلها عوامل مقررة لأنماط السلوك داخل تلك الحدود . بعد أن طرحت تفاصيل مكونات وآليات النظام الاجتماعي أنتقل الى المرحلة الاخيرة لهذه الوحدة ، وهي تلخيص وتعليق على ما تضمنه متن هذه الوحده . وابدأ حديثي باستنتاج عام مفاده أنه لا يوجد هيكل ( بناء ) أو كيان ( نسق ) اجتماعي بدون نظام اجتماعي في اي مجتمع انساني ، إذ أن وجود الهيكل والكيانات الاجتماعية في المجتمع مرتبط بوجود نظام يربط الكيانات بالهيكل ويؤنس عناصر المجتمع ( آلآدمي _ الفرد ) لكي يحولهم الى اشخاص ، ومن ثم الى فاعلين اجتماعيين ، لهم مواقع ومكانات وادوار اجتماعية متميزة وفعالة . وهذه العملية بذاتها جسمية لأنها تأخذ وقتاً طويلاً من الزمن ؛ اذ تبدأ من ميلاد الآدمي وتنتهي بوفاته ، لانها تتضمن ماسسة وإعادة ماسسة العنصر الاجتماعي لكل مرحلة عمرية يمر منها ، ولكل موقع هيكلي _ كياني يشغله . وهذا التضمن يتطلب اكتساب معايير وقيماً جديدة ، وترك بعض القديم منها اي تكييف إعادة تكييف . وهذه العملية تحتاج تقبلاً تلقائياً في العنصر الاجتماعي للمعايير والقيم ، والامتثال طواعية لها . ولا تتم الاخيرة ( الامتثال ) إلا بوساطة آليات ضبطية عرفية ورسمية جزائية سلبية ( عقوبات ) وإيجابية ( مكافئات ) فصاحب الموقع الكياني _ الهيكلي العالي لا يحصل عليه إلا إذا تقبل وامتثل لمعظم مكونات النظام اذا امتثل لمكونات النظام الاجتماعي . ذبدة الكلام : يقول النظام ( بما فيه في المكونات وآليات ) بالحفاظ عل هيكلية المجتمع من خلال موازنة طموحات ورغائب وحاجات عناصر المجتمع مع أهداف وغايات الكيانات الاجتماعية . وهذه المهمة تتطلب العدالة الاجتماعية . أى تطبيق أسس ذاته ، ولا التحيز لفئة أو شريحة اجتماعية معينة ضد الاخرى من أجل تحقيق مصالح فئوية _ ذاتية . واذا حصل ذلك ( التميز او التحيز ) فإن ذلك يؤدي الى خلخلة هيكلية يقوم بها النظام الاجتماعي ذاته . وبعمله هذا يدفع المجتمع الى الفساد الاخلاقي والتصارع الاجتماعي الناتج عن التباين المعياري والقيمي . وهذا معوق اجتماعي شائك وصعب يتعسر تجاوزه ، فيعيق تطور المجتمع بل يؤخره الى الوراء ، إن لم يسبب حركته . وهذا ما نجده في المجتمعات النامية التي تخلفت بسبب عدم اخلاقها وقيمها الاجتماعية مع تطورات الحياة التقنية ، وتزايد الفوارق والبطالة . بتعبير آخر ، إن عملية امتثال عناصر المجتمع لمكونات بوساطة آليات يكون هدفها تنميط سلوكهم حسب معتقدات وقيم وقواعد ومعايير سائدة في المجتمع ، لكي تحقق التضامن الاجتماعي بين عناصر المجتمع ، واشعاهم بانتمائهم الاجتماعى وتميزهم عن المجتمعات الاخرى . وهذا التنميط ( اي جعل سلوك الادميين موحداً ومقلوباً يعكس معياراً اجتماعياً واحداً أو قيمة اجتماعية واحدى ) هو الذي يبلر تباينات العناصر الاجتماعية في سلوكهم وتفكيرهم الاجتماعي والثقافي من مجتمع الى آخر ، وليس داخل المجتنع الواحد . الذي أردت قوله في هذا الصدد هو ان وظيفة الامتثال التي تتولى القيام بها آليات النظام الاجتماعي تهدف الى تحقيق اتساق ، أو مماثلة او قبول او موافقة العناصر الاجتماعية على مكونات النظام داخل المجتمع الواحد ، وهذا بدوره يولد التباين والاختلاف بين الانظمة الاجتماعية في مجتمعات مختلفة .أى أن المجتمعات الانسانية مختلفة ( بالدرجة الاساس ) باختلاف انظمتها االجتماعية وما تقوم به من تحقيق الامتثال لمكونات كل حسب مجتمعه . وبالوقت ذاته يقوم النظام بتقليل عدد المنحرفين لأن معاييره وقيمه وقوانينه بواسطة الثواب والعقاب (المادى والمعنوى ، الرسمي العرفي ) وهذه صفة مشتركة تتصف بها كافة الانظمة الاجتماعية . اضافة الى التنميط والامثال الذي تقوم به آليات النظام كوظيفة هيكلية _ كيانية ، فإنها تقوم أيضاً بتثبيت وتأكيد ما تهدف اليه مكونات النظام ( معايير وقيم وقانون والتعاليم الدينية ) في رسم حدود فاصلة ورابطة معاً بين الآميين ، لكي لا يحصل تصادم او تصارع او تنازع بين مصالحهم ومواقفهم ، إذ أن المكونات تضع المنوعات لمحرمات واللزوميات والوجوبيات والمسموحات لكل موقع ومكانة ودور اجتماعي تعاقب الخارجين عنها ، وتكافئ المتماثلين معها بعدم عقابهم . وبالوقت ذاته تمنحهم إعتباراً إجتماعياً مرموقاً . إن سياق الحديث لا يجعلني اغفال حقيقة مفادة أن وجود المعايير داخل المجتمع وجود تشكيلات وتنظيمات اجتماعية عرفية ( أسرة او قبيلة او عشيرة أو زمرة مداقية أو فرق رياضية ) ورسمية ( شركات ونقابات وجمعيات واتحاد مستشفيات ومعامل ) وأن وجود القيم الاجتماعية في المجتمع يعني وجود معايير ومؤسسات رسمية ، وان وجود التعاليم الدينية يعني وجود كتاب مقدس ، وطقوس وشائر مقدسة ، وأماكن للعبادة . مرارى هنا أن أقول إن وجود المعايير والقيم والقانون والتعاليم الدينية ( مكونات النظام ) سبق نشوء التنظيمات الرسمية والعرفية ليس هذا فحسب بل إن النظام الاجتماعي ( بما فيه من مكونات وآليات ) سبق وجود الكيانات والهيكل االجتماعي . وليس أبلغ في الدلالة من آليات النظام العرفية ( التنشئة الاسرية والجماعة الضاغطة والأماكن المقدسة والحسد واالمثال والحكم ) تمثل القاعدة الأساسية لكل امتثال معياري وقيمي وقانوني وديني . لأن بوساطتها تتمهد السبل والطرق للعيش داخل المجتمع . وعبرها تتوازن المعايير والقيم داخل المجتمع ، ومن خلالها يقل عدد المنحرفين والجانحين والمجرمين . لأنه فضلاً عن قيامها بعماية التمأسس الاجتماعي فإنها تقوم بمراقبة ورصد سلوك عناصر المجتمع بشكل دقيق ويومي ، وتعلن عن الخارجين عن تعاليمها بسرعة بين الناس ، ويأخذ عقابها العزل او النبذ الاجتماعي . وهذا أقسى أنواع العقوبات . أى إنه اقسي من العقوبات الجسدية أو المادية ، لأن الآدمي لا يستطيع أن يعيش في وسط ينبذه أو يحتقره أو يشك في تصرفه . أما الاليات الرسمية ، فإن استعمالها يأتي بعد فشل فاعلية وتأثير الاليات العرفية على العناصر الاجتماعية ، فتضع الجزاءات السلبية ( غرامات مالية او سجن او إيذاء جسدي ) . أما الآليات المشتركة ، فإنها لا تقل فاعلية وقوة من العرفية ، سواء كانت في المجتمع المتحضر ، أو الريفي ، او الصناعى ، او المتخلف ؛ لكن البارز أو الظاهر أو المعروف أو أن آليات النظام الرسمية تكون ذات فاعلية مؤثرة في المجتمعات الصناعية والحضرية والمتقدمة اكثر من الآليات العرفية ، وتكون الاخيرة فاعلة ومؤثرة بشكل قاطع في المجتمعات البدائية والبدوية والريفية والتقاليدية . نحو علم الاجتماع الإسلاميى الفصل الثالث علم الاجتماع الإسلامي علم قائم بذاته من خلال نظرة تحليلية لما سبق من آراء واتجاهات المؤيدين والمعارضين لعلم الاجتماع الإسلامي يمكن القول بقيام علم اجتماع إسلامي يركز أساساً على تقرير ما هو كائن من النظم والعلاقات الاجتماعية في المجتمعات الإسلامية وتتبع هذه النظم في نشأتها وتطورها وتفاعلها ومدى تأثر هذه النظم بالقيم والمعايير الإسلامية التى تتضمنها عقيدة الإسلام وشريعته. صحيح أن لا يمكن التحدث هن هندسة أو طبيعة أو كيميا إسلامية لأن تلك من علوم الكون وصنائعه، التى ينزل القرآن بها وإن دعا إلى تعلمها والإلمام بها والتدبر فيها. والرسول عليه الصلاة والسلا م في حديث تأثير النخل قال لسائله أنتم أعلم بأمور دنياكم وحين سئلة عن الأهلة لم يجب عن كنهها وطبيعة مسارها وإنما عما تعرف به وتدل عليه من نسك (( يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج)). واتفاقاً مع مؤيدى علم الاجتماع الإسلامي يمكن القول بأن العلوم الكونية التى لم ينزل بها القرآن لا تشمل ما ينادى به علم الاجتماع من دراسة الظاهر الاجتماعية أو العمران البشرى كما يقرر العلامة المسلم عبد الرحمن بن خلدون فى مقد متة الشهيرة اذ يقول وكان هذا علم مستقل بنفسة فانه ذو موضوع وهو العمران البشرى والاجتماعى والانسان وذو مسال وهى بيان ما يلحقه من العوارض لذاتة واحدة بعد اخرى وهذا شان كل علم من العلوم وضعيا كان عقلياً. سواء كان موضوع علم الاجتماع العمران البشرى والاجتماعى الانسان او علم المتمع او علم الظواهر الاجتماعية او انة درسة التفاعل النشى من اجتماع الكاينات البشرية الحية او علم دراسة الظواهر الاجتماعية درسة وصفية تقريرية او العلم الذى يدور حول شبكة العلاقات الاجتماعية كما يعرفه العلماء الغربيون فانه من خلال هذه التعريفات يتضح ان علم الاجتماع هو العلم الذى يدرس التفاعل الناشى عن تجميع البشر فى مجتمع ما من خلال العلاقات والظواهر والوقائع الاجتماعية في إطار منهج علمي موضوعي يعبر عما هو كائن. والذى يتبع مصادر الدين الإسلامي يجد دراسة شاملة لهذه الظواهر والوقائع التى حدثت وتحدث في المجتمعات يشير إليها القرآن باستمرار، ويتناولها الحديث الشريف بالشرح والتوضيح، ويعالجها الصحابة والمجتهدون من علماء المسلمين بالتفصيل والتحليل والتأصيل. فالقرآن الكريم يذكر العديد من أمثلة الظواهر الاجتماعية التى ترددت لدى الأقوام الذين أرسلت إليهم الرسل لهديتهم ( كظاهرة التقليد والترف والظلم والاستبداد في الحكم والإجرام وعبادة الأوثان والكواكب وتقديس الحيوان، وعبادة الأرواح من الملائكة والجن ووأد البنات واحتقار المرأة وتطفيف الكيل والميزان واستغلال المستغلين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل وإلى ظهور الطبقية وامتيازتها في المجتمع كطبقة رجال الدين (( أتخذوا احبارهم رهبانهم ارباً من دون الله )) (( إن كثير من الاحبار والرهبان لياكلون اموال الناس بالباطل)) وطبقة المتكبرين أو المستكبرين وطبقة المستضعفين أو الضعفاء. ويشير الحديث النبوى إلى كثير من الظاهرات الاجتماعية وتستعمل كلمة (فشا) أو ظهر للدلالة على عموم الظاهرة وانتشارها ( مافشا الزنى في قوم إلا كثر فيهم الموت وكاشراته إلى ظهور الطبقة والتميز الطبقي في بنى اسرائيل في قوله ( أنهم كانوا إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وإذا سرق فيهم الشريف تركوه) يشير القرآن إلى حوادث اقتصادية كالربا وتطفيف الكيل والميزان وتسجيل الديون وإلى نظم الحكم حكم الشورى في مملكة بلقيس (( قلت أيها الملأ افتونى في أمرى ما كنت قاطعة امرا حتى تشهدون، وحكم فرعون الاستبدادى (( إن فرعون على في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم)). كما ييشر إلى تعدد المثل الأخلاقية (( كذلك زينا لكل أمة عملهم)) وكذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون)). ويشير القرآن الكريم إلى الظاهرة اللغوية (( ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف السنتكم والوانكم)) (( وما ارسلنا من رسول إلا بلسان قومه نبين لهم)). كما يشير القرآن الكريم في كثير من آياته إلى ارتباط الأسباب بمسمياتها والعلل بمعلولاتها في الظواهر الاجتماعية من خلال أحوال الأقوام الغابرة والأمم السالفة ارتباطاً يعبر عما يسميه العلماء المحدثون بالقانون أو النظرية أو التعميم. ففى القرآن الكريم يتكرر حصول الهلاك من الله تعالى للقوم بعد ان يستشرى الظلم فيهم، ويعم الفساد (( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا)) وكم فصمنا من قرية كانت ظالمة وانشانا بعدها قوماً آخرين)) فكأي من قرية اهلكناها وهى ظالمة (( وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا، وجعلنا اهلاكهم موعدا)). وهذا الارتباط العلمي المطرد بعيد عن القانون الاجتماعي الإلهى(( سنه الله في الذين خلوا من قبل ولن نجد لسنة الله تبديلا)). ومن هذه السنن الإلهية المطردة اقتران ظاهرة الترف والفسق وتسفيه دعوة الأنبياء ومحاجتهم بدعوى اتباع الاسلاف والآباء قال تعالى: ((واذا اردنا أن نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا)) (( وكذلك ما ارسلنا من قبلك من نذير إلا قال متروفوها انا بما ارسلتم به كافرون وكذلك ما ارسلنا من قبلك من قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على امة وانا على آثارهم مقتدون)). ويشير الحديث الشريف إلى الارتباط العلى بين الظواهر الاجتماعية ونتائجها فقد ورد في الحديث الشريف عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(( ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قوم إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير حق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم العدو، أخرجه مال. وبهذا يسوق الحديث الشريف عديدا من القواعد العامة والسنن المطردة في الظواهر الاجتماعية التى سادة المجتمعات وتسودها، فالغلول والسرقة والنهب في الأموال العامة يورث الحوف والرعب في قلوب السارقين الذين يصبح كل منهم وهو غير آمن نفسه أن تكتشف خيانته، وحينئذ يدب الرعب ، ويفشو الهلع، وتنتفي الطمأنينة وتستشرى الرهبة في نفوس القوم مما يفقدهم شجاعتهم وقدرتهم على الآخرين. وكذلك الزنى حين ينتشر بين قوم ما يؤدى إلى العزوف عن الزواج والبعد على تكوين أواصر الأسر تكويناً طبيعياً اجتماعياً، مما يؤدى بالتلى إلى نقص في الأنفس وقلة في النسل تعقبها كثرة في الموت وميل إلى الانقراض العددى. وكذلك ظاهرة إنقاص الكيل والميزان وبخس الناس حقوقهم تؤدى الى قطع الله تعالة الرزق عن هؤلاء المطففين جزاء وفاقا لجشعهم وسوء حكمهم، وكذلك الحكم بغير الحق أي الظلم في القضاء من شأنه انعدام الأمان، وهذا يؤدى إلى أخذ الثأر وحصول صاحب الحق على حقه بنفسه وبالتالى انتشار التقاتل وضياع الأمان. وإذا كان القانون الاجتماعي هو ترابط على مطرد بين ظاهرتين أو ظواهر اجتماعية إحداهما أو بعضهما علة للآخرين فإن القرآن الكريم والحديث الشريف يشيران إلى هذا الارتباط المطرد في حياة الجماعات والأفراد من خلال تقنين السلوك وما يترتب عليه من الجزاء في الدنيا والآخرة ولفت النظر إلى سنن الله تعالى في الأقوام والجماعات السابقة (( وقد خلت من قبلكم سنين فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين)) ، ويشير القرآن إلى أن للأمم أحيالا وأعمارا كما للإنسان تبعا لأسباب قدرهم في صحتها ومرضها، تقدمها أو تخلفها، امتثالها لطاعة الله أو إعراضها قال تعالى(( ولكل أمة أجل فإذا جاء اجلهم لايستأخرون ساعة ولا يستقدمون)) (( ما تسبق من أمة جلها ما يستأخرون)) ومن الأهمية الإشارة إلى أن ما ورد في القرآن الكريم من لفت النظر إلى سنن الله تعالى في الكون أو بما يعبر عنه العلماء المحدثون بالقوانين إنما هى أمثلة نماذج يسوقها الله تعالى للغطة والاعتبار والتفكير لا للحصر أو الاستقصاء فذلك متروك لتفكير الإنسان وتبصره في السنن الكوفية طبيعي كانت أو اجتماعية من خلال استقرائه العلمي، وملاحظاته المنهجية وفروضه الموجهة وتجاربه المحققة الموصلة إلى القانون. وفيما يسوقه الله تعالى من سنن اجتماعية إنما هو أمر يتصف بالعمومية والشمول حتى ولو كانت الإشارات لقوم أو أقوام معينين خالفوا أو أطاعوا، امتثلوا أم تكبروا، كما يصرح القرآن الكريم بسنن عامة لها طبيعة العمومية والشمول دون الإشارة إلى جزيئات تندرج في نطاقها. قال تعالى (( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)) وفي الحديث الشريف: (( قالوا يارسول الله انهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث)). وإذا وجه القرآن الكريم ذوى العقول السليمة من البشر ليتفكروا أو يتدبروا فيما ساقه الله تعالى من سنن الكون الاجتماعية وما تشير إليه من ظواهر ونظم سوية أو غير سوية. فقد وجه الأبصار كذلك للتفكر والتدبر في سنن الكون الطبيعية وارتباط حوادثه الطبيعية ومظاهرها ببعضها العض ارتباطاً يهدف إلى العظة والاعتبار لا إلى الاستقصاء أو استنباط القوانين العلمية فليس القرآن كتاب كيمياء أو فيزياء أو حيوان أو نبات وإنما كتاب هداية وإعجاز قال تعالى:(( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لاولى الالباب)) (( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدا الخلق)) (( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس)) (( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها)). وبهذا يشير القرآن إلى عالم الجماد والنبات والحيوان وأجزاء تلك المخلوقات وأنواعها وحوادثها وارتباط تلك الحوادث ببعضها البعض في نسق مطارد يعبر عن سنة الله تعالى في الكون وذلك لتوجيه النظر إلى التفكر في هذا الكون واستخراج سننه بقدر ما يتاح للانسان من دقة الفكر وحصانة الرأى، وموضوعية العلم وتقدم المنهج الذى يستخرج به وفي إطار هذه السنن الإلهية طبيعية كانت أم اجتماعية. وليست المكتشفات والمخترعات التكنولوجية بأنواعها من استخراج واستكشاف سنن الله تعالى في الكون باسم القوانين العلمية، والسنن موجودة منذ الأزل، ولكن الاهتداء إلى اكتشافها وكيفية الكشف عنها والمنهج الذى استخدم في هذا هو الجديد في الأمر وليست السنن ذاتها، وهى اكتشافات تدفع إليها المنفعة العامة، والمتعة الفكرية، وحب الاستطلاع الواعى، وطبيعة التقدم الاجتماعي. ومن خلال الشواهد السابقة من القرآن والسنة النبوية الشريفة يتضح أن علم الاجتماع الذى يدرس التفاعل الناشئ عن تجميع البشر في المكان والزمان من خلال العلاقات والظواهر والنظم الاجتماعية هو من الموضوعات التى أشار إليها كل من القرآن الكريم والسنة الشريفة حيث لم يتركا صورة من صور النتائج التى تنشأ عن التفاعل سواء بين البشر بعضهم وبعض أو بينهم وبين الأنبياء والرسل أو ما يمكن أن يجد من ظواهر ونظم الشريعة الإسلامية كلمتها الواضحة وتقيبها في أمور الحاية والآخر. لا مجال للتحدث عن علم اجتماع مسيحى أو يهودى مثلا، كما سبق أن أشرنا لأن الاسلام وهو خاتم الرسالات السماوية، لم يضع حدا فاصلاً بين أمور الدين وأمور الدنيا وإنما مزج بينهما مزجاً تاماً، ورفض فكرة الرهبانية في الإسلام على أساس أنه دين الفطرة التى فطر الناس عليها، هذه الفطرة التى تحقق الازدواجية في الطبيعة الإنسانية. ازدواجية الجسم والروح الحس والعقل، مما جعل منه دينا ودنيا، حياة وأخرى. وإذا كان الإسلام لغة هو التسليم لإرادة الله دون مقاومة أو كما ورد على لسان على رضى الله عنه من أن الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الاقرار، والإقرار هو الاداء، والأداء هو العمل فإن القرآن الكريم بين أن جميع الرسل منذ أقدم عصور التاريخ استخدموا كلمة الإسلام اسما لديانتهم قال تعالى على لسان نوح ( وأمرت أن أكون من المسلمين) وفي شأنه رفع ابراهيم واسماعيل قواعد البيت بمكة لجعلها مكاناً للعبادة (( وإذا يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل، ربنا تقبل منا إنك انت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك)) وحين ينصح يعقوب أولاده يقول (( فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون)) ويرد عليه ابناؤه مؤكدين (( قالو نعبد الهك وإله آبائك ابراهيم واسماعيل واسحق الها واحدا ونحن له مسلمون)) وقال موسى وهو يأمر قومه (( ياقوم ان كنتم امنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين)) وقال الحواريون (( نحن أنصار الله امنا بالله واشهد بأنا مسلمون)) . ويخاطب يوسف ربه قائلا (( انت ربي في الدنيا والآخرة توفنى مسلماً والحقنى بالصالحين)) . ويقول عز وجل مؤكداً أن الاسلام هو الدين الصحيح الوحيد (( ان الدين عند الله الاسلام وفي آية أخرى (( اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى، ورضيت لكم الاسلام دينا)). وبهذا فإن الاسلام هو التعبير الشامل الذى يطلق على كل ديانة سماوية لم تتناول الأهواء بالتحريف أو التعديل أو التغيير، الأمر الذى يجعل الدين الصحيح على وجه الأرض هو دين واحد اعتنقه المؤمنون على امتداد الزمان والمكان، واشترك كل رسول في كشف طبيعة هذا الدين، وعبرت رسالته عن ركن هام من اركان هذا الدين الإنساني العام. ولهذا فإن وحدة الإنسانية المؤمنة ليست بالنسبة إلى القرآن حقيقة فحسب بل إنها قبل أي شئ آخر أساسى من العقيدة الدينية وقد ورد في القرآن الكريم بصدد تأكيده للروابط الوثيقة بينه وبين الكتب السماوية السابقة قوله تعالى (( شرع لكم من الدين ما اوصى به نوحا، والى اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)) وإذا كان الإسلام ينظم علاقة الانسان بربه وبضميره ن خلال العقيدة والعبادات فإنه يهتم كذلك بتنظيم العلاقات الاجتماعية بين الإنسان والانسان من خلال التشريع والمعاملات. وكما يحرص التشريع الإسلامي على تنقية العقيدة والسمو بها عن كل الشبهات، فإنه يحرص كذلك على تنظيم المعاملات والعلاقات الاجتماعية في المجتمع الإسلامي تنظيماً دقيقاً. والواقع أن مفهوم المعاملات في الشريعة الإسلامية يتسع ليشمل كل المباحث القانونية المعروفة في العصر الحديث بما في ذلك القانون العام والخاص والقانون المدنى وقانون العقوبات بالإضافة إلى المباحث السياسية والاجتماعية . الأمر الذى يجعل الظواهر والنظم الإجتماعية والتفاعل بين أفراد المجتمع من خلال شبكة العلاقات الاجتماعية التى تربط فيما بينهم وتلك تمثل موضوع علم الاجتماع أساساً تحتويه الشريعة الإسلامية وتحرص على تباين اتجاهاته وأهداف. ولهذا كان أمراً طبيعياً حين عقد مؤتمر (( أسبوع الفقه الإسلامي)) بكلية الحقوق جامعة السريون بباريس في أول شهر تموز (يوليو) 1951 أن يظهر من خلال المحاضرات التى ألقيت به في موضوعات شتى لشعب الحقوق والقانون في الفقه الإسلامي – ما يحمله هذا الفقه الأصيل من ثروة حقوقية ونظريات قانونية خالدة. وكان من قرارات المؤتمر الدولى أن المبادئ الفقه الإسلامي قيمة حقوقية تشريعية لا يمارس فيها، وأن اختلاف المذاهب الفقهية في هذه المجموعة الحقوقية العظمى ينطوى على ثروة من المفاهيم والمعلومات الأصول الحقوقية تتيح الفقه الإسلامي أن يستجيب لكافة مطالب الحياة الحديثة والتوفيق بين حاجاتها . وإنطلاقاً من هذا المفهوم استطاعت مبادئ الدين الإسلامي وأحكامه وتشريعاته أن تحكم النشاط البشري للمجتمع المسلم، وأن تضع المبادئ العامة المثلى لقواعد السلوك السليم والعلاقات الاجتماعية الوطيدة للإنسانية جمعاء لا بين المسلمين فحسب بل بينهم وبين الأمم العديدة التى فتحوها وعايشوها وكونوا وإياها العديد من العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن هذا المنطلق يمكن قيام (( علم الاجتماع الإسلامي)) بما يحمله هذا المفهوم من مقومات منهجية وموضوعية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق