السبت، 26 يناير، 2013

علم اللغة

بسم الله الرحمن الرحيم الدراسات اللغوية قبل علم اللغة لم تعرف الدراسات اللغوية بمصطلح علم اللغة ومناهجه قبل عصر النهضة في اواخر القرن التاسع عشر الميلادى، حتى خضعت العلوم والمعارف الانسانية والطبيعية للمنهجية والتجريب. وليس من القصور عقلاً أن ينشأ علم اللغة. أوقريباً من الكمال- من فراغ، بل التصور المنطقي أن يفيد من جهود العلماء الذين عبدوا الطريق أمامه وقطعوا في ميدانيه أشواطاً قاربوا بها الوصول أمامه وقطعوا في ميدانيه أشواطاً قاربوا إلى غايته. وفيما يأتي سنتعرض المراحل التي مر بها العلم منذ نشأته غضاً طرياً في أحضان الحضارات القديمة إلي اكتمال قوته وبلوغه مرحلة النضج، متوخياًفي هذا العرض الإيجار ماأمكن شريطة ألا يخل بالمقصود. أ.عند أصحاب الحضارات القديمة: إذا كان علم اللغة يعد المظهر الحضاري لعناية الانسان باللغة، فإن مظهر عنايته بها في القديم قد أخذ شكل المحافظة عليها بالتسجيل والتدوين واصطناع الرموز الكتابية، وقد ظهرت تلك العناية أول ما ظهرت علي أيدي المصريين القدامى،حين سجلوا لغتهم بالنقوش علي جدران المعابد، وحين عرفت قصورهم المترجمين الذين اصطحبهم سفراء الدول الأجنبية معهم. حديث التوراة عن سقوط برج بابل وتفرق الناس، وماأسفر عن ذلك من تبلبل الألسنة،أي اختلاف اللغات، بعد أن كانت لغة واحدة، يشير إلي أحساس بوجود اللغات واختلافها عند بني البشر، بغض النظر عن صدق هذا الخبر وما أسفر عنه. ووجود معجمات صينية ذات نظام معين في جمع المادة اللغوية مظهر من مظاهر عناية الإنسان باللغة ومفرداتها. ووجود معجمات مزدوجة اللغة تجمع بين السومرية والأكدية في هذه العصور السحقية في القدم، مظهر آخر من مظاهر عناية الإنسانية في بدء تحضر بلغته، تجلب في مقابله في مفردات لغة أخرى. ب.عند الهنود: والهنود هم أول من ثبت تاريخياً إسهامهم في حقل البحث اللغوي بصورة جلية، فقد ألف (بانيني) كتابه في القرن الخامس قبل الميلاد، وفيه يصف اللغة السنسكريتيةالقديمة،ولم يكن (بانيني) السابق في هذا المجال، فإنه لم يبدأ من الصفر، بل سبقه آخرون في درب البحث اللغوي، كما تدل اشارته إلي جهودهم بفترة تقدر بقرن ونصف من الزمان. وقد تابع (بانيني) في مجال البحث اللغوي باحثون آخرون شرحوا كتابه(الأسف أو هبابي)أي الكتب الثمانية، وكان أهمهم النحوي الهندي(باتيجالي) الذي شرحه في(فهابهاسبها)أي الشرح الكبير، وكان تأليفه قبل الميلاد بنحو مائة وخمسين عاماً. ولم يتوقف البحث اللغوي عند الهنود حتي عايش الحضارة العربية، ولم يعرف ميدان البحث اللغوي من اهتم بلغته كالهنود-سوى العرب- فقد فاق النتاج الهنديفي حقل البحث اللغوي ألف مؤلف، وكان التأليف يمثل اتجاهات متعددة، ومذاهب مختلفة، فقد كانت عناية الهنود بجوانب اللغة المختلفة، صوتية ونحوية ومعجمية. ج.عند اليونان: وقد كان لليونان جهود موفقة في مجال البحث اللغوي شأنهم في ذلك شأن تفوقهم في سائر العلوم الإنسانية، فقد اهتموا بدراسة جوهر اللغة ومسائلها، حاولوا كشف أسرارها وكانوا في بحوثهم ميتافيزيقيين أكثر منهم واقعيين. فقد دارت بحوث أفلاطون حول نوع العلاقة بين اللفظ ومدلوله، وهل هي علاقة طبيعية ذاتية أو عرفية اصطلاحية، وقد اتصل بهذه المسأله موضوع إن كان القياسي في اللغة ممكناً أولا. وقد نما البحث اللغوي عند اليونان علي أيدي رجال كانت لهم مكانتهم العلمية حتي صاروا ببحوثهم يمثلون مدارس لغوية، كانت مدرسة الاسكندرية أشهرها،من أشهر نحاتها(أرسطا قوس) المتوفي في النصف الثاني من القرن الثاني قبل الميلاد، وهو صاحب أول مؤلف في النحو(الجرر امتيكا)، وقد عرب هذا المصطلح إلى(الأجرومية) وهي تعني المعرفة المتعمقة والمتعلقة بكل ما هو راجع إلى اللغة، بحسب الاستعمالات عند المؤلفين نظماً ونثراً، وفي هذا الكتاب عناية(بالفيلولوجيا) أي دراسة النصوص القديمة، كما فيه عناية بتأصيل الكلمات وبناء القواعد علي القياس. ولم تقف عناية اللغويين اليونان عند هذه المسائل، بل تناولوا أيضاً دراسة أصوات لغتهم معتمدين علي جهود من سبقهم في هذا المضمار من المفكرين أمثال(أرسطو). وقد ظلت بحوث مدرسة الإسكندرية اللغوية ذات تأثير بالغ في البحوث اللغوية، وقد بقى تأثيرها متمداً الى زمن طويل. د.عند علماء العرب: وإذا كانت الشعوب جميعها تولي لغتها عناية البالغة بدافع من حرصها عل أهم عناصر شخصيتها ومقومات قوميتها، فإن العرب حول القرآن بهدف صونه وصون اللغة التى نزل بها من التحريف،فإنها الوسيلة إلي فهمه واستنباط الاحكام الدينية والدنيوية منه. وقد ظهرت هذه العناية باللغة العربية منذ الاول الهجري، فقد اباح الرسول صلى الله عليه وسلم للعرب أن يتلوا القرآن بما استطاعوا مما اعتادوه من عادات نطقية، فقال:((أنزل القرآن علي سبعة أحرف)) وذلك تيسيراً عليهم. ومنذ أراد عم بن الخطاب رضي الله عنه جمع الناس علي قراءته بلغة قريش حينما خشي أن يصل الاختلاف الي حد الخلاف والفرقة، ومنذ طلب الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من أبي الأسود الدؤلي أن يضبط أواخر الكلمات في المصحف بالنقط الذي طوره الخليل بن أحمد الفراهيدي فيما بعد الي التشكيل المعروف عندنا. ثم ظهرت تلك العناية في إسهامات بعض العلماء من خلال مؤلفاتهم التي ركزت علي الجانب النحوي، دون أن يغفلوا غيره من الجوانب الأخرى كالجانب الصوتي والصرفي على نحو ماجنده في كتاب سيبويه، والكتب التي تلته، بل لم يغفلوا أيضاً الجانب الدلالي فيما ألفوه من معجمات لغوية شاملة، أوتدور في فلك الموضوعات، ثم إن علم الأداء القرآني أو التجويد، أي تحسين القرآن كانت تهتم بالأصوات اهتماماً بالغاً وخاصة بجانب التشكيل الصوتي الذي لم ينل من اهتمام الباحثين في أي لغة ما نانله في اللغة العربية،كما تكفلت القراءات القرآنية وبعض الإشارات المتناثرة في كتب اللغة ومعجماتها ببيان اللهجات، أو الاستخدام اللغوي علي مستوى غير المستوى الأدبي علي نحو لم نعهده في غير البحوث اللغوية الحديثة بل الحديثة جداً. ثم تطورالبحث اللغوي عند العرب من خلال تناول العلماء لحياة العربية وتطورها، وأسباب هذا التطور الذي يعد الإسلام في مقدمتها، على نحو ما نجده في الصحابى لابن فارس(ت393ه)، وغير ذلك من قضايا لغوية تناثرت في بطون أمهات الكتب اللغوية، كالخصائص لابن جني(ت395ه)وفقه اللغة وسر العربية للثعابني(ت429ه) والمخصص لابن سيدة(ت458ه)، والمزهر للسيوطي(ت911ه). وغيرها من كتب اللغة، وهي أكثر من أن تحصى. دراسة جوانب اللغة العربية عند العرب: ومن هذا العرض المتقدم، ويتضح لنا ان جوانب اللغة الأربعة، والتي هي من اختصاص البحث في(علم اللغة) لم يضمنها كتاب واحد، بل توزعت في أكثر من كتاب وتناولها بالبحث أكثر من عالم: 1.الجانب الصوتي: تارة تجده في كتب النحاة والبلاغيين المتقدمين، وأخرى في كتب التجويد والآداء القرآني، يهتم بعضها ببيان مخارج الأصوات وصفاتها، كما يهتم بعضها بالتشكيل الصوتي، وبعض ثالث يضيق إلى ذلك التبدلات الصوتية التي تحدث في الكلمة. 2. الجانب الصرفي: ظل الصرف إلى فترة من نشأة الدراسات اللغوية يدرس في كتب النحو، حيث اختلطت مسائلهما بعضها ببعض، وقد انفصل عنه أخيراً، واستغل بكتبه التي كانت تقتصر على مسائلها، وحتي بعد هذا الاستقلال لم نعدم من النحاة من كانوا يصرون على الجمع بين النحو والصرفى في مؤلفاتهم. 3.الجانب النحوي: كان النحو من أوائل الجوانب التي حظيت بالاهتمام في مجال الدراسات اللغوية حتي كان أول نتاج في هذا الحقل يركز على هذا الجانب، نظراً لوضوح الخطأ فيه، ولما يترتب عليه من تغيير في علاقات الألفاظ بعضها ببعض في الجملة، الأمر الذي يؤدي ،إلي اختلال المعنى المراد، والخطأ الصوتي والصرفي سيؤديان إلي ذلك، لكنه لا يكون خطأ ظاهراً كالخطأ النحوي،(( ولا يمكن أن تقوم دراسة نحوية صحيحة دون أن يدخل في منهجها علم الأصوات، وعلم التشكيل الصوتي، وعلم الصرف)). 4.الجانب الدلالي: لقد تكفلت بدراسة الجانب الدلالي كتب الثروة اللغوية، أو المعجمات الموضوعية والمعجمات العامة، يضاف إلي ذلك كتب البلاغة، وبخاصة علم البيان الذي يعني بيان دلالة الألفاظ في ضوء و الملابسات ومحاولة البحث عن العلاقة بين المعني الأصلي والمجازي لبيان نوعها الذي يترتب عليه تحديد نوع المجاز. ه.عند علماء الغرب: ظلت البحوث اللغوية في أوروبا حتي أواخر القرن الثامن عشر محصورة في دائرة البنية والتنظيم في شكليهما التعليمي، لا تتجاوز ذلك إلي غيرها إلا في أ ضيق الحدود، وفي شكل استطرادي وصورة سطحية باهتة لا عمق فيها ولاوضوح مع بعد عن المنهجية العلمية اللازمة للبحث. وفي هذه الفترة نجد بحوثاً متناثرة في الأصوات وأصول الكلمات قام بها أفراد أو هيئات، كما كان البحث مقصوراً على الإغريقية اللاتينية، وبعض اللغات الأوربية الفصحى دون أن يكون للمستويات اللغوية الأخرى نصيب من البحث، بل إنها منظور اليها نظرة العداء على أساس أنها من مصادر الخطر على الأدب وحين اكتشفت اللغة السنكريتيية في أواخر القرن الثامن عشر وحلت رموزها، وقورنت باللغة الايرانية واللغات الأوربية- الإغريقية واللاتينية والجرمانية-وجدت بينها صلات قرابةفمهد ذلك لنشأة(علم اللغة المقارن)، وعلم اللغة التأريخي، كما يعرف باللغات الهند وأوربية. ثم اتسعت دائرة البحث لتشمل اللغة باعتبارها ظاهرة إنسانية، فكانت المحاولات للتواصل إلى القوانين التي تخضع لها كل لغة في تغيرها، فمن ألمع من قام بذلك العلامة الألماني ماكس مول.وتبعه كثيرون من أبرزهم العلامة الأنجليزي سيس((sayce،وقد توغل هؤلاء العلماء في الرجوع بالبحث اللغوي إلي الحقب البعيدة من التاريخ بدافعهم طموحهم العلمي إلى الوصول إلى أقدم مراحل التعبير الإنساني، ونشأة اللغة الإنسانية الأولي، ولم يكن ذلك في حد ذاته جديداً، فقد تلكم اللغويون في مختلف العصور في هذا الموضوع، وتناوله اليونانيون والعبرانيون والعرب وغيرهم، لكن الجديد في بحوث هؤلاء الغربيين كان يتمثل في أدلته وبراهينه المستقاة من قوانين علم الاجتماع، كالتواصل إلي نشأةاللغة الانسانية الأولي بوساطة مقارنتها باللغات البدائية، ولغة الطفل، في حين أن أدلة السابقين كانت تعتمد علي فهمهم لنصوص دينية في غالب الأمر. وفي أواخر القرن التاسع عشر ظهرت بأوروبا اتجاهات لغوية متعددة كان أبرزها اتجاهان هما: أ.الاتجاه الألماني: وهو منهج يدرس جميع جوانب اللغة، وكان يخضع البحث اللغوي لمنهج علمي صارم لا يقل في صرامته عن منهج العلوم التجريبية طبيعية أو رياضية بهدف الوصول إلي القوانين التي تخضع لها الظواهر اللغوية، وفي سبيل ذلك خلّصت حقل البحث اللغويّ من جميع المسائل الفلسفية التي لا تتفق مع منهج البحث، والتي تعتمد علي فروض ظنية لا تسمو إلي درجة اليقين مثل: البحث في نشأة اللغة، والعلاقة بين اللفظ والمعني. وقد ذهبت هذه المدرسة إلي جبرية الظواهر، وأنها لا تسير وفقاً لإرادة الأفراد،أو تبعاًللأهواء والمصادفات، بل تسيروفقاً لقوانين صارمة تؤدي إلي نتائج حتمية لا سبيل إلي تعويقها أو تغييرها، نتائج مطردة ثابتة لا تقل في حتميتها واطرادها وثباتها عن النتائج التي تؤدي إليها القوانين الطبيعية أو الرياضية. وكان عمل الباحث لا يتعدى تحليل النص اللغوي للكشف عن القوانين التي تخضع لهل اللغة، وكان من أشهر رجال هذه المدرسة(ليسكني)(ودلبروك)و(استوف). وقد لقيت هذه المدرسة الألمانية، أو مدرسة المحدثين من علماء القواعد معرضة شديدة من جانب المدرسة الإيطالية بزعامة (اسكولي) الذي أنكر جبرية القوانين اللغوية، كما لقيت،معارضة من المدرسة الإنجليزية بزعامة(سيس) معارضة شديدة من جانب المدرسة الإيطالية بزعامة(اسكوبي) الذي أنكر جبرية القوانين اللغوية ، كما لقيت، معارضة من المدرسة الإنكليزية بزعامة(سيس)و(سويت) الانجليزي، و(جسبرسن) الدنماركي،و(جبرائيل نارد) الفرنسي الذين رفضوا القول بجبرية القوانين، وذهبوا إلى أن التطورات اللغوية ترجع إلى أمور يقوم بها الأفراد وتنتشر عن طريق التقليد. . وكذلك لقيت معارضة من المدرسة الفرنسية بزعامة(بريال) التي سلمت بجبرية القوانين اللغوية فيما يتصل بالأصوات دون الدلالة التي يقع فيها التغيير بالقصد والاعتماد على جهود الناطقين وفي مقدمتهم الأدباء والكتاب، رغبة في السير بها نحو الكمال. وقد كان لهذا الاتجاه أثر في النهوض بالمباحث اللغوية عموماً دون التركيز على جانب من جوانبها. ب.أما الاتجاه الثاني: فقد مال على التخصص، فكانت الباحث يولي عناية ويوجه اهتمامه إلى جانب من جوانب اللغة وفرع من فروع علم اللغة، بل ربما اتجه بالبحث إلى بعض مسائل فرع من الفروع،إذا كان كل باحث يجيد البحث في النقطة التي تخصص بها ولا يترك منها شيئاً. وقد أولى هؤلاء العلماء الجانبين الصوتي والدلالي أهمية فاقت ما أولاه غيرهما‘ نظراً لأنهما لم يجدا العناية من قبل. ففي مجال الصواب رأى(هرمان بول) أن للتغيرات الجسمية أثرها الواضح في أعضاء النطق، مما يؤدي إلى التطور الصوتي و(جاستون باي) أول من فكر في الإفادة من الأجهزة العلمية الحديثة، فأنشأ معملاً للتجارب بالأصوات، واستطاع عن طريق التجارب المعملية ان يثبت تطوراً في اللغات الرومانية، وقد تابعه على هذا الطريق(روسلو) الذي استخدم الالآت في دراسة الأصوات، فأنشأ بذلك ما عرف((بعلم الأصوات التجريبي)) مع إفادة من جهود (جاستون باري)و(هرمان بول). وفي مجال الدلالة أهمل الاعتماد على النظر الفلسفي الذي لا يؤدي إلى نتائج يقينية، وكان الاعتماد في بحث الدلالة والتهذيب، كما اتسعت مادة البحث، وكثرت النيائج بفضل الاستعانة بدراسة اللهجات العمية والتكنولوجيا التي قدمت مادة وفيرة للباحثين في الدلالة، وكشفت عن آفاق واسعة كانت مجهولة من قبل، وأسهمت في حل كثير من المشكلات التي استعصى حلها القدامى، كما أفاد البحث في الدلالة من علم النفس اللغوي حين قرر أن أهم عوامل التغيير الدلالي الأمور النفسية. المصادر اللغوية تراث كلُّ أمة ركيزتها الحضارية،فهو جذورها الممتدة في باطن التاريخ. ومن أجل هذا تحرص الأمم الناهضة- في تأصيلها لواقعها الجديد- علي نبش هذا التراث، واستحياء ما هو صالح للبقاء منه، وما يمكن أن يكون له مغزى ودور فعال في بناء واقعها الجديد. وتراثنا زاخر وملئ بشتى أنواع المعارف، ويكفي أن نذكر في هذا الصدد مكتبة قرطبة في الأندلس في عهد المستفر(350-366ه)فقد جمع فيها المستفر- عن طريق وكلائه في شتي الأقطار الإسلامية-نسخاًمما ألفهعلماء المسلمين علي ذلك العهد. ويقال إن المكتبة كانت تضم أربعمائة ألف مجلد. هذا يحدث ونحن ما زلنا في منتصف القرن الرابع الهجري ولنا أن نتصور كم كانت خزائن((دار الحكمة)) التي أنشأها الخليفة العباسي المنصور في بغداد تضم من مؤلفات،وكذلك((دار العلم))، التي أنشأها الفاطميون في مصر،فقد كانت هذه الدار من أعظم الخزائن التي عرفها العالم الإسلامي فيما مضي، وأكثرهم جمعاً للكتب النفسية من جميع العلوم،هذا سوى المكتبات وخزائن الكتب العامة والخاصة التي لا يمكن حصرها. وليس في وسع أحد أن يتصور حجم ما ختطه أقلام العلماء والمفكرين والأدباء من المسلمين في شتي فروع المعرفة في حدود ما تبقي منه حتي يومنا هذا، فضلاً عما امتدت إليه عاديات الزمن بالتبديد والإحراق أو الضياع. وقبل أن نتحدث عن المصادر اللغوية علينا أن نتبه إلي حقيقة مهمة وهي أن حركة التدوين قد ظلت إلي نهاية القلان الثالث الهجري مصاحبة للرواية الشفوية. ولاشك أن الاعتماد علي الرواية في بادئ الأمر كان أكثر، ثم نشطت حركة التدوين حتي صارت معادلة للرواية، وهي المرحلة التي برزت فيها ظاهرة السماع، ثم غلب التدوين في المرحلة الثالثة، وهي المرحلة التي كانت فيها المعارف والعلوم العربية قد تأصلت واتسع نطاقها، ونشط التأليف فيها. أما ظاهرة السماع، فقد كانت تعني أن يقرأ التلميذ علي أستاذه ما دونه من كلامه، فإن أقرّه الأستاذ كان من حق التلميذ أن يروي هذا الذي دوّنه منسوباً إلي الأستاذ. والهدف من هذه العملية هو توثيق المادة أو المعلومات التي دوّنها. المصادر اللغوية: لم تظهر المصادر الأدبية واللغوية في التراث فجأة، بل مرّت-شأن الثقافة بعامة- بمراحل وأطوار من الإعداد والتمهيد، وهي مراحل الرواية والجمع والتدوين نفسها، وهي الكتابة اللغوية، وبالأدوات اللازمة للكتابة، وفي مقدمتها الورق. أما الهدف من دراسةالمصادر اللغوية هو التعرف بالمصادر اللغوية القديمة، أو علي وجه الدقة- بأهم هذه المصادر وإبرازها، والتعرف بمؤلفيها، ومناهجها، وتحديد مجال لكل منها، وأهمّ موضوعاتها، والإتيان بنماذج منها. تمهيد: حين نقول((المصادر الأدبية)) فإن هذا يقتضينا الوقوف عند هذه التسمية وقفة قصيرة لكي نرى ما يمكن أن يكون هناك من فوارق بين مصطلح((المراجع)). فمن الدارسين من يرى أن المصدر ((هو كل كتاب تناول موضوعاً وعالجه معالجة شاملة عميقة، أو هو كتاب يبحث في علم من العلوم على وجه الشمول والتعمق، بحيث يصبح أصلاً لا يمكن لباحث في علم من العلوم الاستغناء عنه، كالجامع الصحيح للبخارى، وصحيح مسلم، هما أصلان ومصدران في الحديث النبوي، بينما تعد الاحاديث المختارة، كالأربعين النووية،من المراجعيين في ذلك. ككتاب الكامل للمبرد، وصبح الأعشى للقلقشندي؛ فهي ،أصول ومصادر في الأدب، وغيرها مما أخذ عنها مرجع ومثل هذا نقول في تاريخ الطبري وسيرة ابن هاشم، كلها أصول ومصادر في بابها ،وماقتبس أواستمد منها مرجع في بابه)). ومعني هذا أن المصدر هذا حين يقول:(( فالمصدر أصدق ما يكون حين يطلق على الآثار التي تضم نصوصاً أدبية، شعراً أو نثراً، لكاتب واحد أو مجموعة من الكتاب، لشاعر فرد ولطبقةمن الشعراء ، أو الخليط من كتاب وشعراء وخطباء،رُويت هذه الآثار شفاها،أو دونت في كتب، أو نقشت على الأبنية، ووصلتنا دون تعليق على نص أو تفسير له، دون تمهيد له أو تعليق عليه)). أما المرجع عند هذا الدرس((فهو ما يساعد على فهم النص الأدبي وتوضيحه وتفسيره له، وتقويمه)). ومع أن الحدود بين المصدر والمرجع تبدو- على هذا النحو- واضحة وحاسمة فإن هنالك حالات يصعب فيها تقرير ما إذا كان الكتاب مصدراً أم مرجعاً. فكتب الطبقات ومعاجم اللغة تعد-عند علماء المكتبات- من المراجع في حين تحتوى هذه الكتب على كثير من المادة الأصلية. فهل هي مراجع ومصادر في وقت واحد؟ ومن جهة أخرى فإن كتاباً مقل شرح ديوان الحماسة للمرزوقي يتضمن ديوان الحماسة الذي صنفه أبو تمام- وهو مادة – أصلية- وشرح المرزوقي، وهو بمثابة تفسير لهذه المادة. فهل يعد هذا الكتاب مصدراً أم مرجعاً، أم مصدراً ومرجعاً معاً؟. هذا نجد الفصل صعباً بين ما هو مصدر وما هو مرجع. ولعل هذا هو السبب في أن بعض الكتاب لا يفرق بينهما. ومن جهة أخرى نجد محاولة لحل هذا الإشكال عن طريق استخدام مصطلح إضافي. فبالنسبة للمعاجم ودوائر المعارف وكتب الطبقات وكتب التراجم وما أشبه ذلك يطلق عليها مصطلح(( المراجع العامة)) في مقابل المراجع الخاصة التي يتصل كل منها بفرع بعينه من المعرفة، أو بموضوع بعينه لا يعدوه إلي سواه. ومن ثم يعد كتاب ككتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني مرجعاً عاماً، في حين يعد كتاب ككتاب ((شعر الغناء في المدينة))للدكتور شوقي ضيف مرجعاً خاصاً. هنالك أيضاً(( المراجع الأصلية))، ويقصد بها تلك المؤلفات التي كتبت حول مصدر من المصادر في الزمن الذي صنف فيه هذا المصدر أو في زمن قريب منه. ومن ثم يصبح شرح المرزوقي لحماسة أبي تمام، أشرح الأنباري لمضليات الضبي، مرجعاً أصيلاً لفهم هذه الأشعار، وهذا في مقابل ما يسمي بالمرجع المساعد، وهو المرجع الذي لا يتصل أصلاً بمادة المصدر ولكنه يمكن الإفاده منه بطريقة غير مباشرة في إلقاء الضوء عليها. وقد صنفت المراجع تصنيفاً آخر وفقاً لقدامها وحداثتها. فيقال مرجع قديم ومرجع حديث. المرجع الحديث يفيد غلباً من المرجع القديم. فكتاب((الكامل)) للمبرد مرجع قديم في أدب الخوارج وغيره، في حين أن كتاب(( أدب الخوارج)) للدكتوره سهير القلماوي مرجع حديث. أما بالنسبة للمصادر فإنها تصنف كذلك في نوعين متمايزين، دون أي اعتبار للقدم والحداثة، هما المصادر الأساسية والمصادر المساعدة. ولكن هل حلت هذه المصطلحات الإشكال؟ كلا، فإن كتب المعاجم-مثلاً- الت عدت في مرة((مراجع عامة)) قد عدت من زاوية أخرى((مصادر مساعدة)) ولا يستقيم أن يكون هناك((مصطلحان)) مترادفان. وفي رأيي أن كل دارس يستطيع أن يحدد مصادره ومراجعه في كل حالة وفقاً لطبيعة دراسته ولمنهجه في هذه الدراسة. وعند هذا يصبح كل كتاب يمد بالمادة الأولية- أي مادة الدراسة-((مصدراً))، وكل كتاب يلقي أضواء على هذه المادة، اة يقول فيها رأياً فهو- بالنسبة إليه-((مرجع)). لنضرب مثالاً لهذا. فالدارس الذي يريد أن يدرس شعر ابن الرومي- مثلاً- يكون ديوان الشاعر وما اتصل بحياته من أخبار((مصدراً)) له، في حين يكون كتاب ككتاب ((ابن الرومي، حياته من شعره)) للأستاذ عباس محمود القعاد((مرجعاً)) ولكن هب أن موضوع هذه الدراسة هو ((الدراسات الأدبية في كتابات القعاد)) فإن كتاب ((ابن الرومي، حياته من شعره)) يصبح((مصدراً)) من مصادر هذه الدراسة، وتصبح هذه الدراسة نفسها- فيما بعد- ((مرجعاً)). وعلى هذا الأساس تكون تسميتنا للكتب التي ستعرض لها في هذا الكتاب بالمصادر لها يبرها. جمع اللغة وتأليف المعاجم: قامت حركة التأليف في المعاجم العربية علي أساس المادة التي جمعها اللغويون في البادية في القرن الثاني الهجري. لقد خرج عدد كبير من اللغويون من البادية، وأخذ كل منهم يجمع اللغة من أبناء القبائل العربية، وبذلك تم إنجاز أول عمل لغوي ميداني في الجزيرة العربية. ولم تكن عملية جمع اللغة محاولة شاملة لتسجيل كل الألفاظ التي عرفتها القبائل العربية، بل كان اللغويون يصدون في اختبارهم للقبائل واختيارهم للرواة عن مبدأ أساسي، وهو تسجيل اللغة الفصحى والابتعاد عن الصيغ والألفاظ غير الفصحى. وبهذا المعيار ركز اللغويون عملهم على لغة تلك القبائل التي تقترب كل الاقتراب من العربية الفصحي. ورفضوا لهجات القبائل البعيدة عن الفصحى ، وبين هذا صُنفت لهجات القبائل المختلفة. وظلّ هذا الأساس سائداً في عملية جمع اللغة في القرن الثاني الهجري، وبذلك حفظت لنا كتب اللغة الاستخدام اللغوي من العربية الشمالية. لقد اهتم اللغويون بقبائل قيس وتميم وأسد وهذيل وبعض بطون قبيلة كنانة وبعض بطون طئ. وقد تجنب اللغويون أخذ اللغة عن الحضر أيّ عن العرب المستقرين وعن القبائل العربية التي عاشت بالقرب من جماعات لغوية غير عربية، فلم يؤخذ من قبيلة لخم ولا من قبيلة جزام لمجاورتهم أهل مصر والقبط، وبالمثل تجنب اللغويون أخذ اللغة عن قضاعة وغسّان وأياد، لمجاورتهم أهل الشام. وأعرض جامعو اللغة عن قبائل تغلب لاختلاط هذه القبائل بالجماعات اللغوية غير العربية في الشام والعراق ومصر. وقد أثمرت حركة جمع اللغة مجموعة من الكتب والرسائل اللغوية، لقد جمع الغويون ما عرفته القبائل الفصيحة من ألفاظ، وصنعوها في مجموعات دلالية، وألفّوا في هذا مجموعة كبيرة من الكتب. ألفّ الأصمعي(ت261ه) في خلق الأنسان، والإبل، والخيل، والوحش،والنبات، والشجر وألف أبوزيد الأنصاري في اللبن، والمطر،والنبات، والشجر. وظلت الرسائل هي الشكل الوحيد الذي اتخذته دراسة الألفاظ العربية من الناحية الدلالية وقتاً طويلاً إلى أن برزت إلي الدوائر العلمية حركة تأليف المعاجم. وقد كان لما ألفه الأصمعي وأبو زيد الأنصاري ومن عاصرهما من اللغويون أبر الأثر في المعاجم العربية وفي نظرية اللغة عند العرب بشكل عام. ويعد نشاط العلماء العرب في عصر الحضارة الإسلامية لتأليف المعاجم من أبرز مظاهر جهدهم العلمي. وهم بهذا أهمّ من ألّفوا المعاجم قبل العصر الحديث علي الإطلاق. لقد بدأت حركة تأليف المعاجم العربية موازية لتدوين الرسائل اللغوية في النصف الثاني من القرن الثاني لهجرة. ولما شاع مبدأ أخذ المادة اللغوية والأدبية من مصادرها الأصلية، كان لا بد أن توضع الأسس التي ينبغي عليها أن تتوافر في كل من الناقل والآخذ، وحتي تصبح المادة التي يدونها الآخذ في النهاية الحجة التي يعتمد عليها تفسير التراث العربي، قرآناً كان أك حديثاً، شعراً كان أم خبراً. وقد اشترط في حاصل اللغة أن يكون عدلاً، رجلاً كان أم إمرأة، حُراً كان أم عبداً. وكانت العدالة هي السمة الأساسية التي ينبغي أن تتوفر في ناقل الحديث الصحيح. والسبب في جعل رواية اللغة في مرتبة واحدة من الأهمية مع رواية الحديث هو أن اللغة كانت وسيلة لتفسير الحديث وتأويله. فإذا لم يتوافر عنصراالصدق والأمانة. في حاصل اللغة، سقطت قيمة ما يؤخذ عنه، وإن انتسب إلي أفصح القبائل لغة. أما الشروط التي تشترط في الأخذ السليم فأهمها ذكر السند،كما هو الحال في الحديث. ونختم هذه المحاضرة بالإشارة إلي رواد كل الجيل من أجيال علماء اللغة في إن ازدهار عصر التأليف فيها. وكان رائد الدراسات اللغوية والنحوية باعتراف الجميع هو أبو الأسود الدؤلي، وقد أخذ عنه أقطاب الجيل الأول، وهم يحى بن معمر،وعنسية الفيل، وميمون بن الأقرن، ونصر بن عاصم، وكانت العناية باللغة تسير منذ البداية الاهتمام بها في طريقين متوازيين هما: - طريق يهتم بتركيب الجملة أيّ بوضع الكلمة في الجملة وهؤلاء هم النحويون - طريق آخر يهتم بالكلمة في حدّ ذاتها وهؤلاء هم اللغويون وغايتهم البحث في الكلمة ودلالتها. بسم الله الرحمن الرحيم المحاضرة الثانية مستويات استخدام اللغة ليس بمقدور أحد أن يدرس اللغة من جميع جوانبها دفعة واحدة، إنما يدرس كل جانب على حدة، ليسهل له رؤية أبعاده وتناول جزئياته، وهذه الجوانب المختلفة للدراسة اللغوية تسمى (مستويات الدرس اللغوي) في مصطلح علماء اللغة المحدثين ومناهج بحثهم. وعلى هذا فإن دراسة اللغة، أي لغة تنقسم إلى مستويات أهمها هي: 1- مستوى الأصوات Phonology: ويدرس أصوات اللغة من جوانب مختلفة فإن كان يدرسها من دون النظر إلى وظائفها، بل يحلل الأصوات الكلامية ويصنفها مهتماً بكيفية إنتاجها، وانتقالها، واستقبالها، فإن علماء اللغة يطلقون عليه اسم علم الأصوات العام “Phonetics” . وإن كان يدرس الأصوات من حيث وظيفتها فإنهم يطلقون عليه اسم "علم الأصوات الوظيفي Phonology" وإن كان يهتم بدراسة التغيرات التاريخية في الأصوات فإنهم يطلقون عليه اسم "علم الأصوات التاريخي Diachronic-Phonetics” “ . 2- مستوى الصرف Morphology: أو مستوى دراسة الصيغ اللغوية، وبخاصة تلك التغيرات التي تعتبر صيغ الكلمات فتحدث معنى جديداً(1). 3- مستوى النحو Syntax : الذي يختص بتنظيم الكلمات في جمل أو مجموعات كلامية، ودراسة تركيب الجملة. 4- مستوى الدلالة Semantics: الذي يختص بدراسة معاني الكلمات. 5- مستوى المعجم Lexicography: ويستمد وجوده من علم دراسة تأريخ الكلمات، وعلم الدلالة. يضاف إلى ذلك اهتمامه ببيان كيفية نطق الكلمة، ومكان تغيرها، وطريقة هجائها، وكيفية استعمالها في لغة العصر الحديث. ولا يقصد من هذا التقسيم أن كل قسم مستقل بذاته عن المستويات الأخرى، وإنما المقصود تسهيل عملية الدراسة، والتخصيص في مستوى، أو جانب واحد منها دون غيرها، للتعمق في تناول جزئياته، واختلاف أبعاده. "فأصوات اللغة – مثلاً – تتأثر كثيراً بالصيغ، والعكس كذلك صحيح، والصوت والصيغة كلاهما يتأثران – غالباً – بالمعنى، وكذلك يوجد تبادل مطرد بين الصرف والنحو، ولهذا فإن الصرف والنحو كثيراً ما يجمعان تحت اسم واحد، هو التركيب القواعدي(2) Grammatical Structure. فمثلاً حين نقول: "شكر خالدٌ زيداً" فخالد شاكر، ونقول: "شكر خالداً زيدٌ" فخالد مشكور، وخالد في المثالين هو شخص واحد، ولكننا في المثال الأول جعلناه شاكراً إذ قام بالشكر، وفي المثال الثاني جعلناه مشكوراً إذ وقع عليه الشكر، ونتج الاختلاف في صورة خالد الشاكر والمشكور عن الحركة التي جاءت تعبر عن المعنى المراد، وبهذا كله نلاحظ العلاقة بين الصرف والنحو. ومن جهة أخرى نلاحظ وحدة صوتية مختلفة لحقت بخالد، ففي المثال الأول "شكر خالدٌ" جاءت الضمتان، وهما وحدة صوتية، تعبران عن علامة الفاعل، وفي المثال الثاني جاء خالد منصوباً، وعبرت النصب عن علامة الفتح، والفتحتان وحدة صوتية، وبهذا نلاحظ العلاقة بين المستوى النحوي والمستوى الصوتي(3). وعلاوة على ذلك، إن مستويات اللغة كلها تخدم غرضاً رئيساً واحداً، هو الحفاظ على اللغة، وصيانة القرآن الكريم من اللحن والتحريف، فإن هناك ارتباطاً وثيقاً بين هذه المستويات، وهو أن علوم اللغة كلها عبارة عن جوانب لشىء واحد، أو هي حلقات في سلسلة واحدة لا يجوز الفصل بينها، يضاف إلى ذلك كل فرع يعتمد على الآخر من حيث أنه يستفيد من خلاصة بحوثه في معالجة مسألة وتوضيحها، فما يعرف بمستويات اللغة أو مستويات الدراسة اللغوية يقصد به – إذن – فروع اللغة وجوانبها المختلفة وعلومها من أصوات وصرف ونحو ودراسة دلالية، ومعجمية وبلاغية. وقد استقرت في السنوات الأخيرة مجموعة من المصطلحات للتعبير عن مستويات استخدام اللغة، ويتضح محتوى هذه المصطلحات في إطار فرع من فروع اللغة، وهو علم اللغة الاجتماعي. وتبدو أهمية هذه المصطلحات في أنها تفيد في وصف العلاقات اللغوية داخل الجماعة اللغوية الواحدة بدرجة عالية من الوضوح(4)، وتعد مصطلحات التصنيف اللغوي للمستويات مثل الفصحى، اللهجة العامية، وما يراد بها، من أولى الأمور التي يحرص الباحث اللغوي على الوقوف عليها ليحدد المستوى اللغوي الذي يريد معالجته، فلا يختلط بمستوى آخر حتى لا تضطرب النتائج على النحو الذي نراه في معالجة علماء العربية القدامى لقواعد الفصحى، وما أصاب هذه القواعد من اضطراب، لأنهم لم يلتزموا بقواعدهم بمستوى معين من مستويات استخدام العربية. والعامل المؤثر في تصنيف نظام لغوي ما إلى هذه المستويات، إنما موقف أبناء الجماعة اللغوية منه، وهذا يعني أنه ليس في بنية اللغة أو اللهجة ما يحتم تصنيفها هذا التصنيف، لكن مجالات الاستخدام هي التي تفرض هذا التصنيف، فالنظام اللغوي الذي يستخدم في مجالات الثقافة والعلم والأدب الرفيع هو ما يصنف اجتماعياً بأنه فصيح. والنظام اللغوي الذي يستخدم في الحياة اليومية، هو ما يوصف بأنه لهجة أو عامي. إن المواقف الكلامية في مجالات الحياة اليومية تختلف عنها في المجالات الثقافية أو المجالات السياسية، وقد يكون هذا الاختلاف في إطار اللغة الواحدة عندما تستخدم اللهجة العامية، والفصحى جنباً إلى جنب، فيؤدي ذلك إلى الازدواج اللغوي، فليست هناك سمات في البنية اللغوية من النواحي الصوتية أو اللغوية أو النحوية أو الدلالية تفرض كون أحد هذه المستويات هو الفصحى، والآخر الخالي من هذا السمات هي العامية، إذ إن كليهما ينطبق عليه تعريف اللغة باعتبارها نظاماً من الرموز الصوتية يحقق غرض مستخدمه في نقل أفكاره أو مشاعره إلى أبناء مجتمعه. لكن الذي يحدد درجة المستوى اللغوي ومرتبته، إنما هو أبناء الجماعة اللغوية، فيقفون من الفصحى موقفاً يختلف عن موقفهم من العامية، فالفصحى تُقَدَّرُ اجتماعياً، وتقدَّر قواعدها عند المثقين، وتُدَعِّم النماذج الأدبية والكتب الثقافية والعلمية مكانتها، ويؤدي هذا في حالات كثيرة إلى جعل استخدامها موحداً أو قريباً من ذلك عند أبنائها جميعاً، حتى في حالة انفصالهم جغرافياً واجتماعياً. أما العامية فإنها تعد عند مستخدميها غير مقننة من الناحية الصرفية أو النحوية مع مخالفة ذلك لواقعها، إذ لا يخلو نظام لغوي من القوانين والقواعد وإلا ما سمي نظاماً، وما أمكن أن يتم التفاهم عن طريقه لكن مستخدميها لا يشعرون بهذه الضوابط التي تضبطها نتيجة لموقفهم منها الذي لا يبلغ احترامهم لفصحائهم، ومن أجل ذلك لا يستخدمونها في المجالات الأدبية الرفيعة، أو الثقافية أو العملية، فذلك مجال وقفوه على الفصحى. إعادة الترقيم 5. مجالات الدرس اللِّساني العربي 1.5 المستوي الصوتي إن الاهتمام بدراسة الأصوات اللغوية اهتمام قديم. وقد نشأ علم الأصوات في كنف لغتين من أقدم لغات الدنيا: هما : العربية والسنسكريتية. وللعرب باع طويل فى الدراسات الصوتية على نحو ما نبين بعد. ويختص علم الأصوات بدراسة أصوات اللغة مفردة أو مركبة، ويدرسها من حيث مخارجها وصفاتها،ويدرس جهاز النطق عند الإنسان ووظائفه، ويعالج الظواهر الصوتية التي تنشأ عن تجاور الأصوات مثل: الإدغام والإعلال والإبدال وغيرها، ونقدم فيما يلي وصفاً لمكانة هذا العلم في التراث اللغوي العربي، وجهود العلماء الأوائل في هذا الباب من الدرس اللساني. مناهج الدراسات الصوتية عند علماء العربية الأوائل إنْ الاهتمام بدراسة الأصوات اللغوية عند العرب اهتمام قديم. وللغة العرب باع طويل في الدراسات الصوتية - كما أسلفنا -، وقد تجسَّد هذا في جهود الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي رتب معجمه( العين) ترتيباً صوتياً، قدّم له بمقدمة وافية في علم الأصوات، وقد درس تلميذه سيبويه الحروف ليُمهِّد بها لباب الإدغام، وتبعه في ذلك سائر النحويين، يُمهدون بالدراسة الصوتية لأبواب لغوية أخرى بجانب الإدغام كالإعلال وغيرها. وقد أفرد ابن جني، مؤلفاً خاصاً للأصوات، وهو كتابه : (سر صناعة الإعراب). وقد حوت كتب القراءات والصرف دراسات صوتية، لا تكاد تخرج في مجملها عما ذكره سيبويه في كتابه، وقد ابتدع الجاحظ في كتابه البيان والتبيين، منهجا جديداً في الدراسة الصوتية لم نعهده عند من سبقه ؛ وذلك باهتمامه بدراسة أصوات فئات تعيش في المجتمعات العربية، وتتعامل مع الأصوات العربية على نحو خاص وذلك في دراسته للغة الأعاجم الذين يعيشون بين العرب، من الفرس والروم وأهل السند والحبشة وغيرهم، كما اعتنى في كتابه كذلك بدراسة عيوب النطق. أما أبو علي الحسين بن سينا (ت 428هـ) فقد ألف رسالة صغيرة في الأصوات نهج فيها نهجاً مخالفاً لسابقيه. فقد اعتنى بتشريح جهاز النطق مبيناً وظائفه، ونشير كذلك إلى دراسة مهمة في مجالات الدراسات الصوتية العربية، هى (كتاب الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة )، لأبي محمد مكي بن أبى طالب الأنصاري، وقد اهتم فيها بأصوات القرآن الكريم وحقوق التجويد والتلاوة. وقد نهج بها نهجاً جديداً على مقارنته بجهود السابقين. ونقدم فيما يلي لمحة دالة على كل منهج من المناهج التي ذكرناها: 1) منهج الخليل بن أحمد الفراهيدي الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي البصري – توفي سنة 175 هـ كان عالماً زاهداً، تتلمذ على يد أبي عمرو بن العلاء البصري وعيسى بن عمر الثقفي، وأبي الخطاب الأخفش الكبير، ويونس بن حبيب البصري. ومن تلاميذه الليث بن المظفر ابن نصر بن سيّار وسيبويه والأصمعي وغيرهم، ألفّ كتاب العين، وهو معجم كبير، بل هو أقدم المعاجم العربية. وقد ابتدأه بحرف العين ولم يبدأ بحروف الحلق التي تسبق العين،وهي الهمزة والألف والهاء والحاء لأسباب منها: أ‌. أن الهمزة يلحقها النقص والتغيير والحذف. ب‌. أن الألف لا تكون في ابتداء كلمة , ولا في اسم , ولا فعل إلا زائده أو مبدلة. ج. أن الهاء مهموسة خفية , لا صوت لها. د. أن العين أنصع من الحاء مع اشتراكهما في مخرج وسط الحلق. (انظر : السيوطى). قدم الخليل لمعجمه بدراسة وافية في الأصوات العربية. وقد أصبحت هذه الدراسة أساساً لجهود العلماء العرب من بعده في هذا المجال. اهتم الخليل في مقدمة العين بالمسائل والقضايا الصوتية الآتية: 1. قسم الأصوات اللغوية في أحياز (مفردها حيز)، وذلك بالنظر إلى طبيعة عمل جهاز النطق وأعضائه. قال الخليل: "حروف العربية تسعة وعشرون حرفاً , منها خمسة وعشرون حرفاً لها أحياز ومدارج , وأربعة أحرف يقال لها جوف......... إلخ ". ( الفراهيدي ). وذكر تسعة أحياز هي: الحلق, اللهاة, وشجر الفم, وأسلة اللسان، والنطع, واللثة, وذلق اللسان , والشفة, وأضاف لها حيز الجوف, وهو جملة الفراغ الذي في جهاز النطق من الحنجرة إلى الفم, وهو خاص بأصوات المـد (الحركات الطويلة وهي: الألف والواو والياء المدية). قال الخليل : " العين والحاء الهاء والخاء والغين حلقية, لأن مبدأها الحلق, والقاف والكاف لهويتان, لأن مبدأهما من اللهاة........ إلخ ( الفراهيدى ). 2. قسم الخليل الحروف العربية قسمين وفق مخارجها: أ‌. حروف صحاح , وعددها خمسة وعشرون حرفاً. وهي التي لها مخارج محددة. ب‌. حروف هاوية أو هوائية, ومخرجها ممتد مع خروج الهواء من جهاز النطق، وليس لها مخرج أو عضو يصطدم به الهواء كما هو حال الصحاح. 1. اهتم الخليل بصفات الحروف العربية , وأثرها في الاستعمال اللغوي. وذكر أكثر أصوات العربية دوراناً في الكلام , وهي حروف الذلاقة وهي : الراء واللام والنون , والفاء والباء والميم ؛ وعلل ذلك بسهولتها وخفتها في النطق. (انظر: كتاب العين 1/57). وذكر كذلك الحروف الطلق وهي : القاف والعين والسين والدال , وذكر أنها أطلق الحروف وأضخمها جرساًًً لنصاعتها , وهي بذلك أسهل على اللسان من مقابلاتها التي سماها الصتم , وهي : التاء , الثاء، الجيم، الحاء , الخاء , الذال، الزاي،الشين , الصاد, الضاد , الطاء, الظاء, الغين, القاف، الكاف , الهاء. 2. اعتمد الخليل في تصنيف الأصوات اللغوية معيارين : أ‌. صوتي , اهتم فيه بالصفات النطقية والسمعية التي تتمايز بها الأصوات. ب‌. إحصائي , اهتم فيه بكثرة دخول بعض الأصوات في أبنية الكلام , أو قلة دخولها. 5. اهتم بصفات الأصوات ومناسبتها لبعضها، عند تجاورها في أبنية الكلمات من ذلك: أ. أن الحاء والهاء لا يكون بينهما تآلف في كلمة واحدة. ب. أن الضاد والكاف، لا تكتب في الأسماء أوالأفعال إلا أن يكون هناك فاصل بينهما بحرف مثل : الضنك، الضحك. (الفراهيدى)، وجعل الخليل ترتيب الحروف أساساً لتحديد كون الكلمة عربية فصيحة أو غير ذلك، قال: " فإن وردت عليك كلمة رباعية، أو خماسية معراة من حروف الذلق أوالشفوية، ولا يكون في تلك الكلمة من هذه الحروف حرف واحد أواثنان أو فوق ذلك، فاعلم أن تلك الكلمة محدثة مبتدعة، ليست من كلام العرب... " (الفراهيدى). وقد أسس الخليل بهذه المسائل والقضايا الصوتية لعلم الأصوات عند علماء العربية، فقد عالج هذه المسائل مشيراً إلى وظائف أعضاء النطق في مخارج الحروف، واهتم بصفاتها كذلك، وأولى استعمال الأصوات في بناء المفردات العربية عناية، وبيّن المستعمل والمهمل من الأصوات اللغوية العربية عند تجاورها في بناء الكلمات. 2. منهج سيبويه هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، أظهر تلاميذ الخليل بن أحمد الفراهيدي، وسيبويه فارسي الأصل، ومعنى كلمة سيبويه بالفارسية رائحة التفاح، وسمي بذلك لظرفه ونظافته على أرجح الأقوال. ألف كتابه الذي عُرِف بالكتاب، وهو أول مؤلف في النحوالعربي يصل إلينا، توفي سيبويه سنة 180هـ. أورد سيبويه الدراسات الصوتية في آخر كتابه، إذ خصص الجزء الأكبر من كتابه لمسائل النحو والصرف، وسمى الباب الأخير باب الإدغام، وأورد في صدره عدداً من المسائل الصوتية. ومما هو معلوم أن ظاهرة الإدغام بأنواعه ظاهرة صوتية صرفية. والإدغام هو إدخال حرف في حرف بحيث يصيران حرفاً واحداً. وهو ظاهرة تحدث للأصوات المتجاورة التي من جنس واحد ومن مخرج واحد، أوالأصوات متقاربة المخارج. وقد جعل سيبويه الإدغام غايته في الباب الأخير من كتابه، ومهّد لدراسة هذه الظاهرة بدراسة الأصوات العربية. حدد سيبويه عدد أصوات العربية في صدر كلامه، وذكر أنها تسعة وعشرون حرفاً بإضافة الهمزة. ورتبها وفق مخارجها على النحوالآتي: الهمزة والألف، الهاء، العين، الحاء، الغين، الخاء، الكاف، والقاف،الضاد،الجيم، الشين، الياء، اللام، الراء، النون، الطاء، الدال، التاء، الصاد، الزاي، السين، الظاء، الذال، الثاء، الفاء، الباء، الميم، الواو، وأشار بجانب ذلك لأصوات فرعية منها ما هو مستحسن ومستعمل مثل : الشين التي كالجيم، والصاد التي كالزاي وغيرهما، وأشار إلى أصوات أخرى فرعية غير مستحسنة مثل : الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف. اهتم سيبويه بتقسيم الأصوات وفق مخارجها، فذكر مخرج الحلق بأقسامه، ومخارج اللسان (طرف اللسان، ووسط اللسان، وحافة اللسان) ومخرج الشفتين، ومخرج الخياشيم ومنه النون الخفيفة. واهتم سيبويه كذلك بصفات الحروف العربية مثل: الجهر والهمس والشدة والرخاوة والإطباق والانفتاح والصفير والاستطالة والتفشي وغير ذلك. ويلاحظ أن دراسة سيبويه للأصوات تشبه إلى حد ما طريقة أستاذه الخليل مع اختلافهما في طريقة العرض؛ إذ مهد الخليل بمقدمته للمعجم، في حين أن سيبويه مهد بها لدراسة باب الإدغام. وكذلك اختلافهما في ترتيب بعض الأصوات كما ذكرنا قبل، إلا أنهما يشتركان في معالجة مخارج الحروف وصفاتها، والاهتمام بالأصوات اللغوية داخل البناء الصرفي والمعجمي. 3. منهج الجاحظ هو أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني، المتوفي سنة 255هـ. كان في عينيه نتوء لذا سُمِّي الجاحظ أي لجحوظ عينيه، كان محباً للعلم حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين (يستأجر المكتبات ليبيت فيها للقراءة ). (انظر: ياقوت وابن خلكان). وله عدد كبير من المصنفات والرسائل الأدبية واللغوية منها: الحيوان والبخلاء والبيان والتبيين وغيرها. والبيان والتبيين موسوعة أدبية ثقافية شاملة اهتم فيها بعلم البيان، واهتم بتراث المتكلمين من أهل الفرق الإسلامية في عصره وخاصة المعتزلة. وأورد شروط البلاغة والفصاحة والخطابة وغيرها. واستهل في ثنايا كلامه بالقرآن الكريم، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم، وأشعار العرب وكلامهم. لم يكن الجاحظ في كتابه معنياً بدراسة الصوت اللغوي كما فعل من سبقوه، وبخاصة الخليل وسيبويه. وإنما اهتم بدراسة الصوت اللغوي بالقدر الذي يخدم هدفه: وهوالبيان والفصاحة، وما يتصل بأصوات اللغة العربية الفصيحة، وما يلزم الخطيب والمتكلم من فصاحة الصوت واللفظ، وما يجب عليه تجنبه من الخطأ والعيب المتصل بالصوت. اهتم الجاحظ اهتماماً واضحاً بعيوب النطق، بوصفها منقصة للخطيب والفصيح والمتكلم. فكما يُعاب على الخطيب خطؤه في التأليف، يعاب عليه كذلك خطؤه في الصوت. ولم يكتف الجاحظ بذكر العيوب النطقية،وإنما عرض لأسبابها وطرق علاجها. ذكر الجاحظ من عيوب النطق: اللثغة : وهي تدخل السين فتصبح ثاء : بسم الله تصبح بثم الله. وتدخل اللام فتصبح ياء: جمل: تصبح جمي. وتدخل الراء فتصبح ياء: عمرو عمي. وتدخل حروفاً أخرى منها: القاف فتصبح طاء: قلت طلت. التَّعتعة : إذا تتعتع اللسان في التاء، فالشخص يكون تمتاماً. الفأفأة : إذا تعتع اللسان في الفاء. اللفف : إذا أدخل المتكلم بعض كلامه في بعض. اللجلجة : في لسانه حبسه. اللكنة : إذا أدخل بعض حروف العجم في حروف العرب. وذكر عيوباً أخرى منها : الحبسة والتشادق والتقعير وغيرها. وذهب الجاحظ إلى أن بعض هذه العيوب خلقية كما هوالحال في بعض اللثغات. وتنتج بعض العيوب من أسباب عارضة مثل اللفف الذي ينتج من طول الصمت واستشهد بقول الشاعر : كأن فيه لففاً إذا نطق من طول تحبيس وهمّ وأرق ويرى الجاحظ أن معظم هذه العيوب تعالج بالدُّربة، وتكرار النطق بصوت الحرف المعني. ويمكن لمن عرف قدراً وافياً من كلام العرب من المترادف وغيره، أن يتخلص من نطق بعض الكلمات إلى غيرها؛ كأن يتجنب صاحب اللثغة في الراء: كلمة الهزبر بمعنى الأسد، ويستخدم غيرها من المترادفات. 4. منهج ابن جني هو أبوالفتح عثمان بن جني، المتوفى سنة 392 للهجرة، من كبار علماء العربية في القرن الرابع الهجري. كان معاصراً لأبي الطيب المتنبي يقول عنه: ابن جني أعرف بشعري مني ( انظر : ابن العماد ). قرأ على أبي علي الفارسي صاحب التصانيف المعروفة في النحو والقراءات. وقد ورث ابن جني تراث السلف في اللغة والنحو، واطّلع على مؤلفات السابقين له وقرأها على شيخه. وهو أول من ألف كتاباً مستقلاً في الأصوات العربية سماه : سر صناعة الإعراب. وجاءت جميع مباحث هذا الكتاب في علم الأصوات. كما حوى كتابه الأخير الخصائص مسائل متنوعة في علم الأصوات بجانب قضايا العربية نحواً وصرفاً ولغةً، وتميز كتاب سر الصناعة بأنه حوى المصطلحات الصوتية التي عرفها السلف وما زاده ابن جني. وقد سار ابن جني على طريقة سيبويه في عرض الدراسة الصوتية. بدأ ابن جني كتابه : (سر صناعة الإعراب) بدراسة عامة عن الأصوات ميّز فيها بين الصوت والحرف، وهما من المصطلحات الصوتية المهمة، ثم عقد باباً سماه: باب أسماء الحروف وأجناسها ( أنواعها ومخارجها وفروعها المستحسنة وفروعها المستقبحة ). وذكر ترتيب الحروف على طريقة سيبويه، وانتهى إلى أن هذه هي الطريقة المختارة. قسَّم ابن جني كذلك الحروف إلى أقسام وفق صفاتها : فذكر المجهور والمهموس، وحروف الذلاقة والإصمات وغيرها. وعرض لدراسة الحروف حرفاً حرفاً مبيناً المسائل المتصلة به في المخارج والصفات. واهتم ابن جني كذلك بتجاور الحروف وأحكام ذلك، وحاول الربط بين الأصوات المكونة للكلمات ودلالات هذه الكلمات، قال ابن جني: فأما مقابلة الألفاظ بما يُشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع، وذلك أنهم يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبّر بها عنها، من ذلك قولهم: خضم وقضم، فالخضم لأكل الرطب، كالبطيخ والقثاء، وما كان نحوهما من المأكول الرطب، والقضم للصلب اليابس، نحو قضمت الدابة شعيرها ونحوذلك... ( ابن جنى 1913 ). أضاف ابن جني عدداً من المصطلحات الصوتية الجديدة، مثل قوله : عن الحركات أنها أبعاض الحروف. وذهب إلى أن الضمة نصف الواو، وأن الفتحة نصف الألف، وأن الكسرة نصف الياء (ابن جنّى 1913). وأسس بذلك للعلاقة الوطيدة بين الصوامت والصوائت (الحركات). وهو أول من تحدث عن تشبيه مجرى النفس أثناء نطق الحروف بالمزمار حين قال : شَّبه بعضهم الحلق والفم بالناي، فإن الصوت يخرج فيه مستطيلاً أملس ساذجاً، كما يجري الصوت في الألف غفلاً بغير صنعة ؛ فإذا وضع الزامر أنامله على حروف الناي المنسوقة، وراوح بين أنامله اختلفت الأصوات، وسمع بكل حرف منها صوت لا يشبه صاحبه، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم باعتماد علي جهات مختلفة، كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة. ونظير ذلك وتر العود، فإن الضارب إذا ضربه وهو مرسل سمعت له صوتاً، فإن حصر آخر الوتر ببعض أصابع يسراه أدى صوتاً آخر، فإن أدناه قليلاً سمعت غير الاثنين، ثم كذلك كلما أدنى أصبعه من أول الوتر تشكلت لك أصداء مختلفة ؛ فالوتر في هذا التمثيل كالحلق والخفقة بالمضراب عليه كأول الصوت من أقصى الحلق، وجريان الصوت فيه غُفلاً غير محصور كجريان الصوت في الألف الساكنة،وما يعترضه من الضغط والحصر بالأصابع كالذي يعرض للصوت في مخارج الحروف من المقاطع، واختلاف الأصوات هناك كاختلافها هنا، وإنما أردنا بهذا التمثيل الإصابة والتقريب (ابن جنى 1913). 5. منهج ابن سينا ابن سينا، هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، الملقب بالشيخ الرئيس المتوفي سنة 428هـ، فهو من كبار العلماء في القرنين الرابع والخامس الهجريين. كان فيلسوفاً وطبيباً ولغوياً وعالماً موسوعياً. فقد توافرت لرسالته الصغيرة التي كتبها في الأصوات اللغوية العربية وسماها: أسباب حدوث الحروف معارف شتى ؛ إذ استفاد من علمه بالتشريح والطب والفن في النظر إلى طبيعة الصوت اللغوي وتكونه، وإلى جهاز النطق وجهاز السمع وانتقال الأصوات وغير ذلك، يقول الدكتور رمضان عبد التواب عن كلام ابن سينا في رسالة أسباب حدوث الحروف إنه : أشبه بحديث علماء وظائف الأعضاء، فلا نكاد نلمح أنه تأثر كغيره بكتاب سيبويه، فله مصطلحاته، وله وصفه الأصيل لكل صوت ).(عبد التواب 1969). قسَّم ابن سينا رسالته إلى مقدمة وستة فصول فصول رسالة أسباب حدوث الحروف لابن سينا الفصل اسمه الفصل الأول في سبب حدوث الصوت. الفصل الثاني سبب حدوث الحروف. الفصل الثالث في تشريح الحنجرة واللسان الفصل الرابع في الأسباب الجزئية لكل حرف من حروف العرب. الفصل الخامس في الحروف الشبيهة بهذه الحروف. الفصل السادس في أن هذه الحروف قد تُسمع من حركات غير نطقية. ولاشك أن من وقف على عناوين هذه الفصول يُدرك النقلة الكبرى التي حققتها هذه الرسالة في الدراسة الصوتية مقارنة بالدراسات السابقة لها، ولا شك أن تأثر ابن سينا واضح بعلم المنطق لأنه ابتدأ بأصل الصوت وسببه، وفصّل القول في أسبابه القريبة والبعيدة، واهتم كذلك بتحديد المصطلحات مثل الصوت والحرف. وهو أول من تعرض من علماء الأصوات المسلمين للحنجرة،ووصفها بأنها آلة الصوت الأساسية، وبيّن أقسامها والعضلات التي تحركها. وتميّز منهجه بأنه درس حروف العربية حرفاً حرفاً مشبهاً لها بالأصوات التي تماثلها في الطبيعة،وهي التي سماها الحركات غير النطقية، وقارن الأصوات العربية بأصوات اللغات الأخرى التي يعرفها مثل الفارسية والرومانية. يقول ابن سينا وهويقارن أصوات العربية بأصوات اللغات الأخرى : :فمن ذلك الكاف الخفيفة التي ذكرناها، وحروف تشبه الجيم وهي أربعة منها الحرف الذي يُنطق به في أول " البئر" بالفارسية "جاه". وهذه الجيم يفعلها إطباق من حروف اللسان أكثر وأشد وحفز للهواء عند القطع أقوى. ونسبة الجيم العربية إلى هذه الجيم نسبة الكاف غير العربية إلى الكاف العربية، ومنها حروف ثلاثة لا توجد في العربية والفارسية. ولكن توجد في لغات أخرى. (ابن سينا 1983). أما تشبيهه للأصوات اللغوية بأصوات الطبيعة ففي مثل قوله عن الطاء تحدث عن تصفيق اليدين، بحيث لا تنطبق الراحتان، بل ينحصر هواء له دوي، ويُسمع عن القلع أيضاً مثله " (ابن سينا 1983). 7. منهج مكي بن أبي طالب الأنصاري هو أبو محمد مكي بن أبي طالب الأندلسي القيسي، المقرئ، العالم بالتفسير والعربية، من أهل القيروان وسكن قرطبة وتوفي فيها سنة 437هـ. سافر إلى مصر والحجاز طلباً للعلم، ألف كتاب : الرعاية في تجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة، وواضح من عنوان الكتاب أنه يربط بين الدراسات الصوتية اللغوية ودراسات تجويد القرآن الكريم، ويُعدّ كل من جاء بعد مكي عالة عليه في دراسة الأصوات والتجويد، وتتلمذ مكي على أبي زيد القيرواني صاحب الرسالة المشهورة في الفقه المالكي، وعلى أبي الحسن القابسي المحدث، وعلى القزاز الأديب اللغوي الشاعر، وغيرهم من أهل الأندلس والمغرب ومصر والحجاز. ألف مكي كتابه هذا في ثلاثين سنة ابتدأه سنة 390هـ وأكمله سنة 420هـ. وكان يلاحظ في هذه السنوات أخطاء طلابه، ويُقيم الدراسة على الصواب، وما يجب أن يتعلمه طالب العلم بأصوات اللغة الفصحى وأصوات القرآن الكريم. وكان مكي موقناً أنه أول من فتح هذا الباب من التأليف قال : (وما علمت أن أحداً من المتقدمين سبقني إلى تأليف مثل هذا الكتاب، ولا جمع مثل ما جمعت فيه من صفات الحروف وألقابها ومعانيها، ولا إلى ما اتبعت فيه كل حرف منها من ألفاظ كتاب الله، والتنبيه على تجويد لفظه، والتحفظ على تلاوته ) (الأنصاري). بيّن مكي منهجه في هذا الكتاب وكيف قسَّمه قال : (وإني لما رأيت هذه الحكمة البديعة، والقدرة العظيمة في هذه الحروف نظمت ألفاظ كتاب الله ـ جل ذكره ـ ووقفت على تصرفها في مخارجها وترتيبها عند خروج الصوت بها، واختلاف صفاتها، وكثرة ألقابها،وبيان قويها … قويت نيتي في تأليف هذا الكتاب وجمعه في تفسير الحروف ومخارجها وصفاتها وألقابها، وبيان قويها وضعيفها، واتصال بعضها ببعض ليكون الوقوف على معرفة ذلك عبرة في لطف قدرة الله الكبرى، وعوناً لأهل تلاوة القرآن ) (الأنصارى). وبدأ مكي حديثه عن الحروف التي يُؤلف منها الكلام، وأنها تسعة وعشرون حرفاً وذكر مكي أن الحرف سُمي حرفاً لأنه طرف الكلمة في أولها وفي آخرها وفي كل شييء. وأشار مكي كذلك إلى كثرة الحروف المتحركة في العربية مقارنة بالحروف الساكنة وأرجع ذلك إلى أن العربية لا تبتدئ إلا بمتحرك، وأن المتحرك يليه مثله. أما الساكن فلا يليه إلا متحرك، ولا يليه ساكن إلا إذا كان حرف مد ولين يليه وقف. (الأنصارى). ويلاحظ أن مكي ابن أبي طالب يُناقش المسائل التي يعرض لها باستفاضة ويعرض عدداً من الآراء ثم يخلُص إلى رأيه. وهو كثير الاستشهاد بآراء سيبويه وابن جني، تجد ذلك واضحاً في مناقشته لقضية الحركة والحرف، أيهما أسبق ؟ (انظر الرعاية ص 105 ـ 106 ). ولعل أهم ما يُميّز كتاب الرعاية بجانب أنه قدم دراسة وافية للأصوات العربية، أنه كما قال مكي: وإذ قد ذكرنا صفات الحروف، وطباعها، وألقابها، فلنذكر … مخارج الحروف حرفاً بعد حرف، ونذكر مع كل حرف ما يليق به من ألفاظ كتاب الله تعالى، (الأنصارى). 2.5 المستوى الصرفي ذكرنا أن الدراسة الصوتية تعتني بدراسة الأصوات مفردة كانت أم مركبة. فإذا تجاورت الأصوات وانضمت إلى بعضها، فإنها تشكل المستوى الثاني للغة وهو مستوى المفردات والكلمات، وهي تنقسم إلى أسماء وأفعال وحروف، وتسمى هذه الكلمات الوحدات الصرفية. ويختص بدراستها علم الصرف وهو فرع من فروع علم اللسان. واعتاد النحويون ربط مباحث الصرف بمباحث النحو في كتبهم، وذلك لأن بناء الكلمة فعلاً أواسماً أو حرفاً هوالذي يُحدد وظيفتها في الجملة. ويتوسط علم الصرف بين علم الأصوات وعلم النحو، وذلك لأن الأصوات المفردة عندما تتجاور تكون المفردات والكلمات كما ذكرنا وأن الكلمات عند تجاورها تكون الجمل. والصلة بين علوم الأصوات والصرف والنحوتظهر مدى الترابط بين مكونات الكلام اللغوي. وقد حرص القدماء على أهمية سبق التحليل الصرفي للكلام للتحليل النحوي، قال ابن عصفور : (وقد كان ينبغي أن يُقدّم علم التصريف على غيره من علوم العربية إذ هو معرفة ذوات الكلام في أنفسها، من غير تركيب ومعرفة الشيء في نفسه قبل أن يتركب، ينبغي أن تكون مقدمة على معرفة أحواله التي تكون له بعد التركيب ) (الإشبيلى1969) وميّز سيبويه في كتابه بعض الأبواب بأنها من علم الصرف قال : (هذا باب ما بنت العرب من الأسماء والصفات والأفعال غير المعتلة، وما قيس من المعتل الذي لا يتكلمون به ولم يجيء في كلامهم إلا نظيره من غير بابه، وهوالذي يسميه النحويون التصريف والفعل ) ( سيبويه ) وقد وردت أبواب في كتابه هي من صميم علم الصرف منها : - باب التثنية والجمع. - باب التصغير. - باب المقصور والممدود. - باب التضعيف. - باب الإدغام. وغيرها. وجمع أبو عثمان المازني (ت 249 ) في كتابه : التصريف، مسائل علم الصرف مستقلة عن مسائل النحو. وقد أفرد العلماء بعد ذلك كتباً مستقلة في الصرف ومسائله ذكر الدكتور عبد الكريم مجاهد منها (علم اللسان العربي، ص 47.) اسم الكتاب اسم المؤلف الشافيه في التصريف لابن الحاجب ت 646هـ الممتع في التصريف لابن عصفور الإشبيلى ت 669هـ شرح شافية (1) كتاب ابن الحاجب رضى الدين الاستراباذى ت 686هـ شرح شافية ابن الحاجب للجاربردي ت 746هـ. عمدة الطالب في تحقيق ابن الحاجب لابن هشام ت 762هـ. ويدل مصطلح : علم النحو، والتصريف، على " التقليب من حالة إلى حالة وهو مصدر صرف أي جعله ينقلب في أنحاء كثيرة ووجهات مختلفة " ( السيوطى 1998) ويدل الصرف على التقليب والتحويل والزيادة (علم اللسان العربي، ص 48) وتحدث هذه التغيرات على الكلمات العربية بحيث تتغير بنيتها بقلب أو زيادة أوتحويل للحروف عن مواقعها. قال ابن جني: " التصريف هو أن تأتي إلى الحروف الأصول فتتصرف فيها بزيادة حرف، أوتحريف بضرب من ضروب التغيير، فذلك هو التصريف فيها، والتصريف لها ( ابن جنى 1913) ويقول الرضي الاستراباذي : " التصريف علم بأبنية الكلمة، وبما يكون لحروفها من أصالة وزيادة وحذف وصحة وإعلال وإدغام وإمالة، وبما يعرض لآخرها مما ليس بإعراب ولا بناء من الوقف وغير ذلك ( الاسترابادى 1975)، وقسم ابن عصفور التصريف قسمين (الإشبيلى 1969). أولهما : جعل الكلمة على صيغ مختلفة لضروب من المعاني نحو : ضرب وضرّب، وتضرّب، وتضارب واضطرب. ثانيهما : تغيير الكلمة عن أصلها من غير أن يكون ذلك التغيير دالاً على معنى طارئ على الكلمة نحوتغييرهم قول إلى : قال، وإذا رجعنا إلى قسمي علم التصريف اللذين أشار إليهما ابن عصفور نجد أن الصرفيين عالجوا قضايا صرفية محددة تحت كل قسم، ويمكن توضيح ذلك فيما يلي : أ‌- الأبواب الدالةعلى تغييرالأبنية الصرفية بحيث تنشأ دلالات ومعان جديدة : 1. الإفراد والتثنية والجمع ( خاصة بالأسماء ). 2. التصغير والتكبير ( خاص بالأسماء ). 3. التذكير والتأنيث ( خاص بالأسماء ). 4. التنكير والتعريف ( خاص بالأسماء ) 5. الأسماء المشتقة مثل : المصدر الميمي والمصدر الصناعي واسم الفاعل والمفعول و ظروف الزمان والمكان واسم الآلة. 6. بناء الأفعال ( الماضي والمضارع والأمر ) و قد أورد سيبويه في الكتاب عدداً من أبواب الصرف منها : النسب، التصغير، و جمع التكسير، وأوزان المصادر، وصيغ الأفعال، واسم الآلة، وأسماء الأماكن، وفعل التعجب (انظر كتاب سيبويه الجزء الثاني) ( سيبويه). ب - الأبواب الدالة على تغيير الأبنية دون إضافة معنى جديد ويظهر هذا في أبواب الإعلال والإبدال والإدغام والإمالة والوقف. وقد أورد سيبويه في كتابه عدداً منها مثل: الإمالة، والوقف , والإعلال، والإدغام (سيبويه الجزء الثاني). 3.5 المستوى النحوي اهتم علماء العربية الأوائل بجمع ألفاظ اللغة و مفرداتها. ويعدّ جهد العلماء في هذا الباب أسبق من عملهم في النحو واهتمامهم به.وقد تأسس استنباط قواعد النحو على استقراء كلام العرب وأساليبهم، واكتنف نشأة علم النحو بعض الغموض،واختلفت الروايات في ذلك. و هذا أمر معروف في التاريخ لبدايات العلوم و نشأتها، ويسهم في بدايات العلوم عادة أكثر من شخص، و قد تتعدد أماكن البداية وأزمنتها، و قد تكون مساهمة ما أكثر من الأخريات إلى غير ذلك. يقول الدكتور محمد المختار ولد أبّاه صاحب كتاب تاريخ النحوالعربي في المشرق والمغرب : " و مع ذلك فإن كل الروايات تجمع أن الإمام علياً ابن أبي طالب هوالذي وضع الخطة الأولى، وأن أبا الأسود بدأ بتنفيذها، وأن أحد تلاميذه هو عبد الله ابن أبي إسحاق الحضرمي هوالذي أرسى القواعد و مد القياس و شرح العلل، وأن عيسى بن عمر قد جمعها في جامعه وأكملها في إكماله، وتوالت الجهود، حتى انتهى الأمر إلى كتاب سيبويه " (ولد أباه 1996). وتجمع الآراء أن السبب الأساسي لنشأة النحوالعربي هو ظهور اللحن بعد انتشار الإسلام، واختلاط العرب بغيرهم، ونسب لأبي الأسود قوله : " دخلت على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه، فرأيته مطرقاً مفكراً فقلت فيم تفكر يا أمير المؤمنين ؟ فقال إني سمعت ببلدكم هذا لحناً، فأردت أن أضع كتاباً في أصول العربية. فقلت : إن فعلت هذا يا أمير المؤمنين فقد أحييتنا، و بقيت فينا هذه اللغة، ثم أتيته بعد أيام فألقى إلى صحيفة فيها : بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام كله اسم و فعل و حرف، والاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل... الخ "( القفطى:1986). ويكون بذلك أبو الأسود الدؤلي- واسمه ظالم ابن عمرو بن سفيان المتوفى سنة 67هـ - أول من نسب له عمل ظاهر أخذه عن الإمام علي و طوّره من بعد، يقول ابن سلام الجمحي : " إن أبا الأسود كان أول من أسس العربية، و فتح بابها وأنهج سبيلها، ووضع قياسها، وإنما قال ذلك حينما اضطرب كلام العرب فغُلبت السليقة، فكان سراة الناس يلحنون، فوضع باب الفاعل والمفعول والمضاف و حرف الجر والرفع والنصب والجزم (الجمحيّ د.ت.ط) ويُنسب بعد ذلك جهد ظاهر لتلاميذ أبي الأسود و منهم : نصر بن عاصم الليثي المتوفى سنة 89 هـ، وعرف بتنقيط المصحف بمشاركة آخرين بأمر من الحجاج ابن يوسف الثقفي، و من تلاميذ أبي الأسود أيضاً : يحيى بن يعمُر الثقفي المتوفى 129 هـ، و عرف عنه الكلام عن المصطلحات النحوية مثل حديثه عن خبر كان مع الحجاج. و منهم : عنبسة الفيل و ميمون الأقرن، و عبد الرحمن بن هرمز، و غيرهم (ولد أباه 1996). عصور التأليف النحوي العربي ورجالها وممن ينسب لهم الفضل في تأسيس النحوالعربي و نشأته بعد أبي الأسود وتلاميذه عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي ت 117 هـ : " أول من بعج النحو و مدّ القياس و شرح العلل" ( الزبيدى د.ت.ط)، و منهم عيسى بن عمر الثقفي ت 149هـ، وأبو عمرو بن العلاء البصري ت 154هـ وهو من القُرّاء السبعة، ويمثل العصر المنتهي بأبي عمرو بن العلاء البصري عصر النشأة والتأسيس للنحوالعربي. أما العصر الثاني وهو عصر التدوين والتصنيف فهوالذي يبدأ بسيبويه على الوجه الأرجح، و قد سبقته محاولات جادة في التأليف في النحو منها: ما نسب لعيسى بن عمر و قد ألف كتابين و هما: الجامع والإكمال. و قد نسب للخليل بن أحمد وهو شيخ سيبويه قوله: ذهب النحو جميعـاً كله غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك إكمال و هذا جامع و همـا للناس شمس و قمر و هما بابان صارا حكمة وأراحا من قياس و نظر ( اللغوى 1955) و منها مساهمة يونس بن حبيب الضبي ( ت 182هـ )، واشتُهر بحلقة تدريس علم العربية قال عنه أبو زيد الأنصاري: " ما رأيت أحداً أبذل للعلم من يونس. و منهم الأخفش الكبير أبوالخطاب، و قد روى عنه سيبويه في الكتاب، و منهم الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 180هـ) الذى أكثر سيبويه من الرواية عنه وهو واضع علم العروض أو مخترعه من أشعار العرب،وهوالذي أسس المعجم اللغوي العربي بتأليفه لمعجم العين (ولد أباه 1996). أما كتاب سيبويه فهوالذي لخص جهود النحويين و نقل زبدة كلامهم، يقول عنه ابن خلدون: "إن سيبويه قد أخذ صناعة النحو عن الخليل فكمّل تفاريعها واستكثر من أدلتها و شواهدها، ووضع فيه كتابه المشهور الذي صار للناس إماماً لكل ما كتب فيها من بعده (ابن خلدون د.ت.ط). و ظهر كتاب سيبويه موسوعة شاملة في النحو والصرف واللغة، واشتمل على كثير من الشواهد والأمثلة المعبرة عن العربية في أبهى صورها وأوضحها وأعلاها. و على الرغم من أنه أول إنجازات عصر التدوين إلا أنه بدأ مستوفياً لأبواب الدراسة اللسانية على النحوالذي قدمنا به لمفهوم الدراسة اللسانية عند علماء العربية، و قد أُخذ عليه أنه لم يرتب المسائل النحوية فيه ترتيباً واضحاً، و جاءت المسائل موزعة في الكتاب. أما العصر الذي يلي عصر التدوين فهو عصر البيان ومن أشهر العلماء فيه: أبوالعباس المبرد ت 285هـ صاحب كتاب المقتضب وهوتلخيص وتبسيط لكتاب سيبويه و نقد لبعض مسائله، و منهم : أبوالعباس ثعلب وهو من رؤوس المدرسة الكوفية، و من رؤوسها كذلك أبو جعفر الرؤاسي ومعاذ الهراء والكسائي والفراء ( ت 207هـ )، أما المدرسة البصرية فنجد بجانب المبرد، الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة، والأصمعي، والجرمي والمازني. أما العصر الرابع في عصور التأليف النحوي فهو عصر التقويم والتأصيل للدراسة النحوية وأبرز أعلامه : أبواسحاق الزجاج ت 310 هـ وأبو بكر بن السراج ت 316 هـ، صاحب كتاب الأصول في النحو، وأبوالقاسم الزجاجي ( ت 337 هـ) صاحب كتاب الجمل في النحو، و قد مال فيه إلى وضوح العبارة، وهو من الكتب المختصرة ( ت 337هـ) مع اشتمالها على أبواب النحو. وأبو سعيد السيرافي شارح كتاب سيبويه، وهو ممن بدأ شرح الكتب النحوية، وقد سار على دربه عدد من العلماء، و مثله أبوالحسن الرماني ت 384 هـ شارح الكتاب أيضاً. وأبو علي الفارسي ( ت 377 هـ) شيخ ابن جني اللغوي المعروف، وأبوالفتح ابن جني ت 392 هـ نفسه صاحب الخصائص، و صاحب اللمع في النحو، وابوالبركات بن الأنباري ت 327 هـ صاحب كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين. و سلكت المؤلفات المشار إليها جميعاً طريقة سيبويه في جمع فروع علوم اللسان في مؤلف متكامل، فكلها تشتمل على أبواب النحو وقضايا الصرف و مسائله و مسائل علم الأصوات و غيرها. ثم بدأ علم الأصوات و علم الصرف يستقلان عن الدراسات النحوية في القرن الرابع الهجري، كما ظهر ذلك في كتاب سر صناعة الإعراب لابن جني وهو كتاب مستقل في الدراسة الصوتية و كذا كتاب التصريف للمازني وهو كتاب مستقل في الصرف. و مثل سر الصناعة، رسالة أسباب حدوث الحروف لابن سينا. كتب القرن الرابع في الصرف والأصوات اسم الكتاب اسم المؤلف سر صناعة الإعراب ابن جني التصريف المازني رسالة أسباب حدوث الحروف ابن سينا وانتقلت الدراسات النحوية العربية بعد ذلك إلى بلاد الأندلس (ولد أباه 1996) بعد انتقال ثقل الدولة إليها، ويعد جودي بن عثمان المتوفى 198هـ أول من صنف في النحو في بلاد الأندلس، وتأسس النحو على مقولات النحويين البصريين والكوفيين. ويشار في الأندلس إلى مساهمة الأعلم الشنتمري ت 476 هـ بالقيم على كتاب سيبويه كما كان يعرف، وقد ألف كتاب النكت في النحو. وكذلك ابن الطراوة ( ت 528 هـ) وعرف بالأستاذ لعلو مكانته في النحو. ومنهم ابن السيد البطليوسي ت 512 هـ وقد جمع بين الشعر واللغة والنحو والأصول (ولد أباه 1996) ومنهم الإمام السهيلي ( ت 583 هـ) صاحب كتاب نتائج الفكر في النحو، وكتاب الروض الأُنُف في السيرة النبوية ومنهم ابن مضاء القرطبي ت 592هـ الذي اشتُهِر بآرائه في العامل النحوي وإنكاره للعلل الثواني والثوالث. وعُرِف كتابه : الرد على النحاة (ولد أباه 1996). ومن النحويين الكبار في الأندلس أيضاً أبو موسى الجزولي ( ت 605هـ) صاحب المقدمة الجزولية في النحو، وهي من أوائل الشروح النحوية فهي شرح لمتن قواعد الإعراب لابن هشام. ومنهم ابن معط (ت 628 )هـ صاحب الألفية، وهو أول من ابتكر المنظومات النحوية، و منهم أبو علي الشلوبين ( ت 645هـ ). كتب الأندلسيين في الصرف اسم الكتاب اسم المؤلف شرح كتاب سيبويه الأعلم الشنتمري النكت في النحو الأعلم الشنتمري نتائج الفكر في النحو الإمام السهيلي المقدمة الجزولية في النحو أبو موسى الجزولي الألفية ابن معطٍ التذكرة أبوعلي الشلوبين الرد على النحاة ابن مضاء القرطبي وانتقل ثِقَل العلم من بلاد الأندلس إلى مصر و دمشق (ولد أباه 1996) على يد جمال الدين محمد بن مالك الطائي (ت 672هـ) وأشهر مؤلفاته الألفية وتسمى الخلاصة، و قد صاغ فيها النحو في ألف بيت، و شرحها عدد من العلماء منهم: ابن هشام وابن عقيل والأشموني و شرحها ابنه المعروف عند النحاة بـ ابن الناظم، و من أشهر العلماء في مدرسته جمال الدين ابن الحاجب (ت 646هـ ) صاحب الكافية في النحو والشافية في الصرف، واشتُهر من تلاميذه ابن هشام الأنصاري المتوفي سنة 761هـ، ومؤلفاته متنوعة في النحو، فمنها مثلاً ما ألفه للناشئة مثل: قطر الندى وبل الصدى، ومنها ما هو لمستوى أعلى مثل شذور الذهب، إلا أن أهم مؤلفاته وأغناها كتابه : مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ونشير هنا إلى جهود من تبعوا ابن مالك مثل الإمام السيوطي المتوفى سنة 911هـ صاحب التصانيف الكثيرة، منها في النحو همع الهوامع شرح جمع الجوامع، و كتاب الأشباه والنظائر، وكتابه القيم: المزهر في علوم اللغة وأنواعها وهو كتاب موسوعي في فروع اللغة. كتب النحو عند المصريين اسم الكتاب اسم المؤلف الألفية (الخلاصة ) جمال الدين محمد بن مالك الطائي شرح الألفية ابن هشام شرح الألفية ابن عقيل شرح الألفية الأشموني شرح الألفية ابن الناظم الكافية في النحو جمال الدين بن الحاجب الشافية في الصرف جمال الدين بن الحاجب قطر الندى وبل الصدى ابن هشام شذور الذهب ابن هشام مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب ابن هشام همع الهوامع شرح جمع الجوامع السيوطي الأشباه والنظائر السيوطي المزهر في علوم اللغة السيوطي و قد وردت المسائل النحوية في كثير من كتب التراث العربي منها كتب الأمالي، وهي كتب أملاها عدد من العلماء على تلاميذهم أو في مجالسهم العلمية نذكر منها : أمالي الزجاجي وأمالي ابن الشجري وأمالي السهيلي، وأمالي الشريف المرتضي. و من الكتب التي حوت مسائل النحو و كانت إضافة واضحة لهذا العلم كتب إعراب القرآن الكريم، وإعراب الحديث النبوي الشريف، ومنها: إعراب ثلاثين سورة لابن خالويه، والتبيان في إعراب القرآن المسمى إملاء ما منّ به الرحمن للعُكْبُرِي، ومنها إعراب الحديث النبوي الشريف للعكبري. كتب التراث المشتملة على مسائل نحوية اسم الكتاب اسم المؤلف أمالي الزجاجي الزجاجي أمالي بن الشجري ابن الشجري أمالى السهيلي الإمام السهيلي أمالى الشريف المرتضى الشريف المرتضي إعراب ثلاثين سورة ابن خالويه التبيان في إعراب القرآن العكبري إعراب الحديث النبوى الشريف العكبري و نشير هنا إلى أن بعض المؤلفات اهتمت بالأصول التي تأسس عليها علم النحو،منها الأصول في النحولابن السراج( ت 316 هـ)، و منها كتاب الاقتراح في أصول النحوللسيوطي (ت 911 هـ) و غيرهما. كتب أصول النحو اسم الكتاب اسم المؤلف الأصول ابن السراج الاقتراح في أصول النحو السيوطي وذكر السيوطي أن أصول النحو أو أدلته عند العلماء ثلاثة و هي : السماع و سماه النقل، والقياس، والاجماع، و زاد في موضع آخر : استصحاب الحال ( السيوطى 1998) وعرّف السماع بقوله: " وأعني به ما ثبت في كلام من يُوثق بفصاحته فشمل: كلام الله وهوالقرآن، و كلام نبيه صلى الله عليه وسلم، وكلام العرب قبل بعثته وفي زمنه وبعده، وإلى زمن فسدت فيه الألسنه بكثرة المولدين، نظماً و نثراً عن مسلم أو كافر )) ( السيوطي 1998). أما القياس عنده فهو حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه، ونقل عن ابن الأنباري قوله :النحو علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب ؛ فمن أنكر القياس فقد أنكر النحو. وللقياس أركان هي : الأصل وهوالمقيس عليه،والفرع وهوالمقيس، و حكم، وعلة جامعة( السيوطي 1998). أما الإجماع فقد قال في تعريفه : والمراد به إجماع نحاة البلدين : البصرة والكوفة (السيوطي 1998) و عرف استصحاب الحال بقوله : ( هوإبقاء حال اللفظ على ما يستحقه في الأصل عند عدم دليل النقل عن الأصل ). و قال نقلاً عن ابن الأنباري: وهو من الأدلة المعتبرة كاستصحاب حال الأصل في الأسماء، وهوالإعراب حتى يوجد دليل البناء، و حال الأصل في الأفعال هوالبناء حتى يوجد دليل الإعراب. وقد أورد السيوطي في الاقتراح كذلك عدداً من التعريفات لعلم النحو،تدل على أن معظم مباحثه توزعت الآن على عدد من فروع علم اللسان،مثل علم الصرف، و علم الأصوات و علم التراكيب، فالتعريفات أوالحدود التي ذكرها نقلاً عن السابقين له تدل على أن علم النحو كان مشتملاً على عدد من فروع العربية الأخرى، كما هو واضح من المؤلفات التي ذكرناها في عصور النحوالمختلفة. قال السيوطي في الاقتراح يُعرِّف علم النحو: ( وأليقها بهذا الكتاب قول ابن جني في الخصائص : ( النحوانتحاء سَمْتِ كلام العرب، في تصرفه من إعراب وغيره، كالتثنية والجمع، والتحقير، والتكسير، والإضافة، و غير ذلك... ) ( السيوطي 1998) وقال أبوسعيد الفرغاني صاحب المستوفي: (النحو صناعة ينظر لها أصحابها في ألفاظ العرب من جهة ما يتألف بحسب استعمالهم، لتعرف النسبة بين صيغة النظم وصورة المعنى، فيتوصل بإحداهما إلى الأخرى ) ( السيوطي 1998 ) وقال الخضراوي الأندلسي: (النحو علم بأقيسة تغير ذوات الكلم وأواخرها بالنسبة إلى لغة لسان العرب ) (السيوطي 1998). 4.5 المستوى الدلالي ويمثل هذا المستوى الرابع المحصلة النهائية للغة، ذلك أن دلالة اللفظ أوالكلمة واستخدامها، هوالذي يبين موقعها من اللغة وأهميتها فيها. و قد اجتهد العلماء من قديم في بيان دلالات الكلمات العربية و معانيها، وسارت الدراسات العربية القديمة المهتمة بدلالة الألفاظ والمفردات و معانيها في اتجاهين : الأول: المعاجم العربية. الثاني: العلاقات الدلالية للمفردات وإمكانيات تنوع دلالاتها. أما المعاجم العربية فقد بدأ التأليف فيها برسائل موجزة في غريب اللغة و غريب القرآن الكريم و غريب الحديث النبوي الشريف، و من أشهر الرسائل في اللغة رسائل في الخيل ألفها النضر بن شميل وأبو عبيدة والأصمعي وابن الأعرابي و غيرهم. و صنفت رسائل في خلق الإنسان و في الحيوان والنبات. ويعدُّ قُطْرُب وأبو عمروالشيباني والأصمعي وأبو حاتم السجستاني من أشهر من ألف فيها، ويعدّ معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي أول محاولة جادة في التأليف المعجمي. و قد رتب معجمه هذا على أساس الترتيب الصوتي للحروف وفق مخارجها، مبتدئاً من أسفل بحرف العين. و ممن تبعه في الترتيب الصوتي وإن لم يبدأ بالعين، أبو علي القالي في معجمه البارع، والأزهري في تهذيب اللغة، وابن سيده في معجميه المحكم والمحيط الأعظم. ( أحمد مختار1977). معاجم الترتيب الصوتي للحروف اسم المعجم اسم المؤلف العين الخليل بن أحمد البارع أبوعلى القالي تهذيب اللغة الأزهري المحكم ابن سيده المحيط الأعظم ابن سيده ويعدّ ابن عباس ( ت 68هـ ) رضي الله عنهما أول من ألف في غريب القرآن الكريم وتبعه في ذلك مجموعة من العلماء منهم أبو عبيدة معمر بن المثنى وابن قتيبة وأبو حاتم السجستاني. أما غريب الحديث فقد ألف فيه جماعة من العلماء منهم أبو عبيد القاسم بن سلاّم الهروي، والزمخشري في كتابه : الفائق في غريب الحديث، وابن الأثير في كتابه النهاية في غريب الحديث. مؤلفات غريب القرآن وغريب الحديث اسم الكتاب اسم المؤلف غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى غريب القرآن ابن قتيبة غريب القرآن السجستانى غريب الحديث أبوعبيد القاسم بن سلاّم الفائق في غريب الحديث الزمخشري النهاية في غريب الحديث ابن الأثير يقول الدكتور أحمد مختار عمر : (( لا نعرف أمة في تاريخها القديم أوالحديث قد تفننت في أشكال معاجمها و في طرق ترتيبها وتبويبها كما فعل العرب )). و قد رتب العرب معاجمهم إجمالاً إما على المعنى ؛ وذلك بأن ترتب كلمات الموضوع الواحد مثل الخيل أوالنبات في معجم صغير أو رسالة على نحو ما ذكرنا، و من أشهر معاجم المعاني: معجم المخصص لابن سيده. أويرتب المعجم على الألفاظ وفق حروف الكلمات وتسمى معاجم الألفاظ. و عرفت عدة طرق في ترتيب معاجم الألفاظ منها : أ. الترتيب الصوتي وهويعتمد على مخارج الحروف وهوالذي ابتدأه الخليل كما ذكرنا. ب. الترتيب الألفبائي وهوالذي يراعي التشابه الكتابي للأحرف فيضع الثلاثيات متجاورة مثل : ب ت ث، أو ج ح خ. ثم الثنائيات مثل د ذ، ر ز، س ش وينتهي بالأحرف المفردة، ك، ل، م، ن، هـ، و، ي. و قد أخذت طريقة الترتيب الألفبائي الصور الآتية : صور الترتيب الألفبائى • وضع كلمة تحت أسبق حروفها في الترتيب الألفبائى. • وضع الكلمة تحت أول حروفها الأصلية. • وضع كلمة تحت أول حروفها من غير تجريد. • وضع الكلمة تحت حرفها الأخير دون تجريد. • وضع الكلمة تحت حرفها الأصلي الأخير. 1. وضع كلمة تحت أسبق حروفها الأصلية في الترتيب الألفبائي وذلك كما هوالحال في كتاب الجمهرة لابن دريد فكلمة ( سرب ) توجد تحت حرف الباء لأنه أسبق حروفها في الهجاء، و كلمة ( عبد ) تحت حرف الباء لأنه أسبق حروفها في الهجاء، و كلمة ( بلد ) تحت حرف الباء لأنه أسبق حروفها في الهجاء و هكذا. 2. وضع الكلمة تحت أول حروفها الأصلية. واشهر من استخدم هذه الطريقة أحمد بن فارس في معجمه المقاييس. و قد اتبع الترتيب الهجائي العادي أ ب ت ث.. الخ. و فعل ذلك في معجم مجمل اللغة. فإذا أراد القارئ البحث عن الكلمة ( متكلف ) رجع إلى جذرها الثلاثي (كلف) ويبحث عنها في حرف الكاف. وتبعهم في هذا الترتيب الزمخشري في معجم أساس البلاغة والفيومي في معجم المصباح المنير. 3. وضع الكلمة تحت أول حروفها دون تجريد و قد اتبعت هذه الطريقة مجموعة من الكتب اللغوية اهتمت بنوع معين من المفردات مثل: كتاب المقصور والممدود لابن ولاد (ت 332هـ )، والجواليقي في كتابه: المعرب، فإذا أراد القارئ البحث عن كلمة كتاب يجدها تحت حرف الكاف،. أما مكتبة فيجدها في حرف الميم، وتكاتب في حرف التاء و هكذا. 4. وضع الكلمة تحت حرفها الأخير دون تجريد وأشهر من استخدم ذلك معجم: التقفية في اللغة لمؤلفه: أبو بشر اليمان ابن اليمان ( ت 284هـ ) وقد رتب المؤلف كتابه على حسب أواخر الكلمات بقطع النظر عن كونها حروفاً أصلية أو زائدة فكلمات : البحر، البشر، العسر، اليسر، تحت حرف الراء. 5. وضع الكلمة تحت حرفها الأصلي الأخير ويطلق على هذه الطريقة، طريقة الباب والفصل، و من أشهر المعاجم التي اتبعت هذه الطريقة : الصحاح للجوهري والعباب الزاخر واللباب الفاخر للصاغاني، ولسان العرب لابن منظور الأفريقي، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، وتاج العروس للزبيدي. واذا أراد القارئ البحث عن كلمة مكاتبة في هذه المعاجم، فإنه يرجعها لجذرها الثلاثي : كتب، ويبحث عنها تحت حرفها الأصلي الأخير : وهوالباء، أي باب الباء فصل الكاف، أما كلمة سلم فهي في باب الميم فصل السين و هكذا. أما العلاقات الدلالية بين المفردات فهي تمثل الاتجاه الثاني في دراسات الدلالة. و عرف العرب من قديم الدراسات اللغوية للألفاظ وفق أبواب : الترادف والتضاد والمشترك اللفظي والاشتقاق و غيرها. و سنفصل القول فيها في باب فقه اللغة من هذا الكتاب. 6.علاقة علم اللسان بالعلوم الأخرى 1.6علاقة علم اللسان بعلم النفس تُعدّ اللغة مميزاً أساسياً للإنسان عن غيره من المخلوقات، هذا مع وجود مستويات تفاهم معينة بين المخلوقات الأخرى.والميزة الأساسية للغة الإنسان هي ارتباط الإدراك والعقل بها و بنظامها، و كذلك ارتباطها بالشعور. وتكون بذلك نمطاً من أنماط السلوك الإنساني. ولما كان علم النفس مختصاً بدراسة السلوك الإنساني عامة، فإن اللغة أحد مجالات الدراسة المهمة لعلم النفس (فهمى 1973). و نشأ علم اللسان النفسي (Psycholinguistics) لدراسة العلاقة بين النفس البشرية واللغة بشكل عام، أو بين اللغة والعقل الإنساني مثل اكتساب اللغة، وإدراك الكلام، و دراسة العلاقة بين الفكر واللغة، و علاقة اللغة بشخصية المتكلم النفسية و حالته الانفعالية و دراسة عيوب الكلام). و قد اهتمت المدرسة السلوكية (Behaviorism ) بالسلوك اللغوي. و كان اهتمام علماء اللغة قبل الدراسات الحديثة في علم اللسان النفسي، مقتصراً على دراسة العبارات اللغوية الصادرة من جهاز النطق،و دراستها أثناء مرورها في الهواء الناقل، ثم دراستها عند تلقى جهاز السمع لها. فدراسة اللغويين تختص بالظاهرة الصوتية التي تصدر في شكل موجات صوتية حتى تصل للمتلقي. أما علماء النفس فيهتمون بالعمليات العقلية التي تحدث قبل إصدار الكلام، وأثنائه ولتلك العمليات العقلية المصاحبة للسمع. ويهتمون كذلك بأثر الجهاز العصبي المركزي في ترجمة النبضات العصبية اللغوية و فهمها، و هَمّ السلوكيين الأساسي هو دراسة السلوك الإنساني المصاحب لعملية الكلام في كل مراحله، واهتموا بعمليات التعلم والإدراك والقدرات المطلوبة لعملية تعلم اللغة (فهمى 1973). واهتمت الدراسات اللسانية النفسية الأمريكية عند بلومفيلد و غيره بالمثير والاستجابة، وذلك أن المحرك الأساسي للكلام ( المثير ) هو حاجة نفسية، تتبعها استجابات من الطرف الآخر. و قد ساعدت دراسات علم اللسان النفسي في تطوير نظريات علم النفس نفسه في مجال السلوك الإنساني. 2.6 علاقة علم اللسان بعلم الاجتماع ميز علماء اللغة المحدثين مستويات الظاهرة اللغوية و قسموها إلى ثلاثة أقسام هي: الظاهرة العامة = اللغة الظاهرة النوعية = اللسان الظاهرة الفردية = الكلام و جعلوا الكلام هو مستوى هذه الظاهرة الفردية، وهوالذي يختص بكلام الأفراد. فكل فرد له طريقته في النطق، وله استخدام خاص به لجهاز النطق الإنساني ؛مع أن مكونات هذا الجهاز تتساوى عند جميع الناس، فالكلام المميز للشخص بمنزلة البصمة المميزة له من غيره. أما الظاهرة النوعية فهي مستوى اللسان وهويضم مجموعة أو جماعة أوأمة من الناس، تعارفت على مصطلحات معينة، و على نظام لغوي مشترك من المفردات والجمل والعبارات. وأوضح دلالة عليه ما ورد في قول الله تعالى:         وقد تتعدد الألسن البشرية، إلا أنها تجتمع في مستوى أعلى هو مستوى الظاهرة العامة، فمع اختلاف الألسن إلا أنها تجتمع جميعها في تحقيق النمط الأمثل للنظام اللغوي، فكل لسان لابد له من مميزات لغوية تجمعه مع غيره من الألسن، كأن يكون فيه نظام صوتي و صرفي و نحوي و دلالي و غير ذلك، و بهذه المستويات تتحقق الظاهرة اللغوية وهي ظاهرة كونية. ولعلك تلاحظ على هذه المستويات أنها انتهت إلى أن تكون اللغة ظاهرة اجتماعية عامة، بوصفها ظاهرة كونية يتحرك خلالها جميع البشر. و هي ظاهرة اجتماعية خاصة يجتمع حولها أصحاب كل لسان من الألسن البشرية فيها، قلّ أو كثر عدد المتكلمين بها. وتنبع من هذه الظاهرة الاجتماعية للغة الصلة الوثيقة بين علم اللسان وعلم الاجتماع (Sociology). و نشأ بفضل هذه الصلة علم اللسان الاجتماعي (Sociolinguistics) ويسعى هذا العلم للكشف عن الجوانب الاجتماعية في اللغة، و دراسة نظام الحياة في مجتمع ما من خلال لغته،و ما فيها من مفردات معبرة عن السلوك المجتمعي للأفراد، و عن الصورة العامة للمجتمع و عاداته و سلوكه و قيمه. ومما هو معلوم أن الألفاظ المستعملة في كل بلد أو في مدينة أو قرية، تدل على الشخص وانتمائه الحضاري والديني والثقافي و مستوى معيشته، والطريقة التي يخاطب بها الآخرين، وتجد في كل لسان ألفاظاً تستخدمها النساء دون الرجال، و كذا الرجال دون النساء في التعبير عن مواقف معينة في حياة المجتمع، وتمتاز كل مجموعة من الناس وفق المهن التي يعملون بها بمصطلحات و بعبارات معينة دالة عليهم، إذ تستطيع أن تحدد مستوى تعليم الشخص وتدينه مثلاً من خلال العبارات التي يستخدمها و غير ذلك، وقد نشأت دراسات متخصصة في علم اللسان الاجتماعي منها : تفسير الظواهر اللغوية وفق البيئة اللغوية أوالمنطقة الجغرافية، و دراسة الألفاظ الدالة على عادات المجتمعات المتنوعة في المناسبات الاجتماعية ( الأفراح والأحزان ) ونستطيع أن نقول إن اللغة مرآة عاكسة لحياة المجتمع، وتساهم كذلك في تطوره الاجتماعي بمحاولة أفراد المجتمع الانتقال إلى العبارات الدالة على التحضر والتعامل الإنساني الراقي خلال مسيرة حياتهم. المراجع: الدكتور إبراهيم أنيس: 1. الأصوات اللغوية. 2. دلالة الألفاظ. 3. طرق تنمية الألفاظ في اللغة. 4. علم اللغة العام (الأصوات). 5. في اللهجات العربية. 6. اللغة بين القومية والعالمية. 7. مستقبل اللغة العربية المشتركة. 8. من أسرار اللغة. الدكتور إبراهيم بيومي: 1. في اللغة والأدب. الدكتور إبراهيم السامرائي: 1. التطور اللغوي التأريخي. 2. التوزيع اللغوي الجغرافي. 3. دراسات في اللغة. 4. العربية بين أمسها وحاضرها. 5. الفعل زمانه وأبنيته. 6. مباحث لغوية. 7. مقدمة في تأريخ العربية. الدكتور إبراهيم نجا: 1. التجويد والأصوات. 2. فقه اللغة العربية. 3. اللهجات العربية. 4. المعاج العربية. الدكتور أحمد حسين أحمد شرف الدين: 1. اللغة العربية في عصور ما قبل الإسلام. 2. لهجات اليمن قديماً وحديثاً. الدكتور أحمد عبد الرحمن: 1. عوامل التطور اللغوي. المحاضرة الرابعة المبحث الأول الأسر اللغوية لم يتمكن العلماء من حصر اللغات التي يتكلمها البشر، ولكن الإحصاء التقريبي يقدر عدد اللغات الإنسانية بـ (2500) لغة، وبعضهم يقدرها بحوالي (3500) لغة. وهناك نظريتان في تصنيف اللغات هما: أولاً: الطريقة التشكيلية أو التصنيف على أساس ووسائل بناء الكلمات وتوليدها(1) وهي نظرية شليجل في تقسيم اللغات إلى: 1- لغات تصريفية Inflectional: وهي التي تدل فيها الكلمات على علاقاتها النحوية ووظائفها ومعانيها في الجمل عن طريق ما يدخل على بنيتها من تغيير داخلي ويتم الربط بين مفرداتها وجملها بالأدوات كحروف العطف والجر في العربية وفي اصطلاحنا نسميها اللغات الاشتقاقية، ومن هذه اللغات العربية والفارسية واللاتينية والإغريقية والعبرية. 2- اللغات الإلصاقية Agglutinative: وهي اللغات التي تدخل على كلماتها سوابق في الصدر أو لواحق في العجز أو حشواً كما يحدث في الإنجليزية: Beauty + ful=Beautiful, Re + action = Reaction ويمكننا أن نضرب أمثلة لذلك من العربية، كإضافة الألف والنون والواو والنون والياء والنون، على المفرد لأداء معنى التثنية والجمع، أو حشو الياء بعد الحرف الثاني في التصغير، أو ياء النسبة على آخر الأسماء... الخ، مما يعني أن الحدود بين القسمين الأول والثاني غير واضحة، وأنهما متداخلان وعليه نستطيع أن ندخل العبرية والإنجليزية مثلاً في هذين القسمين ومن اللغات التي ينطبق عليها وصف الإلصاق: التركية واليابانية. 3- اللغات العازلة أو غير المتصرفة Isolating: أي تلتزم الكلمات صورة واحدة لا تتغير، ولها معنى ثابت ولا تستعين بروابط تصل الكلمات أو الجمل بعضها ببعض ولكنها تؤدي المعاني فيها بالترتيب أو من خلال السياق كاللغة الصينية. ولم تجد هذه النظرية تأييداً كاملاً من علماء اللسان، لأن هذه الأقسام قد تلجأ إليها لغة واحدة كالعربية فالنهج الغالب عليها التصريف والاشتقاق، ولكنها قد تلجأ إلى الإلصاق كما بينا، وفيها مفردات غير قابلة للتصرف كأسماء الإشارة وأسماء الموصول وضمائر الرفع المنفصلة. ثانياً: نظرية القرابة اللغوية: من حيث وجوه الاتفاق والاختلاف في المستويات اللسانية في الصوت والنحو والصرف والدلالة، وتقسم اللغات بناء على هذه النظرية التي تنسب إلى ماكس مولر Muller على أسر لغوية كالتالي: 1- فصيلة اللغات الهندية الأوروبية: وهذه أكثر الأسر اللغوية انتشاراً في العالم، حيث يتكلم بها الغالبية العظمى من شعوب أوروبا وأمريكا وبعض شعوب آسيا والهنود والفرس وغيرهم وأستراليا وجنوب أفريقيا وقد حظيت لغاتها بالعناية لانتماء علماء اللغة الغربيين إليها، ولما تتمتع به شعوبها من مستوى حضاري قديم أو حديث. والحقيقة أنه قد تضاءلت بين فروع هذه الأسرة أوجه الاتفاق وكثر الخلاف بينها لما حدث من اختلاف بين الشعوب التي تنطق بها، ويرجع هذا الاختلاف إلى أسباب سياسية واجتماعية وحضارية، وبعضها أصبح عالمياً كالإنجليزية والفرنسية؛ لما أخذت به شعوبها من أسباب التقدم العلمي وازدهار الحضارة في جميع مناحي الحياة. وتنتمي إليها اللغات الهندية والإيرانية أو الآرية كالسنسكريتية في الهند والأردية وهي المسماة عند المسلمين في الهند أوالباكستان بالأوردو وتكتب بحروف عربية. فالغالبية في بنجلادش والبنجالية والسندية في الباكستان واللغة الفارسية (قديمة ووسيطة وحديثة) في إيران وتكتب حروفها بالعربية والأفغانية والخوارزمية والكردية والبلوشية والأرمنية أيضاً من فروعها. كذلك اليونانية القديمة والحديثة، والألبانية واللاتينية، التي تشعبت إلى عدة لغات هي الفرنسية والأيطالية والإسبانية والبرتغالية، والرومانية. واللغات الجرمانية التي تتكون من: الألمانية والهولندية والإنجليزية والسويدية والدنماركية والأيسلندية والنرويجية. وكذلك اللغات السلافية: كالروسية والأوكرانية والبلغارية والبولندية، والتشيكية والصربية الكرواتية. 2- الفصيلة السامية – الحامية: وهذه الأسرة سنفرد لها فصلاً خاصاً بها: 3- فصيلة اللغات الطورانية: وهي التي تسمى أيضاً(1) فصيلة الغات الأورالية الألتائية، وتضم هذه الأسرة اللغات التي لم تدخل في الأسرتين السابقتين، وليس بين لغاتها تقارب تشابه بين الشعوب الناطقة بها، وإنما جعلت أسرة من أجل تسهيل دراستها(2). ولم تبين المراجع العربية اللغوية المقصود بمصطلح الطورانية، لكن يبدو أنها إشارة إلى الجنس التركي الطوراني، فالطوارنيون شعب يعتقد بعض الباحثين أن آريي أوروبا وآسيا تحدورا منه وإن الطورانية حركة ظهرت في تركيا العثمانية، أوائل القرن العشرين ابتغاء توحيد جميع الشعوب ذات التراث التركي المشترك في ظل دولة واحدة بنيت على أساس النظرية القائلة بأن اللغات التركية والمغولية والفنلندية والهنغارية وغيرها نشأت من أصل واحد(1) هو الطوراني ولأن أكثر لغات هذه الفصيلة تتشكل من لغات الترك واللغات المجاورة ممن توزعت قبائلهم في منطقة واسعة تمتد من وسط آسيا إلى شرق أوروبا مما يعني أن المصطلح الذي نقله الدكتور حجازي(2) أدق وهي اللغات الأورالية والألتائية التي تنقسم من خلال تسميتها إلى فرعين: الأورالي نسبة إلى جبال الأورال التي تفصل آسيا عن أوروبا ولغات هذا الفرع أوروبية وأهمها الفلندية التي أصبحت لغة الثقافة والعلم في فلندا منذ استقلالها عن السويدية سنة (1809) وكذلك اللغة الأستونية في جمهورية أستونيا، وكذلك اللغة المجرية المتأثرة باللاتينية والفرنسية والألمانية، فقد أصبحت لغة قومية للعمل والثقافة للشعب المجري أواخر القرن الثامن عشر الميلادي. أما اللغات الألتائية فتنسب إلى بلاد الألتآي في أواسط آسيا وبينها خصائص مشتركة صوتية وصرفية ومعجمية وهناك مجموعة من المفردات الأساسية المشتركة بينها كأسماء الظواهر الطبيعية وأسماء جسم الإنسان وأسماء الحيوان وعلاقة القرابة أما لغات الترك على وجه الخصوص منها فمتقاربة نحوياً ومعجمياً، ومن أهم لغات هذا الفرع اللغة التركية العثمانية ولغة الجمهورية التركية، ويتلوها لغات الشعوب التركية نحو: الأوزبكية في جمهورية أزبكستان واللغة التتارية في جمهوريتي التتار والبشكير، واللغة القازاقية في جمهورية كازاخستان واللغة الأذرية في أذربيجان، والتركمانية والشوبانية والباشكيرية والقرغيزية، ويضم الفرع الألتائي أيضاً المغولية التي طورت لهجاتها إلى ست لغات. المبحث الثاني اللغات السامية – الحامية وهي لغات مجموعة من الشعوب التي انحدرت من سام وحام ابني نوح حسبما ورد في التوراة وأول من استخدم هذا المصطلح العالم الألماني "شلوتزر Schlozer" عندما كان يبحث في نهاية القرن الثامن عشر عن تسمية مشتركة للعبريين والعرب والأحباش الذين توجد بين لغاتهم صلات القرابة – أطلق عليهم اسم الساميين، لأن جدول الشعوب يرجع العبرييين والآراميين والعرب إلى سام بن نوح(1) كما جاء في الإصحاح العاشر من سفر التكوين، أي أنهم سموا اللغات التي تتكلمها الأمم المنتمية إلى سام بن نوح حسب التوراة، اللغات السامية مفترضين أن هنالك لغة هي الأم تفرعت عنها هذه اللغات وهي التي تكلم بها سام بن نوح ولم يجزم المؤرخون بالوطن الأول لهذه اللغة ولجميع الأمم السامية التي ارتبطت بعلاقات من العرق واللغة أهلتها أن توصف بذلك، فمنهم من يفترض أن أرمينية هي المهد الأصلي للساميين والآريين كذلك، ثم تفرعت عنها جموع البشر ومنهم من أيد ما جاء في التوراة كجويدي وولفنسون من أرض بابل هي أقدم أرض عمرها بنو نوح ويقول ولفنسون (وقد تكون هذه النظرية أقرب إلى الحقيقة فقد أثبتت البحوث التاريخية أن أرض بابل هي المهد الأصلي للحضارة السامية) ويعارضهما نولدكه في أن يكون جنوب العراق هو الموطن الأصلي للساميين كما يذكر لفنسون نقلاً عن نولدكه نفسه(2)، ويبدو أن كارل بروكلمان يميل إلى أن المهد الأصلي لهذه الأمم هي الجزيرة العربية مستنداً إلى حقائق تاريخية بقوله: "إنه قد لوحظ في العصور التاريخية كيف أن بلاد الحضارة في مابين النهرين وسوريا كانت تكتسحها دائماً وأبداً موجات من القبائل البدوية القادمة من الصحراء العربية، حتى غمرت أخيراً إحدى هذه الموجات القوية، وهي المسماة بالموجة العربية كل صدر آسيا وشمالي أفريقيا إذا تأمل المرء في كل هذا، فإنه يمكنه حقاً أن يعتقد أن الجزيرة العربية، هي المكان الذي يصلح لأن يكون مهد الساميين الأول(3) ويذكر الحقائق نفسها ولفنسون وكأنه يناقض نفسه حين يقول: "الذي يمكننا أن نجزم به هو أن أكثر الحركات والهجرات عند أغلب الأمم السامية التي علمنا أخبارها وأسماءها كانت من نزوح جموع سامية من أرض الجزيرة إلى البلدان المعمورة الدانية والقاصية في عصور مختلفة.. كذلك هاجرت البطون الكنعانية والآرامية تاركة بلاد العرب.. ولم تقف هذه الهجرات العربية عند العراق وسوريا وفلسطين بل جاوزتها إلى مصر أيضاً فقد توغلت قبائل سامية جاءت من ناحية الجزيرة في بلاد النيل وبسطت سلطاتهاعلى مصر(1)، والرأي الذي أصبح مقبولاً أكثر من غيره خاصة عند العرب هو أن الجزيرة العربية هي المهد الأصلي للأمم السامية، ولذلك نجد من اللغويين والمؤرخين في العراق من يسميها اللغات الجرزية بدلاً من السامية والإفريقية بدلاً من الحامية. وهذه التسمية دعا إليها طه باقر معللاً ذلك بأنه "أصبح حقيقة مجمعاً عليها من الباحثين الآن وهي أن الجزيرة العربية كانت مهد أؤلئك الأقوام الذين شملتهم تسمية الساميين، الذين هاجروا من الجزيرة بموجات مختلفة منذ أبعد العصور التاريخية إلى الأجزاء المختلفة من الوطن العربي، بحيث يصح القول أن الأصول العربية فيها تطغى على تركيب سكانها وعلى لغاتها"(2) ويؤيد الدكتور علي عبد الواحد وافي، أن المهد الأول للساميين كان القسم الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية (بلاد الحجاز واليمن)، مبيناً رجحان هذا الأمر وأنه هو أصح الآراء وأقواها سنداً وأكثرها اتفاقاً مع آثار هذه الأمم وحقائق التاريخ ومن هذه الحقائق التي كانت السبب المباشر في حدوث هذه الهجرات من الجزيرة ما ينقله عن بروكلمان، مما ذهب إليه الأمير كيتاني دويتانو وأيده توينبي من أن هذا القسم كان في العصور السابقة للتاريخ كثيف السكان خصب الأرض موفور الخيرات، تخترقه ثلاثة أنهر كبيرة على الأقل، وإنه على أثر بعض الظواهر البحرية وانحسار جبال الثلج الكبيرة إلى الشمال فقد خصبه وجفت أنهاره فنزح معظم سكانه إلى جهات أخرى(3). وقد ظهرت دعوات في سوريا تدعو إلى تسميتها باللغات العروبية أو العربية بدلاً من السامية، وللأسف لم يصل لغويونا أو مؤرخونا حتى الآن إلى تسمية تثبت أصالة هذه اللغات في نسبتها إلى الجزيرة العربية. والبحث في اللغات السامية بحث قديم نسبياً، وقد ابتدأ عندهم في القرن السابع عشر وازدهر في القرن التاسع عشر، وقد سارت دراسة هذه اللغات على يد المستشرقين في اتجاهين: اتجاه تاريخي عام يتناول نشأة هذه اللغات وحياتها وتطورها في ماضيها وحاضرها، ومن أقدم الذين كتبوا في هذا الاتجاه، الفرنسي رينان، الذي ألف كتاب: "التاريخ العام للغات السامية" في منتصف القرن التاسع عشر، ونحو كتابي تاريخ اللغات السامية لإسرائيل ولفنسون، واللغات السامية لنولدكه، اللذين "اقتصرا على الناحية التاريخية ولم يتجاوزاها إلى مقارنة القواعد إلا في النذر اليسير" كما يقول الدكتور رمضان عبد التواب(1). أما الاتجاه الثاني فهو المقارنة بين هذه اللغات على مستويات الصوت والصف والنحو والدلالة: لبيان أبعاد العلاقة التي تربط بينها وقد بدأت في القرن الثامن عشر على يد الهولندي شلتنس بمقارنة العبرية بالعربية... وفي عام 1890م ألف (وليم رايت) كتابه "محاضرات في النحو المقارن للغات السامية" .. وألف (لاندبرج) كتابه: "النحو المقارن للغات السامية" وكذلك صنع تسمرن في كتابه الذي سماه "النحو المقارن للغات السامية" ونشره في برلين عام 1898م.. وجاء بعد هؤلاء جميعاً عملاق هذا الفن المستشرق كارل بروكلمان فألف كتابه الضخم "الذي ترجمه الدكتور رمضان عبد التواب، وهو مختصر النحو المقارن للغات السامية، ويجدر أن نذكر هنا كتاب برجشتراسر أقصد التطور النحوي للغة العربية" الذي ألقاه محاضرات على طلبة الجامعة المصرية، عام 1929م، وقارن فيه بين العربية وبقية الساميات. أما الاهتمام بدراسة اللغات السامية عند العرب، فقد اعتمد على ما قدمه المستشرقون في صورة ترجمة لكتبهم كما فعل الدكتور رمضان عبد التواب في مصر حيث ترجم كتابين هما: اللغات السامية: "لنولدكه، وفقه اللغات السامية لبروكلمان، وفي صورة كتب صنفت نعد منها: غرامطيق اللغة الآرامية السريانية للقس بولس الكفرنيسي صدر ببيروت، 1929، وتاريخ الأدب السرياني لمراد كامل ورفيقه، القاهرة 1949، المدخل إلى دراسة النحو العربي على ضوء اللغات السامية للدكتور عبد المجيد عابدين، مصر 1951م، وقواعد اللغة المصرية للدكتور عبد المحسن بكير، مصر 1954، المفصل في قواعد اللغة السريانية وآدابها، والموازنة بين اللغات السامية لمحمد عطية الأبرائي، وله مع مجموعة من زملائه: الأساس في الأمم السامية ولغاتها، وقواعد اللغة العربية وآدابها، وله الآداب السامية مع اهتمام باللغة العربية والساميون ولغاتهم للدكتور حسن ظاظا، والسريانية نحوها وصرفها للدكتورة زاكية محمد رشدي، وللدكتور محمد سامل الجرح "المنهج المقارن في مبادئ اللغة العربية وفقه اللغات السامية"، وللدكتور السيد يعقوب بكر "في أصول اللغة العبرية، وللدكتور رمضان عبد التواب: اللغة العبرية قواعد ونصوص، وقواعد الساميات، وللدكتور عبد الرزاق قنديل: العبرية والدكتور شعبان سلام: اللغة العبرية، وفي العراق كان الأستاذ طه باقر من أوائل المهتمين بهذا الأمر فقد صدر له "من تراثنا اللغوي القديم"، وللدكتور عامر سليمان كتابان: "التراث اللغوي، حضارة العراق واللغة الأكدية، وللأستاذ سامي سعيد الأحمد: "اللغات الجزرية" وظهر في أواخر الخمسينيات كتاب دروس اللغة العبرية للدكتور ربحي كمال لتدريسه في جامعتي دمشق وبيروت العربية. ولا يفوتنا أن نذكر أن كثيراً مما صنفوا كتباً في فقه اللغة العربية قد خصصوا فصلاً أو أكثر فيها عن اللغات السامية وعلاقتها العربية بها كما فعل الدكتور علي عبد الواحد وافي في كتابيه "علم اللغة" و "فقه اللغة" وكذلك الدكتور رمضان عبد التواب في كتابه "فصول في فقه العربية" والدكتور صبحي الصالح في كتابه: "دراسات في فقه اللغة" والدكتور محمود حجازي في كتابه: "مدخل إلى علم اللغة"، والدكتور إبراهيم السامرائي في "فقه اللغة المقارن"، والدكتور كاصد الزيدي في كتابه: "فقه اللغة العربية". وقد جمع الدكتور إسماعيل عمايرة بحوثه في هذا المجال في كتابه الذي ظهر سنة (1996) تحت عنوان: "بحوث في الاستشراق واللغة" وهو مجموعة من البحوث العلمية الأصلية في المقارنات بين اللغات السامية وبيان خصائصها ومناهج المستشرقين ونظرياتهم في دراساتهم حولها. ومما يلاحظ على المصنفات العربية أنها قد ألفت غالبيتها في النصف الثاني من هذا القرن بعد أن استوى علم الساميات في الغرب ونضج على يد المستشرقين، وأن جل ما جاء فيها كان معتمداً على ما قرره المستشرقون، كذلك نجد في أيامنا هذه من(1) يرغب في إعادة النظر في تاريخ هذه اللغات وشعوبها، باعتبار أن هذا الأمر يخصنا أكثر من غيرنا الذي تركناه يكتب لنا تاريخنا. واللغات السامية تنقسم جغرافياً إلى قسمين: شرقية وغربية. والسامية الشرقية: هي اللغة الأكدية وهو الاسم الذي أطلق منذ الخمسينات من هذا القرن(2) على ما كان يعرف باللغة البابلية الآشورية، أي كانت تتكون من لهجتين هما البابلية والآشورية. والبابلية هي لغة الساميين الذي أقاموا، بعد هجرتهم من الجزيرة في الوسط الجنوبي من العراق واتخذوا، من العراق، بابلونيا عاصمتهم وأطلق على هؤلاء الساميين اسم البابليين وعلى دولتهم الدولة البابلية نسبة إلى عاصمتهم المذكورة. وأما الآشورية فهي لغة الساميين الذي أقاموا في مدينة آشور شمال العراق بعد هجرتهم من الجزيرة في القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، اتخذوا مدينة آشور فسموا بالآشوريين ودولته بدولة آشور ومعظم علماء اللغة المحدثين يطلقون كلمة البابلية وحدها على الشعبة الجنوبية من هذه اللهجات أو على المجموعة كلها في العصر الذي كانت فيه السيادة لمناطق الجنوب، ويطلقون كلمة الآشورية وحدها على الشعبة الشمالية من هذه اللهجات، أو على المجموعة كلها في العصر الذي كانت فيه السيادة فيه لمناطق الشمال(1)، وهذه اللغة أخذت تنتشر في العراق القديم المكون من بلاد سومر وأكد وبابل وآشور. أما القسم الغربي من اللغات السامية فيتفرع إلى شعبتين هما: الشمالية والجنوبية أما اللغات الشمالية الغربية، فهي مجموعة اللهجات التي تفرعت عن الكنعانية، بالإضافة إلى الآرامية وهي: 1- الفرع الكنعاني: ولغاته تتكلمها القبائل العربية التي استوطنت بلاد الشام فاللغة الكنعانية هي اللغة الأم لهذه اللهجات التي تحولت إلى لغات وهي الأوجاريتية وهي اللغة التي اكتشفت نقوشها 1929(2)، في رأس شمرا على الساحل السوري للبحر المتوسط، وكان قد دونت سنة 1400 ق.م. 2- اللغة الفينيقية: وقد عرفناها عن طريق النقوش التي عثر عليها في مواطن الفينيقيين في المدن على ساحل بلاد الشام وهي صور، صيدا، جبيل، وفي جزر البحر المتوسط مثل: قبرص ومالطا، وفي شمال أفريقيا في قرطاجنة التي عاشت فيها اللهجة البونية. وأبجدية هذه اللغة متأثرة بالأبجدية الأوغاريتية، ولكنها لم تكن متطورة، وتؤرخ النقوش الفينيقية للفترة ما بين 1200 ق.م. إلى 100م. 3- اللغة العبرية: ويرفض ولفنسون أن تكون العبرية فرعاً من الكنعانية أو أنها لهجة كنعانية(3)، وهي في رأيه شقيقة لها حين يقول: كانتا لغة واحدة لهجت بها تلك الأمم التي كانت تسكن فلسطين وطور وسينا في مدى قرون فلما تفرقت تلك وتباعدت اختلفت لهجاتها وتميزت فكانت إحداهما العبرية وكانت الأخرى الكنعانية وذلك سبب التشابه بين هاتين اللغتين(4) وهو بهذا الرأي "يستند على ما ترويه الكتب المقدسة عن تاريخ الإسرائيليين"(5)، كما يقول الدكتور ربحي كمال، بينما الدكتور عبد الرازق قنديل يذكر أن من "أصحاب هذا الرأي اليعازر بن يهودا اليهودي الروسي الأصل الذي هاجر إلى فلسطين واهتم اهتماماً كبيراً بإحياء اللغة العبرية باعتبارها من مقومات القومية اليهودية... التي كان يدعو إليها هو وغيره.. وفي بدايات القرن العشرين والنصف الثاني من القرن التاسع عشر(6). ويبقى من اللهجات الكنعانية المؤابية التي يدل عليها نقش ميشع ملكهم الذي يصف فيه انتصارهم على ملك إسرائيل، ولا يتجاوز هذا النقش 900 ق. م. ويقال أن هؤلاء المؤابيين من نسل لوط ابن أخي إبراهيم الخليل. 1- الفرع الآرامي: ويتفرع إلى الآرامية وهي لغة القوم من ذرية آرام بن سام الذين استقروا في سوريا بعد هجرتهم من الجزيرة العربية حوالي القرن الخامس عشر قبل الميلاد ويبدو أنهم كانوا مجموعة من القبائل التي ظلت على بداوتها في صحراء الشام وأطراف العراق ولم تتحدث فيما بينها حتى إذا تكونت لديها عدة ممالك كما في دمشق وحوران أو غيرهما ظلت تتنافس فيما بينها وتنازع غيرها من الممالك المجاورة كمملكة آشور ومملكة إسرائل ورغم سقوط الدولة الآرامية في سوريا لم يكفوا عن التدخل في شؤون الدول المحيطة بهم وان لهم دور حضاري مثلته لغتهم التي أصبحت اللغة الشائعة والمشتركة بين جميع شعوب المنطقة من بلاد فارس إلى البحر المتوسط وقد حلت في فترة تاريخية طويلة محل الأكدية والعبرية؛ لخطها الأبجدي البسيط بحيث حل محل الخط المسماري. ويقسمها المستشرقون إلى شرقية في العراق تنقسم إلى شمالية وجنوبية وإلى غربية وتطلق على لهجاتها في سوريا وفلسطين وقد كتب التلمود الفلسطيني الآرامية الغربية والترجوم وسفر دانيال وأما التلمود البابلي فنصوصه بالآرامية الشرقية. 2- السريانية: وهي لغة المسيحيين من اليعاقبة والنساطرة، وهي امتداد للغة الآرامية التي دخلت بلادها المسيحية في القرن الثاني الميلادي فأنف أهلها عن اسم الآرامية المرادف للوثنية بعد أن تنصروا، وسارعوا بالأخذ بكلمة سريان تلك التسمية التي أطلقها عليهم اليونان الذين كانوا يحتلون بلادهم كما سموا لغتهم السريانية(1). وعليه فالسريانية هي لغة السريان المسيحيين في الرها، وترجم إليها الكتاب المقدس والآداب اليونانية وعلومها وفلسفتها حتى أصبحت وسيلة التعبير الفكري لدى نصارى مصر والشام والعراق وإيران(2)، وتحولت لغة شعبية إلى لغة أدبية. والسريانية شرقية قديمة، وعربية حديثة يتكلم بها في سوريا والعراق. وقد قامت هذه اللغة بدور كبير ومهم في خدمة الثقافة العربية فقد كانت وسيلة نقل التراث اليوناني إلى اللغة العربية فقد قام بهذا الدور الجليل المترجمون السريان كحنين بن إسحاق وزملائه. ومن اللهجات الآرامية الأخرى المندعية أو المندائية وهي لهجة للصائبة في جنوب العراق(1) وما زالت يتحدث بها إلى اليوم، وهم قوم ديانتهم خليط من المسيحية واليهودية(2). واللهجة التدمرية(3) لغة أهل تدمر المملكة العربية التي تربعت على عرشها زنوبيا التي دارت بينها وبين الرومان حروب خلدها التاريخ وكادت أن تقضى على نفوذهم، ووجدت هذه النقوش على الصخور والمغاور والكهوف. كذلك النبطية(4) وهي لهجة النبط وهم عرب أيضاً وخط نقوشها حروفه متصلة، والأنباط التدمريون، "ينتمون إلى أصول عربية ولكنهم كانوا يستخدمون الآرامية لغة كتابة"(5). وبدأت العربية تحتل مكانة الآرامية والسريانية شيئاً فشيئاً حتى أصبحت لغة الخطاب والتدوين ساعدها على ذلك نزول القرآن الكريم بها وما تبع ظهور الإسلام من فتوحات تغلبت فيها العربية وورثت الآرامية في انتشارها الذي فاق انتشار الأكدية وغيرها من اللغات السامية التي سادت وبادت. الشعبة الغربية الجنوبية من اللغات السامية وتتفرغ إلى: أ) العربية الجنوبية أو اليمنية القديمة أو القحطانية وأحياناً تسمى الحميرية أو السبيئية باسم إحدى لهجاتها وهي مختلفة من العربية الشمالية في الصوت والدلالة ونحوها وصرفها، وأهم لهجاتها: 1- اللهجة المعينية: وتنسب إلى المعينيين الذي أقاموا دولتهم في جنوب اليمن في القرن الثامن قبل الميلاد، وقد عرفت هذه اللهجة عن طريق النقوش التي عثر عليها. 2- اللهجة السبيئية: وهي لهجة دولة سبأ التي قوضت أركان الدولة المعينية وكانت عاصمة مملكة سبأ مدينة مأرب وقد وصلت هذه اللهجة عن طريق نقوش أ يضاً وجد كثير منها في منطقة مأرب. 3- اللهجة الحضرمية: وهي لهجة مملكة حضرموت التي أقامت حضارة ازدهرت في حضرموت ولكن نزاعها مع مملكة سبأ انتهى بها إلى الزوال. 4- اللهجة القتبانية: وهي لهجة منطقة قتبان التي أنشئت فيها مملكة انتهى أيضاً نزاعها مع مملكة سبأ بانقراضها واندماجها فيها. ب) اللغة الحبشية: وهي التي "نشأت في الحبشة نتيجة لهجرة عربية جنوبية من جزيرة العرب إلى شرق أفريقيا وتنقسم إلى اللهجات الآتية: 1- اللهجة الجعزية: باسم الشعب الجعزي الذي نزح من الجزيرة إلى الحبشة وهي أقدم لغة سامية دخلتها وقد ترجم إليها الكتاب المقدس وبعض النصوص الدينية فأصبحت مرتبطة بالمسيحية، ولم تعمر هذه اللهجة طويلاً وما لبثت أن أصبحت لغة الطقوس الدينية في الحبشة وما زالت كذلك. 2- اللغة الأمهرية: وهي اللغة الرسمية الآن في الدولة الحبشية ليس في ميدان المكاتبات والدواوين بل في ميادين المحادثة والخطاب، وأصبحت لغة الصحافة والإعلام. 3- التجرينية والتيجرية: اللهجتان المتفرعتان عن الجعزية ولا تستخدمان في الكتابة بل في المشافهة، وتستعمل الأولى في تيجرينيا ومن ضمنها مدينة أكسوم والثانية في المنطقة الواقعة شمال منطقة تيجرينيا، "وهما أكثر اللغات انتشاراً في أرتيرية"(1). ومن اللهجات المتفرعة من الأمهرية: الجوراجية لغة منطقة جوراجيا، اللهجة الهررية ويتكلم به أهل مدينة هرر(2). ويبدو أن هذه اللغات حديثة مختلطة من السامية والحامية. الشعبة الغربية الشمالية من اللغات السامية تنقسم إلى قسمين: أ- العربية البائدة: وهي عربية النقوش الموجودة في النقوش اللحيانية والصفوية والثمودية، وسنفرد لها فصلاً خاصاً. ب- العربية الباقية: وهي العربية التي نزل بها القرآن الكريم، لغة القبائل العربية في تميم وما جاورها في وسط الجزيرة وشرقها، والحجاز وما جاورها واليمن، وما زالت باقية بوصفها لسان أمتنا العربية في الأدب والعلم والمحادثة. وأما اللغات الحامية: فهى اللغة المصرية القديمة واللغة البربرية واللغات الكوستية كالصومالية واللغة التشادية ومنها لغة الهوسا. الأسر اللغوية تصنف جميع لغات الدنيا عند العلماء إلى أسرات لغوية على أساس أوجه الشبه بين تلك اللغات . وتنحصر أوجه الشبه عادة في النواحي الصوتية والصرفية والنحوية (فهمى)، والسمات العامة للغة مثل الناحية المعجمية . وترجع اللغات المصنفة تحت أسرة لغوية واحدة إلى لغة واحدة قديمة تسمى اللغة الأم، كما هوالحال في أسرة الساميات، فإن الأصل المفترض لها هوالسامية القديمة، وتفرعت عنها بعد ذلك الساميات. أما تسمية اللغات وتصنيفها فقد عُرف من قديم، وأشار إليه بعض علماء العربية القدماء، قال ابن حزم ( الذي وقفنا عليه و علمناه يقيناً أن السريانية والعبرانية والعربية التي هي لغة مضر و ربيعة لا لغة حمير، لغة واحدة تبدلت مساكن أهلها، فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية أيقن أن اختلافها، إنما من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان واختلاف البلدان و مجاورة الأمم، وأنها لغة واحدة في الأصل ) ( ابن حزم د.ت.ط) إلا أن الغربيين و بخاصة المستشرقين الألمان في القرن التاسع عشر هم الذين صنفوا اللغات إلى الأسر المعروفة . و قد أخذوا هذه التسميات من أسماء أبناء نوح عليه السلام وهم سام و حام ويافث، و في هذا إشارة إلى ربط هذه التسميات بأعراق الناس، وتسمى هذه النظرية القرابة اللغوية . قادت السمات المشتركة - بين لغات كل أسرة - العلماء إلى اكتشاف الأصل القديم للأسرة . ويحدث أن تتباعد لغة معينة عن بقية أخواتها تأثراً بما يجاورها من لغات تنتمي إلى أسر أخرى، فتنشأ بذلك عينة جديدة من الصلات، إلا أنها لا ترتقي لمستوى التصنيف في أسرة جديدة، يقول الدكتور محمود فهمي حجازي موضحاً هذا الأمر: (فعندما يقال بأن العربية والآرامية لغتان ساميتان، فالمقصود أن اللغتين من أصل واحد، وأنهما تطورتا عن لغة واحدة هي اللغة السامية الأولى . و قد افترض العلماء وجود هذه اللغة في عصور مغرقة في القدم لتفسير انتماء اللغات العربية والآرامية والحبشية ... إلخ، إلى أسرة لغوية واحدة، و عندما يذكر الباحثون أن اللغتين العربية والفارسية من أصلين مختلفين : اللغة العربية سامية، والفارسية هندية أوربية، فالمقصود أن كليهما تطورت عن أصل مستقل، وأنهما بذلك من أسرتين لغويتين مختلفتين. 1. الأسر اللغوية الكبرى و صنفت لغات العالم البالغة بين 2500 لغة و 3500 لغة - على رأيين في عددها- إلى أسر لغوية كبرى أهمها وأكبرها : 1.1 فصيلة اللغات الهندية الأوربية وتسمى الفصيلة اليافثية وترجع إلى نسل يافث بن نوح ( هلال 2004 ). وتضم أكثر اللغات انتشاراً في العالم، ويتكلم بها عدد من الشعوب في قارات العالم : أوروبا والأمريكتين وآسيا وإفريقيا واستراليا، وتضم اللغات الآتية : اللغات الجرمانية و هي: الألمانية والهولندية والإنجليزية والسويدية والدنماركية والآيسلندية والنرويجية. اللغات اللاتينية وهي: الفرنسية والإيطالية والأسبانية والبرتغالية والرومانية. اللغات السلافية و هي : الروسية والأوكرانية والبلغارية والبولندية والتشيكية والصربية والكرواتية . اللغات الهندية الإيرانية أوالآرية وهي : السنسكريتية في الهند، والأردية (الأردو) في باكستان، والبنغالية في بنغلاديش، والبنغالية والسندية في الباكستان، واللغة الفارسية ( و منها الآرية الحديثة والوسيطة القديمة )، والأفغانية ( و منها البلوشية )، والخوارزمية، والكردية والأرمنية، واليونانية ( القديمة والحديثة ) والألبانية . 2.1 فصيلة اللغات الأورالية الألتائية (وتسمى الطورانية) أطلقت هذه التسمية على طائفة من اللغات الآسيوية والأوروبية التي لا تدخل تحت اللغات الهند أوربية و منها : اللغة التركية وتسمى اللغة العثمانية، واللغة التركمانية، واللغة المنغولية، واللغة المنشورية، واللغة الأوزبكية، واللغة التتارية، واللغة القازاقية. 3.1 فصيلة اللغات الحامية وترجع هذه اللغات إلى سلالة حام بن نوح . وتنتشر هذه اللغات في شمال أفريقيا و شرقيها . وأهم فروعها (وافى د.ت.ط) : أ. اللغات المصرية القديمة والقبطية : و هذه تسميتها قبل اتصالها باللغة السامية. ب. اللغات البربرية : و هي اللغات القديمة لسكان شمالي إفريقيا : ليبيا وتونس والجزائر والمغرب والصحراء والجزر المتاخمة لها،و غيرها من دول الشمال الإفريقي. و منها اللغات القبيلية والشاوية ( اللغات القديمة لسكان الجزائر) والطوارق ( لغات قبائل صحراء المغرب )، واللغات الجوتشية ( لغات السكان الأصليين لجزر كناريا بالمحيط الأطلسي ). ج. اللغات الكوشية: ويتكلم بها السكان الأصليون في شرق إفريقيا، في أثيوبيا (الحبشة) والسودان، والصومال، وأرتريا، وتشمل اللغات الصومالية، ولغات الجالا ( القالا ) وهم الأورومو، ولغات الدناقلة ( دنقلا ) في السودان، ولغة البجا والأجاو والعفر أوالساهو والسيداما ). 4.1 فصيلة اللغات السامية وهي تقع عادة في تقسيم اللغويين الثانية بعد الفصيلة الهند أوربية، و قد أخرناها هنا لنخصها بمزيد من التفصيل، وترجع هذه الفصيلة السامية إلى سلالة سام بن نوح . وتقطن المجموعة التي تتكلم باللغات السامية في منطقة تمتد في بعض آسيا و بعض إفريقيا . واللغات التي تشملها هذه الفصيلة بعضها انقرض و بعضها استمرت حياته من قديم دون انقطاع كما هوالحال مع اللغة العربية . وتشمل هذه الفصيلة اللغات الآتية : البابلية الآشورية الفينيقية العبرية الآرامية العربية الحبشية و ما تفرع عن هذه اللغات . ويطلق اسم الساميين على الشعوب الآرامية والفينيقية والعبرية والعربية والبابلية والآشورية، و ما انحدر من هذه الشعوب .ويرى معظم المؤرخين أن الجزيرة العربية كانت المهد الأول للساميين، ووردت في ذلك عدة أقوال منها : أن وسط الجزيرة – منطقة نجد – هي الموطن الأول، و منها : منطقة العروض – جزيرة البحرين والسواحل المقابلة لها، و منها : جنوب الجزيرة العربية – اليمن، و غير ذلك من الآراء (وافى د.ت.ط). ثم خرجت الهجرات من الجزيرة إلى مواطن الساميين الأخرى. وأشار المؤرخون إلى هجرة الأكاديين ( البابليون والآشوريون ) إلى منطقة جنوبي العراق ( وسط دجلة والفرات )، وعدت هذه المنطقة أيضاً مهداً للساميين وينطبق ذلك على بلاد الكنعانيين ( منطقة سوريا القديمة ) ؛ إذ هاجر إليها الساميون من جنوبي الجزيرة العربية فعُدّت كذلك مهداً لهم (وافىد.ت.ط). أما البحث في اللغات السامية في العصر الحديث فقد سار في اتجاهين، يقول الدكتور على عبد الواحد وافي : " وقد انقسمت دراسة اللغات السامية إلى وجهتين : إحداهما دراسة عامة في تاريخ هذه اللغات و نشأتها و حياتها وتطورها ... و ما إلى ذلك، وثانيتهما: دراسة خاصة في أصواتها و قواعدها و مفرداتها و موازنتها من هذه النواحي بعضها ببعض (وافى د.ت.ط). فالاتجاه الأول تاريخي، والاتجاه الثاني مقارن أو موازن بين مجموعة اللغات السامية لتبيين الخصائص المشتركة بينها. ويعدّ رينان – الفرنسي أشهر من كتب في تاريخ اللغات السامية . وأصدر في القرن التاسع عشر كتابه التاريخ العام للغات السامية وألفّ نولدكه – الألماني – كتاب : اللغات السامية والف إسرائيل ولفنسون كتابه : تاريخ اللغات السامية واهتم عدد من العلماء بالمقارنة بين الساميات منهم شلتنس في كتابه : المقارنة بين العبرية والعربية. وألّف وليم رايت سنة 1890 كتابه : محاضرات في النحوالمقارن للغات السامية . ونشر تسمرن سنة 1898 كتابه النحوالمقارن للغات السامية . ويعدّ كارل بروكلمان المستشرق المعروف أشهر من كتب في هذا المجال ؛ إذ ألف : الأساس في النحوالمقارن للغات السامية . وألف كذلك كتابه : فقه اللغات السامية و غير ذلك. و رصد الدكتور عبد الكريم مجاهد المؤلفات العربية الحديثة في مجال دراسة اللغات السامية و منها (هلال 2004):  المدخل إلى دراسة النحوالعربي على ضوء اللغات السامية للدكتور عبد المجيد عابدين، مصر 1951 .  قواعد اللغة المصرية للدكتور عبد المحسن بكير، مصر 1954 .  المفصل في قواعد اللغة السريانية وآدابها، لمحمد عطية الأبراشي.  وللأبراشي كذلك كتاب : الموازنة بين اللغات السامية.  الساميون ولغاتهم للدكتور حسن ظاظا .  المنهج المقارن في مبادئ اللغة العربية وفقه اللغات السامية للدكتور السيد يعقوب بكر.  اللغة العبرية، قواعد ونصوص وقواعد الساميات للدكتور عبد الرازق قنديل.  اللغة الأكدية للدكتور عامر سليمان . واهتم عدد من الأساتذة بدراسة الساميات في كتبهم في فقه اللغة و علم اللغة منهم : الدكتور على عبد الواحد وافي في كتابه فقه اللغة، والدكتور رمضان عبد التواب في كتابه فصول في فقه اللغة، والدكتور صبحي الصالح في كتابه دراسات في فقه اللغة، والدكتور محمود فهمي حجازي في كتابه : مدخل إلى علم اللغة و غيرهم . 2. فروع اللغات السامية تقسم اللغات السامية إلى شرقية و غربية . أما اللغة السامية الشرقية فهي (هلال 2004) 1.2 اللغات السامية الشرقية 1. اللغة الأكادية ( الأكدية ) نسبة إلى أكد، و هي من مدن العراق القديم، وتتكون من لهجتين هما : أ. البابلية لغة الساميين الذين أقاموا في مدينة بابل في العراق . ب. الآشورية، و هي لغة الساميين الذين أقاموا في مدينة آشور في شمال العراق. و قد عاصرت الآشورية اللغة السومرية – نسبة إلى بلاد سومر في العراق، و هي ليست من فصيلة الساميات، و قد كتبت الأكدية بفرعيها، البابلي والآشوري بالخط المسماري، و كتبت حينا بخط اللغة السومرية المسمي الإسفيني . وظلت الأكدية حية حتى سنة 539 هـ وهوالعام الذي احتل فيه الفرس بلاد آشور. و كذلك ظهرت منافسة اللغة الآرامية لها بعد دخول موجات الآراميين لبلاد الرافدين. و قد أضعفها كذلك صعوبة الخط المسماري وتعقيده إلى أن خرجت من الاستعمال اللغوي. ورصد العلماء عدداً من خصائص اللغة الأكدية منها : احتفاظها بظاهرة الإعراب، فالأسماء ترفع وتنصب وتجر وحركات الإعراب فيها: الضمة والفتحة والكسر، ..." (هلال 2004) . 2.2 اللغات السامية الغربية أما القسم الغربي من اللغات السامية فيضم فرعين (هلال 2004): الأول : الفرع الشمالي . الثاني : الفرع الجنوبي . أما الفرع الغربي الشمالي فيضم شعبتين : أ/ الشعبة الكنعانية: وتضم اللغات الآتية: - اللغة الكنعانية، و فروعها الأوغاريتية و سوف نتحدث عنها لاحقاً. - اللهجة الفينيقية وهي فرع من الكنعانية ووجدت في مواطن الفينيقيين في المدن على ساحل بلاد الشام، و هي صور وصيدا و جبيل، و في جزر البحر المتوسط في قبرص و مالطة، و شاعت اللهجة البونية وهي فرع منها في قرطاجنة في شمال إفريقيا . - اللغة العبرية : و سوف نتحدث عنها لاحقاً . ب/ الشعبة الآرامية وتضم اللغات الآتية : اللغة الآرامية : ( سوف نتحدث عنها بشيء من التفصيل لاحقاً ) . اللغة السريانية : و سوف نتحدث عنها لاحقاً. اللهجة المندعية أوالمندائية : وهي فرع من الآرامية و هي لهجة الصابئة في جنوب العراق ويتحدثون بها إلى اليوم . اللهجة التدمرية : و هي فرع من الآرامية،وهي لغة أهل مملكة تدمر في بلاد الشام. اللهجة النبطية : وهي فرع من الآرامية وهي لهجة النبط وآثارهم بالبتراء بالأردن . أما النوع الغربي الجنوبي فيضم اللغات الآتية: أ/ العربية الجنوبية أواليمنية القديمة وتسمى القحطانية أوالحميرية أوالسبئية وأهم لهجاتها: اللهجة المعينية : وتنسب إلى المعينيين الذين أقاموا دولتهم في جنوب اليمن في القرن الثامن قبل الميلاد . - اللهجة السبئية : وهي لهجة دولة سبأ وعاصمتها مأرب في اليمن . - اللهجة الحضرمية : وهي لهجة حضرموت في اليمن . - اللهجة القتبانية : وهي لهجة منطقة قتبان في اليمن، وكانت فيها المملكة القتبانية. ب- اللغة الحبشية، وتضم اللهجات الآتية: (وافي د.ت.ط) 1/ اللهجة الجعزية : ويتكلمها الجعزيون، وهم عرب نزحوا من الجزيرة العربية إلى الحبشة، وهي لغة الطقوس الدينية التى وجدت في الحبشة . 2/ اللغة الأمهرية : وهي اللغة الرسمية في أثيوبيا . 3/ اللغة التجرينية والتيجرية : وهما لهجتان تفرعتا عن الجعزية، وتنتشران في أرتريا وبعض مناطق السودان . 4/ اللهجة الجوارجية : وهي فرع من الأمهرية في منطقة جوارجيا . 5/ اللهجة الهررية : وهي فرع من الأمهرية ويتكلم بها أهل مدينة هرر. أما الفرع العربي الشمالي فيضم : أ. العربية البائدة: وقد وجدت في النقوش اللحيانية والصفوية والثمودية . ب. العربية الباقية: وهي العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وتتحدث بها الشعوب العربية في وقتنا الحاضر. وهي التي تختص بها دراستنا هذه. ونقدم فيما يلي وصفاً موجزاً للغات واللهجات السامية التي ورد ذكرها آنفاً . أما اللغة الكنعانية ، فيتحدثها الكنعانيون وهم سكان المنطقة السورية الفلسطينية، وتذهب الكتب إلى أن الكنعانيين طائفة سامية خرجت من الجزيرة العربية، واستوطنت الساحل الشمالي الشرقي للبحر المتوسط في سوريا وفلسطين . وكانوا بحارة جابوا مناطق البحر الأبيض المتوسط . ومن أهم لهجاتهم وأشهرها اللهجة الأوجاريتية نسبة إلى مدينة (أجريت)، وهي مدينة رأس السمرة في سوريا الآن . ومن لهجاتها كذلك اللهجة المؤابية نسبة إلى بلاد مؤاب التي تقع في الجنوب الشرقي من البحر الميت بالأردن، وتتفق النقوش التي وجدتها مكتوبة بالمؤابية مع صفات المجموعة اللغوية الكنعانية . ومن أهم لهجاتها كذلك اللهجة البونية . وكانت معروفة في جزر المتوسط وجزر بحر إيجة ومالطة وصقلية وسردينيا وشمال إفريقيا وإسبانيا، وعاشت هذه اللهجة طويلاً في قرطاجنة في تونس، وكانت مستعملة حتى القرن السابع الميلادي . اللغة العبرية وهي أهم اللهجات الكنعانية , وأكثرها انتشارا . وقد دوَّن بها العهد القديم (التوراة) ويسمى في العبرية " المشناة "، ودوّنت بها كذلك كتب في التاريخ والفلسفة والعلوم . وهي لغة بني إسرائيل وهم فرع من العبريين . يقول الدكتور وافي : " وقد نزح بنواسرائيل من شبه جزيرة سينا، وأغاروا على بلاد كنعان، ففتحوا قسماً كبيراً منها ودانت لسلطانهم، واستقروا بفلسطين حوالي القرن الـ (13 ق . م )، ومع أنهم دخلاء على هذه البلاد، فإن لغتهم تتفق مع لغاتها في مظاهر الصوت والقواعد وأصول المفردات" ( وافى د.ت.ط)، ويرى بعض اللغويين أن سبب الشبه بين العبرية والكنعانية الأم هوالتأثر وليس الأصل الواحد ( ولفنستون 1985) . وتقسم جميع المصادر التي تؤرخ للعبرية هذه اللغة إلى طورين وتقسم كل طور إلى مرحلتين على النحوالتالي : أ‌- الطور الأول : ويسمى عصر قيام الدولة (القرن 13 ق.م) إلى أواخر القرن 4 ق.م، وكانت العبرية فيه حية، وينقسم هذا الطور إلى مرحلتين : المرحلة الأولى منذ نشأة العبرية إلى نفي بابل، ويقصد به نفيهم العبريين إلى بابل على يد نبوخذ نصر ملك بابل . وتسمى هذه المرحلة العصر الذهبي للعبرية . ودوّنت في هذه المرحلة أشعار العهد القديم (أجزاء التوراة) . المرحلة الثانية تبدأ من نفي بابل سنة 486 ق.م إلى أواخر القرن الرابع ق.م، وتسمى الفترة الفضية للغة العبرية . وتمسك المنفيون إلى بابل باللغة العبرية . ب - الطور الثاني ( قنديل 1973) يبدأ من أواخر القرن الرابع ق.م إلى الآن وينقسم إلى مرحلتين كذلك: المرحلة الأولى وتسمى العبرية الربانية أوالتلمودية (لكتابة التلمود بها )، وأصبحت في هذه المرحلة لغة كتابة وتدوين وتأثرت بالآرامية . وكتبت بها مؤلفات أحبار اليهود. المرحلة الثانية وتبدأ ببداية العصور الوسطى إلى الآن وتسمي العبرية الحديثة . وتأثرت العبرية في هذه المرحلة باللغة العربية في المشرق العربي وفي بلاد الأندلس، يقول الدكتور عبد الغفار هلال: وظهر هذا في بعض كتب النحوالعبري التي ألفت في الأندلس على يد مروان بن جناح القرطبي، وفي المعاجم التي جمعت بين العبرية والعربية ...، وتأثر الشعر العبري بالشعر العربي، وللحريري مقامات باللغة العبرية ...(هلال 2004) . وحاول اليهود الأوربيون إعادة النطق العبري في التخاطب وفي الإعلام . اللغة الآرامية استطاعت الآرامية أن تؤثر في اللهجات الأكادية، و أن تقضي عليها في القرن الرابع ق.م . واختلطت باللغات الكنعانية والفينيقية والعبرية وغيرها . وانتصرت على العبرية أواخر القرن الرابع (ق.م)، وعلى الفينيقية في القرن الأول (ق.م) وبذلك انفردت الآرامية بالساحة اللغوية في مناطق العراق، وبعض أجزاء آسيا وسوريا وفلسطين ومصر وشمال الحجاز، وظلت الآرامية حية إلى القرن السابع الميلادي . اللغة السريانية : (وافى د.ت.ط) تُعدّ امتداداً للغة الآرامية . وهي لغة المسيحيين من اليعاقبة والنساطرة . وقد انقسمت إلى قسمين : 1/ اللهجة اليعقوبية " نسبة إلى مذهب يعقوب بارادوس " . 2/ اللهجة النسطورية " نسبة إلى مذهب نستوريوش" . واستعملت اللهجتان في قراءة العهدين القديم والجديد (التوراة والإنجيل ) . وترجمت مؤلفات سريانية في أيام العباسيين إلى اللغة العربية . 3. خصائص اللغة السامية ذكر العلماء عدداً من الخصائص المميزة للغات السامية عن غيرها من أسر اللغات الأخرى منها : (وافي د.ت.ط) 1/ يتألف الأصل السامي للكلمة في الغالب من جذر ثلاثي من الأصول الصامتة نحو : ك ت ب، ع ل م، د ر س، وتألفت بعض الأصول السامية من حرفين مثل: الضمائر (هي، هو، هم )، وأسماء الإشارة وأسماء الموصول وحروف المعاني وغيرها، وتشترك الأصوات الصامتة مع الأصوات الصائتة في تأليف بعض الأصول السامية؛ كأن يتألف من صوتين صامتين + حركة أو شبه حركة مثل: (قال، وعد). 2/ تكثر في اللغات السامية الأصوات الحلقية وهي: (الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء )، ومخارجها من الحنجرة والحلقوم واللهاة، وتكثر هذه الحروف في الكلمات العربية والعبرية والحبشية، وذهب بروكلمان إلى أن العربية تشبه في استخدام الحروف الحلقية السامية الأم. 3/ يكثر تأنيث الاسم والصفة في اللغات السامية بإضافة تاء للمذكر، ومن أمثلة ذلك : (عادل – عادلة، قاضي – قاضية، حسن – حسنة، وجميل – جميلة ) وغيرها. 4/ للغات السامية نظام في تصريف الفعل يختلف عمَا في الفصائل الأخرى فالفعل في الساميات له زمنان : زمن انتهى وهو الماضي، وزمن لم ينته وهو المضارع، فالصيغة الأولى تدل على تمام وقوع الحدث وانقضائه وانقطاعه وهي التي تسمى بصيغة الفعل الماضي، والثانية : تدل على استمرار الحدث وعدم تمامه وهي التي تسمى المضارع (هلال 2004) 5/ للساميات نظامها في تكوين الجمل وربطها بروابط محددة مثل : (الفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب، وثم التي تفيد الترتيب مع التراخي، والواو التي تستعمل للربط مطلقاً دون القيد .) فتلك بعض الخصائص المهمة التي تميز أسرة السامية عن غيرها من الأسر اللُّغوية الأخرى .  ملخص لخصائص اللغة السامية • الأصل ثلاثى الجذور للكلمات. • كثرة الأصوات الحلقية ( الهمزة – الهاء – العين – الخاء- الغين – الحاء ). • تأنيث الاسم والصفة بإضافة تاء للمذكر. • اختلاف تصريف الفعل المعتمد على زمنين : ماضٍِ ومضارع. نظام خاص في تكوين الجملة وربطها بروابط محدّدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق