السبت، 26 يناير، 2013

الحماسة لأبي تمام

الفصل الأول مختارات شعرية من كتاب الحماسة لأبي تمام ترجمة المؤلف : هو أبو تمام ، حبيب بن أوس الطائي [ ] ، ولد في قرية ( جاسم ) القريبة من دمشق ، في أواخر القرن الثاني الهجري ، فقد اختلفت أقوال المؤرّخين في سنة ولادته ، ومجموع الأقوال أنّه : إما وُلد في سنة 172 هـ أو 188 هـ أو 190 هـ أو 192 هـ . وينتهي نسبه عند جمهور الرواة والباحثين إلى قبيلة طيئ العربية [ ] . وقيل إنّ والده ، كان نصرانيًا ، اسمه ( تدوس )، فأسلم وتسمى بأوس ، وانتمى لقبيلة طيئ [ ]. وذكر بعض الباحثين [ ] أن قبيلة طيئ العربية كانت لها علاقة بالروم فانتشرت بها النصرانية ، وتسمى بعضهم بأسماء النصارى ؛ وخلص الباحث من ذلك بأن أبا تمام عربي طائي ، وانه لا غرابة إذا كان والده نصرانياً ، ويحمل اسماً رومياً .. ولا نعرف شيئاً كثيراً عن أسرة أبي تمام ، إلا أن والده كان يشتغل بالعطارة في دمشق، وأن أبا تمام رحل من قرية جاسم ليلحق بأبيه ، فألحقه بحائك ثياب ، فقضى في هذه المهنة فترة من الزمن . ثم تركها ورحل إلى مصر ، وأقام بمسجد عمرو بن العاص خمس سنوات ، يستعين أثناءها على ضروريات الحياة بسقاية الماء في المسجد فيصيب القليل من الرزق ، وفي الوقت نفسه ، وجد فيما يعقد في المسجد من الدروس بيئة علمية خصبة ؛ فاغترف منها ما يشبع نهمه إلى المعرفة ، فصقلت مواهبه وغذت عقله ، وكان ميله عظيماً إلى الأدب والشعر ، وحفظ منه قدراً عظيماً . وكان يقضي غالب يومه في مجالسة الكتب والدفاتر ، فتعددت جوانب ثقافته ، لاسيما وأنه كان متوقد الذكاء ، حاضر البديهة . وفي مصر تفتحت موهبته في نظم الشعر ، لكنه لم يحقق فيها ما كان يرجوه من تحسين أحوال معيشته ، فقفل راجعاً إلى دمشق ، ثم غادرها إلى العراق وخراسان ، وجال فيها من غير أن ينال بشعره في مدح القواد والأمراء ما كان يصبو إليه من سعة العيش ، وأخيرا سمع به المعتصم فاستقدمه وقربه منه ، فمدحه بقصائد منها البائية المشهورة ( السيف أصدق أنباء من الكتب ... ) وتغنى بأعماله وأحداث خلافته ، لكنه عاد إلى الضرب في البلاد والتنقل من مكان إلى مكان يجوب الأقطار ينشد شعره في شتى البلاد حتى انتهى به المطاف إلى الموصل، وأقام بها أكثر من سنة بعد أن اعتنى به الحسن بن وهب وولاه إدارة البريد بها . وتوفي أبو تمام في الموصل سنة 231 هـ في أرجح الأقوال . مذهبه الشعري : عرف أبو تمام بمذهب شعري متميز له خصائص فنية ، انفرد بها من خلال شيوعها في أشعاره نذكر منها ما يأتي : 1- دقة الأفكار وعمق المعاني ؛ فقد كان يلح في تصيد المعاني الدقيقة والأفكار العميقة التي لا تُدْرَك إلا بإعمال الذهن، والاعتماد على الفلسفة والمنطق في عرض الأفكار وإلباسها صورًا من التشبيهات والاستعارات والكنايات ، فابتكر معاني بعيدة ، وصيغاً غير مألوفة ، وسياقاً غريباً ، وفي سبيل ذلك اضطر إلى تغيير النسق المألوف العادي لتركيب الكلمات. غير أن هذه الدقة وهذا العمق كانا يجرانه أحياناً إلى الغموض، واستغلاق معانيه ، ويوغل في ذلك إلى درجة التعقيد . وقد تنبه الآمدي إلى ما في شعر أبي تمام من غموض وتعقيد فذكر أنه " شديد التكلف ، صاحب صنعةٍ ، ومستكره الألفاظ والمعاني ، وشعره لا يشبه أشعار الأوائل ، ولا على طريقتهم ؛ لما فيه من الاستعارات البعيدة ، والمعاني المولدة " ، وقال : إن من النقاد من نسب أبا تمام " إلى غموض المعاني ودقتها، وكثرة ما يورد مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج ". 2- المبالغة وسعة الخيال : جعل أبو تمام من شعره مسرحا لخياله الخصيب فهو يلجأ إليه ويستوحيه ما يقول ، ويصطنع المبالغة ويغالي فيها حتى أتى بنحو قوله: تحمَّلْتَ ما لوْ حمِّلَ الدهرُ شطرهُ ... لفكَّرَ دهراً أيُّ عبئيهِ أثقلُ وقوله: تكادُ عطاياهُ يُجنُّ جنونها ... إِذَا لم يُعَوذها بِنَغْمَةِ طالبِ 3- المجاز : لعل‌ من‌ أهم‌ مظاهر التجديد في‌ شعر أبي ‌¬تمام‌ شدة اعتماده على المجاز والاستعارة واستخدامه للكلمات بطريقة أصبحت معها توحي بأكثر من معنى، وأخرجتها‌ عن‌ دلالاتها‌ الدقيقة ، فسلك بذلك مسلكا جديدا في صياغة الاستعارة ، وجد فيه النقاد المحافظون شيئا غريبا عليهم غير مألوف لهم فمضوا يهاجمونه ويحملون عليه [ ] .. حتى قال الآمدي : إن أبا تمام " عدل في شعره عن مذاهب العرب المألوفة إلى الاستعارات البعيدة المخرجة للكلام إلى الخطأ أو الإحالة . " من نحو قوله : راحَتْ غَوَاني الحَي عَنْكَ غَوانياً يلبسنَ نأياً تارةً وصدودا فجسَّم النأي والصدود في هذه الثياب الغريبة ؛ فأنكروا عليه هذا التصوير ، وقالوا : إن الناي والصدود لا يلبسان .. وانكروا عليه قوله : جذبتُ نداهُ غُدوَة السبتِ جذبةً فخَرَّ صَريعاً بيْنَ أيْدِي القَصَائِدِ لأنهم لم يستسيغوا أن يجسم الندى في صورة شخص يجذبه الشاعر فيخر صريعا بين أيدي القصائد . [ ] وهذه الاستعارات منتشرة في شعره حتى لا تكاد تخلو منها قصيدة من قصائده وذلك لأنه كان يتخذ من هذا اللون من الاستعارة وبنائها على هذه الصورة الغريبة مذهبا فنيا يؤمن به ويحرص ان يحققه في كل نموذج من نماذجه الفنية . وهذا مما حيَّر قرَّاءه وأدى إلى الاختلافات في تفسير شعره. 5- المحسنات البديعية استخدم أبو تمام غالب ألوان البديع في شعره ، غير أنه أفرط في استخدام الطباق والمقابلة ، فقد حشدهما حشدا في قصائده وظل يمزج بينها ويركب منها ألوانا جديدة ، تتحولان عنده إلى صورة تخالف ما يعرفه القدماء من طرق استخدامهما ، بما فيه من مبالغة وعمق وتعقيد ، من نحو قوله في قصيدة فتح عمورية: السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ ... في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ بيضُ الصَّفائحِ لاَ سودُ الصَّحائفِ في ... مُتُونِهنَّ جلاءُ الشَّك والريَبِ وكان مذهبه الشعري مثار جدل ونزاع بين النقاد ؛ على نحو ما ذكره المسعودي [ ] في قوله : " والناس في أبي تمام في طرفَيْ نقيض: متعصب له يعطيه أكثر من حقه، ويتجاوز به في الوصف قدره، ويرى أن شعره فوق كل شعر، أو منحرف له معاند، فهو ينفي عنه حسنه، ويعيب مختاره، ويستقبح المعاني الظريفة التي سَبَقَ إليِها وتفرد بها." وعبَّر ابن الأعرابي عن موقفه من شعر أبي تمام فقال : " إن كان هذا شعراً فكلام العرب باطلٌ [ ] .. شــعـــره : لأبي تمام ديوان مطبوع ، طرق فيه أبواب الشعر المختلفة ، وإن استغرق فني ( المدح والرثاء ) معظم شعره ، فقد ظل يضرب في البلاد ، ويمدح كل عظيم وكل ذي نفوذ ، أما الرثاء فقد أشاد النقاد بإجادته له ، فقال ابن رشيق [ ]: " وأبو تمام من المعدودين في إجادة الرثاء "، وقال : وليس في ابتداءات المراثي المولدة مثل قول أبي تمام يرثي بها محمد بن حميد: أَصَمَّ بِكَ الناعي وَإِن كانَ أَسمَعا ... وَأَصبَحَ مَغنى الجودِ بَعدَكَ بَلقَعا وقال أبو القاسم الأمدي [ ]:" هو أشعر الناس في المراثي ، وليس له أجود وأحسن من قوله فيها: أَلا إِنَّ في ظُفرِ المَنِيَّةِ مُهجَةً ... تَظَلُّ لَها عَينُ العُلى وَهيَ تَدمَعُ هِيَ النَفسُ إِن تَبكِ المَكارِمُ فَقدَها ... فَمِن بَينِ أَحشاءِ المَكارِمِ تُنزَعُ مختاراته الشعرية : ويُعدُّ أبو تمام أول شاعر عربي عُني بجمع مختارات شعرية ، وإن سبقه في جمع الشعر طائفة من العلماء والرواة ، فجاء تصنيفه لمختاراته بعد المعلقات [ ] والمفضليات [ ] والأصمعيات [ ]، وجمهرة أشعار العرب [ ]. أما مختاراته الشعرية ، فهي : 1- ديوان الحماسة: جمع فيه عيون الشعر ووجوهه من أشعار المقلين والمغمورين من الشعراء 2- ديوان الحماسة الصغرى : ( ويسمى أيضاً الوحشيات ) وهو مبوب على ترتيب الحماسة ، إلا أنه ذكر فيه أشعار المشهورين وغيرهم من القدماء والمتأخرين . وقد طبع بتحقيق الميمني ومحمود شاكر . 3- كتاب الفحول:( الاختيار القبائلي الأكبر ) ، اختار فيه من كل قبيلة قصيدة . 4- كتاب الاختيار من أشعار القبائل :( الاختيار القبائلي ) اختار فيه قطعاً من محاسن أشعار القبائل 5- مختارات من الشعراء المحدثين. والذي وصل إلينا من هذه الكتب: ديوان الحماسة ، وكتاب الحماسة الصغرى . وقد تيسر لأبي تمام جمع ديوان الحماسة وبقية المختارات الشعرية بدار أبي الوفاء بن سلمة في (هَمَذَان) عندما عرج عليها في طريق عودته من خراسان بعد مدح واليها عبد الله بن طاهر ، فاستضافه أبو الوفاء وأكرمه، وحين فكَّر في العودة إلى العراق وقع ثلج عظيم قطع عليه الطريق، فاضطُّر إلى البقاء عند مضيفه حتى يذوب الثلج ، وعكف أثناء إقامته على خزانة كتب أبي الوفاء ، حتى تم له جمع مختاراته الخمسة . ديوان الحماسة : جعل الحماسة اسماً لهذا الكتاب ، سماه باسم الباب الأول والأطول منه ، بعد أن رتَّبه على عشرة أبواب، وخص كل باب بفن من فنون الشعر العربي ، والأبواب هي : الحماسة ، والمراثي، والأدب، والنسيب، والهجاء، والأضياف، والمديح ، والصفات، والسِّير والنعاس ، والملح والطرف ، وباب مذمة النساء. منهج أبي تمام في ديوان الحماسة : 1- لم يقتصر اختياره على الجاهليين والمخضرمين وشعراء صدر الإسلام ؛ بل تعداه إلى اختيار نماذج من الشعر الأموي والعباسي ؛ كالحسين بن مطير، ومسلم بن الوليد، وأبي العتاهية ، وأبي نواس . كما اختار نماذج شعرية لشعراء غير مشهورين ومقلين ، ولعله بذلك حرص على أن يضع بين أيدي الناس نماذج جديدة من الشعر لم يعهدوها من قبل، ومن الواضح أنه كان يختار ما يروق له من الشعر دون أي اعتبار لمدى شهرة صاحب الشعر أو عصره . 2- رتب مختاراته ترتيبًا موضوعيًّا، فكان ديوانه أول مجموع شعري تصنف فيه الأشعار حسب الموضوع الشعري؛ وله بذلك فضل في تبويب الشعر. 3- عمد أبو تمام في مختاراته انتقاء مقطوعات شعرية أو عدة أبيات من قصيدة طويلة ، ولم يلزم نفسه باختيار قصائد كاملة كما فعل من سبقوه في اختيار نماذجهم كحماد الراوية والمفضل والأصمعي والقرشي. 4- أباح أبو تمام لنفسه حرية التصرف فيما لا يروق له من ألفاظ بعض ما اختاره من الشعر، ذكر المرزوقي أن أبا تمام كان إذا وجد لفظة تشين ما يختاره من الشعر استبدلها بلفظ أرق " فيجبر نقيصته من عنده ، ويبدل الكلمة بأختها ."[ ] 5- كان يتوسع في الباب فيدخل في بعضها مقطوعات لا يبدو للوهلة الأولى أنها تمت بصلة إلى الباب الذي أدرجت تحته ، إلا بعد إمعان النظر في المعنى . 6- لم يلتزم بنسبة كل ما يختاره من شعر إلى قائله والتصريح باسمه ، بل أغفل في بعض نماذجه أن ينسبه إلى صاحبه ، وعندئذٍ يكون تصديره له بقوله : وقال آخر ... أو قالت امرأة ... .) قيمة ديوان الحماسة تتجلى قيمة ديوان الحماسة من جوانب مختلفة ، نذكر منها : - يمثل من الناحية الفنية معرضاً حافلاً بألوان متعددة من الشعر الجيد أختاره أبو تمام بذائقته الشعرية وثقافته اللغوية الواسعة وحسه النقدي المرهف . - وهو من الناحية اللغوية عظيم الفائدة لمن يشتغلون بالبحث العلمي سواءً بالاستشهاد بصحة ألفاظه أو تركيب عباراته عند المقارنة والتحقيق ، ويستدل بنصوصه الشعرية علماء اللغة والنحاة والمفسرون والمحدثون والمؤلفون ، ويرجع إلى نماذجه الأدباء لتربية أذواقهم . - ويُعدُّ من الناحية التاريخية حلقةً في سلسلة المختارات الشعرية ، وتطور تصنيفها تنظيماً وتبويباً ، وإضافة وتجديداً . فقد كان رائداً لتبويب مختاراته وتنظيمها تبعاً للأغراض الشعرية ، ووسع دائرة اختيار نماذجه الشعرية فشمل مختارات من الشعر الأموي والعباسي بينما كانت دائرة الاختيار في المختارات الشعرية قبله لا تتجاوز شعراء العصر الجاهلي وصدر الإسلام ، كما شمل شعر المغمورين من الشعراء والمقلين ، ونماذج من شعر النساء . ومن حيث التطور التاريخي أيضاً أثَّر في منهج جمع المختارات الشعرية من بعده ، وطبيعة تصنيفها ؛ حين التزم أصحابها بمنهجه وأسلوب جمعه لها ، بل وتسمية مختاراتهم باسم ( الحماسة ) ، فكانت حماسة البحتري وحماسة الخالدين وحماسة الأعلم الشنتمري، وحماسة ابن الشجري... وغيرها. وقد كانت قيمة ديوان الحماسة سبباً في اهتمام طائفة من العلماء بشرحه والتعليق عليه ؛ فقد شرحه أبو بكر الصولي، وأبو القاسم الآمدي، وابن جني، وأبو هلال العسكري، وأبو علي المرزوقي (ت 421هـ )، وأبو العلاء المعري، والخطيب التبريزي (ت: 502هـ )، والعكبري (ت: 616هـ ). وشرحا المرزوقي والتبريزي هما أكثر شروح ديوان الحماسة شهرةً وتداولاً . قال المرزوقي عن أهميته : وقد وقع الإجماع من النّقاد على أنه لم يتفق في اختيار المقطعات أنقى مما جمعه أبو تمّام . وروى التبريزي قول بعضهم : إن أبا تمام في اختياره الحماسة أشعر منه في شعره . ولأهمية ديوان الحماسة تم طبعه مرات عديدة منذ أن تولى طباعته المستشرق "فرايتاج" في ألمانيا في أعوام (1825م- 1847م)، فقد طُبع في مصر عام (1870م) في مطبعة بولاق ، وطُبع بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد في مصر عام 1938م في أربعة أجزاء ، ثم طبع شرح المرزوقي بتحقيق الأستاذين أحمد أمين وعبد السلام هارون في القاهرة عام (1951م- 1953م) . وفي عام 1981م حقق الدكتور عبد الله عسيلان أشعار الحماسة، ونشرها مجردةً من الشروح تحت عنوان (الحماسة لأبي تمام)، وطُبع الديوان بالسعودية تحت عناية جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض. وفي عام 1996م نشر ديوان الحماسة في جزأين كبيرين ضمن سلسلة (الذخائر) التراثية ، بتحقيق الدكتور عبد المنعم أحمد صالح . مختارات من ديوان الحماسة أولاً : من باب الحماسة : مفهوم الحماسة : حَمِس : اشتدَّ وصلُب ، يقال : حمِسَت الأرض : صلبت ، و حمِسَ الشرُّ والوغى : اشتدَّ ، وحمس الرجل في الدين : تشدد على نفسه في الدين ، و حمس بالشيء: أولع به ، فهو أحمس وهي حمساء . والأَحمَسُ أَيضاً : المتشدِّد. وعام أحمَسُ وسَنة حَمساء : شديدة . والأحمَس : المكان الصُّلب . والحُمْس : لقب قريش : لأَنهم كانوا يتشددون في دينهم وشجاعتهم ، فلا يطاقون . وهكذا ؛ فإن مادة حمس بشتى مشتقاتها تكاد لا تخرج عن معاني الشدة والمنع والشجاعة والمحاربة ، سواء تعلّق الأمر بالحرب والقتال ، أو ما يتعلق بالدّين وطقوسه ، أو بغيرهما من الشؤون .. غير أنّنا لا نستطيع أن نستثمر كل دلالات هذه المادة ، وإنّما نتخيّر منها ما يناسب مفهوم الحماسة كما يكشفها اختيارات أبي تمام في باب الحماسة . فقد جاءت عنده جامعاً لما يقترن بالقتال من معاني الشجاعة والشدة والمنعة ، وتلك المعاني التي تدعو إلى الحرب والاقتتال وتحث عليها كإثارة النخوة والتغني بصفات المروءة والاحتمال والصبر والإباء والجرأة . فمن معاني التحميس : التشجيع ، حمَّس غيره حماسةً : شجَّعه وأثار فيه الحميّة ، تقول : حمَّس الخطيبُ المصلين على الجهاد في سبيل الله ، وأحمسه : أغضبه بتحدِّيه له ، والحماس : شدّة وشجاعة ، تقول : أقدم على عدوِّه بحماسٍ شديد . وذلك حين يَهيجُ ويَغضَب للقتال . فالتحميس بهذا المعنى يشمل كل ما يثير الحمية أو العاطفة في نفس الإنسان وتدفعه إلى الأعمال الجليلة ،حتى وإن كانت في غير ساحة الحرب . وهو نفس المعنى الذي جعل من الحماسة غرضاً مستقلاً من أغراض الشعر بجانب المدح والرثاء والغزل والهجاء ..عند أبي تمام في ديوان الحماسة ومن نحا نحوه من العلماء في مختاراتهم الشعرية ، ولم تكن تسمية مختاراتهم باسم الحماسة إلا تغليباً لها ، فتصدرت غيرها من الأغراض من باب تسمية الكل (الكتاب) بالجزء (باب). وعرف الشعر العربي معاني الحماسة منذ العصر الجاهلي ، فقد فرضت أسبابها العصبيات القبلية التي غلبت على حياتهم وطبيعة أرضهم وظروف مجتمعهم ، وفطرتهم البيئة البدوية القاسية على الشجاعة , وحب القتال , والتعلق بالحرية , والإحساس العميق بالكرامة ومن ثم كان العربي يفخر بكرمه وجوده ,وشجاعته وإقدامه وحمايته لجاره وغيرها من المحامد التي كان يتغنى بها في شعره . وأفرد الشعراء قصائد خاصة بالحماسة ، تزداد كثرة عند احتدام المعارك والغزوات ، وقد يبثونها في ثنايا الأغراض الشعرية الأخرى ، وإن تفاوتت نسب حضورها من غرض إلى آخر.. شعر الحماسة. الحَمَاسَةُ : من أغراض الشعر العربي وموضوعاته الرئيسية ، وتدور حول الإشادة بالأمجاد والانتصارات في الحروب والمثل الرفيعة . كما يبدو هذا الغرض في رثاء أبطال الحروب ، أو في مدحهم ، أو في سياق فخر الشاعر ببطولاته في الحرب، وقد امتزج بوصف المعارك والإشادة بالبطولة . والحماسة الحربية تستلزم دفع الجند وإلهاب مشاعرهم للإقدام في منازلة الأعداء ، أو للدفاع عن الوطن . وتوعد الأعداء بإدراك الثأر ، والحث على الصبر عند الشدائد . وقد أثبت أبو تمام في باب الحماسة ما اختاره من أقوال السابقين في الشجاعة والإقدام ، والحض على النزال ، والاستهانة بالموت ، ووصف المعركة ، والفخر بالشجاعة. وذكر الفرار من الحرب ، وما إلى ذلك من صور البطولة ونماذج الشجاعة . وقد عدَّ مؤرخو الأدب شعر الحماسة مصدرًا مهمًا لتاريخ العرب في حروبهم وأسلحتهم وأنسابهم وفضائلهم . تقديم النص : 1- ترجمة الشاعر : ينسب النص في شروح كتاب الحماسة لبعض شعراء بلعنبر [ ]. وفي شرح التبريزي أنه ( قُرَيطُ بنُ أُنَيف ) أحد بني العنبر ، وذكر أنه شاعر إسلامي ، ولم نقف له على ترجمة في معاجم الشعراء وكتب التراجم الأخرى .[ ] وانفرد الشمنتري في شرحه فذكر أن الأبيات قد تكون لأبي الغول الطهوي . 2- مناسبة النص : ذكر الرواة أن ناساً من بني شيبان أغاروا على قُرَيْط بن أنَيْف ؛ فأخذوا إبله واستاقوها ؛ فاستنجد قومه فلم ينجدوه ، فاستعان ببني مازن فمضوا معه وأغاروا على بني شيبان وردوا عليه إبله ، ومازن هنا هو ابن مالك بن عمرو بن تميم أخي العنبر بن عمرو بن تميم ، وهم حي من بني تميم ، والذين استقاقوا إبل الشاعر هم ذهل بن شيبان : حي من بكر بن وائل ، وكانت الحرب بين تميم وبكر سجالاً ... فالأبيات في مدح بني مازن . وقيل إنه قصد في هذه الأبيات ذم قومه لتقاعسهم عن نجدته ، وقيل إنه قصد أن يحمل قومه على الانتقام له من أعدائه ، وتهييجهم وهزهم، ولم يقصد إلى ذمهم ، وكيف يذمهم وعار الذم راجع إليه . 3- النص : 1 - لَوْ كُنْتِ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تَسْتَبحْ إِبِلِي ... بَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانا 2 - إذًا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ... عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إِنْ ذُو لُوثَةٍ لاَنا 3 - قَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ ... طَارُوا إلَيْهِ زَرَافاتٍ وَوُحْدَانا 4 - لاَ يَسْأَلُونَ أخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ ... فِي النَّائِبَاتِ عَلى ما قالَ بُرْهانَا 5 - لَكِنَّ قَوْمِي وَإنْ كانُوا ذَوِي عَدَدٍ ... لَيْسُوا مِنَ الشَّرِ فِي شَيءٍ وَإنْ هانَا 6 - يَجْزُونَ مِنْ ظلَمْ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ... وَمنْ إسَاءَ أهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا 7 - كأَنَّ رَبَكَ لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ ... سِوَاهُمُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِنْسَانا 8- فَلَيْتَ لِي بِهِمِ قَوْمًا إذَا رَكِبُوا ... شَدُّوا الإِغَارَةَ فُرْسَانًا وَرُكْبانَا المفردات : 1- استباحة الشيء : اتخاذه مباحاً للنفس. استباح مالَ الآخرين: تملّكه واستولى عليه ، واستباح إبله : نهبها ، استولى عليها . بنو اللقيطة [ ]. قال الشنتريني : جعل أمهم ( لقيطة ) مبالغة في الهجو ، واللقيطة : المنبوذة الملقوطة . وابن اللَّقيطَة: عبارة شَتْم وسبّ . 2- لقام: قام بالأمر، أى تكفل به .. المعشر : اسم لجماعةٍ أمرهم واحد ، ولا واحد له من لفظه. خُشُن : جمع خشن ، وهو الشديد الجانب على العدو .. وقيل جمع أخشن : الصعب الذي لا يلين . والقوي الشديد الذي لا يطاق ، وعكسه ( لانَ ) أي ضعف عن مقاومة عدوه . والحفيظة : الغضب لحرمة تنتهك من حرماتك .. واللُّوثَة ( بضم اللام ) : الضعف ، الحماقة ، مَسُّ الجنون . ويروى ( لَوثة ) بفتح اللام : وهي الحزم ، القوة ، الحمق والهَوَج . 3 - ( الناجذ ) الضرس ( ج ) نواجذ ، وهي الأضْراس التي في آخر الحنك ، ضرس العقل ، وتطلق على الأنياب والأضراس .. ومعنى ( طاروا) : أسرعوا . والزرافات: الجماعات ، والزَّرَافَةُ : الجماعة من النَّاس ، تقول : جاءوا زُرافات ووُحدانًا : جاءوا بأعداد كبيرة . والوُحْدانُ جمع الواحِدِ ؛ كراكب ورُكْبان ، وراع ورُعْيان ، تقول : صلينا وُحداناً : أَي منفردين . 4- يندبهم أي يدعوهم . النائبات : المصائب الشديدة ، جمع نائبة : وهي ما ينزل بالمرء من الكوارث والحوادث المؤلمة . ونوائب الدَّهر: ما ينزل بالناس من مصائب ومضرّات . 5- القوم : الجماعة من الناس تربطهم وحدة اللغة والثقافة والمصالح المشتركة (يذكّر ويؤنّث) وقَوْم الشَّخص: أهله وعشيرته . وهنا يقصد الشاعر بهم بني العنبر . 6- ظلَم فلانًا: جار عليه ولم ينصفه ، عكسه: عدل . 8- الفرسان : الراكبون على الخيل، والركبان : على الإبل . الشَّدة : بالفتح الحملة الواحدة ، وشَدَّ على القوم في القتال : حَمَلَ عليهم ،كرَّ عليهم وهاجَمهم . الإغارة : الهجوم على العدوّ من كلِّ جهة . شنّ غارة عليهم: هاجمهم . الشرح العام : يقول لو كنت من قبيلة بني مازن ، لما أغار بنو ذهل على إبلي أخذا ونهبا ، ولو كنت منهم لتكفل بنصري قوم صعاب أشداء يدفعون عني ويأخذون بحقي ممن اعتدى عليَّ وظلمني ، وذلك حين يجبن الأحمق الذي لا يقدر العواقب . ثم يصف بني مازن بالإقدام على المكاره ، والإسراع إلى الشدائد ، دون تواكل أو تخاذل ، ودون أن ينتظر بعضهم بعضا ، بل كل يرى أنه حقت عليه الإجابة فيسرعون مجتمعين ومتفرقين . وبنو مازن ـ كما يصفهم الشاعر ـ إذا استنجد بهم أحد فيما وقع له من مصيبة ، أسرعوا في إغاثته دون تردد أو توانٍ ، أي أنهم إذا عرفوا أن المستنجد بهم طالب لنصرتهم بادروا نحوه ، ولا يسألون عن سببها ، أو يطلبون برهانا وحجة على ما ادعاه ، ولا يتعللون كما يتعلل الجبان . و هذا تعريض منه بما لحقه من قومه أو رآه من عاداتهم عند الاستغاثة بهم. ثم انتقل الشاعر إلى وصف قومه ، فقال : إنهم ، وإن كان عددهم كثيراً ، يضعفون عن مدافعته الشر ، فليسوا من دفع الشر وقصده وارتكابه في شيء لعدم حماستهم ، وإن كان الشر هيناً . ثم أكد ضعفهم وعدم حماستهم ؛ فجعلهم للينهم وضعفهم عن العدو يسامحون من ظلمهم ، ويحسنون إلى من أساء إليهم . ونبه أن احتمالهم المكروه وإيثارهم للسلامة والعفو عن الجناة إنما هو لاحتساب الأجر في زعمهم ، فهم لذلك لا يعرفون الشر ولا يرومون دفعه ، فكأن الله لم يخلق لخوفه غيرهم ؛ لأنهم لو أرادوا الانتقام لقدروا بعددهم وعدتهم .. ثم تمنى أن يكون بدلاً من قومه هؤلاء القوم من بني مازن . فهم إذا ركبوا لمحاربة الأعداء مزقوهم كل ممزق. الصور : 3 - أبدى الشَّرّ عن ناجذيه: مثلٌ يُضرب لصولة السبع وشدَّته ، لأنّه إذا صال كشّر عن أنيابه ، شبّه الشر بحيوان مفترس ، وحذف المشبه به ، وكنّى عنه بذكر ( ناجذيه) لأنّ النواجذ أداةُ الْعَضّ، ( الاستعارة مكنية ) - وعض على الشيء بناجذه حرص عليه ، استمسك به. وفي الحديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ ) أَي تمسكوا بها كما يتمسك العاضّ بجميع أَضراسه على شيء ، منعاً من أن ينتزع منه . ومعنى ( طاروا) : أسرعوا ، استعار الطيران لإسراعهم إلى دفع العدو وقمعه بجامع قطع المسافة بسرعة لأن الطيران هو قطع المسافة بالجناح والسرعة لازمة له في الأكثر ، أي : أسرعوا إلى نجدته إسراع طير يطير بجناحيه . ( الاستعارة تصريحيّة ) قوله : لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... كناية عن إسراعهم لنجدته دون تردد . وفيه تعريض منه بما لحقه من قومه أو رآه من عاداتهم عند الاستغاثة بهم . وقوله ليسوا من الشر في شيء : كناية عن استسلامهم وعدم مواجهتم للشر أو مدافعته . التعبير : - الاستباحة ، قيل هي في معنى الإباحة، وهي التخلية بين الشيء وبين طالبه ، واستباح الشيء : اتخاذه مباحاً للنفس. استباح مالَ الآخرين: تملّكه واستولى عليه ، واستباح إبله : نهبها ، استولى عليها . - اللام في ( لقام ) : جواب يمين مضمرة، والتقدير إذاً واللّه لقام بنصرى . وفائدة ( إذاً ) هو أنه أخرج البيت الثاني مخرج جواب قائل قال له: ولو استباحوا ماذا كان يفعل بنو مازن ؟ فقال: إذاً لقام بنصرى معشر خشن . - من معاني اللوثة ( بضم اللام ) : الضعف . بينما ( اللَوثة ) بفتح اللام : تعني القوة . وقال الشراح إن رواية الفتح أبلغ في المعنى إذا أراد الشاعر المبالغة ؛ أي إذا ضعف القوي عن مقاومة عدوه فهم خُشُن الجوانب عليه ، قائمون بمدافعته ، وإذا كان الشاعر إنما عرض بقومه ، ووصف ضعفهم عن نصرته ؛ كانت الرواية بالضم . - وقوله (ذو) مرفوع بفعل مضمر يفسره الفعل الذي بعده ( لان ) وتقديره : إن لان ذو لوثة لانا . - وقد طابق الخشونة باللين فأبدع في صنعته، كأنه قال معشر خشنون عند الحفيظة إن كان ذوو اللوثة لينين عندها. - تقول : أبدى ناجذه : إذا بالغ في ضحكه أو غضبه ، وفي الحديث ضَحِك رسولُ الله  حتى بَدَت نواجِذُه ، أي استغرق في الضحك - وأبدى الشَّرّ عن ناجذيه: كناية عن تعرض الشر لهم ، بجانب تصويره للشر وكأنه سبع يتعرض لهم مكشراً عن أنيابه . - يندبهم أي يدعوهم ، لأن الأصل في الندبة : الدعاء ، وإن اشتهرت ببكاء الأموات و قولهم عند البكاء : وافلاناه ، وتوسعوا فيه فقالوا: ندب فلان لكذا وكذا، إذا نصب له ورشح للقيام به. النائبات : المصائب الشديدة ، جمع نائبة : ما ينزل بالمرء من الكوارث والحوادث المؤلمة . ونوائب الدَّهر: ما ينزل بالناس من مصائب ومضرّات . - ينتصب قوله ( إحساناً ) بيجزون مضمراً ، كأنه قال: ويجزون من الإساءة إحساناً. وجاز حذفه لأن الفعل قبله يدل عليه. وقد قابل بين مغفرتهم لمن ظلمهم ، وإحسانهم لمن أساء إليهم . وقوله ( سواهم من جميع الناس ) : هو استثناء مقدم ، ولو وقع موقعه لكان الكلام : لم يخلق لخشيته إنساناً سواهم ، فكان يجوز في ( سواهم ) البدل والاستثناء والصفة ، فلما قدم بطل أن يكون بدلاً وصفةً، لأنهما لا يتقدمان على الموصوف والمبدل منه ، فبقى أن يكون استثناء . وقوله ( شدوا الإغارة ) أي شدوا للإغارة ، أي حملوا ، ثم حذف اللام وأوصل الفعل ونصب . ويجوز أن يكون المعنى : أحكموا الإغارة وبالغوا فيها ، فتكون منصوبة بالفعل نصب المفعول به . التعليق على النص : 1- الأبيات من بحر ( البسيط ) ووزنه بحسب الدائرة العروضية : ( مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ × 2 ) ، وقافيتها[ ] ( إذا أخذنا برأي الخليل بن أحمد) : ( بَانا ) : /5/5 .. وحرف الروي : النون . 2- وقد ذكر عبد الله الطيب [ ] أن بحر البسيط أخو الطويل في الجلالة والروعة ، وأن البسيط شديد الصلاحية للتعبير عن معاني العنف والتعيير عن معاني الرقة .. وأن الشعراء لإحساسهم بما في رنة البسيط من ملاءمة العنف وبما بمجراه من الكلام الصارخ الجهير ، تجدهم فيه قد أكثروا من قصائد التحريض والعتاب والهجاء المقرع وشكوى الدهر وشكوى الناس ، والقصائد الجياد الطنانة التي وردت في هذا المعنى أكثر مما جاء من نظائرها في غيره وأقوى . 3- وعلى ذلك فإن النص يدخل في إطار الشعر الحماسي ، إذ أتت الأبيات عصارة لتجربة الإحساس بالضعف والخذلان الذي وجد الشاعر نفسه فيهما ، فهو من ناحية ضعيف لم يستطع أن يمنع الناس من أخذ إبله عنوة ، وخَذَله قومه ( لضعفهم أيضاً ) فلم يستطيعوا أن يردوا له ما أخِذ منه .. يضاف إلى ذلك الإحساس بالشكر لبني مازن الذين ردوا إبله ، فافتخر بهم وتمنى أن يكون منهم ، وترجع معاني العنف في الحماسية إلى غيظ الشاعر من قومه ، وتقاعسهم مع كثرة عددهم عن نصرته ، والى اللفظ الجزل الذي تخيره للتعبير عن هذا الغيظ ، كما عمدت الأبيات إلى التفخيم والأسلوب الخطابي الرنان في تمجيد بني مازن والمبالغة في إظهار قوتهم . 4- الأبيات تنحصر قضيتها في مدح بني مازن وذم قومه ، ولم يلتفت كثيراً إلى هجاء الذين استباحوا إبله ، إلا ما جاء في شتمه لهم ببني اللقيطة ، ذلك أن ما ناله منهم كان دون ما كان يؤمل من نصرة قومه له ، فكان غيظه من فعلهم أشد ، وهو الذي دعاه إلى تمجيد فعل بني مازن .. ومع ذلك يقول بعض الشراح إن قصد الشاعر لم يكن ذم قومه ويعللون مستنكرين : وكيف يذمهم ووبال الذم راجع إليه ؟!! [ ] 5- وصف الشاعر بني مازن بمجموعة من الصفات والقيم تميزهم عن قومه بني العنبر ، وتجعلهم مثالاً صالحاً لما ينبغي أن يكون عليه قومه : - فهم معشر خشن ، لكنه قيد هذه الصفة بأن تكون ( عند الحفيظة ) ؛ إذ من معاني ( الخشن ) : القوي العنيف الذي لا يطاق ، كما تظهر قيمة هذه الخشونة في الحالة المعنية عندما يتقاعس غيرهم عن أخذ حقهم . - الإسراع في مواجهة ( الشر ) ، غير أن هذه الصفة مقيدة أيضاً بأن تكون في حالة العدوان عليهم ( أبدى ناجذيه لهم ) . كما أن دلالة ( الشر ) عامة ، تشمل كل ما يشكل في حياة الناس شراً . - نصرة حلفائهم ( أخاهم ) فيما يحيق بهم من المصائب والكوارث . - وهم لا يترددون أو يتوانون في مواجهة الاعتداء . - والقيم التي نسبت لبني مازن قيم إسلامية ، وتختلف عما كان يفتخر بها الناس في الجاهلية ، على النحو الذي صور به عمرو بن كلثوم قومه في معلقته . 6- أما موقف الشاعر من قومه فقد بدأه بالاستدراك بقوله ( لكنَّ قومي ) فنبَّه أن حالهم خلاف ما وصف به بني مازن من القوة ومواجهة الصعاب ونصرة الحلفاء ، ونفى أن يكون ذلك عن قلة عددهم ، بل هم كما وصفهم ذوو عدد كثير .لكنهم مع ذلك يتهيبون مواجهة الشدائد ، ولا يتحمسون لدفع أذىً ، بل على العكس من ذلك يسامحون من ظلمهم ، ويحسنون إِلَى من أساء إليهم ، وكأنهم بموقفهم المتخاذل مسالمون يحتسبون به الأجر عند الله تعالى .. النص الثاني : ( من شعر الصعاليك ) قال تأبَّطَ شَرًّا [ الطويل ] إنِّي لَمُهْدٍ مِنْ ثَنائِي فَقاصِدٌ بِهِ لابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شُمْسِ بِنْ مالِكِ أَهُزُّ بِهِ فِي نَدْوَةِ الْحَيِّ عِطْفَهُ كَمَا هَزَّ عِطْفِي بِالْهِجَانِ الأَوَارِكِ قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ كَثيرُ الْهَوَى شَتَّى النَّوَى وَالْمَسالِكِ يَظَلُّ بِمَوْماةٍ وَيُمْسِي بِغَيْرِها جَحِيشاً وَيَعْرْورِي ظُهورَ المَهَالِكِ وَيَسْبِقُ وَفْدَ الرِّيحِ مِنْ حَيْثُ يَنْتَحِي بِمُنْخَرِقٍ مِنْ شَدِّهِ الْمُتَدَارِكِ إِذَا حَاصَ عَيْنَيْهِ كَرَى النَّوْمِ لَمْ يَزَلْ لَهُ كَالِىءٌ مِنْ قَلْبِ شَيْحَانَ فاتِكِ وَيَجْعَلُ عَيْنَيْهِ رَبِيئَةَ قَلْبِهِ إلى سَلَّةٍ مِنْ حَدِّ أخْلَقَ صائِكِ إذَا هَزَّهُ في عَظْمِ قِرْنٍ تَهَلَّلتْ نَوَاجِذُ أفْوَاهِ الْمَنَايا الضَّوَاحِكِ يَرَى الْوَحْشةَ الأنْسَ الأَنِيسَ وَيَهْتَدِي بِحَيْثُ اهْتَدَتْ أمُّ النُّجُومِ الشَّوَابِكِ _________ تقديم النص : 1- ترجمة الشاعر : تأبَّطَ شَرًّا [ ]: هو ثابت بن جابر بن سفيان، الفهمي، ويظهر أن أباه مات وهو صغير، وأن أمه كانت أمَةً سوداء على أغلب الروايات ، فاجتمع للشاعر سواد لونه ، وازدراء قومه وتعييرهم له بسواده ، وفقره وسوء حاله في هذه الحياة ، مما ترك أثراً في نفسه ، فتصعلك ، وأخذ يرافق الصعاليك ، كالشنفري الذي رافقه في كثير من غزواته . وكان من العدائين المعروفين عند العرب. وله أخبار كثيرة في ذلك ، قالوا إنه كان ينظر إلى الظبي في الفلاة فيجري خلفه فلا يفوته ، وله مغامرات تحمل طابع القصص والأساطير. وتأبط شراً لقب اشتهر به الشاعر ، حتى عرف به دون اسمه ، وقد كثرت الأخبار والروايات في تفسير هذا اللقب ، فمن قائل إنه إنما سميّ تأبط شراً لأنه أخذ سيفاً وخرج ، فقيل لأمه: أين هو? قالت: لا أدري، تأبط شراً وخرج. وقيل: بل سمته -أو لقبته- بذلك لأنها رأته يتأبط جرابًا مليئًا بالأفاعي. وقيل: إنه رأى كبشاً في الصحراء فاحتمله تحت إبطه ، فلما قرب من الحي ثقل عليه الكبش، فرمى به ، فإذا هو الغول . فقال له قومه: لقد تأبطت شراً ، فسمي بذلك. وقيل غير ذلك . [ ] وقيل إنه ربما كانت قبيلته هي التي لقبته بهذا اللقب لكثرة ما كان يرتكب من جنايات وجرائر، أي أنه يحمل دائمًا في أطوائه شرًّا يريد أن ينفذه. [ ] شعره ، على قلة ما وصلنا منه ، ينبئ عن شخصية حافلة بالنشاط والحركة ومملوءة بالاضطرابات ؛ فانتشر فيه الفخر الممزوج باقتحام الشدائد والصبر على المكارة واحتمالها وقوة البأس وشجاعة الفؤاد وثبات الجنان .[ ] كما تمتع أسلوبه بلغة عربية فصيحة لا تشبها شائبة اللحن ، فاعتنى بشعره علماء اللغة والنحاة ، ولا يكاد يخلو معجم أو كتاب في النحو من أبيات يتمثلون بها ، ويتخذونها شواهد لما يقررون من قواعد ، كما اعتنى به رواة الشعر قديماً وقدروه ؛ فاستفتح المفضل الضبي مفضلياته بقصيدة له ، مطلعها : يا عيد مالك من شوق وإيراق ... واختار له أبو تمام في ديوان الحماسة ثلاث قصائد له ، فضلا عن قصيدة رابعة منسوبة لتأبط شراً وهي أطول ما اختار أبو تمام في باب المراثي من حماسته ، وهي القصيدة التي مطلعها : ( إن بالشعب التي دون سلع .. ). وأشعار "تأبط شراً" متناثرة في كتب الأدب كالأصمعيات وأمالي المرتضى وفي الوحشيات لأبي تمام وحماسة الخالديان وحماسة البحتري والحماسة البصرية وغيرها . وطبّع ديوانه محققاً سليمان القرغولي وجبار جاسم، النجف 1973 ، ونشره كذلك محققاً علي ذو الفقار شاكر، كما نشره عبد الرحمن المصطاوي سنة 2003. وما زال تأبط شرًّا يقوم بمغامراته حتى قتل في إحدى غاراته بمنازل هذيل . مناسبة القصيدة : الأبيات الحماسية التي مطلعها ( إني لمهد من ثنائي ... ) قصيدةٌ مدح بها تابط شراً ابن عمه شُمس بن مالك ، وكان صعلوكاً مثله ، يصفه بركوب الأهوال وبذل الأموال . وأوردها شاكر محقق الديوان في القسم الخاص بما لم يختلف في نسبته إليه ، وأوردها القالي في أماليه ، وهي أيضاً في العقد الفريد وخزانة الأدب وزهر الآداب ونقد الشعر ، وسمط اللالئ . وقد أوردها الجاحظ في كتاب الحيوان [ ] ، ويبدو أنه كان يشك في نسبتها إليه ، أو يشك في ذاكرته وحفظه لها ، إذ قال في تقديمها : ( ومن هذا الباب قول تأبط شراً، أو قول قائل فيه في كلمة له ). وعلى ذلك فإن الجاحظ لم يتكلف مشقة تحقيقه وتمحيصه والتثبت من نسبته وصحته . [ ] مفهوم الصعلكة : الصعلوك في اللغة : الفقير الذي لا يملك من المال ما يعينه على أعباء الحياة ، وقد أطلق هذا اللفظ منذ العصر الجاهلي على كل من يمارس الغزو والإغارة والسلب بمفرده أو مع جماعة من أجل سد جوعه واستمرار حياته، [ ] ولذلك يمكن القول : إنَّ مادة ( صعلك ) تدل على معنى الفقر، وما يتصل به من حرمان في الحياة وضيق في أسباب العيش ، ثم تطورت لتدل على صفات خاصة تتصل بالوضع الاجتماعي للفرد في مجتمعه، وبالأسلوب الذي يسلكه في الحياة لتغيير هذا الوضع .[ ] وقد تكونت طبقة الصعاليك من طوائف ثلاثة ، يمكن تلخيصها على النحو التالي : [ ] 1- طائفة الخلعاء : وهم مجموعة اضطرت قبائلهم إلى نبذهم وطردهم من حماها ، لكثرة جرائرهم ، أو تمردهم على أعراف القبيلة ، أو لارتكابهم عملاً ينافي الشرف ، واستمرارهم في غيهم ، منهم أبو الطمحان القيني . 2- طائفة الأغربة : وهم أبناء الإماء السود ، سرى إليهم السواد من أمهاتهم ؛ فتنكر لهم آباؤهم ، ولم يلحقوهم بهم ، أو أعرض عنهم مجتمعهم ، فسموا ( أغربة العرب ) تشبيها لهم بذلك الطائر البغيض المشئوم في لونه الأسود، ونسبوهم في أكثر حالاتهم إلى أمهاتهم [ ] ، منهم السليك بن السلكة وتأبط شراً والشنفرى 3- طائفة فقراء القبائل : ضاقت بهم سبل العيش ، مثل : عروة بن الورد . الذي احترف الصعلكة ، بعد أن كان سيداً فارساً في بني عبس ولقب بعروة الصعاليك ؛ لأنه كان يصحبهم ويجهزهم بما يحتاجون إليه من أداة الغزو ، وإذا ما غزا فأصاب ، قسم الغنيمة بينهم بالتساوي . إن هذه الطوائف الثلاث يجمع بينها الفقر المدقع وحالة الطرد الاجتماعي من البناء القبلي [ ] ، وما كان لهؤلاء من مأوى إلا الصحراء ، فيها كانوا يقطعون الطريق على القوافل التجارية ، ومنها كانوا يغيرون على الأغنياء والمترفين . ولذلك اعتمدوا في حياتهم على القوة والبطش ، وانتهاز الفرص ، والهجوم الخاطف والفتك بالأعداء ، والسلب والنهب . وامتازوا بخفة الحركة وسرعة العدو ، حتى أطلق عليهم ( العدائين ) حتى لتضرب الأمثال بهم في شدة العدو ، فيقال : أعدى من السليك ، وأعدى من الشنفرى . لكنهم ، في الوقت نفسه ، تمسكوا بكثير من صفات البطولة والشهامة ؛ من الاعتداد بالنفس ، والصبر عند البأس ، والترفع عن الدنايا والصغائر . وقد صوروا فلسفتهم في الحياة في أشعارهم ، فتغنوا بمغامراتهم ، وافتخروا بخوض مخاطرها ، واستبسالهم للموت ، ووصفوا أحوالهم وظروف حياتهم الخاصة ، ومعاناتهم الشدائد ، وصوروا ما تمور به نفوسهم من ثورة على الأغنياء والأشحاء، فضلاً عما في نفوس بعضهم، كأبناء الإماء، من شعور بالامتهان والضعة [ ]، وتحدثوا عن الفقر وأسبابه وتأثيره في نفوسهم وفي أجسامهم ، وتغلبهم على الظمأ والجوع ؛ على نحو قول السليك يصور فيه كيف كان يغمى عليه من الجوع في شهور الصيف حتى كاد يشرف على الموت والهلاك : [ ] وَمَا نِلتُهِا حَتَّى تَصَعْلكتُ حِقْبَةً ... وَكِدتُ لأَسبَابِ المَنِيَّةِ أَعْرَفُ وحَتَّى رَأَيتُ الجُوعَ بالصَّيفِ ضَرَّني ... إِذا قُمتُ تَغْشَاني ظِلالٌ فأَسدِفُ ولكنهم في الوقت نفسه تمدحوا بمجموعة من القيم الاجتماعية الكريمة كالكرم والشجاعة ، وذكروا برهم بالضعفاء ووفاءهم لأصحابهم من الصعاليك ، وجودهم للأهل والأقارب . وشعر الصعاليك نابع عن تجربة حية ، عاشها الشاعر في لحظة نفسية ، فحفلت بقصص وقائعهم وأحداث حياتهم الحقيقية ، فضعف عندهم عنصر المبالغة في التصوير ، وجاء أكثر شعرهم بعيداً عن الصنعة والتكلف ، لا يقصد منه إلا مجرد الرغبة في التعبير بعفوية . ويتميز شعرهم أيضاً أنه في معظمه شعر مقطوعات لا قصائد، وذلك لأن حياتهم كانت قلقة ؛ لانشغالهم بالكفاح في سبيل العيش، ولم يجدوا وقتاً كافياً يمكنهم من تطويل شعرهم أو تجويده وإعادة النظر فيه . وكل مقطوعة تصور موضوعاً واحداً في أغلبه [ ]، لا يسبقه غالباً مقدمات أو تمهيدات ، فقد تخلصوا في كثير من شعرهم من المقدمة الطللية ، [ ] ويقل حرصهم على ( التصريع ) في مطالع مقطوعاتهم بسبب التزامهم لفن المقطوعة بسبب حركتهم المستمرة . تحليل القصيدة : 1 - إنِّي لَمُهْدٍ مِنْ ثَنائِي فَقاصِدٌ ... بِهِ لابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شُمْسِ بِنْ مالِكِ قوله ( لمهد ) لمرسل بهدية إلي شمس بن مالك إكراماً له ، وهديته له ثناؤه له ، أي مدحه . وهدى الهدية إلى فلان وله ، وكذلك أهدى له الهدية وأهدى إليه : أتحفه بها ، وفي التنزيل: { وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } [النمل: 35]- { بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } [النمل: 36] . وشمس بن مالك : رجل من قومه أعطاه إبلا فمدحه . ويروى شُمس بالضم . - يقول: إني أمدح ابن عمي الكريم الصادق في وده شُمس بن مالك . أي سأهدي له شعري وتقريظي ، قصد بثنائه ابن عمه . 2 - أَهُزُّ بِهِ فِي نَدْوَةِ الْحَيِّ عِطْفَهُ ... كَمَا هَزَّ عِطْفِي بِالْهِجَانِ الأَوَارِكِ ندوة الحي : (أي النادي ) : موضع اجتماعهم للحديث ، ومنه : دار الندوة بمكة ؛ لأنهم كانوا يجتمعون بها لتدبير الأمور في الجاهلية ، واشتقاقه من نداء بعضهم بعضاً ومحادثته . عطف كل شيءٍ: جانبه. ويقال ثنى عطفه، إذا أعرض وجفا. والهجان: الإبل البيض الكرام. والأوارك: الإبل التي رعت شجر الأراك . - يقول: أحرك بالثناء جانبه في نادي القوم كما حرك جانبي بعطيته ، أي أسُرُّه بثنائي له حتى يرتاح ويطرب كما أسعدني بما أعطاني من الإبل البيض الكرام . 3 - قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ ... كَثيرُ الْهَوَى شَتَّى النَّوَى وَالْمَسالِكِ شكا : تألّم ممّا به من مرض ونحوه ، شكا همَّه إليه ، وشكا همَّه له: أبداه وبثّه متوجِّعًا ، والتشكي : شكا ما به إلى غيره ، أي أظهر استياءَه وتكدّرَه مما به من هم ، وأبداه متوجعا . ( المهم ) يجوز أن يكون من الهم الذي هو الحزن، ويجوز أن يكون من الهم الذي هو القصد . والشتى : المتفرق ، ويقال أشياء شتى : من غير جنس واحد وفي التنزيل : { إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى } : مختلف ومتنوِّع ، والنوى : الوجه الذي ينويه ، المقصد . والمسالك : الطرق . - في قوله ( قليل التشكي ) : استعمل لفظ القليل ، وهو يقصد نفي الكل، وهذا كما يقال : فلانٌ قليل الاكتراث بوعيد فلانٍ ، والمعنى لا يكترث. وليس يراد به إثبات قليلٍ من كثير ، إن القليل من الشيء في الأكثر يكون في حكم ما لا يعتد به ولا يعرج عليه . - وقوله: كثير الهوى طابق القليل بقوله كثيرٌ، من حيث اللفظ لا أنه أثبت بالأول شيئاً نزراً فقابله بكثير. - وقال الراغب : [ ] أصل الشكو فتح الشكوة وإظهار ما فيه : وهى سقاء صغير يجعل فيه الماء ، وكأنه في الأصل استعارة كقولهم: بثثت له ما في وعائي ونفضت ما في جرابي إذا أظهرت ما في قلبك. - يقول إنه صبورٌ على النوائب ، لا يشكو ما ينزل به من الخطوب إلى أحد لصبره عليها ، ولكنه كثير الهمم والمكارم، متعدد المقاصد لا يقتصر على شيء منها . 4 - يَظَلُّ بِمَوْماةٍ وَيُمْسِي بِغَيْرِها ... جَحِيشاً وَيَعْرْورِي ظُهورَ المَهَالِكِ يظل هنا : يغدو ، يقضي النهار ، ويمسي : يكون في المساء . الموماة : المفازة التي لا ماء فيها ، الصحراء ، جحيشاً، أي منفرداً ، وحيداً . اعرورى : ركب الدابة بلا سرج لأن ذلك أصعب من ركوبها مسرجة .. ومعنى يعرورى : يركبها على صعوبتها . - وإنما قال ( يمسي بغيرها ) ولم يقل يبيت ، لأنه قصد أن يصفه بأنه يقطع في بياض نهاره مفازةً ، فإذا أتى عليه المساء تجده في مفازة أخرى فريداً وحيداً ، غير مستصحبٍ رفيقاً ، ولا مستجمعٍ سلاحاً . - واعرورى الرجل الفرس: ركبه عريا ، ويقال اعرورى أمرا قبيحا : أتاه وركبه ، واعرورى الرجل: سار في الأرض وحده ، فهو لازم ومتعدّ ، ولا يستعمل إلا مزيدا. ويَعْرَوْرِي ظُهورَ المَهالكِ: يقذف بنفسه في الأماكن الخطرة ، استعار لفظ أعرورى لركوب المهلكة . وجسَّم المهالك فجعل لها ظهوراً ، وكأنها دواب صعبة القياد . - والمعنى أنه كثير الجولان في الأرض وحيداً ، يقذف بنفسه في المهالك لشدة حماسته وجراءته . أي هو جريء لا يحتاج إلى صاحب يأنس به ولا يستقر بمكان لشرف همته . 5 - وَيَسْبِقُ وَفْدَ الرِّيحِ مِنْ حَيْثُ يَنْتَحِي ... بِمُنْخَرِقٍ مِنْ شَدِّهِ الْمُتَدَارِكِ وفد الريح : أول ما يهب منها ، وذلك أشدها ، ومعنى ينتحي : يعتمد ويقصد . والمنخرق : السريع الواسع ، يقصد العدو السريع ، والمتدارك : المتلاحق ، المتصل . الشد : الركض ، العدو الشديد . - قوله ( من حيث ينتحي) يجوز أن يكون للممدوح، ويجوز أن يكون لوفد الريح، لأن المراد أنه يسبقه في عدوه المتواصل . والشاعر إنما يصف خفته ويصف شدة عدوه ؛ فإذا قصد السير جاء سابقاً للريح بعدوٍ له واسعٍ . - الخَرْقُ : الفلاة الواسعة ؛ إما لاختراق الريح فيها ، وإما لاشتداد هبوبها فيها ، ويقال انْخَرَقتِ الريحُ إذا اشتدّ هُبوبُها وتخلُّلها المواضعَ. ومن المجاز: خرقت المفازة: قطعتها حتى بلغت أقصاها. - جعل العدو منخرقاً لاتساعه. فهو في عدوه يسبق أشد الريح ، مبالغة . - معناه أنه لخفته ونشاطه يسبق الريح من حيث يقصد بركض سريع متسع متلاحق . 6 - إِذَا حَاصَ عَيْنَيْهِ كَرَى النَّوْمِ لَمْ يَزَلْ ... لَهُ كَالِىءٌ مِنْ قَلْبِ شَيْحَانَ فاتِكِ حاص : خاط ، حاص الثوب و نحوه : خاطه ، وحاص عينيه : ضيقهما ، ويقصد : إذا ثقل عليه النوم فأغلق عينيه ، والكرى : النوم الخفيف. ويروي : ( إذا خاط عينيه ) ،. والكالئ : الحارس ، الرقيب ، والشيحان : الحازم ، الجاد في أمره ، والفاتك : الجرئ الذي يفاجئ غيره بمكروهٍ أو قتلٍ ، وأصل الفتك : قتل النفس غيلة . - أضاف الكرى إلى النوم كما يضاف البعض إلى الجنس، كأن النوم لجنس الفعل، والكرى لما كان على جهةٍ مخصوصةٍ. - معنى خاط عينيه ( أو خاص عينيه ) : ضم بعض أشفارها إلى بعض ؛ فجعل ذلك خياطة مجازاً واستعارة ؛ إذ جعل أجفانه كالمخيطة ؛ لأن الخياطة ضم الشيء إلى شيء . - يقول: إنه إذا نام النومة التي أشار إليها يظل متيقظا حتى وإن أغلق النوم عينه ، أي لا يستغرق في النوم ، بل يحرسه حينئذٍ قلب رجلٍ جادٍ في الأمور ؛ أي إذا نام عينه لا ينام قلبه. 7 - وَيَجْعَلُ عَيْنَيْهِ رَبِيئَةَ قَلْبِهِ ... إلِى سَلَّةٍ مِنْ حَدِّ أخْلَقَ صائِكِ ويروى : ( إلى سلة من صارم الغرب باتك ) والغرب : الحد وهو الغرار. والباتك: القاطع . الربيئة : الرقيب الحارس . والسلة من سل السيف إذا أخرجه من غمده ، والأخلق: الأملس ، يريد سيفاً صقيلا. الصائك : الذي لصق بالدم ، من صئك الدم : جمد ، وصئك الشيء بغيره : لزق ، فهو صئك . - وقوله ( إلى سلةٍ ) يجوز أن يكون إلى بمعنى مع ، كما تقول : هذا إلى ذاك ، أي مع ذاك ، ويجوز أن يكون المعنى أنها ربيئته إلى أن يستل سيفه. - وقوله : ( من حد أخلق ) فيه توسع ، لأن السيف يستل من الغمد فيصير مسلولاً ، وهذا جعل الجفن مسلولا والسيف مسلولاً منه ؛ فهو في ذلك كقولهم أدخلت الخف في رجلي ، والقلنسوة في رأسي . وجعل من العين حارساً . - يقول: لا يغفل قلبه عن الانتباه والتحفظ ، فيتخذ من عينه حارساً إلى أن يسل سيفه ويحمي نفسه . والمعنى أنه يحمي نفسه بتيقظه وانتباهه ، وكأنما العين حارس لقلبه ، وهو الذي يدفعه إلى استلال سيفه الصقيل وتجريده عند الحاجة . 8 - إذَا هَزَّهُ في عَظْمِ قِرْنٍ تَهَلَّلتْ ... نَوَاجِذُ أفْوَاهِ الْمَنَايا الضَّوَاحِكِ هزه : أي هز سيفه . التهلل: هنا الضحك ، تهللت : استبشرت ، ضحكت ، وأصل التهلل أن تشرق أسرار الوجه عند السرور ، والنواجذ : الأضراس ، وإنما تنكشف عند شدة الضحك ، القرن : القرين في القوة والبطولة . وقد سميت ما يبدو من الأسنان عند الضحك الضواحك . - المعنى أنه متى هز سيفه لفتك أعدائه ضحك الموت سرورا بفعله.. وقوله المنايا الضواحك . أي التي من شأنها أن تضحك عند الظفر بمطلوبها، وإنما قال ( في عظم قرن ) إيذاناً بأنه لا يتعرض له إلا من يقارنه بأساً وشدة، وكذلك هو لا يعمل هذا السيف إلا في عظم من يقارنه حزماً ونجدةً . - ونسبة التهلل إلى النواجذ مجاز وتوسع ؛ كأن المنايا فرحت وسرت بضربه بالسيف ، حيث كان سببا لظفرها به ، فصار لكل سن منها ضحك . سر الموت من شدة ضربه لأقرانه وبراعته في الفتك بهم - جاء في نهاية الأرب في فنون الأدب : لما شبه المنايا عند هزة السيف بالمسرور - وكمال الفرح والسرور إنما يظهر بالضحك الذي تتهلل فيه النواجذ - أثبته تحقيقاً للوصف المقصود، وإلا فليس للمنايا ما ينقل إليه اسم النواجذ، - قال: ويسمى هذا النوع استعارة تخييلية، وهو كإثبات الجناح للذل في قوله تعالى: " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " - يريد أنه متى استل سيفه لضرب أعدائه ترضي المنية بفتكه لهم ، فتضحك إليه . 9 - يَرَى الْوَحْشةَ الأنْسَ الأَنِيسَ وَيَهْتَدِي ... بِحَيْثُ اهْتَدَتْ أمُّ النُّجُومِ الشَّوَابِكِ أم النجوم : هي الشمس وقيل المجرة ؛ لأن معظم النجوم حولها فكأنها أم لها تجمعها . والشوابك : جمع شابك وأراد به هنا النجوم ، وذلك لتداخل النجوم ببعضها حين رؤيتها . - قوله: ( يرى الوحشة الأنس) أي ذلك مذهبه . وهذا كما يقال هو يرى رأى أبي حنيفة ، أي يذهب مذهبه. فيقول : أنس هذا الرجل التام في التفرد الذي يعده غيره وحشةً . وإتباعه الأنس الأنيس تأكيدٌ وإظهارٌ مبالغة. وهذا كما قيل: ظلٌ ظليلٌ، وداهيةٌ دهياء . وهم يبنون من لفظ الشيء ما يتبعونه به طريق التأكيد . وقوله: ( يهتدي بحيث اهتدت ) يصف علمه بالطرق واستغناءه عن الدليل. وقد قيل في ( أم النجوم ) إنه الشمس ، وقيل هو المجرة . والمعنى أنه يهتدي بحيث تهتدي الشمس . ويسمى معظم الشيء أمه . والشمس أعظم الكواكب . ويسمى جامع الأشياء أمها ، يعنى أنها تأوي إليه . والشوابك : المشتبكة . وإذا جعلت أم النجوم المجرة فيجوز أن يكون المعنى أنه يهتدي بالكواكب التي تجمعها، فجعل الفعل لها لاجتماعها فيها. ويجوز أن يكون المعنى أنه يستغني عن الدليل كما تستغني تلك . - معناه أنه يستأنس بالوحدة لاعتياده لها ، فهي عنده في مقام الأنس عند غيره ، ويهتدي إلى مقاصده كما تهتدي الكواكب في سيرها فلا يضل في قصده . والمعنى أنه يسري في الظلام ويهتدي في الفلاة . والعرب تقول : هو أهدى من نجم ، كما يقولون : هو أهدى من قطاة . الخصائص الموضوعية والفنية : 1- القصيدة من بحر ( الطويل ) ، ووزنه بحسب الدائرة العروضية : فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن × 2 ، وقافيتها : ( مَالِكِ ) : /5//5 .. وحرف الروي : الكاف ؛ فالقصيدة كافية . - وقد أحصى الدكتور إبراهيم أنيس الأوزان التي ورد عليها الشعر العربي في بعض دواوين الشعر العربي كديوان كل من زهير وجرير والفزدق ، وبعض المختارات الشعرية كالمفضليات والجمهرة وكتاب الاغاني ، ورصد نسب كل بحر من بحور الشعر العربي فوجد بحر الطويل هو أكثرها شيوعا . يقول د. أنيس : " فإذا قورنت هذه النسب بعضها ببعض استطعنا الحكم بسهولة على أن البحر الطويل قد نظم منه ما يقرب من ثلث الشعر العربي ، وأنه الوزن الذي كان القدماء يؤثرونه على غيره ، ويتخذونه ميزاناً لأشعارهم ، ولاسيما في الأغراض الجدية الجليلة الشأن ، وهو لكثرة مقاطعه يتناسب وجلال مواقف المفاخرة والمهاجاة والمناظرة ، تلك التي عنى بها الجاهليون عناية كبيرة ، وظل الشعراء يعنون بها في عصور الإسلام الأولى . " [ ] 2- تعدُّ هذه الأبيات من شعر الصعاليك ، قدم فيها الشاعر ، وهو أحد الصعاليك في العصر الجاهلي ، صورة لما كان عليه الصعلوك ، وما كان يتميز به من خلال وفضائل عربية كالشجاعة والخشونة والبأس وصبره على النوائب ، وشدة حماسته وجراءته ، وركوب الأهوال ، وبذل الأموال ، وهي صورة لحياة الصعاليك بعامة ، وما حياة صاحبه ( شمس ) إلا مثل ، ينطبق فيه ما ينطبق على غيره . فهو رجل جلاد يقتحم الأهوال، ويزدري الأخطار، كثير الفخر ،ويحارب ويناضل حتى آخر رمق فيه . 3- وتميز شعر الصعاليك بعامة وشعر تأبط شراً بالفخامة والجزالة ، وفي ألفاظهم بعامة توعر وغرابة ، نتجت عن حياتهم الخاصة ، وما يكابدونه من الصراع العنيف الذي كانوا يخوضونه ضد مخاطر الصحراء وقسوتها ، ومن يترصدهم من الأعداء ، وما يعتور حياتهم من حذر وقلق . وقد رسم الشاعر في هذه القصيدة صورة صادقة لطبيعة حياة الصعاليك ومعاناتهم ، فهو يعيش ( جحيشاً ) عن الناس ، ( يعروري ظهور المهالك ) وفي هروب دائم عن الناس ( بمنخرق من شده المتدارك ) ، ويصف شدة حذره من الناس في البيتين السادس والسابع ، مما جعله ( يرى الوحشة الأنسَ الأنيس ) ، ويعتمد على حذره ، وعدوه السريع ، وسيفه ( حد أخلق صائك ) ؛ فجاء شعره معبراً عن هذه الخشونة في المعاني والمباني والتصوير الحسي الصادق لحياة التشرد والتوحش . 4- الخصائص الفنية : التزم الشاعر الدقة في اختيار ألفاظ قصيدته ، واستعمالها لما قصد له من المعاني ، فقوله أهز به عطفه إشارة إلى أنه قصد أن يسره بثنائه له ، إذ من شأن السرور الانفعال وتحريك أسارير الوجه انبساطاً . وعبر بقوله ( قليل التشكي ) عن صبره على النوائب والخطوب ، إذ من شأن الصابر أن لا يشكو ما يعانيه لغيره . ويوظف الصورة البيانية في قوله ( ويعروري ظهور المهالك ) لتصوير شدة حماسته وجراءته في ارتياد المهالك ، فيستخدم لفظ ( يعرورى ) التي تدل على ركوب الدابة بدون سرج ، للتعبير عما يعانيه الراكب حينئذٍ من شدة وصعوبة ، وهو الذي دفعه لاختيار لفظ ( ظهور ) حتى يمكنه من تجسيم المهالك وتصويرها وحشاً .. ويصف الشاعر خفته وشدة عدوه بسبقه لوفد الريح ، ويدل على إمكان ذلك بذكر وسيلته للسبق وهي ( بمنخرق من شده المتدارك ) مستفيداً من دلالة التمزق في المنخرق ، واشتقاقه من الخرق بمعنى الشق والقطع ، وكأنما تقطعت أنفاسه في سباقه للريح ، ووصفه للمنخرق بالركض المتواصل . وقيل المنخرق : شدة هبوب الريح ، فيكون قد وصفه بالريح المرسلة التي تتخلل المواضع . وفي البيت السادس صوَّر بالخياطة إغماض عينيه بقوة عندما يغلبه النوم ، إشارة لما يعانيه من كان في حالة ترقب وحذر دائمين من مغالبة وتجاذب بين قهر النوم له وبين إصراره للتيقظ . وصوَّر عدم استغراقه في النوم بشدة حذره ، وكأنما يقف على رأسه (كالئُ ) الفاتك الحازم ، ويقصد به نفسه التي لا تستطيع أن تغفل عن هذه الحراسة ، ففي غفلته هلاكه والقضاء عليه . وهذا الصراع المستمر الذي يمنعه من النوم الهنيء يفسره في البيت السابع فيصور نفسه وكأنه في معركة حربية فيتخذ من عينه حرساً ( ربيئة ) ، وينام بتلك الصورة العجيبة وهو قابض على سلاحه ؛ ويستل سيفه الصارم متى شعر بأي هاجس . وعبَّر عما يصيبه من الفرحة عند فتك أعدائه بتشخيص الموت وإسناد الأضراس له ، واستغراقه في التهلل بملء فيه فرحاً بفتكه للأعداء . 5- ويتجلى في النص مدى تأثر الشاعر بالبيئة العربية ، فقد استمد كثيراً من مفرداته وصوره منها ، مثل : الهجان الأوارك ، يظل بموماة .. يعرورى .. وفد الريح .. عينه ربيئة .. الصائك .. أم النجوم الشوابك .. وقد مرَّ بك قدرته في تصوير الصعلوك وما عليه من حال ، وما يكابده من صعاب ومخاطر ، وتصرفه في مواجهة هذه الصعاب . للقراءة والتحليل : - قال بعض بني قيس بن ثعلبة [ ][ بحر البسيط ] إنَّا مُحيُّوكِ يا سَلْمَى فَحَيّينا ... وَإنْ سَقَيْتِ كِرَامَ النَّاسِ فَاسْقينَا[ ] وإنْ دَعَوْتِ إلَى جُلَّى وَمَكْرُمَةٍ ... يَوْماً سَرَاةَ كِرامِ النَّاسِ فَادْعينَا[ ] إنَّا بني نَهْشَلٍ لا نَدَّعي لأَبٍ ... عَنْهُ وَلاَ هُوَ بِالأبْناءِ يَشْرِينَا[ ] إنْ تُبْتَدَرْ غايَةٌ يَوْماً لِمَكْرُمَةٍ ... تَلْقَ السَّوابِقَ مِنَّا وَالْمُصلِّينا[ ] وَلَيْسَ يَهْلِكُ مِنَّا سَيِّدٌ أبَداً ... إلاّ افْتَلَيْنا غُلاَماً سَيِّداً فِينَا[ ] إنَّا لَنُرْخِصُ يَوْمَ الرَّوْعِ أنْفُسَنا ... وَلَوْ نُسامُ بِهَا فِي الأَمْنِ أُغْلينَا[ ] بِيْضٌ مَفَارِقُنا تَغْلى مَراجِلُنَا ... نَأْسُوا بَأمْوالِنا آثَارَ أيْدِينَا[ ] إنِي لَمنْ مَعْشَرٍ أفْنَى أوَائِلَهُمْ ... قِيْلُ الْكُماةِ ألاَ أيْنَ الْمُحامُونَا[ ] لَوْ كَانَ فِي الأَلْفِ مِنَّا وَاحِدٌ فَدَعَوْا ... مَنْ فارِسٌ؟ خالَهُمْ إيّاهُ يَعْنُونَا[ ] إذَا الْكُماةُ تَنَحَّوْا أنْ يُصيبَهُمُ ... حَدُّ الظَّباتِ وَصَلْناهَا بِأَيْدينَا[ ] وَلاَ تَراهُمْ وَإنْ جَلَّتْ مُصيبَتُهُمْ ... مَعَ الْبُكَاةِ عَلى مَنْ ماتَ يَبْكُونا[ ] وَنَرْكَبُ الكُرْهَ أحْياناً فَيَفْرِجُهُ ... عَنَّا الْحِفاظُ وَأسْيافٌ تُواتِينَا[ ] شرح النص : رأينا لشرح النص أعلاه أن نعتمد على مصدرين ، هما : - شرح الخطيب التبريزي للحماسة ( 1/25 – 27 ) ومنه اعتمدنا نص كتاب الحماسة ، وسجلنا من شرحه في الحاشية معاني المفردات مختصرة . - كتاب : الكامل في اللغة والأدب للمبرد ، محمد بن يزيد (210- 285 هـ ) ط مؤسسة المعارف ، بيروت ، 1982م ، (1/66-68 ) . وهذا المصدر يقدم لنا جانبين مهمين في دراسة الشعر العربي القديم ؛ أولهما : رواية ثانية للنص تختلف في ترتيب الأبيات وصياغتها عن رواية أبي تمام في ديوان الحماسة ، وثانيهما :أنه قدم أسلوباً آخر من أساليب شروح الشعر العربي ، يختلف في بعض جوانبه عن شروح ديوان الحماسة المشهورة . وتنبع أهمية هذين الجانبين من مكانة المبرد العلمية ؛ فهو إمام أهل النحو والعربية في زمانه ، ويذكر على رأس الطبقة السادسة من نحاة البصرة ، وإليه انتهى علم النحو بعد طبقة الجرمي والمازني . واتفق المؤرخون له على أنه كان ثقة فيما يرويه ، وثبتاً فيما ينقله ، وقد حاز في نفوس معاصريه مكانة رفيعة ، وحظي بتقديرهم ، لغزارة علمه ، وكثرة حفظه ووضوح شرحه . وساهم بعلمه وفكره في إثراء الحركة العلمية لعصره ، وكثرت أماليه ؛ فصنَّف في مختلف فروع العربية ما يربو على الخمسين مؤلفاً ، والمنشور منه قليل أشهره : كتاب الكامل الذي عدَّه ابن خلدون ، رواية عن شيوخه ، ركناً هاماً من أركان أربعة يقوم عليها فن الأدب [ ] ، ومنه أيضاً كتاب : المقتضب ، والفاضل ، والمذكر والمؤنث ، وشرح لامية العرب ، والبلاغة ، والتعازي والمراثي ... وتتضح من محتوى مصنفاته غلبة الطابع اللغوي والأدبي . - كما أن المبرد بجانب هذه المكانة العلمية ، كان معاصراً لأبي تمام (188 - 231هـ ) ، بينما عاش شراح الحماسة في القرن الخامس الهجري : المرزوقي ( ت 421) الأعلم الشنتمري (ت 476) الخطيب التبريزي ( ت 502 ) . - الاختلاف بين رواية المبرد ورواية ديوان الحماسة للنص : جاء الاختلاف بين النصين على النحو التالي : - لم يرد في نص المبرد : البيت الأول والسابع والأخير من نص الحماسة ، بينما خلا نص الحماسة من البيتين اللتين وردتا في آخر نص المبرد ؛ وهما : فرضٌ على مُكثرينا نيلُ بذلِهم ... والجودُ والبذلُ في طَبع المُقِلِّينا إني ومَن كأبي يَحيَى وعِترتِه ... لا فَخرَ إلا لنا ، أمَّنْ يُوازينا كما جاء ترتيب نص المبرد مقارنة بترتيب نص الحماسة على النحو التالي : 3-4-5-8-9-11-6-10. وجاءت رواية المبرد لصدر البيت العاشر : ولا نَراهم وإنْ جَلَّت رزيتَّهُم ... ورواية صدر البيت الحادي عشر : إذا الكُماةُ تنَحَّوا أنْ يَنالهم ... شرح المبرد : ( الكامل 1/66 -68 ) قوله: ( إنا بني نهشل ) يعني نهشل بن دارم ...، ومن قال: ( إنا بنو نهشلٍ ) ، فقد خَبَّرك ، وجعل ( بنو ) خبر ( إنَّ ) ، ومن قال: ( بني ) ، فإنما جعل الخبر: إنْ تُبتَدَرْ غايةٌ يوماً لمَكرُمةٍ ... تَلقَ السَّوابقَ مِنا والمُصلِّينا ونصب ( بني ) على فعلٍ مضمر للاختصاص، وهذا أمدح ، ومثله: نَحنُ بني ضَبَّةَ أَصْحَابُ الجَملْ [ ] أراد : نحن أصحاب الجمل ، ثم أبان من يختص بهذا، فقال: أعني بني ضبة . وقرأ عيسى بن عمر: { وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ } [ ] أراد : وامرأته { فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ } ثم عرفها بحمالة الحطب ، وقوله عز وجل : { وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ } بعد قوله: { لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ } [النساء: 162] إنما هو على هذا ، وهو أبلغ في التعريف . وأكثر العرب ينشد ( هو لعمرو بن الأهتم المنقري ) : إنَّا بَنِي مِنقَرٍ قومٌ ذوو حَسَبٍ ... فينا سَراةُ بني سعْدٍ وناديها وقرأ بعض القراء: { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ } [المؤمنون: 14] [ ] وقوله: ( يشرينا ) يريد يبيعنا، يقال: شراه يشريه إذا باعه، فهذه المعروفة ، قال الله عز وجل: { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ } [يوسف: 20] ، وقال ابن مُفَرِّغٍ الحميَريُّ : [ ] شَرَيْتُ بُرْداً ، ولولا ما تكَنَّفَني ... من الحَوادِث ما فارَقْتُه أَبداً ( يا بُردُ ما مَسَّنا دهرٌ أضرَّ بنا .. من قبل هذا ولا بِعنا له ولداً ) ويكون ( شريت ) في معنى اشتريت ، وهو من الأضداد . وأنشدني التوزي: اشروا لها خاتناً وابغوا لختنتها ... مواسياً أربعأ فيهن تذكير [ ] وقوله : تلقَ السوابقَ منا والمصلينا ... فالمُصّلِّي الذي في إثر السابق، وإنما سُمِّي مُصَلياً لأنه مع صَلَوَي السابق ، وهما عِرقان في الرِدْف [ ]، قال الشاعر : [ يزيد بن سنان بن أبي حارثة ] تَركتُ الرُّمحَ يعملُ في صَلاهُ ... كأنَّ سِنانَه خُرطومُ نَسْر وقوله : إلا افتلينا غلاماً سيداً فينا مأخوذ من قولهم : فَلَوتُ الفَلْو ، يا فتى، إذا أخذته عن أمه ، قال الأعشى: مُلمِعٍ لاعَةِ الفؤادِ إلى جَحْـ ... شٍ، فلاهُ عنها ، فبئسَ الفالي [ ] وأخذ هذا المعنى من قول أبي الطَمَحان القَيْنيِّ: [ ] ... إذا ماتَ منهمْ سيّدٌ قام صاحبُهْ وقوله: لو كانَ في الألف مِنَّا واحدٌ فدَعَوا: ... مَنْ فارسٌ؟ خالهم إياه يَعنونا مأخوذ من قول طرفة : إذا القومُ قالوا : مَن فَتًى ؟ خِلتُ أنّني ... عُنِيتُ ، فلمْ أكسَلْ ولم أتبَلّدِ ومن قول متمم بن نويرة: إذا القوم قالوا : من فتىً لعظيمةٍ ؟... فما كُلُّهم يُدعَى ، ولكنه الفتى وقوله: ( حّدُّ الظُبات ) ، فالظُبَة : الحّدُّ بعينه ، يقال: أصابته ظُبَة السيف ، وظُبة النَّصل، وجمعه ظُبَات . وأراد بالظُبَة ههنا موضع المضرب من السيف ، وأخذ هذا المعنى من قول كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري : نصِلُ السُّيوفَ إذا قَصُرنَ بخَطْوِنا ... قُدُماً ونُلْحِقُها إذا لم تَلْحَقِ وقوله : إنا لنُرخِصُ يوم الرَّوْعِ أنفُسَنا .. أخذه من قول الهمداني ، وهو الأجدَعُ أبو مسروق بن الأجدع الفقيه : لقدْ عَلمتْ نِسْوانُ همْدانَ أنّني ... لهُنَّ غَداةُ الرَّوعِ غيرُ خَذولِ وأبذُلُ في الهَيجَاءِ وَجهِي، وإنّنِي ... لهُ في سِوَى الهيجاءِ غيرُ بَذولِ ومن القتال الكلابي حيث يقول : أنا ابن الأكرَمينَ بني قُشَيْرٍ ... وأخوالي الكِرامُ بنو كلابِ نُعَرِّضُ للطِعان إِذا الْتَقَيْنَا ... وُجُوهًا لَا تُعَرَّضُ للسِّباب * * * • نشاط علمي للتدريب : أكتب مقالاً عن النص ، وخصائص شرح المبرد . • الخطة العامة : ( مقدمة وفصلان ) • المقدمة : • عن القصيدة وشاعرها وغرضها ، وتعدد شراحها ، وأهمية شرح المبرد لها . • الفصل الأول : ( الخصائص الموضوعية والفنية للنص ) خصائصها الموضوعية : الأفكار العامة للنص ( تقسيمها إلى وحداتها الموضوعية ). وكيف عبر عنها الشاعر ؟ مدى ارتباطها بغرض القصيدة . ارتباط أفكارها ومعانيها بالبيئة . خصائصها الفنية : الألفاظ ، وصلتها بغرض القصيدة . الصور الفنية ( رصد ما في النص من صور بيانية ) قدرة الشاعر ( في هذا النص ) على الوصف . الفصل الثاني : ( خصائص شرح المبرد للنص ) تمهيد : مكانة المبرد العلمية ، وقيمة شرحه . أسلوب المبرد في الشرح : 1- شرح المفردات ( وضح طريقته في الشرح ) 2 - شرح البيت ( وضح طريقته في الشرح ) التوجيهات النحوية واللغوية ( اذكر طريقته في الاستعانة بعلم النحو واللغة ) مصادره في الشرح ( استعانته بشواهد من القرآن الكريم والشعر العربي )، وأسلوبه في الاستعانة ، أسباب استعانته بالشواهد . خاتمة : هل استطاع المبرد أن يحقق غرضه من الشرح ؟ ولماذا ؟ النتائج ( اذكر ما توصلت إليه من أفكار عن النص وشرح المبرد له ) المراجع .. باب الأدب : اختار أبو تمام مجموعة من القطع الشعرية تحت هذا الباب ، واخترنا منها بدورنا بعض الأبيات ، مع شرحها بايجاز .. نشاط : بعد دراسة هذه الأبيات ، اكتب ( مقالاً ) موجزاً تبين فيه الجوانب التالية : - مفهوم الأدب عند العرب ، وتطور دلالته عبر العصور . - القيم التربوية التي احتوتها الأبيات ومدى ارتباطها بالإسلام والبيئة . - مفهوم أبي تمام للأدب كما فهمته من هذه الأبيات . * * * [1] وقال قَيْس بن الحطِيم [ ] ومَا بَعضُ الإقَامَةِ في دِيارٍ .. . يُهانُ بها الفَتَى إِلَّا بَلاءُ وَبَعض القَوْل لَيْسَ لَهُ عناج ... كمحض المَاء لَيْسَ لَهُ إِنَاء وكل شَدِيدَة نزلت بِقوم ... سَيَأْتِي بعد شدتها رخاء وَلَا يُعْطَى الحَرِيصُ غِنىً لِحرصٍ .. . وَقَد يَنمِي على الْجُودِ الثَّراءُ وبُعْضُ الدَّاءِ مُلْتَمَسٌ شِفاهُ .. . ودَاءُ النُّوكِ لَيْسَ له شِفاءُ ---------- 1 – في الشنتمري : ( إلا عناء ) ، والعناء : المشقة .. ( البلاء ) المحنة تنزل بالمرء ليختبر بها ، والغم والحزن والجهد الشديد في الأمر .. وبعض الإقامة : أي وَإِن لم تطل بِهِ أَيَّامه ، وبعض الإقامة : مبتدأ ،و(بلاء) خبر المبتدأ، (ويهان بها الفتى ) في موضع الصفة لقوله في ديار. 2 – العِناج : حبل أو سير يشد تحت الدلو ، ثم يُشَدُّ في عُرْوتها ، فإِذا انقطع الحبل أَمسك العِنَاجُ الدلو أَن يقع في البئر.. ضربه مثلاً لقوة القول وإحكامه . وقَول لا عناج له : أرسل بلا روية . ومحض المَاء خالصه .. والمعنى : أَن القول بلا نتيجة كالماء الخالص يتلون بلون الإناء .. وفي رواية الشنتريني ( إتاء ) وهو الريع و الغلة أو الخراج ، وفي لسان العرب : .... كسَيلِ الماء ليس له إِتاءُ .. أي القول الذي لا معنى له كالسيل ليس عليه خراج يستفاد به . 3 - المراد بالشديدة : الْعسر ، الشدائد : المصاعب . يريد أن الشيء لايدوم على حال ، فينبغي للإنسان ألا ييأس عند الشدائد ، ولا يبطر عند الرخاء والنعمة . 4 – الحريص : أي على المال ، الثراء : كَثْرَة المَال ، وينمي : يزِيد . يريد أن حرص الإنسان في طلب الغنى لايجدي عليه نفعاً، وأن الثروة تزداد مع الجود. ملتمس : مطلوب .. النُّوك ( بضم النون أو فتحها ) : الْحمق .. ( شفاه ) أصلها : شفاؤه ، فقصر الممدود للضرورة الشعرية . * * * [2] – وقال محمد بن بشير ( البسيط ) : إِنَّ الْأُمُورَ إِذا انسَدَّتْ مَسالِكُها ... فالصَّبرُ يَفتِقُ منها كلَّ مَا أرتَتَجا لَا تّيأسَنَّ وَإِنْ طَالَتْ مُطَالبَةٌ ... إِذا استَعنتَ بِصَبرٍ أَنْ تَرَى فَرَجَا أخلِقْ بِذِي الصَّبْرِ أَنْ يَحظَى بِحاجَتِه ... ومُدمِنِ القَرْعِ للأبوابِ أَنْ يَلِجا قَدِّرْ لِرِجلِكَ قَبلَ الخَطوِ مَوضِعَهَا ... فَمَنْ عَلا زَلَقا عَن غرَّة زلجا وَلَا يَغُرّنك صَفوٌ أَنْت شَاربَهُ ... فَرُبمَا كَانَ بالتكدير ممتزجا ـــــــــــــــــــــــــــــ - الفتق : الشق ، يفتق : يفتح . وارتتج : انغلق . الرتاج : الباب المغلق . - أخلق بذي الصبر : أي ما أخلقه وأجدره أن ينال ما يرجوه . الإدمان : لزوم الشيء والمواظبة عليه . الولوج : الدخول . - الزلق : هُنَا : مَكَان الزلق . والغرة : الْغَفْلَة والجهالة . وزلج : زل ، زلق . زلَجت قدمُه: زلَّت . ومزلاج البيت : الخشبة التي يغلق بها . وضرب التقدير للرجل مثلاً . - يغرنك : يخدعك . الغرور مصدر قولك : غررت الرجل بما يستحسنه في الظاهر ثم يجده عند التفتيش على خلاف ما يحبه ، فيقول : غرني ظاهره أي قبلته على غفلة عن التأكد من جودته . * * * [3] وقال رجل من بني قريع ، ( طويل ) : إِذا الْمَرءُ أعيَتْهُ الْمُرُوءَةُ ناشِئاً... فمطلَبُها كهْلا عليه شَدِيدُ وكائِنْ رَأينَا من غَنِيٍّ مُذَمَّمٍ ... وصُعْلوكِ قومٍ مَاتَ وَهُوَ حميدُ - الناشيء : الصغير السن ويروي ( أعيته السيادة ) . وينتصب (كهلاً) على الحال ، والعامل فيه مطلبها، لأن المعنى مطلبه لها وهو كهل، فالمصدر مضاف إلى المفعول، أو مطلبه لها إذا كان كهلاً - كَائِن : بِمَعْنى كثير أي كم رأينا كثيراً . الصعلوك : الْفَقِير . ناشئا انتصب على الْحَال. * * * [4] وقال بشر بن المغيرة [ ]. (طويل ) : أنا السَّيفُ إلا أنَّ للسَّيفِ نَبْوةً ... ومِثلي لا تَنبُو عليكَ مَضاربُه يقول : إنك لو اتخذتني لك سلاحاً ، فأنا كالسيف : أي أشبهه . ثم استدرك فقال : إلا أن السيف ربما كَلَّ عن الضريبة وارتد دون أن يقطع ما ضرب به ، أو من غير تأثير فيه ، ومثلي ماضي العزيمة ، لا يخيب في أمر يكلف به . ضرب لنفسه مثلا من السيف الماضي ، ثم فضل نفسه على السيف لأنه قد ينبو عن الضريبة . نبوة السَّيْف : أَن يكل ويرْتَد ولم يقطع الضريبة ، يقال : " لكل سيف نبوة " . وَالْمُضَارب : جمع مضرب ، وهو الموضع الذي يضرب به من السيف . * * * [5]- وقال رجل من بني أسد ألا إنَّ خيرَ الوُدِّ ودٌّ تطوَّعَتْ ... به النفسُ لا ودٌّ أتى وهو مُتعَبُ التَّطَوُّع : الانقياد فِي سهولة . وَقَوله : ( أَتَى وَهُوَ مُتْعب ): أَي أَتَى بكره وَلم يَأْتِ بسهولة . يقول : خير الود ما جاء عفواً من غير جهدٍ ، ولا إكراه نفس وطبع ؛ فأما الذي يأتي تكلفاً ، فلا طائل فيه. * * * [6] وقال أعرابيٌ ، قتل أخوه ابناً له ، فقدم إليه ليقتاد منه، فألقى السيف ، وهو يقول : أقولُ للنفس تأساءً وتعزِيةً ... إحدَى يَديَّ أصابَتْني ولم تُرِد كِلاهما خَلفٌ من فقْدِ صاحبِه ... هذا أخي حين أدعُوه وذا وَلَدي التأساء : من الإسوة.( بضم الهمزة أو كسرها ) ، والأسوة : أن ترى بغيرك من البلاء مثل ما بك فيسكن ذلك من حالك . والتعزية : حسن الصَّبْر . إحدى يدي: يريد أخاه . وضرب اليد مثلا ، لأن الإنسان يعتمد على أخيه ويمتنع به كما يبطش بيده ويدفع بها . يريد إني أناجي نفسي بهذا القول لأجل السلوة وحسن الصَّبر ، أي أقول متأسياً بغيري، ومعزياً لنفسي: جنى عليَّ أخي الذي محله مني محل إحدى يدي، سهواً لا إرادةً لمساءتي وخطأً لا عمداً. خلْفٌ هنا بمعنى : عوض وبدل . وخلَف أباه: جاء بعده ، فحلَّ مكانَه، قامَ مقامه . *** [7] وقال آخر : ( البسيط ) إنْ يحسُدُوني فإنَّي غيرُ لائمِهم ... قَبلي من الناسِ أهلُ الفَضلِ قد حُسِدوا فدامَ لي ولَهم ما بي وما بهمُ ... وماتَ أكثرُنا غَيظاً بمَنْ يَجِدُ أنا الذي يجدوني في صُدُورِهم ... لا أرتَقي صَدَراً منها ولا أَرِدُ الضمير في ( يحسدوني ) لطائفةٍ من الناس خصهم بالإخبار عنهم، وقصدهم بالكلام . والصَدَر : الرجوع عن الماء ، والورد ضده ، ضربهما مثلاً . وقوله ( بما يجد ) حذف المفعول، والمعنى بما يجده في نفسه من الحسد، أو بما يجده من النعمة والفضل عند المحسود. وقوله ( يجدوني ) كان يجب أن يقول : يجدونني؛ لأن الفعل مضارع مرفوعٍ بالنون ، لكنه حذف النون تخفيفاً. وكان يجب أن يقول مراعاة لاسم الموصول (الذي) : يجدونه . يقول : أنا الذي صرت غصة في صدورهم قد نشبت بالحلوق فلا يستطيعون التخلص منها ، لا تصعد إلى الفم ولا تتحول إلى البطن ، فيستريح صاحبه . * * * [8] قال سالم بن وابِصَة المُرِّي : (طويل ) أحِبُّ الفتَى يَنفي الفواحِشَ سَمعُهُ ... كأنَّ به عَن كلِّ فاحشَةٍ وَقْرا سَليمُ دَواعِي الصَّدرِ لا باسِطٌ أذىً ... ولا مانعٌ خيراً ولا قائلٌ هُجْرا إذا ما أتَتْ مِن صاحبٍ لك زَلَّةٌ ... فكُن أنتَ مُحتالاً لِزَلَّتِه عُذرا --------------- الوقر : الصمم ، أي لا يصغي إلى فحش.دواعي الصدر : هموم القلب. ويقال أصابته دواعي الدهر : صروفه . الهُجر : الإفحاش في القول . والهَجر ( بفتح الهاء ) : الهذيان . الزلة : الخطيئة .. ( عذرا) : نصب على المصدر المؤكد ( مفعول مطلق ) لقوله : فكن أنت محتالا لزلته ، لأن معناه فاعذره عذراَ ، ولا تحوجه إلى تكلف الاعتذار. ويجوز نصبه بمحتال على تقدير حذف حرف الجر . أي كن محتالا له في عذره ، فحذف ( في ) وأوصل معنى الفعل فنصبه . (سليم ) أما خبر مبتدأ محذوف ، كأنه قال: هو سليم، ويكون ما بعده صفات له ؛ لأنه فسر سلامة دواعي صدره بهذه الصفات : ( لا باسط أذى ، ولا مانع خيراً ، ولا قائل هجراً ). * * * [9] قال آخر : ... [الطويل ] رأيتُ أخا الدنيا وإنْ كان خافِضاً على سَفَرٍ يُسْرَى به وهو لا يَدري مُقيمين في دارٍ نَروح ونغتَدي بلا أُهْبَة الثاوي المُقيم ولا السَّفْر ----------- أخذ يذم الحريص على الدنيا وأعراضها .. الخافض : ذو الخفض والدعة ، أي إِن كان فِي سَعَة من العيش، لكنه فِي غفلة عن قرب أمده لأن له أجلاً يساق إليه ، وهو فِي هذه الدنيا كالمسافر . الأهبة : الاستعداد .. الثاوي : المُقيم ، الملازم لبيته . والسَّفر : واحده مُسَافر . وقوله ( مقيمين في دار ) انتصب على الحال من قوله (أخا الدنيا)، لأنه أراد به الكثرة ، فهو كأسماء الأجناس. راح : سار في العشي، خلاف الغدو. والرواح والغدو عند العرب يستعملان في المسير أي وقت كان من ليل أو نهار . نروح ونغتدي : نذهب ونأتي ، أي نعيش . وقوله : ( بلا أهبة الثاوي المقيم ولا السفر ) يريد: لا نأمل البقاء في هذه الدنيا، ولا نأمن الفناء، فلسنا كالثاوي فنتأهب أهبته ، ولا كالمسافر فنعد عدته. * * * [10] قال العباس بن مرداس السُّلَمِي [ ]: (وافر ) تَرَى الرجلَ النَّحيفَ فتَزدَرِيه وَفِي أثوابِه أَسدٌ هصورُ ويُعجبُك الطَّريرُ فَتَبتَليه فَيُخلِفُ ظَنَّك الرجلُ الطَّريرُ فَمَا عظم الرِّجَال لَهُم بفخر وَلَكِن فَخْرهمْ كرم وَخير بُغاثُ الطَيْر أَكثَرُها فِراخاً وأُمُّ الصَّقْرِ مِقْلاتٌ نَزُورُ لقد عظم الْبَعِير بِغَيْر لب فَلم يسْتَغْن بالعظم الْبَعِير الهَصُور: الأسد لأنَّه يهصِر فريسته ؛ أي: يكسِّرُها . يقال : هصرت الغصن : إذا جذبته إليك . وقوله ( أسد هصور ) : أي أسد قوي حازم .. ويروى : أسد يَزِير: أي يزأر ، تأكيداً لتشبيهه بالأسد . قال المرزوقي :وليس بجيد من طريق المعنى ، لأن تشبيهه بالأسد لا فائدة لذكر الزئير معه ، إذ لاتدوم حاله على ذلك. ويروى ( مزير ) وهو القوي القلب ، الحازم . والطَّرِيرُ ذو الرُّواء والمَنْظَرِ . ورجل طرير : ذو طُرّةٍ وهيئةٍ حسنَةٍ وجَمال . وبَغاثُ الطير وبُغاثها أَلائِمها وشِرارُها وما لا يصيد منها . وفي المثل : إِنَّ البِغاثَ بأَرضنا يَسْتَنْسِرُ ؛ يُضربُ مثلاً للَّئيم يرتفع أَمره ، ويَسْتَنْسِرُ أَي يصير كالنَّسْر . وامرأة مقلاتٌ: التي لا يعيش لها ولد ، والتي تضع واحدا ثم لا تحمل ، وقد أَقْلَتَتْ وهو أَن تَضَعَ واحداً ثم تَقْلَتُ رَحِمُها فلا تَحْمِلُ . والقَلَتُ : الهلاك . وامرأَة نَزُورٌ : قليلة الولد ، وقد اُستعمل ذلك في الطير . ينبه بهذا الكلام على أن الحكم على الأشياء لمظهرها مضلل ، فما أكثر الأشياء التي نكتشف أن ظاهرها بخلاف مخبرها ؛ فالرجل قد يكون نحيفاً مهزولاً فتستحقره لضؤولته، وإذا فتشت عنه وجدته كالأسد جسارة وإقداما ، وقد يعجبك شكله ، وتثبت المواقف مدى ضعفه ؛ فيسقط من نظرك .وهكذا . ثم صرح الشاعر عن الغرض المقصود فيما تقدم فقال: إنما يحمد من المرء كرمه وفضله وكثرة محاسنه وخيره، وكل ذلك يرجع إلى الأخلاق لا إلى الخَلق والمنظر . ثم أخذ يمثل فقال: ترى أن بغاث الطير أكثر فراخاً وأوسع نسلاً، وأم الصقر قليلة الفراخ . وترى أَن مجرد عظم الجثة لَا يُفِيد ؛ فقد يُوجد فِي الْبَعِير ، ولَا عقل لَه مع عظم جسمه وقوته . * * * الفصل الثاني مختارات شعرية من كتاب (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ) - تعريف بالمؤلف: هو أبو العباس ، أحمد بن محمد المَقْري التلمساني ، ولد بتلمسان [ ]، ولم تذكر المراجع القديمة التي ترجمت له التاريخ الذي ولد فيه ، ولكن إحسان عباس [ ]حدَّده بسنة (986هـ) بينما استنتج عنان أن مولده حوالي سنة 992هـ [ ]. وقد ذكر في مقدمة كتابه ( أزهار الرياض ) عهد أيام شبابه الأول في مدينته ، وعن مجالس الدرس والرواية التي كان يتردد عليها ويلازمها .. وقد حرص في هذه الحقبة من شبابه أن يحفظ كل ما يستطيع حفظه من أمهات كتب الدين والحديث ، وأن يقرأ كثيراً من كتب التاريخ والأدب . ثم انتقل بين تلمسان وفاس ومراكش بين عامي 1009 – 1013 ، ثم استقرَّ في مدينة فاس أربعة عشر عاماً . لم ينقطع فيها عن الأخذ والتلقي عن علمائها ومحدثيها ورواتها . وأصبح في هذه الفترة من صدور العلماء المرموقين، وتولى الإمامة والخطابة والفتوى والتدريس في جامع القيروان ، ويظفر بالقرب من السلطان أبي المعالي زيدان السعدي ، والإفادة من مكتبته الخاصة . ولكنه شهد اضطراب الأحوال في المغرب بعد وفاة السلطان المنصور الذهبي وصراع أبنائه على الحكم، وما صحب هذا الصراع من الفتن والمنازعات والحروب الداخلية طمعاً في الملك وتنافساً على السلطان ، بجانب تعرضها لغزوات الأسبان والبرتغاليين أدى في نهاية الأمر لسقوط دولة السعديين [ ] . وقد تكون هذه الفتن والاضطرابات سبباً في رحلته إلى الشرق ، فقد رحل عن بلاده لأداء فريضة الحج في عام (1027هـ)، فمر بطنجة ووصل إلى الإسكندرية بحراً، ومنها اتجه إلى الحجاز فأدى فريضة الحج، وعاد إلى القاهرة ثانية مروراً بالقدس. وزار بعد ذلك دمشق ، ودرّس بالجامع الأموي مدة قصيرة. وهناك طلب منه علماء دمشق أن يؤلف لهم كتاباً حول سيرة لسان الدين بن الخطيب، فاستجاب لطلبهم بعد أن رجع إلى مصر ؛ فألف الكتاب وسماه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب"، وانتهى من تأليفه في ذي الحجة من سنة (1039هـ/ 1630م). وفي خلال رحلاته كان يشتغل بالتدريس في المساجد ؛ فدرس في المسجد الحرام ، وأملى الحديث النبوي بالمدينة ، ودرس بالأزهر والمسجد الأقصى . وكانت وفاته بمصر في جمادى الثانية سنة (1041هـ/ 1632م). ودفن بجوار الأزهر الشريف، وترك حوالي اثني عشر مؤلفاً في النثر والشعر. كتاب ( نفح الطيب ) : يعدُّ كتابه "نفح الطيب" موسوعة تاريخية وأدبية نادرة ، لا يمكن الاستغناء عنها عند دراسة التاريخ والأدب والجغرافيا الخاصة ببلاد الأندلس. وقد قسم المقري الكتاب إلى قسمين كبيرين ، وفي كل قسم من هذين القسمين ثمانية فصول . تناول في القسم الأول : الأندلس وتاريخها وآدابها ، فوصف الأندلس ، وفتح العرب لها ووصف بعض مدنها وسكانها، ووصف مناخها وتوضيح مساحتها وتحديد أراضيها وأول من سكنها ، ووصف سكان الأندلس وحبهم للعلم والأدب وسلوكياتهم وخصوصياتهم الاجتماعية، والتعريف ببعض من رحل إلى المشرق من الأندلسيين ، وذكر بعض الوافدين على الأندلس من أهل المشرق ، والحديث عن تألب العدو على المسلمين والأندلس حتى استواى عليها ومحا كلمة الإسلام منها . أما القسم الثاني من كتاب الفتح فهو عن أخبار الوزير ابن الخطيب ، والتعريف به . وقد ذكر المقري سبب تأليفه لكتاب نفح الطيب ، فقال إنه خلال إقامته بدمشق كان يتذاكر مع أدبائها وأعلام علمائها أخبار الأدب والتاريخ ، فينجر الحديث إلى ذكر البلاد الأندلسية، ووصف رياضها وتاريخها وأعلامها ، فصار يورد عليهم من محفوظه الواسع بدائع بلغائها ويسرد من كلام وزيرها لسان الدين بن الخطيب ما تثيره المناسبة وتقتضيه، من النظم الجزل، في الجد والهزل، والإنشاء، وتصرفه في فنون البلاغة ، فاقترح عليه أحمد بن شاهين تأليف كتاب عن لسان الدين ، فاعتذر المقري بعدم تيسر المراجع الضرورية بعد أن خلفها بالمغرب . فلما تكرر إلحاح ابن شاهين اضطر آخر الأمر إلى القبول ، ووعد بالشروع في تأليفه عند وصوله إلى القاهرة . وقد وفَّى بوعده وانتهى من تصنيفه في نهاية سنة 1039 . قيمة الكتاب : يعد كتاب نفح الطيب وثيقة أدبية تاريخية مهمة عن الأندلس لما حواه من معلومات جمة عن تاريخ الأندلس وأدبها لا نجدها في غيره من الكتب ، اعتمد فيها على مصادر لم يصلنا منها سوى القليل . بعد أن ضاع أكثرها بسبب ما توالى على الأندلس من نكبات أصابت العرب والمسلمين هناك واضطرارهم إلى الرحيل تاركين متاعهم وكتبهم ، فاختفت تلك المصنفات النادرة أو أحرقت أو أغرقت في الأنهار . - وقد أصبح الكتاب من أبرز المراجع المكتوبة حول الأندلس، لقرب صاحبه ـ زمنياً ـ من آخر وقائع تلك البلاد ودرايته بتاريخها. واطلاعه على جلّ ما يتعلق بأوضاع المغرب العربي عامة ، وعرضه لكل ما كُتب وألف حول تاريخ (الأندلس) . وأصبح الكتاب بطابعه((الموسوعي)) الذي يجعله مغنياً عن عشرات الكتب لصعوبة الرجوع إلى تلك الكتب مجتمعة في نطاق .وفي الوقت نفسه يجعل منه مرجعاً لا يستغنى عنه أي باحث في تاريخ أو أدب بلاد الأندلس. منهجه في التأليف : - اعتمد المقري في تصنيفه لكتاب ( نفح الطيب ) على النقل والتدوين من المصادر المختلفة التي أتيحت له واطلع عليها ، وحفظ جملة هائلة من نصوصها ، فجمع إلى جانب ما أورده من الشعر قدراً كبيراً من النصوص ، حتى ليكاد ينقل كتباً كاملة . ومع ذلك فإن الجهد في تأليف النفح لم يقتصر على تكديس المادة من المصادر التي تيسرت حينئذ للمؤلف. ولكن من العدل على المقري أن نعترف له بفضله الكبير وهو قدرته- رغم الاستطرادات- على تسخير مادته لتصوير الحياة السياسية والاجتماعية والأدبية بالأندلس وحرصه على أن يستنفذ من يد النسيان والضياع كثيراً من الأخبار عن الأندلس والمغرب؛ وما يزال قسم كبير من كتابه منقولاً عن أصول ضاعت ومستوعباً لأصول أخرى لا نجدها في سواه. - التكرار ؛ فقد يذكر أمراً في موضع من كتابه ، وبعد صفحات قليلة أو كثيرة يروي نصاً فيه ذكر لذلك الذي ذكره من قبل . وقد يكون التكرار بسبب نسيان ما قيده ، فيعود إلى ذكره ، وقد يقع التكرار على غير قصد منه بسبب اعتماده على كثرة الروايات في الغرض الواحد . - الاستطراد ، إذ يكثر عنده أن يتحدث عن موضوع أو غرض معين ثم يتركه ويدخل في في غرض آخر ، ثم يعود إلى الموضوع الأول ، وقد لا يعود إليه بل يدخل في موضوع جديد . وقد يمهد لخروجه من الموضوع أو عودته إليه بنحو قوله : " قد تذكرت هنا ، والشيء بالشيء يذكر . " وما إليها من العبارات الدالة على الاستطراد . وكثيراً ما يعبر عنه بكلمة ( رجع ) وقد يقول : رجع إلى ما كنا فيه أو رجع إلى ما كنا بصدده ، أو رجع إلى فلان . ونحو ذلك . - مراعاة التناسب في جمع النصوص : من ذلك أنه لما روى قصيدة الوزير عبد العزيز القشتالي ، التي مطلعها : هم سلبوني الصبر والصبر من شاني وهم حرموا من لذة الغمض أجفاني رأى من تمام التناسب أن يروي مجموعة من القصائد على وزنها وقافيتها . - اعتمد على قوة حفظه وكثرة محفوظه ، فجمع في كتابه حصيلة هائلة من المعارف والأخبار . ومن دلائل ذلك أنه قد يورد في المعنى الواحد أو الغرض الواحد من أشعار يستشهد بها لشعراء كثيرين من أهل المشرق والمغرب . وهو في روايته للشعر يرويه كما قاله الشاعر تماماً ، فإذا خانته الذاكرة ـ ونادراً ما تخونه ـ يلجأ إلى رواية الشعر بالمعنى ، وينص على ذلك ، كقوله : " وهذا البيت الثالث نسيت لفظه ، فكتبته بالمعنى والوزن ؛ إذ طال عهدي به ، والله تعالى أعلم ." - الأمانة العلمية : فقد كان أميناً في نقله ، أميناً في رجوعه إلى الكتب . مؤلفات المقري ترك المقري بجانب كتابه ( نفح الطيب ) عدداً من المؤلفات[ ] ، نذكر منها ما يأتي : - روضة الآس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام الحضرتين مراكش وفاس، ألفه حوالي 1011 - 1012 ليقدمه إلى المنصور أحمد الذهبي (طبع بالمطبعة الملكية بالرباط عام 1946 بتحقيق الأستاذ عبد الوهاب بن منصور ) - أزهار الرياض في أخبار عياض، ألفه أثناء إقامته بفاس 1013 - 1027 ولم يطبع منه إلا ثلاثة أجزاء بتحقيق الأساتذة مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي (القاهرة 1939 - 1942). - إضاءة الدجنة بعقائد أهل السنة، منظومة بدأ بتأليفها أثناء زيارته للحجاز سنة 1029 ودرسها في الحرمين الشريفين، وأتمها في القاهرة سنة 1030، (طبعت بمصر سنة 1304 بهامش شرح العقيدة السنوسية للشيخ عليش ) - ادحاف المغرم المغرى في شرح السنوسية الصغرى، (ومن شرحه لها نسختان بالخزانة الملكية بالرباط رقم 3544، 5928). - أجوبة على مسائل أرسلها إليه أستاذه محمد بن أبي بكر الدلائي سماها " أعمال الذهن والفكر في المسائل المتنوعة الأجناس... " (توجد ضمن كتاب البدور الضاوية بخزانة الرباط). - فتح المتعال في مدح النعال (طبع بالهند)؛ - وللمقري أراجيز كثيرة أخرى منها " أزهار الكمامة في شرف العمامة " (الخزانة العامة بالرباط ) والدر الثمين في أسماء الهادي الأمين ، ورجز " نيل المرام المغتبط لطالب المخمس الخالي الوسط " (مخطوطة الرباط ) ، ورجز حسن الثنا في العفو عمن جنى (طبع بمصر في 47 ص؛ دون تاريخ ) تحقيق نفح الطيب: نفح الطيب أقدم كتاب أندلسي ظهر للنور وعرفته المطبعة العربية ، وكان مصدراً لأكثر ما عرفه المشارقة عن الأندلس حتى وقت قريب ، فقد نشر القسم الأول من الكتاب بعناية مجموعة من المستشرقين في قسمين يحتوي كل قسم على جزءين في( ليدن: عام 1855). ثم تلتها طبعة بولاق سنة 1863، وهي على ما فيها من جهد مليئة بالخطأ، وليس فيها ما في الطبعة الأوروبية من دقة علمية؛ ثم طبع بعد ذلك سنة 1885 في المطبعة الأزهرية ، فعرفه الناس وتداولوه واشتهر أمره ، ثم كان آخر الطبعات المشرقية طبعة المكتبة التجارية بإشراف الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ( القاهرة : 1949)، وقد أفاد فيها من الطبعة الأوروبية ومن الطبعات المشرقية، فجاءت في صورة مقبولة نوعاً ما . أما أفضل طبعاته فهو طبعة دار صادر بتحقيق إحسان عباس عام 1968 . مختارات من كتاب نفح الطيب : أولاً من شعر الموشحات : المُوَشَّحات تعريف الموشح : يطلق عليه موشح أو موشحة أو توشيح، وتجمع على موشحات أو تواشيح ، وهو مشتق من وشَّح بمعنى زيَّن أو حسَّن أو رصَّع . وسميت بالموشحات لما فيها من تزيين وتنميق وتناظر وصنعة فكأنهم شبهوه بوشاح المرأة المرصع باللؤلؤ والجوهر . فالوشاح قِلادة من نسيج عريض تُرَصَّع بالجواهر تتزين به المرأة ، فتشدُّها على عاتقها وكَشْحَيْها ، ومنه اشتق تَوَشَّحَ الرجلُ بثوبه ، والتَّوَشُّح بالرداء مثل التأَبُّط والاضطباع وهو أَن يُدخل الثوب من تحت يده اليمنى فيُلْقِيَه على مَنْكِبه الأَيسر كما يفعل المُحْرِمُ وكذلك الرجل يَتَوَشَّح بحمائل سيفه فتقع الحمائل على عاتقه اليسرى وتكون اليمنى مكشوفة . وقيل إن لفظة الموشح منقولة عن قولهم: ثوب موشح، وذلك لوشي يكون فيه، فكأن هذه الأسماط والأغصان التي يزينونه بها هي من الكلام في سبيل الوشي من الثوب، ثم صارت اللفظة بعد ذلك علماً. [ ] الموشح اصطلاحاً : الموشح ضرب من ضروب الشعر تتعدد قوافيه وأوزانه تبعا لرغبة ناظمه ، مع خروج أحياناً على أوزان الشعر العربي ، واتخاذ شكل خاص مختلف عما نعهده في القصيدة التقليدية . وبهذا الشكل الخاص يشكل الموشح خروجاً على نظام القصيدة ، والثورة على النهج القديم للقصيدة ، بما فيه من خروج عن وحدتي الوزن والقافية ، وتوشيح أبياتها بفنون صناعة النظم المختلفة من تقابل وتناظر ، وشدة العناية بالموسيقى ، وباستعماله اللغة الدارجة أو الأعجمية في بعض أجزائها وبخاصة خاتمتها ، وبذلك فإن الموشح فن شعري جديد يختلف عن ضروب الشعر الغنائي العربي ، وحق لأن يعرفه ابن سناء الملك [ ] بقوله : "الموشح كلام منظوم على وزن مخصوص". نشأة الموشح : الموشح فن أندلسي أصيل ابتدعه العرب هناك . وينسب الفضل في اختراع الموشحات في الأندلس إلى مقدم بن معافي [ ] . قال ابن خلدون [ ]: " كان المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافى القبري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني ". ونسب المؤرخ الأندلسي ابن بسام [ ] الفضل في صنع أوزان الموشحات بالأندلس واختراع طريقتها لمحمد بن محمود القبري الضرير. وأياً من كان صاحب الفضل ، فإن التاريخ لا يذكر عنهما أو عما نظموه شيئاً . ويكاد المؤرخون يجمعون أن الموشح ظهر في الربع الأخير من القرن الثالث الهجري، لكنه لم يزدهر إلا في القرن الخامس على يد أبي بكر عبادة بن ماء السماء ( ت 422هـ ) [ ] . وظل يزدهر بعده حتى أصبح فن الموشح من الفنون الذائعة ، وبرع فيه كثيرون ، ومنهم انتقل متأخراً إلى المشرق . وقد افتن به شعراء المهجر المحدثين فعنوا به عناية فائقة ونظموا فيه الكثير من النماذج الجيدة . [ ] طبيعة الموشح : ارتبطت الموشحات بغير شك بالحياة الاجتماعية الأندلسية التي شاع فيها الغزل والشراب والغناء .، وانسجاما مع روح الطبيعة وتنوعها وجمالها في الأندلس ؛ إذ يغلب على الظن أنهم كانوا ينظمون الموشحات لغرض التلحين، وتصاغ على نهج معين لتتفق مع النغم المنشود . يقول الرافعي عن سبب اختراع الموشحات : " وعندنا أن الذي نبههم إلى اختراع أوزان التوشيح إنما هو الغناء لا غيره، فإن تلحين البيت من الشعر قد يجيء على بعض الوجوه كالموشح، إذ يخرج جملاً مقطعة [تتساوق] مع النغم، وأنهم لذلك كانوا لا يختارون للغناء من الشعر إلا ما احتمل في حركاته حسن التجزئة وصحة التقسيم وإجادة المقاطع والمبادئ ؛ فكانوا يؤلفون من الأصوات التي تخرجها الضربات على الأوتار المختلفة كلاماً يناسب أن يقابل في وزنه تلك الأصوات بحروف متحركة أو ساكنة وعلى ذلك يكون مؤلف التوشيح تابعاً لما تقتضيه أصوات الموسيقى وأوزانها، وذلك قد يوافق الأوزان العربية التي يلحن فيها الشعر وقد يخالفها وعليه أكثر عملهم .[ ] أغراضه : وقد دعت طبيعة الموشحات وصلتها بالغناء والتلحين أن ينظم شعراؤها في الأغراض التي تناسب فن الغناء كالغزل ووصف الطبيعة ، ثم وظفوها في أغراض أخرى كالمدح والرثاء والمجون والزهد، ونظرا لما تتمتع به طبيعة الأندلس من جمال أخاذ ، كان كثير من الشعراء ينجحون في وصف الطبيعة . بناء الموشح [ ] : تختلف الموشحات عن القصائد العربية من حيث البناء ، ذلك أنها تتألف من أجزاء مختلفة يكوّن مجموعها بناء الموشح الكامل ، وهذه الأجزاء هي : 1 – المطلع أو المذهب 2- الدور 3- السمط 4- القفل 5- البيت 6- الغصن 7- الخرجة . 1- المطلع أو المذهب : وهو القفل الأول ، أي البيت الذي يفتتح به الموشح ، وقد يكون من شطرين أو أربعة أشطر . وقد تختلف قافية الشطرين ، وقد تتفق . - المطلع المتفق القافية ( كالبيت المصرع ) ومثاله قول ابن زهر [ ] : فُتِقَ المِسْكُ بكافور الصّباح ووشت بالرّوضِ أعرافُ الرياح - المطلع المختلف القافية ، ومثاله قول ابن مهلهل في وصف الطبيعة [ ]: النَّهْرُ سَلَّ حُسَامَاً عَلَى قُدُودِ الغُصُونِ 2- الدور : هو القسم الذي يكون بين قفلين ، وهو يتألف من ثلاثة أشطر وقد تصل إلى ستة أشطر كما في موشحة لسان الدين ( جادك الغيث ... ) ، ويشترط في هذه الأشطر أن تتماثل من حيث عددها في الموشح الواحد ، وأن تكون بوزن المطلع ، ولكنها تختلف عنه في القافية . ومثاله في موشحة ابن مهلهل الأشطر الثلاثة التي تنتهي بقافية اللام وتنتهي أشطر الدور الثاني بالحاء ، وكل شطر يسمى ( سمطاً ) : النَّهْرُ سَلَّ حُسَامَاً عَلَى قُدُودِ الغُصُونِ وَلِلْنَّسِـيمِ مَجَـالُ وَالرَّوْضُ فِيهِ اخْتِيَالُ مُـدَّتْ عَلَيْهِ ظِلالُ وَالزَّهْرُ شَقَّ كِمَامَا وَجْداً بِتِلْكَ اللُّحُونِ أَمَا تَرَى الطَّيْرَ صَاحَا وَالصُّبْحَ في الأُفْقِ لاحَا وَالزَهْرَ في الرَّوْضِ فَاحَا وَالبَرْقَ سَاقَ الغَمَامَا تَبْكِي بِدَمْعٍ هَتُونِ 3- السمط : هو كل شطر من أشطر الدور الواحد . 4- القفل : هو الجزء الذي يتكرر بقافيته ست مرات غالباً في الموشح التام ، والقفل الأول يسمى ( مطلعاً ) والقفل الأخير يسمى ( خرجة ) وتتفق الأقفال مع بعضها في وزنها وقوافيها وعدد أجزائها . 5- البيت : يتكون البيت في الموشحة من الدور والقفل الذي يليه . 6- الغصن : هو كل شطر من أشطر القفل ( والمطلع والخرجة ) وتتساوى الأغصان عدداً وترتيباً وقافية في كل الموشحة . ولكن لا يشترط أن تتفق قافية الغصنين في كل مطلع أو قفل . كما أن أقل الأغصان في كل مطلع اثنان ، وقد تتكون أقفال الموشح من أربعة أغصان . 7- الخرجة : هي القفل الأخير من الموشح ، وقد تكون عامية أو أعجمية الألفاظ ، وعندئذٍ يتضمن السمط الأخير من الدور الذي قبلها كلمة ( قلت ) أو (قالت) أو ( غنى ) أو ( شدا ) . وفيما يلي مخطط توضيحي لموشح ابن مهلهل : - المطلع ( وكذلك الأقفال والخرجة ) يتكون من غصنين : - الدور يتكون من ثلاثة أسماط . - البيت : مجموع أسماط الدور والقفل الذي يلي الدور . المطلع : النَّهْرُ سَلَّ حُسَامَاً (غصن ) عَلَى قُدُودِ الغُصُونِ (غصن ) وَلِلْنَّسِـيمِ مَجَـالُ ( سمط ) البيت : وَالرَّوْضُ فِيهِ اخْتِيَالُ ( سمط ) الدور مُـدَّتْ عَلَيْهِ ظِلالُ ( سمط ) القفل : وَالزَّهْرُ شَقَّ كِمَامَا (غصن ) وَجْداً بِتِلْكَ اللُّحُونِ (غصن ) النص الأول : ( موشحة جادك الغيث .. ) ترجمة الشاعر : [ ] لسان الدين ابن الخطيب (713 - 776 هـ = 1313 - 1374 م) . هو محمد بن عبد الله بن سعيد السلماني ، الغرناطي الأندلسي، أبو عبد الله ، الشهير بلسان الدين ابن الخطيب ، أحد أعلام الشعراء والمؤرخين ورجال السياسة الأندلسيين ، وكان يلقب بذي الوزارتين . ولد ونشأ بغرناطة وبدأ حياته كاتبا ً عند بني نصر المعروفين ببني الأحمر ، ثم استوزره سلطان غرناطة أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل (سنة 733 هـ) ثم ابنه (الغني بالله) محمد، من بعده. وعظمت مكانته . فلما تغير عليه السلطان فر إلى المغرب ، واستقر بفاس القديمة (سنة 773) ، وكان السلطان عبد العزيز بن علي المريني بها، فبالغ في إكرامه . ومات عبد العزيز ، وخلفه ابنه السعيد بالله ، ثم خلع ، فتولى المغرب السلطان (المستنصر) أحمد بن إبراهيم ، وقد ساعده (الغني بالله) صاحب غرناطة مشترطا عليه شروطا منها تسليمه (ابن الخطيب) فقبض عليه المستنصر. ووجهوا إليه تهمة (الزندقة) و(سلوك مذهب الفلاسفة) ، وأفتى بعض الفقهاء بقتله ، ثم قتل خنقا ً في سجنه 776 ه . ومؤلفاته تقع في نحو ستين كتابا ، منها : ( الإحاطة في تاريخ غرناطة ) ، و( الأعلام في من بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام ) و(اللمحة البدرية في الدولة النصرية ) و(رقم الحلل في نظم الدول ) و( نفاضة الجراب ) في أخبار الأندلس، و(معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار ) و( روضة التعريف بالحب الشريف) و(ريحانة الكتاب) مجموع رسائل . وعلى اسمه صنف المقري كتابه العظيم (نفح الطيب، من غصن الأندلس الرطيب، وذكر وزيرها لسان الدين ابن الخطيب) . النص : جادَكً الغًيْثُ إذا الغَيْثُ هَمَى يا زَمَانَ الوَصْلِ بالأَنْدَلُسِ لمْ يَكُنْ وَصْلُكَ إلا حُلُمًا في الكًرَى أَوْ خِلْسَةَ المُختَلِسِ * * * إذ يقُودُ الدًّهرُ أشتَاتَ المُنَى يَنقلُ الخَطوَ على ما يَرسُمُ زُمَرا بين فُرَادَى وثُنَا مِثلَما يَدعُو الوفودَ المَوْسِمُ والحَيَا قَد جَلَّلَ الرَّوضَ سَناً فثُغورُ الزَّهرِ منهُ تَبْسِمُ * * * وروَى النُّعمانُ عن ماءِ السَّما كيفَ يَروِي مالِكٌ عن أنَس فكَسَاهُ الحُسنُ ثَوباً مُعلَمَا يَزدَهِي منه بِأبْهَى مَلبَس * * * في لَيَالٍ كتَمَتْ سِرَّ الهَوَى بالدُّجَى لولا شُمُوسُ الغُرَرِ مالَ نَجمُ الكَأسِ فيها وهَوَى مَستَقيمَ السَّيرِ سَعْدَ الأثَرِ وَطَرٌ ما فيه مِن عيبٍ سِوَى أنَّهُ مَرَّ كَلَمحِ البَصَرِ * * * حينَ لَذَّ الأُنسُ شيئاً أو كَمَا هَجَمَ الصُّبحُ هُجومَ الحَرَس غَارَتِ الشُّهبُ بنا أو رُبَّما أثَّرَتْ فينا عُيونُ النَّرجِس * * * يا أُهَيلَ الحَيِّ من وادي الغَضَا وبقَلبي سَكَنٌ أنتم به ضاقَ عن وَجْدي بكم رَحبُ الفَضَا لا أُبَالي شَرقَه مِن غَربِه فأعِيدوا عَهدَ أُنْسٍ قد مَضَى تَعتِقوا عَانيكم من كَرْبِه * * * واتَّقُوا اللهَ وأَحْيُوا مغْرَما يَتَلاشَى نَفَساً في نَفَس حبس القلب عليكم كرما أفترضون عفاء الحبس * * * شرح الأبيات: • جادَكً الغًيْثُ إذا الغَيْثُ هَمَى يا زَمَانَ الوَصْلِ بالأَنْدَلُسِ يقال جاد المطر القوم : عم أرضهم و شملهم . الغيث : المطر . وقوله : جادك الغيث: يدعو لزمان الوصل بالخير والسقيا ، إذا هطل الغيث. همَتِ العينُ: صبَّت دُموعَها. ويقصد بزمان الوصل : أيام سعادته حين كان يلتقي بأحبته في غرناطة. وقد اعتاد الشعراء الدعاء بالسقيا لمن يحبون . وفي ندائه لزمان الوصل : تشخيص للزمان ، حين جعله وكأنه شخص يسمع النداء ، وتوحي بحبه وحنينه لتلك المرحلة من حياته . وفي الوقت نفسه جسَّم زمان الوصل فجعله كأنه أرض ، فيدعو له بالسقيا . وعبر بهذه الصور ودعائه لتلك الأيام بالخير عن شدة ارتباطه بتلك الديار وحنينه لها .. ولا يعيب هذه الصور مجافاتها لواقع الأندلس وما فيها من أنهار ، وعدم حاجة أرضها لهطول الأمطار .. بل هي صورة تقليدية عرفها الشعراء في المناطق الجافة عادة . وهطول الغيث سبب للخير .. فأراد الشاعر بدعائه أن يعم أحبابه الخير على نحو ما يعم الناس من الخير بالغيث ، ومثله قول ابن زيدون : يا سارِيَ البَرْقِ غادِ القصرَ وَاسقِ به مَن كانَ صِرْف الهَوى وَالوُدَّ يَسقينَا • لمْ يَكُنْ وَصْلُكَ إلا حُلُمًا في الكًرَى أَوْ خِلْسَةَ المُختَلِسِ الوَصْلُ ضِدُّ الهِجْران ، أي لم يكن لقائي بك ، رغم ما وجدته من السعادة ، إلا كالحلم مرَّ سريعاً ، والحلم : ما يراه النائم من خيال . حلَم الشَّخصُ: رأى في نومه رُؤْيا . الكرى : النوم والنعاس ، يقال : ران الكرى في عينيه: إذا غلبه النُّعاسُ . الخُلْسة : الاختلاس و الأخذ بصورة خفيّة . وشبه الوصل في لذته ، وانتهائه في سرعة ، بالحلم السعيد ، كما شبهه أيضاً بالخلسة السريعة وما يكون عندئذ من انتهاز الفرصة في سرعة وخفية . • إذ يقُودُ الدًّهرُ أشتَاتَ المُنَى يَنقلُ الخَطوَ على ما يَرسُمُ يقال أمر شت ، أي متفرق ، ذهبوا أشتاتا : متفرقين ، وجمعه : أشتات ، وأشتات المنى: الأماني المتفرقة. يقود الدهر: يسوق والمراد يحقق. ينقل الخطو: أي يتجه الدهر بأشتات المنى إلى ما يرسمه ويخطط له . وقد جعل من الدهر راعياً يسوق أمانيهم كما يفعل الرعاة بقطيع الغنم ، كما شخص الدهر فجعله ينقل الخطو ، ويخطط . وجسَّم الأماني ( معنى ) وكأنها أشياء متفرقة ( محسوسة ) . • زُمَراً بين فُرَادَى وثُنَا مِثلَما يَدعُو الوفودَ المَوْسِمُ أي يقود الدهر أشتات المنى زُمَراً : أي جماعات متفرقة ، فالزُمْرَة : الفوج والجماعة من النَّاس تربطهم صفات مشتركة ، وتجمع على: زُمَر , وزُمرات . { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا }: أي أفواجًا متفرّقة بعضها في إثر بعض . الموسم : موسم الحج. ووصف الشاعر سير هذه الوفود ( أشتات المنى ) متفرقين في غير انتظام بحركة وفود الحجيج إلى الموسم ، وكأنه بجانب ما يلاحظ في حركة الحجاج عند القدوم إلى الحج ؛ ضمَّن معنى قوله تعالى : { يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } [الحج: 27] • والحَيَا قَد جَلَّلَ الرَّوضَ سَناً فثُغورُ الزَّهرِ منهُ تَبْسِمُ الحيا : المطر والخِصْب ، جلَّل الشيء : عمَّه . كساه بغطاء ، الروضة : الأرض ذات الخضرة و البستان الحسن . السنا : الضوءٌ الساطعٌ {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ} ". وجلَّل الروض سنا: كساه أزهارا متفتحة تلمع وتتلألأ. وقد شخَّص الشاعر الزهور فجعل لها ثغورا تبتسم . • وروَى النُّعمانُ عن ماءِ السَّما كيفَ يَروِي مالِكٌ عن أنَس روى الحديث أو الشعر: حمله ونقله فهو راوٍ ( وتجمع على: رواة ) . وفي قوله النعمان وماء السماء ( تورية ) ، لما يتبادر إلى الذهن بالنعمان : النُّعمان بن المُنذر ، ملك الحيرة ، وجده ماء السماء . ولم يقصد الشاعر أياً منهما ، بل ورَّى بالنعمان : شقائق النُّعمان، وهو نبات أحمر الزَّهر عليه نقط سود . والمقصود بماء السماء : المطر ، وأثره على الزهر وفضله عليه كبير ، كفضل أنس على ابنه مالك . ومالك هو الإمام مالك بن أنس إمام المذهب المشهور . فالمراد أن شقائق النعمان تنطق بأثر المطر ، وتدل على أنها وليدة ماء السماء ، كما أن مالكاً وليد أنس هنا أن ما بين شقائق النعمان والمطر من صلة مثل ما بين مالك وأبيه أنس. • فكَسَاهُ الحُسنُ ثَوباً مُعلَمَا يَزدَهِي منه بِأبْهَى مَلبَس ثوبٌ مُعْلَمٌ ، فيه عَلامة . ازدهى الشَّخصُ: أُعجِب بنفسه ، يختال. ويقصد الشاعر أن الحسن كسا الروض ثوباً رائعا ، تعددت فيه ألوان الحسن ، فأصبح يختال بما حظي به من الثوب الجميل . فشخَّص الحسن إذ جعله يكسي ، وجعل ما ازدان به الروض من مختلف الألوان الجميلة ثوباً مطرزاً منقوشاً . وصور الروض شخصاً يختال بما ناله من الثوب الجميل . • في لَيَالٍ كتَمَتْ سِرَّ الهَوَى بالدُّجَى لولا شُمُوسُ الغُرَرِ كتمت : سترت وأخفت ، والليالي هي التي أخفت ما بين الأحباب من وصال وتلاق ، وحجبتهم عن أعين الرقباء بظلامها الذي لم ينبعث فيه ضوء غير إشراق الوجوه الجميلة في ذلك المجلس. فشبه وجوه أحبته بالشموس ضياءً . والغرر : البيضاء ؛ فالغرة في الأصل : بياض في جبهة الفرس ، والغرة من الهلال طلعته ، ومن الرجل وجهه . وقد قصد بإطلاق الغرة ( وهي لا تكون إلا بقعة في الوجه ): أن يعبر عن بياض كل وجوهم . • مالَ نَجمُ الكَأسِ فيها وهَوَى مَستَقيمَ السَّيرِ سَعْدَ الأثَرِ يصور ما كانوا عليه من السعادة في تلك الليالي ، وقد اجتمع شملهم ، وطاب لهم المجلس ، يديرون بينهم الكؤوس ، وهي في صفائها وإشراقها كأنما هوت الأنجم الساطعة عليها . وهي نجوم سعد لما يجدون في مجلسهم بسببها من نشوة وطرب . وشبه الكأس بالنجم في اللمعان والإشراق بإضافة المشبه به إلى المشبه . • وَطَرٌ ، ما فيه مِن عيبٍ سِوَى أنَّهُ مَرَّ كَلَمحِ البَصَرِ وَطَر: حاجة ومَأرب ، قضى وَطَرَه : نال بغيته وبلغ مراده. اللَّمْحُ . سُرْعةُ إِبصارِ الشَّيْءِ. واللَّمْحَة : النّظْرة بالعَجَلَة . في لَمْح البصر : بسرعة خاطفة ، طرفة عين. { وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ }. شبه سرعة مرور لحظاته السعيدة بالوقت الذي يستغرقه لمح البصر. يقول إن سعادته مرت سريعة . • حينَ لَذَّ الأُنسُ شيئاً أو كَمَا هَجَمَ الصُّبحُ هُجومَ الحَرَس لذَّ الأنس شيئا : أصبح لذيذاً وله وجود ، وبدأنا نشعر به . شبه هجوم الصبح المفاجئ وأثره في تفريق شملهم ، وحرمانهم من التمتع بالسعادة ، بمباغتة الحرس وهجومهم . وفيه تشخيص للصبح وكأنه شخص يهجم . ( استعاره مكنية ) • غَارَتِ الشُّهبُ بنا أو رُبَّما أثَّرَتْ فينا عُيونُ النَّرجِس غارت : من الغيرة . والشهب : تطلق على الدراري من الكواكب لشدة لمعانها ، وهي النُّجومُ السَّبْعَة المعْروفَة ، وتطلق أيضاً على الكَواكبِ التي تنْقَضُّ على أَثر الشَّيْطان بالليْلِ ، قال اللّه تعالى {فأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ } . والنَّرْجِس من أزهار الربيع ذات الألوان الزاهية ، ويشبه الشعراء الأعين بزهرة نوع منها ، لها عطر طيب ونوار أصفر ، فيه انكسار وفتور ، وتشبه العينين بالنرجس إذا كان بهما فتور ، كما قال ابن المعتز: وسنانُ قد خَدعَ النعاسُ جفونَهُ فحكى بمقلتهِ ذبولَ النرجسِ ذكر الشاعر هنا علتين لهجوم الصبح المباغت لهم ، وحرمانهم من المتعة ، أولاها : غيرة الشُّهب على متعتنا واختفائها بسرعة لترسل من يكشفنا ويفرقنا . والعلة الثانية : تأثير عيون النرجس ، إصابتهم بعيونها حسداً منها . فلم يطُل أمر سعادتنا ولقائنا . وفي البيت شخَّص الشاعر الشهب فأسند إليها الغيرة (استعارة مكنية( . وشبه زهر النرجس في شكلها وفتورها بالعيون بإضافة المشبه به للمشبه . وشخص عيون النرجس فهي تحسد ما كانوا عليه من متعة وسرور ( استعارة مكنية ) • يا أُهَيلَ الحَيِّ من وادي الغَضَا وبقَلبي سَكَنٌ أنتم به أهيل : تصغير أهل غرضه تقريب ما يُتوهَّم بعد منزلته ، لمحبته لهم وادي الغضا: الغضا شجر من الأثْل، خشبه صُلب وجمره يبقى زمانًا طويلاً لا ينطفئ ، وقد أضيف الوادي إلى ما ينبت فيه من الشجر ، أهل الغضا: أهل نجد ؛ لكثرة الغضا عندهم . وقد رمز الشاعر بوادي الغضا عن موطنه وأهله ، ولم يقصد واديا محدداً ، ويناديهم لقربهم إليه ولمنزلتهم في قلبه . وجعل قلبه مكان إقامة يحتله أهله وأحبابه . • ضاقَ عن وَجْدي بكم رَحبُ الفَضَا لا أُبَالي شَرقَه مِن غَربِه ضاق المكان : لم يتسع لما فيه ، وقصَّر عنه . ومنه: ضاق بالأمر ، وضاق به ذرعا ، وضاق صدره به : تألم أو ضجر منه أو شق عليه وعجز عنه . وجدي : حزني . وجَد الرجلُ: حَزِنَ ، وتَوَجَّدْتُ لفلان أَي حَزِنْتُ له. رحب الفضا: الفضاء الواسع. لا أبالي: لا أهتم. أي بأي جهة فيه . يقول إن المكان على رحبه واتساعه يضيق بوجدي بكم ، فجسَّم وجده حين جعله شيئاً محسوساً يحتل مكاناً . وشخَّص رحب الفضاء حين أسند إليه الضيق . • فأعِيدوا عَهدَ أُنْسٍ قد مَضَى تَعتِقوا عَانيكم من كَرْبِه العاني : الأسير ، تعتقوا عانيكم : تحرروا أسيركم . الكرب : الحزن والغم يأخذ بالنفس . جعل نفسه أسيراً بجامع ما يجدان من الحزن والغم . • واتَّقُوا اللهَ وأَحْيُوا مغْرَما يَتَلاشَى نَفَساً في نَفَس يقال : فلان مُغْرَمٌ بكذا أي مُولَعٌ به ، لا يصبر على مفارقته . ورجل مُغْرَمٌ بالنساء : مُولَعٌ بعشقهن أي مُبتَلىً بهن. والمُغْرَم : المثقل بالدين . يتلاشى: يفَنَى ويختفي. يصور نفسه ، وهو يموت بغرامه ، ويتلاشى شيئا فشيئا. • حبس القلب عليكم كرما أفترضون عفاء الحبس ! حبس الشيء : منَعَه و أمسَكَه وسجنه . حبَس فرسَه : وقفه للجهاد في سبيل الله . ويقال حبس نفسَه على كذا : ألزم نفسه وأوقفه عليه . عفَا الأثرُ: زال، انمحى، عفَتِ الرِّيحُ الأثرَ: محته، أزالته. يقول إنه ألزم نفسه بحبهم عن رضىً منه ، ويتساءل مستنكرا كيف تقبلون إزالة حبس قلبي عليكم وتحولي عن حبكم . عبر عن التزامه بحبهم بالحبس ، وكأن قلبه شيء يحبس ، كما عبر بالقلب عن نفسه .. التعليق على النص : تعد هذه الموشحة من أجمل الموشحات الأندلسية ، ولذا حظيت باهتمام الأدباء والنقاد ، وقد نقل المقري 42 قفلاً ( بيتاً ) عن مقدمة ابن خلدون ، ثم أضاف لها ما أكملها إلى خمسين قفل ، ونقل ما قدم به ابن خلدون الموشحة ، وهو قوله : " ومن محاسن الموشّحات موشحة ابن سهل شاعر إشبيلية وسبتة من بعدها : هلْ دَرَى ظَبْيُ الحِمَى أنْ قَد حَمَى قَلبُ صبٍّ حلّه عن مَكنَس فَهوَ في حَرٍّ وخَفْقٍ مِثلَما لَعِبَتْ رِيحُ الصَّبَا بالقَبَس وقد نسج على منواله فيها صاحبنا الوزير أبو عبد الله ابن الخطيب ، شاعر الأندلس والمغرب لعصره ، فقال: ( جادك الغيث إذا الغيث همى ... ) " ثم يقول في ختام نقله عنه " إلى هذا الحد انتهى ابن خلدون من موشحة لسان الدين ، ولا أدري لِمَ لَمْ يكملها . " . وقد ختمها لسان الدين بقوله يصف فيه شعره ومعارضته لموشحة ابن سهل : هاكها يا سبط أنصار العلا والذي إن عثر الدهر أقال غادة ألبسها الحسن ملا تبهر العين جلاء وصقال عارضت لفظا ومعنى وحلى قول من أنطقه الحبّ فقال: " هل درى ظبي الحمى أن قد حمى قلب صبّ حلّه عن مكنس " " فهو في خفقٍ وحرٍ مثلما لعبت ريح الصّبا بالقبس " - البناء الفني للموشحة : - الموشحة من بحر الرمل ( ووزنه بصورته الأصلية التامة كما في هذه الموشحة : فاعلاتن مكررة ست مرات) - تتكون الموشحة من مجموعة من الأقفال ، اخترنا منها خمسة ، والقفل الأول يسمى مطلعاً ، والأخير يطلق عليه خرجة ، فالمطلع هو : جادَكً الغًيْثُ إذا الغَيْثُ هَمَى يا زَمَانَ الوَصْلِ بالأَنْدَلُسِ لمْ يَكُنْ وَصْلُكَ إلا حُلُمًا في الكًرَى أَوْ خِلْسَةَ المُختَلِسِ ويتكون المطلع ( وبقية أقفال هذه الموشحة ) من أربعة أغصان ، كل شطر يمثل غصناً . غصني الشطر الأول منهما في كل الأقفال : ميمية ، وغصني العجز : سينية . بينما يتركب الدور من ستة أسماط ( والسمط هو كل شطر من أشطر الدور ) والدور الأول في هذه الموشحة : إذ يقُودُ الدًّهرُ أشتَاتَ المُنَى يَنقلُ الخَطوَ على ما يَرسُمُ زُمَرا بين فُرَادَى وثُنَا مِثلَما يَدعُو الوفودَ المَوْسِمُ والحَيَا قَد جَلَّلَ الرَّوضَ سَناً فثُغورُ الزَّهرِ منهُ تَبْسِمُ وكل سمط من أسماط هذا الدور : نونية في الصدر ، ميميمة في العجز . وبينما يشترط في الأقفال جميعا أن يكون لها قواف واحدة في الموشح كله . فإن القافية في الأدوار لا تلتزم صورة واحدة ، بل لكل دور قافيته . النص الثاني : نونية ابن زيدون : قال ابن زيدون [ ]: [ البسيط ] أضْحَى التّنائي بَديلاً مِنْ تَدانِينَا وَنَابَ عَنْ طيبِ دُنيانا تجافينَا ألاّ وَقَد حانَ صُبحُ الليل، صَبّحَنا حَيْنٌ، فَقَامَ بِنَا للحَيْنِ نَاعيِنَا مَنْ مُبْلغُ المُلبسِينا، بانتزاحِهمُ حُزْناً، معَ الدهرِ لا يَبلَى ويُبْلينَا أنَّ الزَّمانَ الذي ما زَالَ يُضحِكنا أُنْساً بِقُربِهِمُ ، قد عَادَ يُبكينا غِيظَ العِدا مِنْ تَساقِينا الهوَى فدعَوْا بِأنْ نَغَصَّ، فَقالَ الدّهرُ آمينَا فَانحَلَّ ما كانَ مَعقُوداً بأَنْفُسِنَا وَانْبَتَّ ما كانَ مَوْصُولاً بأيْدِينَا بالأمسِ كُنَّا ، وَمَا يُخشَى تَفَرّقُنا واليومَ نحنُ، ومَا يُرْجَى تَلاقينَا يا ليتَ شعرِي، ولم نُعتِبْ أعاديَكم هَلْ نَالَ حَظّاً منَ العُتبَى أعادينَا لم نعتقدْ بعدكمْ إلاّ الوفاء لكُمْ رَأياً، ولَمْ نَتَقلَّدْ غَيرَهُ دِينَا كُنّا نَرَى اليَأسَ تُسْلِينا عَوَارِضُه وَقَدْ يَئِسْنَا فَمَا لليأسِ يُغْرِينَا بِنْتُم وَبِنّا، فَما ابتَلّتْ جَوَانِحُنَا شَوْقاً إلَيكُمْ، وَلا جَفّتْ مآقِينَا نَكادُ، حِينَ تُنَاجِيكُمْ ضَمائرُنا يَقضي علَينا الأسَى لَوْلا تأسّينَا حَالَتْ لِفقدِكُمُ أيّامُنا، فغَدَتْ سُوداً، وكانتْ بكُمْ بِيضاً لَيَالِينَا إذْ جانِبُ العَيشِ طَلْقٌ من تألُّفِنا ومورِدُ اللّهْوِ صَافٍ مِنْ تَصَافِينَا وَإذْ هَصَرْنَا فُنُونَ الوَصْلِ دانية ً قُطُوفُها، فَجَنَيْنَا مِنْهُ ما شِينَا ليُسقَ عَهدُكُمُ عَهدُ السّرُورِ فَما كُنْتُمْ لأروَاحِنَـا إلاّ رَياحينـا لا تَحْسَبُوا نَأيَكُمْ عَنّا يغيّرُنا أنْ طالَما غَيَّرَ النّأيُ المُحِبّينَا! وَاللهِ مَا طَلَبَتْ أهْواؤنَا بَدَلاً مِنْكُمْ، وَلا انصرَفتْ عنكمْ أمانينَا يا سارِيَ البَرْقِ غادِ القصرَ فاسقِ به مَن كانَ صِرْف الهَوى وَالوُدَّ يَسقينَا وَاسألْ هُنالِكَ: هَلْ عنَّى تَذكُّرُنا إلفاً، تذكُّرُهُ أمسَى يعنّينَا؟ وَيَا نسيمَ الصَّبَا بلِّغْ تحيّتَنَا مَنْ لَوْ على البُعْدِ حَيّا كان يحيِينا مَنْ لا يَرى الدّهرَ يقضينا مساعفَةً فِيه، وإنْ لم يكُنْ عنّاً يقاضِينَا مِن بَيتِ مُلكٍ، كَأنَّ اللَّهَ أنْشَأهُ مِسكاً، وَقَد أنشأ الله الوَرَى طِينَا أوْ صَاغَهُ وَرِقاً مَحْضاً، وَتَوَّجَهُ مِنْ نَاصِعِ التّبرِ إبْداعاً وتَحسِينَا إذَا تَأوّدَ آدَتْهُ، رَفاهِيّة ً تُومُ العُقُودِ، وَأدمتَهُ البُرَى لِينَا كانتْ لَهُ الشّمسُ ظِئراً في تَكَلُّلِه بَلْ ما تَجَلَّى لها إلاّ أحايِينَا كأنّما أُثبتَتْ، في صَحنِ وجنتِهِ زُهْرُ الكَوَاكِبِ تَعوِيذاً وَتَزَيِينَا ما ضَرَّ أنْ لمْ نَكُنْ أكفاءه شرَفاً وَفي المَوَدّة ِ كافٍ مِنْ تَكَافِينَا؟ يا رَوْضَة ً طالَما أجْنَتْ لَوَاحِظَنَا وَرْداً، جَلاهُ الصِّبا غضّاً، وَنَسْرِينَا ويَا حياة ً تملَّيْنَا، بزهرَتِهَا مُنىً ضُروبَاً، ولذَّاتٍ أفانينَا ويَا نعِيماً خطرْنَا، مِنْ غَضارَتِهِ في وَشْيِ نُعْمَى ، سحَبنا ذَيلَه حينَا لَسنا نُسَمّيكِ إجْلالاً وَتَكْرِمَة ً وَقَدْرُكِ المُعْتَلي عَنْ ذاك يُغْنِينَا إذا انفرَدَتِ وما شُورِكتِ في صِفَة ٍ فحسبُنا الوَصْفُ إيضَاحاً وتبْيينَا يا جنّة َ الخلدِ أُبدِلنا، بسَلسَلِها والكوثرِ العذبِ، زَقُّوماً وغِسلينَا كأنّنَا لم نبِتْ، والوصلُ ثالثُنَا وَالسّعدُ قَدْ غَضَّ من أجفانِ وَاشينَا سِرّانِ في خاطِرِ الظّلماءِ يكتُمُنا حتى يكادَ لسانُ الصُّبحِ يفشينَا لا غَرْوَ في أنْ ذكرْنا الحزْنَ حينَ نَهَتْ عنهُ النُّهَى ، وَتركْنا الصّبْرَ ناسِينَا إنّا قرَأنا الأسَى ، يوْمَ النّوى ، سُورَاً مَكتوبَة ً، وَأخَذْنَا الصّبرَ تلقينا أمّا هواكِ، فلمْ نعدِلْ بمَشربهِ شُرْباً وَإنْ كانَ يُرْوِينَا فيُظمِينَا دومي على العهدِ، ما دُمنا، مُحافِظة ً فالحرُّ مَنْ دانَ إنْصافاً كما دينَا فَما استعضْنا خَليلاً عنكِ يحبسُنا وَلا استفدْنا حبِيباً عنكِ يثنينَا وَلَوْ صبَا نحوَنَا، من أُفقِ مطلَعِه بدرُ الدُّجى لم يكنْ حاشاكِ يصبِينَا أبْلي وَفاءً، وَإنْ لم تَبْذُلي صِلَة ً فَالطّيفُ يُقْنِعُنَا، وَالذّكرُ يَكفِينَا وَفي الجَوَابِ مَتَاعٌ، إنْ شَفَعتِ بهِ بيضَ الأيادي، التي ما زِلتِ تُولينَا عليكِ منّا سَلامُ اللَّهِ ما بَقِيَتْ صَبَابَة ٌ بِكِ نُخْفِيهَا، فَتَخْفِينَا مهاد النص : 1- بيئة الأندلس السياسية : الأندلس ، بلاد قد حباها الله طبيعة جميلة ، وتربة خصبة ، وسماء معتدلة الأجواء ، افتتحها المسلمون في نحو سنة 92هـ ( 710م ) ؛ فأصبح إقليماً من أقاليم الدولة الإسلامية ، يحكمها ولاة من قبل بني أمية . وبعد انتقال الحكم إلى العباسيين استطاع عبد الرحمن بن هشام بن عبد الملك الأموي أن يفر إلى الأندلس ، ويستولي على قرطبة ، ويتخذها عاصمة لملكه . وقد كان عهد بني أمية في الأندلس عهد ازدهار ورقي وحضارة . ولما انهار حكمهم سنة 422هـ ، بسبب الفتن والاضطرابات ، حلَّ محلهم حكام الطوائف ، وأشهرهم بنو عباد بأشبيلية ، وبنو جَهوَر بقرطبة ، وبنو عامر بشاطبة . وكان عهد الطوائف عهد اضطراب وتفكك ، وعهد فتن وحروب . وقد شهد ابن زيدون تداعي الخلافة الأموية في الأندلس ، وانفراط عقد الدولة إلى دويلات صغيرة ، واستقلال كل طائفة بمدينة وإدارة شؤونها ، ولا شك أنه ساعد ابن جهور للوصول إلى الحكم ، وتأسيس دويلته في قرطبة، فكافأه بمنصب وزير فيها ، ولقب بذي الوزارتين ، لأنه كان يتولى الكتابة له ، والسفارة بينه وبين أمراء الأندلس، ووجد المكانة نفسها عند بني عباد في أشبيلية . وأسهم من خلال مناصبه في الدولتين في كثير من أحداث هذا العهد سياسياً . ونالته الفتن والدسائس التي حيكت له كثيراً ، وسجن بسببها أكثر من مرة . ثم قامت دولة المرابطين ، وحلت دولة الموحدين محلهم ، ثم أسست دولة بني الأحمر في غرناطة ، فامتد عهدها إلى سنة 897هـ . وكان عهد اضطرابات وفوضى أدت إلى أفول شمس المسلمين عن الأندلس . 2- ترجمة الشاعر : ابن زيدون : ( 394- 463ه / 1003 - 1070 م ) هو أبو الوليد ، أحمد بن عبد الله ، المخزومي ، ولد في قرطبة سنة 394 هـ ، وكان والده من فقهاء قرطبة وأحد أعيانها ، وقد توفى وابنه لما يتجاوز الحادية عشرة من عمره ، فكفله جده لأمه . وقد أخذ ابن زيدون العلم في بداية حياته عن والده وجده ، كما اتصل بعلماء عصره واخذ العلم عنهم ، وتلقى ثقافته الواسعة وحصيلته اللغوية والأدبية منهم ، ومن أعلام الفكر والأدب في قرطبة . اسند إليه أبو الحزم بن جهْوَر الوزارة فاشتهر وعلا قدره ، غير أن الدسائس أفسدت ما بينه وبين ابن جهور ، فألقي في السجن فترة ، ثم عفي عنه . وبعد وفاة ابن جهور تولى ابنه ابو الوليد زمام الحكم ، فعلت منزلة ابن زيدون عنده ، وعينه في النظر في شؤون أهل الذمة ، ثم اتخذه وزيراً وسفيراً بينه وبين ملوك الطوائف . ولكن العلاقة لم تلبث بينهما طويلا بسبب الدسائس فرحل ابن زيدون إلى المعتضد بن عباد صاحب أشبيلية سنة 441هـ فأحسن استقباله وأسند إليه الوزارة ، واتخذه كاتباً له ونديماً في مجالس لهوه وسمره ، فلما توفى المعتضد خلفه ابنه المعتمد فزاد من إكرام ابن زيدون وجعله محل ثقته واعتماده ، وانتقل معه إلى قرطبة بعد أن ضمها إلى مملكته وجعلها عاصمة لملكه سنة 461هـ . وبذلك وصل ابن زيدون في بلاط بني عباد أعلى درجات المجد الأدبي والاجتماعي والسياسي ، حتى أصبح شخصية بارزة من شخصيات الدولة ولقب بذي الوزارتين . وفي هذه الفترة ، والتي امتدت عشرين عاماً ، لم يسلم من خصومه وكيد الحاسدين واجتهادهم في القضاء عليه وإبعاده عن بلاط بني عباد . وقيل إنهم أشاروا على المعتمد إرساله إلى أشبيلية لإخماد فتنة ، مع ما كان يعانيه من ضعف بسبب الشيخوخة والمرض ، فسار إليها ونجح في إخمادها ، وهناك اشتد به المرض وساءت حالته الصحية ، حتى وافته المنية في رجب عام 463 هـ . 3- علاقته بولادة : اشتهر ابن زيدون بتعلقه بولادة ، وهي بنت المستكفي بالله الذي تولى الخلافة الأموية في الأندلس سنة 414هـ وخلع بعد سنتين ، فهرب إلى الثغر ومات هناك ، بينما بقيت ولادة في قرطبة ، وكانت على قدر كبير من الجمال والظرف وفصاحة اللسان ، ورقة البيان ، وأقامت لها مجلسًا أدبيا بعد وفاة أبيها ، يرتاده الأعيان والشعراء والأدباء ، واستطاعت بسحر جمالها وخفة روحها وثقافتها العالية أن تستميلهم ، فغشوا منزلها ، واستمعوا فيه إلى الأدب والشعر والغناء ، وكان الوزير أبو عامر ابن عبدوس ينافس ابن زيدون في حبها ، فمالت إليه ، فاشتد الأمر على الشاعر وأنشأ على لسان ولادة رسالة هزلية كتبها إلى ابن عبدوس ، وفيها يتهكّم ويسخر منه ويستخف به بأوصاف شتى . وقد ذاع أمر هذه الرسالة وانتشرت بين الناس. الأمر الذي زاد من غضب ولادة وزاد من بعدها عن ابن زيدون . ونجح ابن عبدوس وأعوانه على تدبير مؤامرة للإيقاع بين ابن زيدون وابن جهور وإبعاده عن ولادة ، فنكب الشاعر وطرح في السجن. ولم تنفع قصائد الاستعطاف التي وجهها من السجن إلى سيده ، فعمد ابن زيدون إلى الحيلة وفر من السجن ، ومن سجنه ، وبعد فراره منه وجه ابن زيدون إلى ولادة قصائد الاسترضاء ، يعبر لها فيها عن حبه ، وما كان من أمره ، ولكن ولادة كانت قد أصمت الأذن وأغلقت مزاليج القلب.. ومن بين شعره فيها ( النونية المشهورة : أضحى التنائي ) جاء في قلائد العقيان " فلما يئس من لقياها، وحُجب عنه محياها، كتب إليها يستديم، عهدها، ويؤكد ودَّها، ويعتذر من فراقها بالخَطْب الذي غَشِيَه، والامتحان الذي خَشِيَه، ويُعْلِمُها أنه ما سلا عنها بخمرٍ، ولا خبا ما في ضلوعه من جمر، وهي قصيدة ضربت في الإبداع بسهم، وطلعت في كل خاطر ووهم ". [ ] 4- آثاره الأدبية : - لابن زيدون عدة رسائل في النثر ، اشتهر من بينها رسالتان ، الأولى هي : الرسالة الهزلية التي جعلها على لسان ولادة وكتبها إلى ابن عبدوس . والثانية هي الرسالة الجدية التي بعث بها من سجنه إلى أبي الحزم بن جهور ، يستعطفه بها ويطلب عفوه . - ديوانه : اهتم العلماء والأدباء بديوان ابن زيدون اهتماماً خاصاً لما رأوا فيه من تمثيل للحياة الأندلسية في شتى نواحيها ؛ فطبع سنة 1932 في مصر بتحقيق كامل كيلاني وعبد الرحمن خليفة . وفي سنة 1951 طبع في بيروت بتحقيق وشرح كرم البستاني . وفي سنة 1957 طبعته بعناية علي عبد العظيم ، وحققه وشرحه محمد سيد كيلاني سنة 1965 ، وحققه أيضاً حنا الفاخوري 1990 وأخرجه عبد الله السندة 2005م . 5- شــعــره : يحتل ابن زيدون بشعره مكانا متميزا في الشعر العربي كله ، وهو بلا شك أبرز شعراء الأندلس ، وأشاد به كل من تحدثوا عنه أو ترجموا له قديماً وحديثاً . وكان شعره صورة حية من حياته السياسية والعاطفية ، ولذا غلب المديح على شعره ، نتيجة لصلته بأكثر ملوك عصره ، وإن كان أكثر مدحه في حكام بني جهور في قرطبة ، وبني عباد في أشبيلية . غير أنه اشتهر بشعره في الغزل ، لما تميز به من جمال الأسلوب ، ورقة المشاعر وعذوبة الموسيقى الشعرية والمعاني المبتكرة والعاطفة الجياشة ، وما يفيض به من الحنين والشوق ، وتوظيفه للصور الشعرية المبتكرة والصنعة البديعية وسيلة للتعبير عن أدق وأخفى المعاني والخوالج النفسية ، وأداة من أدوات الافتنان وحسن الأداء وروعة البيان . وله في الرثاء والشكوى والعتاب والاستعطاف والإخوانيات قصائد ومقطوعات ، وقد تحتل هذه الأغراض مساحة ضمن قصائد المديح والغزل . وقد يكشف عن معاناته الخاصة إبان سجنه وبعده عن قرطبة متشوقاً إليها وإلى ولادة ، ويتظلم مما تعرض له من الضيم والمهانة ، وتتحول الذكرى الحزينة إلى أسف وحسرة ، وتلهف على أيامه الحلوة الماضية. فقصائد ابن زيدون ، كما يقول أحد الباحثين : " وجدانية خالصة ، صادقة التعبير عن مشاعره وحياته ، زاخرة الإحساس بآلامه وآماله ، ووافقتها لغة ناعمة الألفاظ ، نقية الديباجة ، لطيفة الجرس ، بارعة الصنعة يستساغها السمع بلذة وارتياح ، وتهفو إليها النفس . " 6- التعليق على القصيدة : - القصيدة من بحر البسيط . - كتب ابن زيدون هذه القصيدة إلى محبوبته ولادة بعد فراره من سجنه بقرطبة ، بعد أن يئس من إقناع ابن جهور بإطلاق سراحه ، وأصبح بعيداً عن قرطبة ، وما كان عليه من مركز مرموق , وفي الوقت نفسه تلفّت يبحث عن ولادة فألقى نفسه بعيدا عنها أيضًا ، فقال هذه القصيدة يبكي فيها بعده عنها وعن قرطبة ، ويعبر فيها عن حنينه إلى الأوقات الصافية المتعة التي أتيحت له معها ، ويحترق شوقاً لتلك الأيام الخوالي التي قضاها في قرطبة ، وتأكيد محافظته على عهد صاحبته والوفاء لها . ومن ثم استعطافها والتودد إليها ، لعلها ترق وتلين ، فيعود ثانية ما كان بينهما من الوصال الوداد . - تتميز هذه القصيدة بالعاطفة الجياشة والمشاعر الصادفة ، ورقة الخطاب ، والمعاني المبتكرة . - استعان في تعبيره بمجموعة من المحسنات البديعية ، نذكر منها : الطباق بين التنائي والتداني ، وبين لقيانا وتجافينا ، يضحكنا ويبكينا ، ابتلت وجفت . نخفيها فتخفينا . المقابلة في : بالأمس كنا وما يخشى تفرقنا واليوم نحن وما يرجى تلاقينا . وقوله : أيامنا فغدت سوداً ، وكانت بكم بيضاً ليالينا . - في قوله ( من مبلغ الملبسينا .. ؟) الاستفهام غرضه إظهار التوجع والتحسر الذي حل به وأصبح يلازمه مدى الدهر . ومن الصور البيانية : 2 - صبح البين : جعل للبين صبحا . وصبحنا حين : شخص الحين ( الهلاك ) فجعله كأنه شخص أتاهم صباحاً . فقام بنا ... : كناية عن موتهم . 3- الملبسينا : كناية عن المحبوبة . الملبسينا حزنا : جعل من الحزن شيئاً يلبس ( تجسيم للمعنوي ) ؛ فقد ألبسه المحبوب ثوباً من الحزن بسبب فراقهم . وجسم الدهر فجعله كأنه شيء يصيبه البلى . 4- ما زال الزمان يضحكنا : شخص الزمان فجعله إنسانا يبعث على الضحك والبكاء . 5- تساقينا الهوى : شبه الهوى مشروباً يتعاطاه الحبيبان . وشخص الدهر فأسند إليه القول . 6- جسم الحب فجعله حبلا كان يربط بين الحبيبين ثم ينقطع ذلك الحبل . وفيه كناية بملازمته كما يلازم الحبل ما ربط به . معقودا بأنفسنا : معقوداً بنا ( مجاز مرسل ) . 9-نتقلد دينا : جعل الدين شيئاً يوضع كالقلادة ، ويقال تقلد سيفاً : احتمله ووضع نجادَه على منكبه . وكذا تجد هذه الصور البيانية يكاد لا يخلو بيت من أبيات القصيدة من صورة منها . نشير إلى بعضها فيما ياتي : - ابتلت جوانحنا - تناجيكم ضمائرنا . يقضي علينا الأسى - غدت أيامنا سوداً . كانت ليالينا بيضاً - مورد اللهو - هصرنا فنون الوصل . دانية قطوف الوصل - ليسق عهدكم – طلبت أهواؤنا . انصرفت أمانينا . - يسقينا صرف الهوى - يا نسيم ( النداء ) . نسيم الصبا . بلغ تحيتنا يا نسيم .. - من بيت ملك . كأن الله أنشأه مسكاً – أو كأنه صاغه ورِقاً – آدته رفاهية توم العقود... - الشمس ظئر - صحن وجنته . كأنما أثبتت زهر الكواكب في وجنته . أجنت لواحظنا ورداً . زهرة الحياة – غضارة النعيم . وشي النعمى . سحبنا ذيله - يا جنة الخلد - بتنا والوصل ثالثنا . غض السعد أجفان الواشي - نبت سران . خاطر الظلماء . لسان الصبح . يفشينا لسان الصبح - قرأنا الأسى . سوراً . أخذنا الصبر تلقينا - مشرب الهوى - أفق الجمال . أنت كوكبه – عدتنا على كره عوادينا ... استطاعت هذه القصيدة أن تحتل مكانة سامية في مسيرة الأدب العربي ؛ لما تميزت بها من خصائص أسلوبية ، وما تنبض به من عاطفة متأججة وقدرة على التعبير عما يلاقيه بعد فراق محبوبه من أسى وألم . وحظيت بمعارضة الشعراء لها وترسم خطاها ، وتمثل معانيها وجميل أسلوبها . فعارضها من المعاصرين : أحمد شوقي : يا نائحَ الطَّلحِ أشباهٌ عَوَادِينا نَأْسَى لِوادِيك أم تَأسَى لِوَادينا وعارضها علي الجارم بقصيدة مطلعها : يا نَسْمَة ً رنّحتْ أعطافَ وادينا قِفي نُحيِّيك أو عوجي فحيِّينا وعارضها محمد أحمد محجوب في قصيدته الفردوس المفقود : نزلتُ شَطَّكِ بعد البَين وَلْهَانا فذُقتُ فيك من التَبريحِ ألوَاناً * * * موضوعات بحثية لأعمال السنة : بعد دراستك لنوتية ابن زيدون ؛ اكتب ( ورقة بحثية ) في أي من الموضوعات الآتية : 1. الصورة الفنية في نونية ابن زيدون . 2. العاطفة في نونية ابن زيدون . 3. شخصية ابن زيدون كما تبدو في النونية . 4. الموازنة بين نونية ابن زيدون ونونية أحمد شوقي . 5. خصائص تركيب الجملة ( الاسمية أو الفعلية ) في النونية . THE ADDRESS Show Details ADDRESS IS 1542 DICKENSON LN , IOWA CITY , IA 52240 BAKAR AHMED TEL NO 319-471-8153 OTHER PHONE 773-443-9011 319-325-4315

هناك تعليق واحد: