الاثنين، 13 أبريل 2026

السودان بين وفرة الموارد وعجز الإدارة: لماذا تحتاج الزراعة إلى انتفاضة حقيقية؟ بروفيسور عمر الشيخ هجو المهدي

 السودان بين وفرة الموارد وعجز الإدارة: لماذا تحتاج الزراعة إلى انتفاضة حقيقية؟

أ‌.       د. عمر الشيخ هجو

ليس من المبالغة القول إن الزراعة في السودان تمثل مفارقة صارخة؛ بلدٌ تُقدَّر أراضيه الصالحة للزراعة بملايين الأفدنة، وتتوفر له موارد مائية هائلة، ومناخات متنوعة، ومع ذلك يعجز عن تحقيق أمنه الغذائي، بل ويعاني من تراجع مستمر في أحد أهم قطاعاته الإنتاجية. هذه المفارقة لا يمكن تفسيرها بندرة الموارد، وإنما بخلل عميق في الإدارة والسياسات، بلغ حدّ فقدان الإنسان السوداني ثقته في القائمين على أمر هذه الموارد.

يُعد  نموذجاً مكثفاً لهذه الأزمة. فالمشروع الذي كان يوماً ما أحد أكبر المشروعات الزراعية المروية في العالم، وركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، أصبح شاهداً على التدهور المؤسسي والتقني. منذ التعديلات الهيكلية التي أضعفت دور الدولة وشتّتت المسؤوليات، تراجع الأداء بصورة ملحوظة، وانهارت منظومات كانت تضمن الانضباط الإنتاجي، من إدارة الري إلى التمويل والتسويق.

اقتصادياً، تكشف المؤشرات عن فجوة واسعة بين الإمكانات والنتائج. تقارير  تشير إلى أن الإنتاجية الزراعية في السودان لا تزال دون المتوسط العالمي بكثير، ليس بسبب ضعف الموارد الطبيعية، بل نتيجة لقصور الاستثمار وضعف الكفاءة التشغيلية. كما أن تدهور إنتاج المحاصيل النقدية، وعلى رأسها القطن، يعكس فشلاً في إدارة سلاسل القيمة، من الحقل إلى السوق.

أما على المستوى المؤسسي، فإن الأزمة أكثر تعقيداً. ضعف الحوكمة وارتفاع معدلات الفساد – كما توثقه تقارير  – أدّيا إلى إهدار الموارد وتعطيل المبادرات الجادة. غياب الرؤية الاستراتيجية، وتضارب السياسات، والتدخلات غير المدروسة، كلها عوامل أفرغت المؤسسات الزراعية من فعاليتها، وجعلت المزارع الحلقة الأضعف في منظومة يفترض أن تدعمه.

ولا تقل البنية التحتية تدهوراً عن الإدارة. قنوات الري في الجزيرة وغيرها من المشاريع تعاني من الإهمال والإطماء، ما أدى إلى انخفاض كفاءة استخدام المياه. كما أن الاعتماد على وسائل تقليدية في الزراعة، في ظل غياب التحديث التقني، جعل الإنتاج رهيناً لعوامل غير مستقرة، في وقت حققت فيه دول نامية مثل  و قفزات نوعية بفضل الاستثمار في التقانة والإصلاح المؤسسي.

لكن الأخطر من كل ذلك هو البعد الإنساني. فقدان الثقة لم يعد شعوراً عابراً، بل تحول إلى سلوك جماعي تمثل في هجرة المزارعين من الأرض، وعزوف الشباب عن العمل الزراعي، وتآكل الروابط بين المنتجين والمؤسسات. إن أي نظام إنتاجي لا يقوم على ثقة فاعليه محكوم عليه بالانهيار، مهما توفرت له الموارد.

إن الحديث عن “انتفاضة زراعية” في السودان ليس خطاباً إنشائياً، بل ضرورة موضوعية تفرضها الوقائع. وهذه الانتفاضة لا تعني مجرد زيادة الإنتاج، بل إصلاحاً جذرياً يشمل إعادة بناء المؤسسات، وترسيخ الحوكمة الرشيدة، وتأهيل البنية التحتية، وربط البحث العلمي بالتطبيق، والأهم من ذلك إعادة الاعتبار للإنسان السوداني بوصفه محور العملية الإنتاجية.

السودان لا يحتاج إلى اكتشاف موارده، بل إلى إدارة رشيدة لها. ولا يحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى إرادة سياسية ومؤسسية تضع الزراعة في موقعها الطبيعي كقاطرة للتنمية. عندها فقط يمكن أن تتحول الإمكانات الكامنة إلى واقع ملموس، ويستعيد المواطن ثقته في وطنٍ يملك كل مقومات النهوض، لكنه لم يحسن استثمارها بعد.